حين يصبح صحيح البخاري سلاحًا لإغلاق باب التفكير!
خبر الواحد، وأحاديث السحر، والتصوير، والحضارة الأوروبية… قراءة نقدية في المنهج المدخلي
هناك مشكلة منهجية لا يمكن تجاهلها في الخطاب المدخلي المعاصر: التعامل مع النصوص الشرعية بطريقة تختزل العلم في صحة الإسناد، وتختزل الفقه في ظاهر الرواية، وتختزل التدين في كثرة التحذير والتحريم.
فإذا قلت لهم: هذا الحديث صحيح، قالوا: انتهى النقاش!
وإذا سألت عن دلالته، قالوا: أترد السنة؟
وإذا ناقشت طريقة الاستدلال، اتُّهمت بأنك تطعن في الحديث!
وإذا فرّقت بين القطعي والظني، وبين صحة السند وقطعية الدلالة، قيل لك: هذه طريقة أهل الكلام!
وهكذا تتحول قضية علمية دقيقة إلى معركة اتهامات، ويصبح السؤال عن كيفية فهم النص وكأنه اعتراض على النص نفسه.
وهنا مكمن الخلل.
أولًا: هل كل حديث صحيح = يقين قطعي؟
هذه من أولى القواعد التي يجب أن تُضبط.
فالحديث الصحيح عند المحدثين شيء، ودرجة إفادته للعلم واليقين عند الأصوليين شيء آخر.
وليس معنى هذا إسقاط السنة، ولا رد أحاديث الآحاد، ولا فتح الباب لكل أحد ليختار من السنة ما يشاء.
بل يعني ببساطة أن علوم الشريعة نفسها فرّقت بين:
المتواتر والآحاد، والقطعي والظني، وثبوت النص ودلالته.
لكن الخطاب المدخلي كثيرًا ما يتعامل مع هذه المستويات وكأنها شيء واحد.
فتصبح عبارة:
«رواه البخاري»
وكأنها تعني:
«ثبتت كل تفاصيل المسألة قطعًا، وانتهى الاجتهاد، وحُرم النقاش».
وهذا ليس هو المنهج العلمي الذي عرفه علماء الأمة.
فصحيح البخاري كتاب عظيم المكانة، لكن الإمام البخاري لم يقل إن كل ما في كتابه قرآنٌ آخر!
والعلماء الذين عظّموا الصحيحين لم يتخلوا بسبب ذلك عن أصول الفقه، ولا عن الجمع بين الأدلة، ولا عن دراسة الدلالة، ولا عن النظر في التعارض الظاهري بين النصوص.
ثانيًا: «الحديث صحيح» لا تعني «فهمي للحديث معصوم»
وهذه النقطة أخطر.
قد يصح الحديث، ثم يختلف العلماء في:
معناه، ودلالته، وعمومه وخصوصه، وإطلاقه وتقييده، وناسخه ومنسوخه، وكيفية الجمع بينه وبين غيره من النصوص.
فالسؤال الحقيقي ليس دائمًا:
هل الحديث صحيح؟
بل قد يكون السؤال:
ماذا يعني الحديث؟
وهل فهمه بهذا الشكل هو الفهم الوحيد الممكن؟
وهل يعارض نصًا آخر أم يمكن الجمع بينهما؟
وهل الحكم الوارد فيه عام أم متعلق بسبب معين؟
وهل العلة التي فهمها بعض العلماء من النص موجودة في الصورة الجديدة أم لا؟
هذه أسئلة الفقه.
ومن يقتل هذه الأسئلة باسم «اتباع الحديث» لا يزيد السنة قوة، بل يضيّق مساحة الفقه الإسلامي.
ثالثًا: أحاديث السحر… أين ذهب «فقه الجمع بين النصوص»؟
خذوا قضية أحاديث سحر النبي ﷺ.
هذه الأحاديث موجودة في أصح كتب الحديث، وقد قبلها جمهور أهل الحديث من حيث الرواية.
لكنها أثارت منذ القديم نقاشًا علميًا حول كيفية فهمها والجمع بينها وبين ما تقرره النصوص من عصمة النبي ﷺ في التبليغ.
وهنا كان ينبغي أن نرى الفقه والأصول:
كيف فهم العلماء هذه الروايات؟
ما الذي وقع؟
ما الذي لم يقع؟
هل يمكن أن يؤثر السحر في الأمور البشرية العادية دون أن يمس الوحي والتبليغ؟
كيف تُفهم الرواية في ضوء القرآن؟
كيف جمع العلماء بين الأدلة؟
هذه هي الأسئلة العلمية.
لكن المشكلة حين يتحول النقاش إلى شعار:
«الحديث في البخاري، إذن لا تسأل!»
هذا ليس دفاعًا عن السنة.
بل هو إلغاء للمنهج الذي نشأت من خلاله علوم السنة نفسها.
فإذا كان وجود الحديث في كتاب صحيح يمنع البحث في دلالته، فلماذا ألّف العلماء شروح الحديث؟
ولماذا اختلفوا في فهم النصوص؟
ولماذا نشأت علوم الناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، والعام والخاص، ومشكل الحديث، ومختلف الحديث؟
إن السنة لا تحتاج إلى إغلاق باب العقل أمامها.
السنة تحتاج إلى فقه.
رابعًا: من «الحديث» إلى «التصوير»… حين يصبح الاحتياط دينًا عامًا
وانظر إلى قضية التصوير.
وردت نصوص شديدة في الصور والتماثيل، ولها سياقاتها وأحكامها المعروفة في الفقه الإسلامي.
لكن بعض الخطابات المتشددة أخذت هذه النصوص ووسّعت دائرة المنع حتى أصبحت الصورة الحديثة والتصوير الفوتوغرافي والفنون البصرية كلها تقريبًا موضع ريبة وتحريم.
ثم لا يكفي ذلك!
بل قد يصبح التصوير معيارًا للولاء للسنة!
فتجد إنسانًا قد يكون أمينًا أو عالمًا أو نافعًا للناس، لكن يُحاكم دينيًا بسبب صورة!
هنا يجب أن نسأل:
هل أصبح المقصود من الشريعة مطاردة الصور، أم تحقيق مقاصدها؟
وما الفرق بين تمثال يُعظّم ويُعبد، وبين صورة شخصية؟
وما الفرق بين صناعة تمثال يقصد به التعظيم، وبين صورة توثيقية؟
وما الفرق بين الفن الهادف وبين وسيلة تستخدم في محرم؟
هذه ليست أسئلة «عقلانيين» يريدون هدم السنة.
هذه أسئلة فقهاء.
خامسًا: لماذا تتحول بعض الجزئيات عند الخطاب المدخلي إلى قضايا مصيرية؟
وهنا نصل إلى لب المشكلة.
لماذا نجد طاقة هائلة في الخطاب المدخلي في مسائل مثل:
التصوير، والغناء، واللباس، وبعض الجزئيات الفقهية، وموقف المسلم من بعض المخالفين…
بينما يقل الحضور بنفس القوة في قضايا:
العدل، والفساد، والاستبداد، والفقر، والتعليم، والبحث العلمي، والتنمية، والنهضة، وإصلاح مؤسسات المجتمع؟
هل الدين جاء ليخبرنا فقط:
ماذا نصور؟
وماذا نلبس؟
وماذا نسمع؟
وماذا نقول؟
أم جاء كذلك ليصنع إنسانًا عادلًا، وأمةً عالمة، ومجتمعًا أمينًا، وحضارةً قوية؟
هذه ليست دعوة لإسقاط الأحكام الشرعية.
بل دعوة إلى إعادة ترتيب الأولويات.
فليس كل حرام في درجة واحدة، وليس كل مستحب في درجة واحدة، وليس كل خلاف فقهي يستحق أن يتحول إلى معركة عقائدية.
سادسًا: الحضارة الأوروبية ليست «كتلة كفر» نرميها كلها في سلة واحدة
ومن أكثر مظاهر الخلل وضوحًا: النظرة إلى الحضارة الغربية.
هناك فرق بين:
نقد الفكر الغربي
وبين:
رفض كل ما أنتجته الحضارة الغربية.
يمكن أن نرفض فلسفة مادية أو تصورًا أخلاقيًا معينًا، وفي الوقت نفسه نستفيد من:
الطب، والهندسة، والعلوم الطبيعية، والجامعات، والمختبرات، ومناهج البحث، والتقنيات الحديثة، والإدارة، والتنظيم.
فهل العلم يصبح حرامًا لأنه تطور في أوروبا؟
هل الهاتف حرام لأنه لم يصنعه السلف؟
هل الطباعة محرمة لأنها لم تكن موجودة في القرن الأول؟
هل الطب الحديث مخالف للإسلام لأنه لم يكن موجودًا في المدينة؟
بالطبع لا.
العبرة ليست بجنسية الفكرة، وإنما بحقيقتها ومضمونها ومآلاتها.
والحضارة الإسلامية نفسها لم تُبنَ على رفض علوم الأمم الأخرى.
بل ترجمت، ودرست، وناقشت، ونقدت، وأضافت، وأبدعت.
وهذا هو الفرق بين حضارة واثقة من نفسها، وحضارة تخشى أن تتعلم من غيرها.
سابعًا: المشكلة ليست في «الغرب»… بل في العقلية التي لا تعرف إلا الرفض
العقلية التي ترى كل جديد خطرًا، وكل وافد بدعة، وكل فن فتنة، وكل صورة محرمة، وكل اختلاف ضلالًا، ستجد نفسها في النهاية عاجزة عن صناعة الحضارة.
لأن الحضارة تحتاج إلى:
سؤال.
وتحتاج إلى:
تجربة.
وتحتاج إلى:
بحث.
وتحتاج إلى:
نقد.
وتحتاج إلى:
إبداع.
أما إذا تربى الإنسان على أن كل جديد يجب أن يُفتش أولًا عن «شبهة تحريمه»، فسوف يتحول الدين في وعيه من قوة دافعة للعمران إلى حاجز نفسي أمام كل جديد.
وهذا ظلم للإسلام قبل أن يكون ظلمًا للحضارة.
ثامنًا: المدخلية لا تعاني من «كثرة السنة»… بل من ضيق طريقة توظيفها
وهنا يجب أن يكون النقد دقيقًا.
المشكلة ليست في التمسك بالسنة.
ولا في تعظيم الحديث.
ولا في دراسة الأسانيد.
ولا في محبة السلف.
كل ذلك من صميم التراث الإسلامي.
المشكلة في اختزال السنة في انتقاء مجموعة من المسائل والاشتغال بها وكأنها تختصر الدين كله.
السنة ليست فقط:
ماذا نقول في الصورة؟
وماذا نقول في الغناء؟
وماذا نقول في اللباس؟
وماذا نقول في المخالف؟
السنة أيضًا:
العدل، والرحمة، والأمانة، والعلم، والإحسان، ورفع الظلم، وحفظ الحقوق، وإصلاح المجتمع، وبناء الإنسان.
فإذا أصبحت السنة حاضرة في تفاصيل المظهر وغائبة عن جوهر الأخلاق والعدل، فهنا يجب أن نتوقف ونسأل:
أيُّ سنة نريد أن نحيي؟
تاسعًا: أخطر ما في هذا الخطاب أنه يجعل «المخالفة الفقهية» تهمة دينية
من أخطر نتائج هذا المنهج أن مسائل الاجتهاد تتحول إلى اختبارات للسنة والبدعة.
فتجد المسألة التي اختلف فيها العلماء قرونًا تُعرض على الناس وكأن لها جوابًا واحدًا فقط.
ثم يُقال:
من خالف هذا القول خالف السنة!
ومن هنا تضيق دائرة الإسلام في وعي الناس.
والواقع أن الفقه الإسلامي أوسع بكثير من ذلك.
لقد اختلف الأئمة في مسائل لا تحصى، ولم يكن اختلافهم يعني أن أحدهم قرر هدم السنة.
بل كان الاختلاف جزءًا من ثراء الفقه.
ولهذا فإن تحويل كل خلاف فقهي إلى معركة «سنة وبدعة» هو في الحقيقة إفقار للتراث الفقهي الإسلامي.
عاشرًا: السؤال الذي يجب أن يُطرح على الخطاب المدخلي
إذا كانت مهمتكم هي حماية السنة، فالسؤال:
أين أثر هذه السنة في بناء الإنسان؟
إذا كنتم تحاربون البدع، فالسؤال:
هل حاربتم الظلم والفساد والجهل بالقدر نفسه؟
إذا كنتم تدافعون عن السلف، فالسؤال:
أين مشروع العلم والعمران والاجتهاد الذي صنع به أسلافكم حضارة؟
إذا كنتم ترفضون التأثر بالغرب، فالسؤال:
لماذا لا تأخذون منه أدوات القوة العلمية والتنظيمية التي لا تخالف الإسلام؟
وإذا كان همكم هو «اتباع الدليل»، فالسؤال الأهم:
هل اتباع الدليل يعني مجرد نقل النص، أم فهمه وجمعه وترتيب دلالاته ووضعه في موضعه الصحيح؟
الخاتمة: الإسلام أكبر من قائمة المحظورات
نحن لا نحتاج إلى إسلام جديد.
بل نحتاج إلى فهم أوسع للإسلام الذي عرفه العلماء عبر القرون.
إسلام لا يضع الحديث في مواجهة العقل.
ولا يضع السنة في مواجهة القرآن.
ولا يضع الفقه في مواجهة الحضارة.
ولا يجعل كل جديد عدوًا.
ولا يحول كل خلاف فقهي إلى معركة عقائدية.
ولا يجعل التدين مجرد مراقبة للناس في صورهم وملابسهم وأذواقهم.
الإسلام الذي نحتاجه هو الإسلام الذي يبني الإنسان قبل أن يراقبه، ويعلّم قبل أن يحرّم، ويعمر قبل أن يخوّف، ويقيم العدل قبل أن ينشغل بالهوامش.
فليست المشكلة أنكم تستشهدون بالحديث.
المشكلة حين يصبح الاستشهاد بالحديث وسيلة لإغلاق باب الفقه.
وليست المشكلة أنكم تحاربون المحرمات.
المشكلة حين تصبح المحرمات الصغيرة أكبر من قضايا الأمة الكبرى.
وليست المشكلة أنكم تتمسكون بالسلف.
المشكلة حين يُستدعى السلف لتبرير الجمود، بينما يُنسى الجانب الذي صنع منهم علماء ومفكرين وبناة حضارة.
وليست المشكلة أنكم ترفضون بعض مظاهر الحضارة الغربية.
المشكلة حين ترفضون معها العلم والتنظيم والتجربة والإنجاز لمجرد أنها جاءت من خارج بيئتكم.
والخلاصة:
السنة ليست شعارًا يُرفع لإسكات السؤال، والحديث الصحيح ليس رخصة لإلغاء الفقه، والسلف ليسوا ذريعة لإيقاف الاجتهاد، والدين ليس قائمة طويلة من المحظورات.
إنما الدين علمٌ وفقهٌ وعدلٌ وأخلاقٌ وعمران.
ومن أراد أن يدافع عن السنة حقًا، فليُظهر لنا كيف تبني السنة أمةً عالمة، عادلة، قوية، راقية، وقادرة على صناعة الحضارة.
فذلك أليق برسالة الإسلام من أن نبقى أسرى لمعركة لا تنتهي حول صورةٍ أو نشيدٍ أو جزئيةٍ فقهية، بينما تتراجع الأمة في ميادين العلم والعدل والعمران.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق