ليس كل حديث صحيح يفيد اليقين!
خبر الواحد، وأحاديث السحر، والتصوير… وهل يجوز أن نجعل بعض الروايات معيارًا للحكم على الحضارة والفنون؟
من أكثر القضايا التي تحتاج إلى تحريرٍ علمي في الخطاب الديني المعاصر: الخلط بين صحة الحديث وبين قطعية دلالته وثبوت معناه.
فليس كل ما صح إسناده يكون بالضرورة قطعي الثبوت كالمتواتر، وليس كل حديث صحيح يُفهم بمعزل عن القرآن، ومجموع السنة، وقواعد أصول الفقه، وفهم العلماء، وسائر الأدلة الشرعية.
وهنا تبدأ المشكلة حين يُقال للناس:
«هذا حديث صحيح، إذن لا مجال للنقاش!»
وكأن كلمة «صحيح» تعني أن الحديث أصبح قرآنًا من حيث درجة الثبوت، أو أن كل ما فهمه أحدهم من الحديث أصبح حكمًا نهائيًا لا يحتمل النظر والمناقشة.
وهذا تبسيطٌ شديد لمسألة من أدق مسائل علوم الحديث وأصول الفقه.
أولًا: صحة الإسناد لا تعني دائمًا قطعية الثبوت
علماء الأصول فرّقوا بين الخبر المتواتر وبين خبر الواحد، كما فرّقوا بين القطعي والظني، وبين صحة الرواية وبين دلالتها.
فالحديث قد يكون صحيح الإسناد، ومع ذلك يكون من أخبار الآحاد، وأخبار الآحاد عند جمهور الأصوليين لا تُساوى في درجة القطع بالقرآن أو الحديث المتواتر.
وهذا لا يعني إسقاط أحاديث الآحاد أو رد السنة!
وهذه نقطة يجب أن تكون واضحة جدًا.
القول بأن خبر الواحد قد يكون ظني الثبوت لا يعني القول بأنه غير معتبر.
بل أخبار الآحاد لها مكانتها في الشريعة، ويعمل بها في الأحكام عند جمهور العلماء وفق ضوابطها.
لكن الخطأ هو أن ننقلها من دائرة الظن الراجح والحجة الشرعية إلى دائرة اليقين القطعي الذي لا يحتمل البحث، ثم نبني على ذلك نتائج عقدية أو تصورات كبرى عن الإسلام والكون والإنسان.
فليس كل حديث صحيح = قرآنًا.
وليس كل رواية صحيحة = حقيقة قطعية لا تحتمل النظر في دلالتها أو سياقها أو كيفية فهمها.
ثانيًا: وماذا عن أحاديث السحر؟
من أشهر الأمثلة التي تكشف أهمية هذه القضية: الأحاديث الواردة في قصة سحر النبي ﷺ.
فقد وردت في كتب الحديث روايات صحيحة الإسناد في هذا الباب، ومنها ما هو في الصحيحين.
لكن السؤال العلمي ليس مجرد:
«هل الحديث موجود في صحيح البخاري؟»
بل هناك أسئلة أخرى:
- ما درجة ثبوته؟
- هل هو متواتر أم آحاد؟
- ما دلالته؟
- كيف يفهم مع القرآن؟
- ما الذي وقع على وجه التحديد؟
- وهل يتعارض مع عصمة النبي ﷺ؟
- وما الذي قاله العلماء في تفسيره؟
وهنا ظهر خلاف بين العلماء في فهم هذه الروايات وآثارها.
فبعض العلماء قبلها على ظاهرها مع تفسيرٍ يراعي عصمة النبي ﷺ، وبعضهم ناقش بعض دلالاتها أو تأولها، وبعض العلماء المتقدمين والمتأخرين توقفوا عند الإشكالات التي تثيرها.
وهذا يدل على حقيقة مهمة:
وجود الحديث في كتاب صحيح لا يعني أن باب الفهم والاجتهاد قد أُغلق.
بل قد يكون الحديث صحيحًا، ثم يقع الخلاف في دلالته وكيفية الجمع بينه وبين الأدلة الأخرى.
والعجيب أن بعض الخطابات المعاصرة تتعامل مع مثل هذه المسائل وكأن مجرد ذكر «البخاري» ينهي كل نقاش.
وهذا ليس منهج البحث العلمي.
فالإمام البخاري إمام جليل، وكتابه من أصح كتب الحديث، لكن الاستدلال بالحديث يحتاج إلى فقه الحديث، لا إلى مجرد رفع اسم الكتاب في وجه المخالف.
ثالثًا: القرآن لا يُفهم بمعزل عن القرآن!
وهذه قاعدة تبدو بسيطة، لكنها في غاية الأهمية:
النصوص الشرعية لا تُقرأ منفردة، وإنما تُفهم في ضوء مجموع النصوص.
فإذا وجدنا رواية ظاهرها إشكال، فلا يجوز أن نتعامل معها وكأنها النص الوحيد الموجود في الإسلام.
بل نجمع:
القرآن + السنة + أصول الشريعة + اللغة + السياق + أقوال العلماء + قواعد الجمع والترجيح.
وهذا هو الفقه الحقيقي.
أما أن نأخذ رواية واحدة، ثم نبني عليها تصورًا كاملًا عن النبي ﷺ أو المرأة أو الفن أو الحضارة أو المجتمع، فهذه ليست طريقة علمية في التعامل مع النصوص.
رابعًا: قضية التصوير… كيف تحولت المسألة إلى معركة حضارية؟
ومن الأمثلة اللافتة أيضًا: التصوير.
فالنصوص الواردة في التصوير والتماثيل شغلت العلماء قديمًا وحديثًا، وكان لها سياقها التاريخي والديني المعروف، خاصة ما يتعلق بعبادة الصور والتماثيل وتعظيمها.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأحكام المتعلقة بالصور والتماثيل إلى موقف شامل من كل أشكال الفن البصري والتصوير الحديث دون تفصيل.
فالتصوير الفوتوغرافي مثلًا ظاهرة حديثة لم تكن موجودة في زمن النبي ﷺ بهذه الصورة التقنية المعروفة اليوم.
ولهذا كان طبيعيًا أن يقع بين العلماء بحث واجتهاد في تكييف التصوير الفوتوغرافي: هل يدخل في معنى التصوير المنهي عنه في النصوص على وجهه، أم أن له حكمًا مختلفًا باعتبار حقيقته وطبيعته؟
وهنا تظهر أهمية الفقه.
فالفقه ليس أن نقول:
«الصورة صورة، إذن كل تصوير حرام!»
بل نسأل:
ما الصورة التي ورد النهي عنها؟
ما علة النهي؟
هل النهي متعلق بذات صناعة الصورة؟
أم بما ارتبط بها من مضاهاة خلق الله أو التعظيم أو العبادة؟
وما الفرق بين التمثال والصورة؟
وما الفرق بين الصورة التي تُعبد وتُعظم، وبين صورةٍ تحفظ ذكرى أو توثق حدثًا أو تستخدم في التعليم والطب والإعلام؟
هذه الأسئلة ليست خروجًا على الدين.
بل هي عين الفقه.
خامسًا: عندما يتحول الخلاف الفقهي إلى رفض للفن كله
المشكلة ليست في أن يختلف العلماء في حكم جزئي.
فالاختلاف الفقهي قديم، وهو أمر معروف في التراث الإسلامي.
لكن المشكلة عندما يتحول الخلاف في بعض صور الفن إلى تصور يقول:
كل فن فساد، وكل جمال فتنة، وكل تصوير محرم، وكل موسيقى حرام، وكل مظاهر الجمال الوافدة من خارج البيئة الإسلامية خطر على الدين.
هنا لم نعد أمام حكم فقهي جزئي.
بل أمام رؤية شاملة للإنسان والحياة والحضارة.
والإسلام لا يطلب من المسلم أن يكره الجمال.
بل القرآن نفسه يقرر:
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾
فالزينة والجمال ليسا عدوين للدين.
المشكلة تكون عندما يتحول الجمال إلى إسفاف، أو الفن إلى فساد، أو الصورة إلى وسيلة محرمة، أو الثقافة إلى أداة لهدم القيم.
أما أن نجعل الفن في ذاته جريمة، فهذه دعوى تحتاج إلى دليل، وليست مجرد مسألة ذوقية.
سادسًا: وماذا عن الحضارة الأوروبية؟
وهنا نصل إلى قضية أكبر.
لقد حققت الحضارة الأوروبية الحديثة إنجازات هائلة في مجالات العلوم والطب والهندسة والفلسفة والتنظيم والتعليم والصناعة والفنون.
وهذا لا يعني أن الحضارة الأوروبية خالية من الأخطاء، ولا يعني قبول كل ما فيها.
ففيها جوانب فلسفية وأخلاقية وسياسية يمكن نقدها، كما أن تاريخها شهد استعمارًا وحروبًا ومآسي كثيرة.
لكن الإنصاف يقتضي ألا نخلط بين نقد بعض أفكار الحضارة الغربية وبين رفض كل ما أنتجته.
فهل الطب الأوروبي حرام لأنه أوروبي؟
وهل الهندسة حرام لأنها تطورت في الغرب؟
وهل الطباعة والتقنيات الحديثة محرمة لأنها لم تكن موجودة عند السلف؟
وهل تنظيم الجامعات ومناهج البحث العلمي يصبح مخالفًا للإسلام لمجرد أنه تطور في بيئة غير إسلامية؟
بالطبع لا.
المعيار ليس:
«من أين جاءت الفكرة؟»
بل:
«هل تتوافق مع الحق والقيم والمصلحة أم تتعارض معها؟»
وهذا فرق جوهري.
سابعًا: الحضارة ليست عقيدة واحدة
من الأخطاء الكبيرة أن نتعامل مع الحضارة وكأنها حزمة واحدة:
إما أن تقبلها كلها، أو ترفضها كلها.
وهذا غير صحيح.
يمكن للمسلم أن يأخذ من أي حضارة:
العلم النافع، والتقنية، والتنظيم، والخبرة، ووسائل التعليم، ومناهج البحث، والتجارب الإدارية الناجحة
ويرفض في الوقت نفسه:
ما يخالف عقيدته أو قيمه أو أحكام دينه.
وهذا ليس تناقضًا.
بل هو منطق الحضارة نفسها.
فالحضارة الإسلامية في عصور ازدهارها لم تكن حضارة مغلقة؛ بل استفادت من علوم الأمم السابقة، وترجمت الكتب، وناقشت الفلسفات، وطورت العلوم، ثم أنتجت معرفة جديدة.
لم يكن المسلمون الأوائل يرون أن العلم يصبح حرامًا لمجرد أن أصله خارج الجزيرة العربية.
ثامنًا: المشكلة في «فقه المنع» عندما يصبح هو الأصل
المشكلة التي ينبغي أن نتوقف عندها ليست في تحريم شيء ثبت تحريمه.
فالحرام حرام، ولا يجوز أن نحلل ما حرمه الله.
لكن المشكلة حين يصبح السؤال الدائم:
«أين التحريم؟»
ويصبح الأصل في الحياة هو البحث عن الممنوعات، بدل السؤال عن:
ما الذي ينفع الإنسان؟
ما الذي يبني المجتمع؟
ما الذي يرفع مستوى التعليم؟
ما الذي يطور العلم؟
ما الذي يحفظ الأخلاق؟
ما الذي يحقق العدل؟
ما الذي يخدم الأمة؟
فالإسلام ليس كتابًا في قائمة الممنوعات.
الإسلام منهج حياة.
وفيه عبادات، وأخلاق، وعدل، وعمران، وعلم، وأسرة، واقتصاد، وسياسة شرعية، وتكافل، وإصلاح، وعمارة للأرض.
تاسعًا: لا تجعلوا الفروع الصغيرة هي صورة الإسلام كلها
حين يختزل الخطاب الديني الإسلام في:
حكم الصورة، وحكم الغناء، وحكم بعض أنواع اللباس، وحكم بعض الجزئيات الفقهية...
ثم لا يكاد يتحدث بالقدر نفسه عن:
العدل، والأمانة، والفساد، والفقر، والجهل، والتعليم، والبحث العلمي، وحقوق الناس، وإصلاح المجتمع، ومحاربة الظلم...
فهنا يجب أن نسأل:
هل اختلت عندنا موازين الأولويات؟
ليس معنى ذلك أن الأحكام الجزئية غير مهمة.
لكن ليس من الحكمة أن تتحول الجزئيات إلى المعركة الكبرى التي يُختزل فيها الدين كله.
الخلاصة
إن احترام السنة لا يعني إلغاء العقل.
وتعظيم صحيح البخاري لا يعني أن نمنع الفقه والاجتهاد.
وقبول خبر الواحد لا يعني جعله في درجة القرآن من حيث القطع.
والحديث الصحيح لا يعني أن كل فهم له يصبح قطعيًا.
والاختلاف في تفسير أحاديث السحر لا يعني الطعن في السنة.
والبحث في حكم التصوير لا يعني محاربة الدين.
والاستفادة من الحضارة الأوروبية لا تعني الذوبان فيها.
والإعجاب بالعلم والتقدم لا يعني التخلي عن الإسلام.
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول الدين من منظومة هداية واسعة إلى مجموعة من المعارك الجزئية، وعندما يصبح التشدد في الممنوعات أهم من بناء الإنسان.
نحن بحاجة إلى خطاب ديني يعيد ترتيب الأسئلة:
ليس فقط: ماذا نحرم؟
بل أيضًا:
ماذا نبني؟
ليس فقط: ما الذي لم يفعله السلف؟
بل:
ما الذي يحقق مقاصد الشريعة ومصالح الناس؟
ليس فقط: هل هذا الشيء جاء من الشرق أم الغرب؟
بل:
هل هو حق أم باطل؟ نافع أم ضار؟ موافق للقيم أم مخالف لها؟
وهنا يظهر الفرق بين دينٍ يُفهم بفقهٍ واسع، وبين خطابٍ يختزل الإسلام في دائرة ضيقة من المحظورات والخصومات.
الإسلام لا يخاف من العلم، ولا من الجمال، ولا من السؤال، ولا من البحث.
وإنما الذي يخشاه هو أن نتوقف عن التفكير باسم الدين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق