الاثنين، 14 سبتمبر 2026

قصة رحلة كتابة المصحف الشريف وطباعته .

 

📖 من الرقاع إلى مصحف المدينة النبوية

رحلة كتابة المصحف الشريف وطباعته وعناية المملكة العربية السعودية به

أ. د. محمد سالم بن شديد العوفي
الأمين العام لمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف – المدينة المنورة


✦ تمهيد

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.

عرف العرب الكتابة قبل الإسلام، وكانت تُعد من مظاهر كمال الرجل العربي، إلى جانب مهارات أخرى كالسباحة والرماية وركوب الخيل. ويرجع انتشار الكتابة في الجزيرة العربية إلى صلات العرب بالأمم المتحضرة في اليمن وبلاد الشام، وإلى قيام ممالك عربية على أطراف تلك البلاد.

وكانت مملكة الأنباط، التي قامت في شمال غرب الجزيرة العربية وبلاد الشام، من البيئات التي أسهمت في تطور الكتابة العربية؛ إذ تأثر الأنباط بالآراميين، ثم تطور عن الخط النبطي عدد من الخطوط العربية القديمة، كالخط الأنباري والحيري والمثلث.

وفي الحجاز، حيث كانت الكتابة أقل انتشاراً، عُرف الخط المعروف بالجزم، ثم جاء الإسلام فرفع من شأن الكتابة، وجعلها وسيلة أساسية من وسائل حفظ الوحي، ونشر العلم، وتدبير شؤون الدولة.

وقد بعث الله تعالى رسول الله ﷺ في أمة يغلب عليها وصف الأمية، فقال سبحانه:

﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾

ومن هنا بدأ عهد جديد للكتابة العربية، ارتبط ارتباطاً وثيقاً بكتاب الله تعالى.


✦ أولاً: الكتابة في عهد النبي ﷺ

شجّع النبي ﷺ أصحابه على تعلم الكتابة، وسلك في ذلك وسائل متعددة، حتى إنه جعل تعليم عدد من صبيان المدينة الكتابة وسيلة لفداء بعض أسرى بدر.

وهكذا أخذت الكتابة تنتشر في المجتمع الإسلامي الناشئ، حتى بلغ عدد الذين عُرفوا بكتابة الوحي للنبي ﷺ أكثر من أربعين كاتباً.

وكانت قريش في مكة وثقيف في الطائف من أشهر القبائل العربية عناية بالكتابة، ولذلك كان لعدد من أبنائهما دور بارز في كتابة المصحف وجمعه.

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:

«لا يُمْلِيَنَّ في مصاحفنا هذه إلا غلمان ثقيف».

ولما جمع عثمان بن عفان رضي الله عنه المصاحف قال:

«اجعلوا المُمْلِيَ من هذيل، والكاتبَ من ثقيف».

وكان القرآن الكريم ينزل منجماً على رسول الله ﷺ، فيحفظه ويبلغه للناس، ويأمر كتّاب الوحي بكتابته ووضع الآيات والسور في مواضعها.

فكان القرآن يُكتب في عهده ﷺ على وسائل متعددة، منها:

العُسُب، واللِّخاف، والرِّقاع، وقِطع الأديم، وعظام الأكتاف والأضلاع.

وفي الوقت نفسه كان عدد كبير من الصحابة يحفظون القرآن في صدورهم؛ فمنهم من حفظه كله، ومنهم من حفظ معظمه، ومنهم من حفظ بعضه، ومنهم من كان يكتب الآيات والسور.

وهكذا اجتمع للقرآن الكريم في عهد النبي ﷺ حفظٌ في الصدور والسطور.


✦ ثانياً: لماذا لم يُجمع القرآن في مصحف واحد في عهد النبي ﷺ؟

كُتب القرآن الكريم كله في عهد النبي ﷺ، إلا أنه لم يُجمع في مصحف واحد بين دفتين؛ وذلك لأسباب من أهمها استمرار نزول الوحي، وما كان يترقبه النبي ﷺ من نزول آيات جديدة أو وقوع نسخ لبعض الآيات والأحكام.

كما أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعتمدون اعتماداً كبيراً على الحفظ والاستظهار، إلى جانب الكتابة.

وبقي القرآن محفوظاً بهذه الوسائل حتى توفي رسول الله ﷺ.


✦ ثالثاً: جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه

في السنة الحادية عشرة للهجرة وقعت معركة اليمامة، واستُشهد فيها عدد كبير من القراء.

فخاف عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يذهب شيء من القرآن بذهاب حفاظه، فذهب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأشار عليه بجمع القرآن.

وتردد أبو بكر رضي الله عنه في البداية؛ لأنه لم يفعل ذلك رسول الله ﷺ، ثم شرح الله صدره لهذا العمل لما ظهر له من المصلحة والحاجة إليه.

واختير لهذه المهمة الصحابي الجليل زيد بن ثابت رضي الله عنه، لما كان يتمتع به من حفظ وإتقان، ومعرفته بكتابة الوحي، وشهوده العرضة الأخيرة للقرآن.

يقول زيد رضي الله عنه:

«فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن».

ومع كونه حافظاً للقرآن، لم يكتفِ زيد بالحفظ، وإنما أخذ يتتبع ما كُتب من القرآن، فجمعه من العُسُب واللِّخاف والرِّقاع وغيرها، ومن صدور الرجال.

وكان ذلك الجمع في غاية الاحتياط والتحري.

وبقيت الصحف التي جُمع فيها القرآن عند أبي بكر رضي الله عنه، ثم عند عمر رضي الله عنه، ثم عند أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها.


✦ رابعاً: جمع عثمان بن عفان رضي الله عنه وتوحيد المصاحف

مع اتساع الفتوحات الإسلامية وانتشار الصحابة في الأمصار، أخذ أهل كل بلد يتلقون القراءة ممن استقر بينهم من الصحابة.

فكان في الشام من يقرأ بقراءة أبي بن كعب، وفي الكوفة من يقرأ بقراءة عبد الله بن مسعود، وفي البصرة من يقرأ بقراءة أبي موسى الأشعري رضي الله عنهم.

وكان اختلاف القراءات في أصله مرتبطاً بما تلقاه الصحابة من رسول الله ﷺ، إلا أن اتساع رقعة الدولة الإسلامية ودخول أمم جديدة في الإسلام أدى إلى ظهور صور من النزاع والاختلاف بين بعض الناس.

وفي فتح أذربيجان وأرمينية، في خلافة عثمان رضي الله عنه، لاحظ حذيفة بن اليمان رضي الله عنه اختلاف الناس في القراءة، فخشي أن يؤدي ذلك إلى فتنة، فأسرع إلى عثمان رضي الله عنه وقال:

«يا أمير المؤمنين، أدرك الناس».

وأخبره بما رأى من اختلاف أهل الشام والعراق في القراءة.

فجمع عثمان رضي الله عنه الصحابة، وتشاور معهم في الأمر، ثم أمر بنسخ الصحف التي كانت عند حفصة رضي الله عنها في مصاحف موحدة.

واختير زيد بن ثابت رضي الله عنه للكتابة، وجُعل معه عدد من الصحابة.

وقال عثمان رضي الله عنه:

«فما اجتمعتما عليه فاكتباه، وما اختلفتما فيه فارفعاه إلي».

وكان سعيد بن العاص رضي الله عنه ممن شارك في هذه المهمة، لما عُرف به من فصاحة وعربية.

وهكذا أُنجزت المصاحف العثمانية، وأُرسلت إلى عدد من الأمصار، وأمر عثمان رضي الله عنه بما سوى تلك المصاحف أن يُرفع حتى لا يبقى الناس في اختلاف يؤدي إلى النزاع.

وكان هذا العمل العظيم سبباً في جمع كلمة المسلمين على المصحف الإمام، وصيانة الأمة من الاختلاف في كتاب الله تعالى.


✦ خامساً: المصحف العثماني وتطور النقط والضبط

كانت المصاحف العثمانية الأولى خالية من كثير من علامات النقط والشكل التي نعرفها اليوم، وكان ذلك مناسباً لطبيعة الكتابة العربية في ذلك العصر، كما كان يساعد على استيعاب وجوه القراءة التي يحتملها الرسم.

واستمر الأمر كذلك مدة من الزمن.

لكن مع اتساع الفتوحات ودخول أعداد كبيرة من غير العرب في الإسلام، وكثرة اختلاط العرب بالأعاجم، بدأ اللحن والتصحيف يظهران في قراءة العربية.

ومن هنا ظهرت الحاجة إلى وضع علامات تساعد على ضبط القراءة وحماية النص من الخطأ.


✦ سادساً: نقط المصحف وضبطه

كان من أوائل من عُني بهذه المسألة أبو الأسود الدؤلي، حيث ارتبط اسمه بوضع علامات لضبط أواخر الكلمات وحركاتها.

ثم تطور نظام الضبط على أيدي العلماء من بعده، حتى جاء الخليل بن أحمد الفراهيدي فأسهم في تطوير علامات الضبط وجعلها أقرب إلى الصورة التي عرفها العلماء بعد ذلك.

ومن المهم هنا التمييز بين نوعين من النقط:

🔹 نقط الإعجام

وهو النقط الذي يميز الحروف المتشابهة في الرسم، مثل:

الباء والتاء والثاء، والجيم والحاء والخاء، والسين والشين، والعين والغين، والفاء والقاف.

🔹 نقط الشكل والضبط

وهو ما يتعلق بالحركات والسكون والشدة والمد ونحوها، مما يساعد القارئ على أداء الكلمة أداءً صحيحاً.

وهكذا لم يكن تطور علامات المصحف خروجاً عن أصله، وإنما كان من وسائل صيانة القراءة وضبط الأداء ومنع الالتباس.


✦ سابعاً: تطور الخط العربي وكتابة المصاحف

لم يتوقف اهتمام المسلمين عند حفظ النص وضبطه، بل امتد إلى تحسين الخط وتجويده.

ومن أشهر من عُرفوا في صدر الإسلام بحسن كتابة المصاحف خالد بن أبي الهياج، الذي اشتهر بجودة خطه.

ثم برز في العصر الأموي قطبة المحرر، الذي كان له أثر في تطور الأقلام العربية.

وفي العصر العباسي تطور الخط العربي تطوراً كبيراً، ثم جاء ابن مقلة وأخوه، فكان لهما أثر بالغ في تنظيم قواعد الخط العربي.

ثم برز ابن البواب، وبعده عدد من كبار الخطاطين، ومن أشهرهم ياقوت المستعصمي.

وتوزعت مراكز العناية بالخط العربي في العالم الإسلامي، فبرزت بغداد ومصر وبلاد الشام وتركيا والمغرب وإيران وغيرها.

وفي الدولة العثمانية بلغت العناية بالخط العربي منزلة رفيعة، وأصبح للخطاطين الأتراك أثر بارز في تطوير الخطوط العربية، ولا سيما خط النسخ الذي ارتبط بكتابة المصاحف.

وفي المقابل، نبغ الإيرانيون في فنون التذهيب والزخرفة، كما تطورت في بلاد المغرب والأندلس أنماط خاصة من الخط عُرفت بالخط المغربي.

وهكذا أصبح المصحف الشريف عبر القرون ميداناً واسعاً من ميادين الخط والزخرفة والتذهيب وفنون الكتابة.


✦ ثامناً: بدايات طباعة المصحف الشريف في أوروبا

مع اختراع الطباعة وانتشارها في أوروبا، بدأت تظهر طبعات للمصحف الشريف.

ومن أشهر الطبعات المبكرة التي يذكرها الباحثون:

  • طبعة البندقية في القرن السادس عشر الميلادي.

  • طبعة هامبورغ سنة 1694م.

  • طبعة بتافيا سنة 1698م.

وكانت طبعة البندقية من أكثر هذه الطبعات غموضاً من حيث ظروفها وتاريخها ومصيرها، وقد ذكرت المصادر أن النسخ منها تعرضت للإتلاف.

ثم ظهرت طبعات أخرى في أوروبا، وفي روسيا، وفي مدن مختلفة من العالم.

ومن أشهرها طبعة فلوجل في مدينة ليبزيغ سنة 1834م.

غير أن عدداً من هذه الطبعات لم يحظ بقبول العلماء المسلمين؛ بسبب عدم التزامه الدقيق بقواعد الرسم العثماني وضبط المصحف وفق ما استقر عليه علماء المسلمين.


✦ تاسعاً: طباعة المصحف في العالم الإسلامي

ظهرت طبعات للمصحف الشريف في عدد من البلاد الإسلامية، ومنها إيران والهند وتركيا وغيرها.

وكان من أبرز التطورات في هذا المجال ظهور مصحف المخللاتي الذي طبع في القاهرة سنة 1308هـ/1890م، والتزم بخصائص الرسم العثماني، واعتنى بعلامات الوقف.

ثم ظهرت طبعة أخرى أشرف عليها علماء الأزهر، وكتبها الشيخ محمد علي خلف الحسيني، وضُبطت على رواية حفص عن عاصم، وفق قواعد الرسم والضبط المتداولة عند علماء المصاحف.

وقد لقيت هذه الطبعة قبولاً واسعاً في العالم الإسلامي.

ومع تطور تقنيات الطباعة، أخذت المصاحف تنتشر في مختلف البلدان الإسلامية، وأصبح بالإمكان إنتاج أعداد كبيرة منها، مع المحافظة على قواعد الرسم والضبط.


✦ عاشراً: عناية المملكة العربية السعودية بطباعة المصحف الشريف

ارتبطت المملكة العربية السعودية منذ وقت مبكر بالعناية بطباعة المصحف الشريف ونشره.

ومن أبرز المحطات في هذا المجال ظهور مصحف مكة المكرمة سنة 1369هـ، والذي طبعته شركة مصحف مكة المكرمة، بعد سنوات من العمل في كتابته وتصحيحه.

وقد كتب المصحف الخطاط المعروف محمد طاهر الكردي، وصححته لجنة من علماء مكة، ثم أرسل إلى مشيخة الأزهر للمراجعة.

ولقي ظهور هذا المصحف صدى واسعاً، وحظي بالدعم والتقدير.

ثم ظهرت طبعات أخرى في المملكة، حتى جاءت النقلة الكبرى في تاريخ خدمة المصحف الشريف بإنشاء مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة.


✦ الحادي عشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف

في شهر المحرم سنة 1405هـ/1984م أُعلن افتتاح مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة.

وكان إنشاء هذا المجمع خطوة كبيرة في مجال خدمة كتاب الله تعالى، إذ أصبح مؤسسة متخصصة تجمع بين:

الكتابة، والمراجعة، والتدقيق، والطباعة، والترجمة، والتوزيع، والعناية بعلوم القرآن.

واختيرت المدينة المنورة مقراً لهذا الصرح العظيم، لما لها من مكانة خاصة في قلوب المسلمين، ولارتباطها بتاريخ الوحي والدولة الإسلامية الأولى.

وأطلق على المصحف الذي يطبعه المجمع اسم:

مصحف المدينة النبوية

وهو الاسم الذي أصبح معروفاً في أنحاء العالم الإسلامي.

وقد طُبع المصحف في المجمع وفق قواعد دقيقة في الرسم والضبط، وصدرت منه مصاحف بروايات مختلفة، منها:

رواية حفص عن عاصم، ورواية ورش عن نافع، ورواية الدوري عن أبي عمرو البصري، إضافة إلى إصدارات أخرى تلبي حاجات المسلمين في مناطق مختلفة.

كما طُبع مصحف نسخ تعليق برواية حفص عن عاصم، وفق ما جرى عليه العمل في بعض البلاد الإسلامية.


✦ الثاني عشر: خطاط مصحف المدينة النبوية

كتب مصحف المدينة النبوية الخطاط المعروف:

عثمان طه

وهو من أشهر خطاطي المصحف الشريف في العصر الحديث.

وقد تميزت كتابته بالوضوح والدقة، وأصبحت نموذجاً معروفاً في العالم الإسلامي، وانتشرت مصاحف المدينة التي كتبها في أقطار كثيرة.

ولم تكن عملية كتابة المصحف وطباعة نسخه عملاً فردياً؛ بل تشرف عليها لجان علمية متخصصة تضم علماء وباحثين في علوم القرآن والتجويد والقراءات والرسم والضبط وعد الآي والوقف والتفسير والفقه واللغة والنحو والصرف.


✦ الثالث عشر: ضوابط مراجعة المصحف الشريف في المجمع

تقوم مراجعة المصحف الشريف على جملة من الضوابط العلمية الدقيقة، من أبرزها:

1️⃣ الاحتكام إلى المصادر العلمية المعتبرة

والرجوع إلى كتب المتقدمين والمتأخرين عند وجود خلاف في مسائل الرسم أو الضبط أو القراءة.

2️⃣ تقديم الحجة والرواية

فالعبرة بما ثبت من الرواية وما قرره أئمة هذا العلم، بعيداً عن الرأي المجرد والاستحسان الشخصي.

3️⃣ الالتزام بقواعد الرسم العثماني

والعناية بالمصاحف وفق ما استقر عليه علماء الرسم والقراءات.

4️⃣ المحافظة على تمييز النص القرآني

بحيث لا تختلط ألفاظ القرآن بغيرها من التعليقات والعبارات التي يمكن أن يلتبس أمرها على القارئ.

5️⃣ إثبات ما تدعو الحاجة إليه من علامات الضبط والوقف

كعلامات الوقف، والنقط، والشكل، ونحو ذلك؛ لما لها من أهمية في مساعدة القارئ على القراءة الصحيحة.

وهذه الضوابط كلها تهدف إلى غاية واحدة:

خدمة كتاب الله تعالى، وصيانة تلاوته وكتابته من الخطأ والالتباس.


✦ الرابع عشر: من الكتابة اليدوية إلى الطباعة الحديثة

إن تاريخ المصحف الشريف يكشف عن مسيرة طويلة من العناية المتواصلة.

فقد بدأ القرآن الكريم محفوظاً في الصدور والسطور في عهد النبي ﷺ، ثم جُمع في عهد أبي بكر رضي الله عنه، ووُحِّدت المصاحف في عهد عثمان رضي الله عنه، ثم تطورت علامات النقط والضبط، وتفنن المسلمون في تحسين الخط، ثم انتقل المصحف إلى مرحلة الطباعة الحديثة.

ومع كل تطور تقني لم تتراجع عناية المسلمين بكتاب الله، وإنما استفادوا من الوسائل الجديدة في سبيل حفظه ونشره وتيسير قراءته.

وهذه الحقيقة جديرة بالتأمل:

فالتقنية تغيرت، أما العناية بكتاب الله فلم تتغير.


✦ الخامس عشر: رسالة مجمع الملك فهد

لم تقتصر عناية المملكة العربية السعودية على طباعة المصحف الشريف، بل امتدت إلى مجالات أخرى من خدمة القرآن الكريم، وفي مقدمتها:

📌 طباعة المصحف الشريف ونشره.
📌 ترجمة معاني القرآن الكريم إلى لغات متعددة.
📌 العناية بعلوم القرآن الكريم.
📌 العناية بالسنة النبوية والسيرة المطهرة.
📌 إيصال المصحف إلى المسلمين في مختلف أنحاء العالم.

وقد بلغ إنتاج المجمع، بحسب الأرقام الواردة في التقرير، حتى عام 1421هـ أكثر من 160 مليون نسخة من مختلف الإصدارات، ووزع منها أكثر من 139 مليون نسخة هدية للمسلمين في أنحاء العالم.

كما بلغت ترجمات معاني القرآن الكريم في ذلك الوقت أربعين لغة.

وهذه الأرقام تعكس اتساع مشروع خدمة القرآن الكريم، وتحوله إلى رسالة عالمية تتجاوز حدود المكان.


✦ خاتمة

إن تاريخ كتابة المصحف الشريف وطباعته هو في حقيقته تاريخ طويل من العناية بكتاب الله تعالى.

فمنذ اللحظة الأولى لنزول الوحي، كان القرآن موضع حفظ الصحابة وعنايتهم؛ فحفظوه في صدورهم، وكتبوه في السطور، ثم جاء جمع أبي بكر رضي الله عنه ليحفظ ما كتب في عهد رسول الله ﷺ، وجاء عثمان رضي الله عنه فوحّد الأمة على المصحف، وحسم أسباب الاختلاف التي ظهرت بين المسلمين.

ثم تطورت وسائل الكتابة والضبط، وظهر النقط والإعجام والشكل، وتطور الخط العربي، وتفنن المسلمون في كتابة المصاحف وتذهيبها وزخرفتها، حتى دخل العالم الإسلامي عصر الطباعة.

ومع ظهور الطباعة الحديثة، لم تتوقف عناية المسلمين بالمصحف، بل انتقلت هذه العناية إلى مستوى جديد من الدقة والتنظيم.

وفي العصر الحديث كان إنشاء مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة من أبرز صور هذه العناية، حيث اجتمعت فيه الخبرات العلمية والفنية والتقنية لخدمة كتاب الله تعالى ونشره في أنحاء العالم.

وهكذا امتدت رحلة المصحف الشريف:

من الرقاع والعُسُب واللِّخاف…
إلى المصاحف المخطوطة…
ثم إلى المطابع…
ثم إلى ملايين النسخ التي تصل اليوم إلى المسلمين في مختلف أنحاء العالم.

وإن أعظم ما يكشفه هذا التاريخ كله أن المسلمين، على اختلاف عصورهم وبلدانهم، ظلوا يرون في القرآن الكريم كتاب هدايةٍ وحياة، فبذلوا في حفظه وكتابته وضبطه ونشره ما استطاعوا.

فبقي القرآن محفوظاً في الصدور، مصوناً في السطور، متداولاً بين الأجيال، تنتقل عنايتهم به من جيل إلى جيل.

والحمد لله رب العالمين.


أ. د. محمد سالم بن شديد العوفي
الأمين العام لمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
المدينة المنورة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق