الحاكمية
وهـذا
مصطلح آخر استخدمه الشهيد سيّد قطب رحمه الله تعالى بكثرة في كتاباته ، لأنه رأى
مشكلة العصر تكمن في هذا الموضوع .
فأخذ
العلمانيون يستخدمونه – مؤامرة – ضد الشهيد ، ويصفونه بأنّ هذا قول الخوارج ، وهم
لا علاقة لهم لا بالخوارج ولا بالدواخل ، ولا يهمّهم أمرهم بل هو مجرد تشويه لصورة
الشهيد ومخادعة بعض المسلمين !
ونحن
لايهمّنا – هنا – أمر العلمانيين ، لأنهم يعلمون علم اليقين أنهم غير صادقين
ويفترون على الشهيد سيّد قطب في ذلك ، فاستخدامهم لهذا المصطلح واسم الخوارج هو
مجردّ محاربة للإسلام الحقيقي الذي يرفع رايته الشهيد سيّد قطب رحمه الله وكذلك هو خدعة لبعض المسلمين .
وإنما
يهمّنا أمر بعض المسلمين الذي انطلت عليهم خديعة العلمانيين ، فلأولئك المسلمين
نفضح هذه المؤامرة !
ينبغي
أن نعلم – إبتداءً – أنّ كلمة ( الحاكمية ) ، أو التي نادى بها الخوارج في مواجهة
الخليفة الراشد عليّ بن أبي طالب t
كانت كلمة حقّ في ذاتها ، لا غبار عليها ، إنّما كانت يلفها الجهل والخطل !
فعندما
قال الخوارج : ( لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ ، قَالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ
بِهَا بَاطِلٌ ) ([1])
[ معناه أن الكلمة أصلها صدق قال تعالى إن
الحكم إلا لله لكنهم أرادوا بها الإنكار على علي رضي الله عنه في تحكيمه ] ([2]) .
فهي
كلمة ( حقّ ) ، فليعلم الجميع هذه الحقيقة !
وكيف
لا تكون حقّاً وقد نصّ الله تعالى عليها في كتابه العزيز ؟ !
يقول
الله تعالى : ( إِنِ الْحُكْمُ
إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ
الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون ) ([3]) .
قال الشهيد
سيّد قطب رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية الكريمة :
[ إن الحكم لا يكون إلا للّه . فهو مقصور عليه
سبحانه بحكم ألوهيته . إذ الحاكمية من خصائص الألوهية .
من
ادعى الحق فيها فقد نازع اللّه سبحانه أولى خصائص ألوهيته سواء ادعى هذا الحق فرد
، أو طبقة ، أو حزب . أو هيئة ، أو أمة ، أو الناس جميعا في صورة منظمة عالمية .
ومن
نازع اللّه سبحانه أولى خصائص ألوهيته وادعاها فقد كفر باللّه كفرا بواحا ، يصبح
به كفره من المعلوم من الدين بالضرورة ، حتى بحكم هذا النص وحده ! ([4])
وادعاء
هذا الحق لا يكون بصورة واحدة هي التي تخرج المدعي من دائرة الدين القيم وتجعله
منازعا للّه في أولى خصائص ألوهيته - سبحانه - فليس من الضروري أن يقول : ما علمت
لكم من إله غيري أو يقول : أنا ربكم الأعلى ، كما قالها فرعون جهرة .
ولكنه
يدعي هذا الحق وينازع اللّه فيه بمجرد أن ينحي شريعة اللّه عن الحاكمية ويستمد
القوانين من مصدر آخر . ([5])
وبمجرد
أن يقرر أن الجهة التي تملك الحاكمية ، أي التي تكون هي مصدر السلطات ، جهة أخرى
غير اللّه سبحانه . . ولو كان هو مجموع الأمة أو مجموع البشرية.
والأمة
في النظام الإسلامي هي التي تختار الحاكم فتعطيه شرعية مزاولة الحكم بشريعة اللّه
ولكنها ليست هي مصدر الحاكمية التي تعطي القانون شرعيته .
إنما
مصدر الحاكمية هو اللّه . وكثيرون حتى من الباحثين المسلمين يخلطون بين مزاولة
السلطة وبين مصدر السلطة . ([6])
فالناس
بجملتهم لا يملكون حق الحاكمية إنما يملكه اللّه وحده .
والناس
إنما يزاولون تطبيق ما شرعه اللّه بسلطانه ، أما ما لم يشرعه اللّه فلا سلطان له
ولا شرعية ، وما أنزل اللّه به من سلطان . .
ويوسف
- عليه السلام - يعلل القول بأن الحكم للّه وحده . فيقول :
« أَمَرَ
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ » .
ولا
نفهم هذا التعليل كما كان يفهمه الرجل العربي إلا حين ندرك معنى «العبادة» التي
يخص بها اللّه وحده . .
إن
معنى عبد في اللغة : دان ، وخضع ، وذل . . ولم يكن معناه في الاصطلاح الإسلامي في
أول الأمر أداء الشعائر . . إنما كان هو معناه اللغوي نفسه . .
فعند
ما نزل هذا النص أول مرة لم يكن شيء من الشعائر قد فرض حتى ينطلق اللفظ إليه .
إنما
كان المقصود هو معناه اللغوي الذي صار هو معناه الاصطلاحي .
كان
المقصود به هو الدينونة للّه وحده ، والخضوع له وحده ، واتباع أمره وحده . سواء
تعلق هذا الأمر بشعيرة تعبدية ، أو تعلق بتوجيه أخلاقي ، أو تعلق بشريعة قانونية.
فالدينونة
للّه وحده في هذا كله هي مدلول العبادة التي خص اللّه - سبحانه - بها نفسه ولم يجعلها لأحد من خلقه . .
وحين
نفهم معنى العبادة على هذا النحو نفهم لماذا جعل يوسف - عليه السلام - اختصاص
اللّه بالعبادة تعليلا لاختصاصه بالحكم .
فالعبادة
- أي الدينونة - لا تقوم إذا كان الحكم لغيره . . وسواء في هذا حكمه القدري القهري
في حياة الناس وفي نظام الوجود ، وحكمه الشرعي الإرادي في حياة الناس خاصة . فكله
حكم تتحقق به الدينونة .
ومرة
أخرى نجد أن منازعة اللّه الحكم تخرج المنازع من دين اللّه - حكما معلوما من الدين
بالضرورة - لأنها تخرجه من عبادة اللّه وحده . . وهذا هو الشرك الذي يخرج أصحابه
من دين اللّه قطعا .
وكذلك
الذين يقرون المنازع على ادعائه ، ويدينون له بالطاعة وقلوبهم غير منكرة لاغتصابه
سلطان اللّه وخصائصه . . فكلهم سواء في ميزان اللّه . ([7])
ويقرر
يوسف - عليه السلام - أن اختصاص اللّه - سبحانه - بالحكم - تحقيقا لاختصاصه بالعبادة
- هو وحده الدين القيم :
« ذلِكَ
الدِّينُ الْقَيِّمُ » . .
وهو
تعبير يفيد القصر . فلا دين قيما سوى هذا الدين ، الذي يتحقق فيه اختصاص اللّه
بالحكم ، تحقيقا لاختصاصه بالعبادة . .
« وَلكِنَّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ » . .
وكونهم
« لا يعلمون » لا يجعلهم على دين اللّه القيم . فالذي لا يعلم شيئا لا يملك
الاعتقاد فيه ولا تحقيقه . .
فإذا
وجد ناس لا يعلمون حقيقة الدين ، لم يعد من الممكن عقلا وواقعا وصفهم بأنهم على
هذا الدين ! ولم يقم جهلهم عذرا لهم يسبغ عليهم صفة الإسلام .
ذلك
أن الجهل مانع للصفة ابتداء . فاعتقاد شيء فرع عن العلم به . . وهذا منطق العقل
والواقع . . بل منطق البداهة الواضح .
لقد
رسم يوسف - عليه السلام - بهذه الكلمات القليلة الناصعة الحاسمة المنيرة كل معالم
هذا الدين ، وكل مقومات هذه العقيدة كما هز بها كل قوائم الشرك والطاغوت والجاهلية
هزا شديدا . .
إن
الطاغوت لا يقوم في الأرض إلا مدعيا أخص خصائص الألوهية ، وهو الربوبية . أي حق
تعبيد الناس لأمره وشرعه ، ودينونتهم لفكره وقانونه . ([8])
وهو
إذ يزاول هذا في عالم الواقع يدعيه - ولو لم يقله بلسانه - فالعمل دليل أقوى من
القول .
وإن
الطاغوت لا يقوم إلا في غيبة الدين القيم والعقيدة الخالصة عن قلوب الناس .
فما
يمكن أن يقوم وقد استقر في اعتقاد الناس فعلا أن الحكم للّه وحده ، لأن العبادة لا
تكون إلا للّه وحده ، والخضوع للحكم عبادة . بل هي أصلا مدلول العبادة ] ([9]) .
وقال
رحمه الله :
[ فليس
لأحد من بني آدم أن ينصب نفسه ملكا على الناس ومسيطرا عليهم ، يأمرهم بما يشاء
وينهاهم عما يريد . ([10])
ولا
جرم أن استقلال فرد من أفراد البشر بالأمر والنهي من غير أن يكون له سلطان من
الملك الأعلى ، هو تكبر في الأرض على اللّه بغير الحق ، وعتو عن أمره ، وطموح إلى
مقام الألوهية.
والذين
يرضون أمثال هؤلاء الطواغيت لهم ملوكا وأمراء إنما يشركون باللّه ، وذلك مبعث الفساد
في الأرض ، ومنه تنفجر ينابيع الشر والطغيان .
«إن
دعوة الإسلام إلى التوحيد ، وعبادة اللّه الواحد ، لم تكن قضية كلامية . أو عقيدة
لا هوتية فحسب .
شأن
غيره من النحل والملل بل الأمر أنها كانت دعوة إلى انقلاب اجتماعي
أرادت
في أول ما أرادت أن تقطع دابر الذين تسنموا ذروة الألوهية واستعبدوا الناس بحيلهم
ومكايدهم المختلفة .
فمنهم
من تبوأ مناصب السدنة والكهان ومنهم من استأثر بالملك والإمرة ، وتحكم في رقاب
الناس ومنهم من استبد بمنابع الثروة وخيرات الأرض وجعل الناس عالة عليهم يتكففون
ولا يجدون ما يتبلغون به . .
فأرادت
دعوة الإسلام أن تقطع دابرهم جميعا وتستأصل شأفتهم استئصالا . .
وهؤلاء
تارة تسنموا قمة الألوهية جهرا وعلانية وأرادوا أن يقهروا من حولهم من الناس على
أن يذعنوا لأمرهم وينقادوا لجبروتهم مستندين إلى حقوقهم التي ورثوها عن آبائهم أو
استأثرت بها الطبقة التي ينتمون إليها فقالوا :
« ما
علمت لكم من إله غيري » . . و« أنا ربكم الأعلى » . . و« أنا أحيي وأميت » . . و« من
أشد منا قوة ؟ » . .
إلى
غيرها من كلمات الاستكبار ودعاوى الألوهية التي تفوهوا بها وتجاسروا عليها بغيا
وعدوانا .
وطورا
استغلوا جهل الدهماء وسفههم ، فاتخذوا من الأصنام والتماثيل والهياكل آلهة ، يدعون
الناس ويريدونهم على أداء مظاهر العبودية أمام هذه التماثيل والهياكل متوارين
بأنفسهم من ورائها ، يلعبون بعقول الناس ، ويستعبدونهم لأغراضهم وشهواتهم وهم لا
يشعرون !
فيتبين
من ذلك أن دعوة الإسلام إلى التوحيد ، وإخلاص العبادة للّه الواحد الأحد ، وتنديده
بالكفر والشرك باللّه ، واجتناب الأوثان والطواغيت . . كل ذلك يتنافى ويتعارض مع
الحكومة والعاملين عليها المتصرفين في أمورها ، والذين يجدون فيها سندا لهم ،
وعونا على قضاء حاجاتهم وأغراضهم . .
ومن
ثم ترى أنه كلما قام نبي من الأنبياء يجاهر الناس بالدعوة ، وخاطبهم قائلا : « يا
قوم اعبدوا اللّه ما لكم من إله غيره » . . قامت في وجهه الحكومات المتمكنة في
عصره ، وثار عليه جميع من كانوا يستغلون خيرات البلاد ويستثمرونها ظلما وعدوانا ..
خرجت تقاومه ، وتضع في سبيل الدعوة العقبات . ([11])
وذلك
أن هذه الدعوة لم تكن مجرد بيان لعقيدة كلامية ، أو شرح لمسألة من مسائل
الإلهيات وإنما كانت نداء لانقلاب اجتماعي عالمي ، ما
كانت بوادره لتخفى على المستأثرين بمناصب العز والجاه ، المستبدين بمنابع الثراء ،
ممن يشمون رائحة الاضطراب السياسي قبل حدوثه بأعوام !
« إن
الإسلام ليس بمجرد مجموعة من العقيدة الكلامية ، وجملة من المناسك والشعائر ، كما
يفهم من معنى الدين في هذه الأيام .
بل
الحق أنه نظام شامل ، يريد أن يقضي على سائر النظم الباطلة الجائرة الجارية في
العالم ، ويقطع دابرها ، ويستبدل بها نظاما صالحا ، ومنهاجا معتدلا ، يرى أنه خير
للإنسانية من النظم الأخرى ، وأن فيه نجاة للجنس البشري من أدواء الشر والطغيان ،
وسعادة له وفلاحا في العاجلة والآجلة معا .([12])
« ودعوته
في هذه السبيل ، سبيل الإصلاح والتجديد والهدم والبناء ، عامة للجنس البشري كافة ،
لا تختص بأمة دون أمة ، أو طائفة دون طائفة . فهو يدعو بني آدم جميعا إلى كلمته
حتى إنه يهيب بالطبقات الجائرة نفسها ممن اعتدوا حدود اللّه في أرضه ، واستأثروا
بخيرات الأرض دون سائر الناس . . يهيب بالملوك والأمراء أنفسهم ويناديهم قائلا :
لا تطغوا في الأرض ، وادخلوا في كنف حدود اللّه التي حدها لكم ، وكفوا أيديكم عما
نهاكم اللّه عنه وحذركم إياه .
فإن
أسلمتم لأمر اللّه ، ودنتم لنظام الحق والعدل الذي أقامه للناس خيرا وبركة ، فلكم
الأمن والدعة والسلامة فإن الحق لا يعادي أحدا وإنما يعادي الحق الجور ، والفساد
والفحشاء ، وأن يتعدى الرجل حدوده الفطرية ، ويبتغي ما وراء ذلك ، مما لا حظ له
فيه حسب سنن الكون ، وفطرة اللّه التي فطر الناس عليها .
« فكل
من آمن بهذه الدعوة وتقبلها بقبول حسن ، يصير عضوا في « الجماعة الإسلامية » أو « الحزب
الإسلامي » لا فرق في ذلك بين الأحمر منهم والأسود ، أو بين الغني منهم والفقير .
كلهم
سواسية كأسنان المشط . لا فضل لأمة على أمة . أو لطبقة على أخرى . وبذلك يتكون ذلـك
الحزب العـالمي أو الأممي ، الـذي سمـي « حزب اللّه » بلسـان الوحي ] ([13])
.
وقال
الحافظ ابن كثير رحمه الله :
[ ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْحُكْمَ وَالتَّصَرُّفَ
وَالْمَشِيئَةَ وَالْمُلْكَ كلَّه لِلَّهِ ، وَقَدْ أَمَرَ عِبَادَهُ
قَاطِبَةً أَلَّا يَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ، ثُمَّ قَالَ : ذَلِكَ
الدِّينُ الْقَيِّمُ
أَيْ : هَذَا الَّذِي أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ
مِنْ تَوحيد اللَّهِ ، وَإِخْلَاصِ الْعَمَلِ لَهُ ، هُوَ الدِّينُ الْمُسْتَقِيمُ
، الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وأَنْزَلَ بِهِ الْحُجَّةَ وَالْبُرْهَانَ الَّذِي يُحِبُّهُ
وَيَرْضَاهُ ، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } أَيْ : فَلِهَذَا كَانَ
أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ ] [14]
.
فالحكم
والتصرف والمشيئة والملك كله لله بلا شريك ، أمر عباده تعالى أن لا يطيعوا ولا
يذلوا ولا يخضعوا لغير الله تعالى في تلك الأمور !
فالحكم
والتصرف والمشيئة لا تكون بخلاف أوامر الله تعالى ونواهيه !
هذا
هو معنى الكلام !
معنى
الحاكمية
قد
يظن البعض أنّ الحاكمية تعني : رئاسة الجمهورية ، أو إمارة البلدان ، كما ظنّ ذلك
الخوارج !
[ عن عاصم بن ضمرة قال : " لما حكمت الحرورية
قال علي : ما يقولون ؟
قيل : يقولون : لا حكم إلا لله .
قال : الحكم لله ، وفي الأرض حكام ، ولكنهم يقولون : لا إمارة
،
ولا بد للناس من إمارة يعمل فيها المؤمن ، ويستمتع فيها الفاجر
والكافر ، ويبلغ الله فيها الأجل ] ([15]) .
إن
حاكمية الله تعالى لا تعني الإمارة وما شابه ! ولم يستخدم الشهيد سيّد قطب رحمه
الله الحاكمية بهذا المعنى !
إن
حاكمية الله تعالى والتي لا تجوز لغيره سبحانه ، هي : حكمه تعالى على الكون والكائنات
جميعاً ، ونفاذ أمره تعالى وحقه في الأمر والنهي وحده بلا شريك .
( إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي
اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ
مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) ([16]).
قال
الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسيره :
[ يقول تعالى
ذكره : إن سيدكم ومصلح أموركم ، أيها الناس ، هو المعبود الذي
له العبادة من كل شيء " الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام . . .
إن
ربكم الله الذي خلق السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم ، كلّ ذلك بأمره ، أمرهن
الله فأطعن أمرَه ،
ألا لله الخلق كله ،
والأمرُ الذي لا يخالف ولا يردّ أمره ، دون ما سواه من الأشياء كلها
، ودون ما عبده المشركون من الآلهة والأوثان التي لا تضر ولا تنفع ، ولا تخلق ولا
تأمر ، تبارك الله معبودُنا الذي له عبادة كل شيء ، رب العالمين
حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ،
حدثنا هشام أبو عبد الرحمن قال ، حدثنا بقية بن الوليد قال ، حدثني عبد الغفار بن
عبد العزيز الأنصاري ، عن عبد العزيز الشامي ، عن أبيه ، وكانت له صحبة ، قال :
قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : مَنْ لم يحمد الله على ما عمل من عمل صالح وحمد
نفسه ، قلَّ شكره ، وحَبِط عمله .
ومَنْ
زعم أن الله جعل للعباد من الأمر شيئًا فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه
، لقوله : " ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين " ] ([17])
.
[ مَنْ
زعم أن الله جعل للعباد من الأمر شيئًا فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه ] !
وهذا
ما قاله الشهيد سيّد قطب رحمه الله بالضبط ودندن حوله .
فالحكم
هو أرفع وأعلى مما يتخيّله الخوارج وأشباههم .
[ والحكم عند الأصوليين هو :
خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء ، أو التخيير ، أو
الوضع ([18]) .
والمقصود
بخطاب الله : كلامه مباشرة وهو القرآن ، أو بالواسطة : وهو ما يرجع إلـى كلامه من
سُنّة ، أو إجماع ، وسائر الأدلة الشرعية التي نصبها الشارع لمعرفة حكمه .
فالسُنّة
: وهي ما يصدر عن الرسول r
على وجه التشريع ، راجعة إلى كلامه لأنها مبيّنة له وهي وحي الله إليه ، قال تعالى
: ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ
يُوحَى ) [ النجم : 3 ] .
والإجماع
لا بد له من دليل من الكتاب والسنة ، فكان راجعاً إلى كلام الله بهذا الاعتبار .
وهكذا
سائر الأدلة الشرعية ، كلها كاشفة لخطاب الله ، ومظهرة للحكم الشرعي لا مثبتة له .
والمقصود
(( بالاقتضاء )) : الطلب ،
سواء أكان طلب فعل أم تركه ، وسواء أكان هذا الطلب بنوعيه على سبيل الإلزام ، أم
كان على سبيل الترجيح ]
فإذا طلب الشارع فعلاً ، على وجه الحتم والإلزام
، بحيث : يذم تاركه ومع الذم العقاب ، ويمدح فاعله ومع المدح الثواب ، فهو :
الواجب ([19])
.
وإذا طلب الشارع الكف عن فعلٍ ما على وجه الحتم
والإلزام ، بحيث يكون تاركه مأجوراً مطيعاً ، وفاعله آثماً عاصياً ([20])
، فهو : الحرام ، أو المحرم .
وإذا طلب الشارع فعلاً ، من غير إلزام ،
بحيث يمدح فاعله ويثاب ، ولا يذم تاركه ولا يعاقب ، فهو المندوب ([21])
. وقد يلحقه اللوم والعتاب على ترك بعض أنواع المندوب .
وإذا طلب الشارع من المكلف ترك
فعلٍ ما ، لا على وجه الحتم والإلزام ، بحيث يكون تركه أولى من فعله ([22])
، فهو المكروه .
[
والمراد (( بالتخيير )) : التسوية
بين فعل الشيء وتركه ، بدون ترجيح أحدهما على الآخر ، وإباحة كل منهما للمكلف ]
وإذا
خيّر الشـارعُ المكلَّفَ بين فعلٍ مـا وتركه ، ولا مدح ولا ذم على الفعل والترك ،
فهو المباح ، ويقال له : الحلال ([23])
.
[
والمراد (( بالوضع )) : جعل شيء
سبباً لآخر ، أو شرطاً له ، أو مانعاً منه ([24])
فقوله
تعالى : ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا
بِالْعُقُود ) [ المائدة : 1 ] ، حكم شرعي
: لأنه خطاب من الله تعالى تعلق بفعل من أفعال المكلفين ([25])
، وهو الإيفاء بالعقود على جهة الطلب له ([26])
. ([27])
وقوله
تعالى : ( وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ
فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ) [ الإسراء :
32 ] ،
حكم شرعي : لأنه خطاب من الشارع ، طلب به الكف عن فعل ([28])
، وهو الزنى .
وقوله
تعالى : ( وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ) [ المائدة :
2 ] ،
حكم شرعي : لأنه خطاب من الشارع بإباحة الاصطياد بعد التحلل من الإحرام ([29])
.
وقوله
تعالى : ( فإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ ) [ الجمعة :
10 ] ،
حكم شرعي : لأنه خطاب من الشارع بإباحة الانتشار في الأرض بعد الفراغ من الصلاة
وقوله
تعالى : ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ
مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) [ آل عمران
: 97 ] ،
حكم شرعي : لأنه خطاب من الشارع بوجوب
الحج على المكلفين ([30]) .
وقوله
تعالى : ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا
أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا ) [ المائدة :
38 ] ،
حكم شرعي : لانه خطاب من الشارع بجعل السرقة سبباً لوجوب قطع يد السارق أو السارقة
.
وقوله
تعالى : ( أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْس ) [ الإسراء :
78 ] ،
حكم شرعي : لأنه خطاب من الشارع بجعل دلوك الشمس سبباً لوجوب الصلاة ([31])
.
وقول
النبيّ r
: (( رفع القلم
عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يفيق )) خطاب من
الشارع بجعل النوم والصغر والجنون أموراً مانعةً من التكليف ] ([32])
.
[ من
خصائص الشريعة الإسلامية : أنها تشريعٌ سماويٌّ ، يصدر الحكم فيها عن الله سبحانه
،
فالحاكم
ومصدرُ الحكم حقيقةً هو الله تعالى ، أما ما
يقرِّره علماء أصول الفقه من أنَّ أصولاً وأدلةً أخرى للحكم ، فإنهم يعنون بها :
تلكَ المسالكَ التي يكتشف يها حكم الله تعالى ، فهي أصول بالمعنى المجازيِّ لا
الحقيقيِّ .
وقد أجمع
على هذا المسلمون ، فاتّفقوا على أنَّ الحاكم هو اللهُ سبحانَه ،
وأنه لا شرع إلَّا منه ، وقد استندَ هذا الإجماع إلى نصوص من الكتاب : ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّه ) [ يوسف : 40 ] ، ( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ
اللَّه ) [ المائدة :
49 ] ، ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ
اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) [ المائدة : 47 ] ] ([33])
.
وقال
الدكتور مصطفى إبراهيم الزلمي رحمه الله تعالى :
[ أجمعت
الأمة الإسلامية من الفقهاء والأصوليين والفلاسفة على أن الحاكم ( الشارع ) للأحكام الشرعية من وجوب وندب
وحرمة وكراهة وإباحة وسببية وشرطية ومانعية هو الله سبحانه وتعالى
كما قال في القرآن الكريم ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّه ) ([34])
،
كما
اتفق الجمهور ([35]) على أن لكل مسألة تواجه
الفرد أو المجتمع أو الأمة في جميع مجالات الحياة حكماً شرعياً إلهياً واحداً إن
أصابه المجتهد فهو مصيب ، وإن وصل اجتهاده إلى غيره فهو خاطيء ] ([36])
.
فالشهيد
سيّد قطب رحمه الله ينطلق ويسير على ضوء الآيات من القرآن الكريم والتي هي أخبار
الله تعالى وأوامره ونواهيه .
وكذلك
على ضوء إجماع علماء الأمة الإسلامية ؛ في أنه لا حاكم إلّا الله ، ولا يجوز لغيره
سبحانه أن يشرّع وأن يأمر وينهى من دونه تعالى .
فما
فعل الشهيد سيّد قطب إلا أنه أخرج تلك القواعد والأصول من بطون الكتب المعتبرة
وأنزلها على الواقع !
وكما
هو معلوم فإنه ليس هناك فعل أو قول ، أو سكون ، أو حركة للإنسان ، إلّا ولله في
ذلك حكم ؛ سواء : الوجوب ، أو الحرمة ، أو الندب ، أو الكراهة ، أو الإباحة ، أو
الصحة ، أو البطلان أوالفساد !
يقول
تعالى : ( أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ) ([37])
.
[ وَقَالَ مُجَاهِدٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ،
وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : يَعْنِي لَا يُؤْمَرُ وَلَا
يُنْهَى ] ([38])
.
الفصل الثامن
([4]) فمن
ادّعـى أن لـه الحق في أن يشرع ويأمر وينهى ( أي : يحلل ويحرّم ، حسبما يريد ) ،
كمثل الله تعالى ، وأن هذا الحق ليس لله وحده ، فكيف لا يُعتبر هذا العمل شركاً ،
وكفراُ بواحاً ؟ !
([5]) بمبرر :
أن أحكام الله تعالى هذه لا تصلح لهذا الزمان ، وهذا يعني : أن الله - تعالى عما
يقولون علواً كبيرا – كان لا يعلم ما يجود به الزمان في المستقبل ، وأن أحكام
البشر أصلح لنا في هذا العصر ! أليس هذا كفراً بواحاً ؟ !
([6]) وهذا
الفهم والتفريق بين الأمرين مهم ! فكثير من المسلمين – فعلاً – لا يفرّقون بينهما
، ولهذا تراهم يحرّمون الدخول في البرلمانات ويحسبون أن البرلماني يشرع ويحلل
ويحرّم من دون الله تعالى !
([7]) وكيف لا
يكونون سواء في ميزان الله ، وهم يعترفون بأن له حق التشريع والتحليل والتحريم من
دون الله تعالى ؟ ! وأنه لا فرق بينه وبين الله تعالى في ذلك ؟ !
([8]) وهذا يختلف عن
الذي لا يطبق شرع الله تعالى معصية ، أي : يعلم أن هذا الأمر ليس له فيه الحق ،
ولكنه يعصي الله فيه ضعفاً أو شهوة أو غير ذلك ، بدون ادّعاء حق ، أو جعل نفسه
شريكاً لله تعالى !
([11]) فكيف لا تأمر
الحكومات وتقوم بقتل الشهيد سيد قطب وتشويه صورته وهو يفتح أعين المسلمين ويوقفهم
على هذه الحقائق رحمة الله تعالى عليه ؟ !
[14] تفسير ابن كثير ( 4 / 390 ) .
([18]) (( فواتح الرحموت بشرح مُسلّم الثبوت )) ج 1 ص 54 ، ومؤلف (( مُسلّم الثبوت )) محب الله بن عبد الشكور ، والشارح هو عبد العلي محمد بن نظام الدين
الأنصاري ، و (( إرشاد الفحول )) للشوكاني ص 5 .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق