تقرير حول
"تطور كتابة
المصحف الشريف وطباعته
وعناية المملكة
العربية السعودية بطبعة ونشره"
أ. د. محمد
سالم بن شديد العوفي
الحمد لله والصلاة والسلام على
رسول الله وبعد:
فقد عرفت العرب الكتابة في جاهليتها
وعدَّتها شرطاً في كمال الرجل العربي، مثلَ معرفة السباحة والرماية وركوب الخيل،
وتعود معرفتُهم بالكتابة إلى اتصالهم بالأمم المتحضرة في بلاد اليمن وتخوم الشام،
عندما أنشؤوا ممالكهم على أطراف تلك البلاد، وكانت مملكة النَّبَط إحدى هذه
الممالكِ التي قامت على أطراف بلاد الشام، في الناحية الشمالية الغربية من شبه
الجزيرة العربية (169ق.م-106م)، واتخذت البتراء ((سلع)) عاصمة لها، وكانت لهم
صِلاتٌ بالآراميين؛ فتأثروا بهم، وتحدَّثوا لغَتَـهم، واستنبطوا لأنفسهم خطّاً
خاصاً بهم عُرف بالخط النَّبطي، اشتق منه عربُ الشَّمال خطهم الأولَ، فعرف الخط
الأنباري، والخط الحيري، أو الخط المدوّر، والخط المثلث.
وفي الحجاز، حيث كان يحتكر أهل الكتاب
معرفة الكتابةِ عُرف خط التِّئم؛ أو الجَزْم. وعندما ظهر الإسلامُ أصبحت الكتابةُ
وسيلة هامة من وسائل نشر الدين، وضرورة من ضرورات الحكم.
وبعث رسول الله صلى
الله عليه وسلم في أمة أميَّة، لا تكاد تعرف القراءة والكتابة إلا نزراً يسيراً.
قال تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم
الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلالٍ مبين}.
فشجع صلى الله عليه وسلم أصحابَه على
تعلُّم الكتابِة، وسلك في ذلك وسائلَ مختلفةً، حتى إنه اشترط لفكاك الأسير من قريش
في بدرٍ تعليمَ عشْرة مِن صبيان المدينة الكتابةَ؛ فراجت الكتابةُ في عصره صلى
الله عليه وسلم، حتى بلغ عدد كتاب الوحي أكثرَ من أربعين كاتباً.
وتعدُّ الحجاز أولَ بلاد العرب معرفةً
للكتابة،
وكانت قريشُ في مكةَ، وثقيف في الطائف أكثرَ القبائل شهرةً بها، ومن أبنائهما
اختير كتابُ صحف أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه
يقول، كما روى جابرُ بنُ سَمُرَةَ: لا يُمْلِيَن في مصاحفنا هذه إلا غِلمانُ ثقيف.
وعندما جمع عثمانُ بن عفانَ رضي الله عنه مصاحفهُ
قال: اجعلوا المُمْلِيَ من هذيلٍ، والكاتبَ من ثقيف.
كان القرآن الكريم يتنزل منجَّماً على
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيحفظُه ويبلِّغُه للناس، ويأمرُ بكتابته، فيقول:
ضعوا هذه السورة بجانب تلك السورة، وضعوا هذه الآية بإزاء تلك الآية. فيُحفظ ما
كُتب في منزله صلى الله عليه وسلم، بعد أن ينسخَ منه كتّابُ الوحيِ نسخاً لأنفسهم.
وكُتب القرآن الكريم في العسب واللخاف،
والرّقاع، وقِطع الأديم، وعظام الأكتاف، والأضلاع.
ومن الصحابة من اكتفى بسماعه من فيه صلى
الله عليه وسلم فحفظه كله، أو حفظ معظمه، أو بعضاً منه، ومنهم من كتب الآيات،
ومنهم من كتب السورة، ومنهم من كتب السور، ومنهم من كتبه كلَّه. فحُفظ القرآن في
عهده صلى الله عليه وسلم في الصدور وفي السطور.
وكُتب القرآن الكريم كاملاً في عهد
النبوة
إلا أنه لم يُجمع في مصحف واحدٍ لأسباب منها: ما كان يترقبه صلى الله عليه وسلم من
زيادَةٍ فيه، أو نَسْخ مِنه، ولأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعتنون بحفظه
واستظهاره أكثر من عنايتهم بكتابته.
وفي السنة الحاديةَ عشرةَ من الهجرة
وقعت معركةُ اليمامةِ المشهورةُ بين المرتدين، والمسلمين، واستحرَّ القتل في
المسلمين، واستشهد منهم سبعون من القرَّاء؛ فارتاع عمر بن الخطاب، وخاف ذهابَ
القرآن، بذهابِ هؤلاء القرَّاء، ففزع إلى أبي بكر الصديق، وأشار عليه بجمع القرآن،
فخاف أبو بكر أن يضع نفسه في منزلة من يزيدُ احتياطُه للدين على احتياط رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فما زال متردداً حتى شرح الله صدره، واطمأن إلى أن عملَه
مستمدٌ من تشريع رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابة القرآن.
وكان زيدُ بن ثابت مداوماً على كتابة
الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهِد العرضةَ الأخيرةَ للقرآن، وكان ذا عقل
راجح وعدالة ورويَّة، مشهوداً له بأنه أكثرُ الصحابة إتقاناً لحفظ القرآن، وأداءً
لقراءته، وضبطاً لإعرابه ولغاته؛ فوقع عليه الاختيار رغم وجود من هو أكبر منه
سناً، وأقدمُ إسلاماً، وأكثر فضلاً.
يقول زيد: ((فو الله لو كلفوني نقل جبل
من الجبال ما كان أثقلَ عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن)). فشرح الله صدَر زيدٍ
كما شرح صدر أبي بكر، ورغم حفظه وإتقانه، إلا أنه أخذ يتتبعُ القرآن، ويجمَعه من
العسب واللخاف والرقاع وغيرها، مما كان مكتوباً بين يدي رسول الله صلى الله عليه
وسلم، ومن صدور الرجال، وكان لا يكتب شيئاً حتى يشهدَ شاهدان على كتابته وسماعه من
رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فرتبه على حسب العرضة
الأخيرة التي شهدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبقيت هذه الصحفُ في رعاية أبي بكر، ثم
في رعاية عمر، ثم عند أم المؤمنين حفصة، حتى أُحرقت بعد وفاتها رضي الله عنها.
اتسعت الفتوح، وانتشر الصحابة في الأمصار،
وأصبح أهل كلِّ مِصرٍ يقرؤون بقراءة الصحابي الذي نزل في مصرهم؛ ففي الشام بقراءة
أبي بن كعب، وفي الكوفة بقراءة عبد الله بن مسعود، وفي البصرة بقراءة أبي موسى
الأشعري.
وكان مِن الصحابة الذين استقروا في
البلاد المفتوحة مَن لم يشهدْ العرضة الأخيرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم،
ولم يقفْ على ما نُسخ من أحرفٍ وقراءات في هذه العرضة، بينما وقف صحابة آخرون على
ذلك، وكان كلُ صحابي يقرأ بما وقف عليه من القرآن، فتلقى الناسُ عنهم ذلك، فاختلفت
قراءاتُهم، وخطَّأ بعضُهم بعضاً.
وفي فتح أذربيجانَ وأرمينيةَ، في السنة
الخامسةِ والعشرين من الهجرة اجتمع أهلُ الشام والعراق، فتذاكروا القرآنَ،
واختلفوا فيه، حتى كادت تقع الفتنةُ بينهم، فكان حذيفةُ بن اليمان مشاركاً في
هذا الفتحِ؛ فَذُعِر ذُعْراً شديداً، وركِب إلى عثمان في المدينة، ولم يدخل دارهَ
حتى أتى عثمان، فقال له: ((يا أميرَ المؤمنين أدرك الناسَ. قال: وما ذاك؟! قال:
غزوت مَرْج أرمينيةَ، فإذا أهلُ الشام يقرؤون بقراءة أبي بن كعب، فيأتون بما لم
يسمع أهلُ العراق، وإذا أهل العراق يقرؤون بقراءة عبد الله بن مسعود، فيأتون بما
لم يسمع به أهلُ الشام، فيكفرُ بعضُهم بعضاً)).
وكان عثمانُ قد وقع له مثلُ ذلك، حتى
إنه خطب في الناس، وقال لهم: أنتم عندي تختلفون فيه وتلحنون، فمن نأى عنى من أهل
الأمصار أشدُ فيه اختلافاً، وأشدُ لحناً، اجتمعوا يا أصحابَ محمد، واكتبوا للناس
إماماً.
وكتب عثمانُ إلى حفصةَ: أن أرسلي إلينا
بالصحف ننسخُها في المصاحف، ثم نردُّها إليك، فأرسلت بها.
يقول زيد بن ثابت: فأمرني عثمان بن عفان
أن أكتب مصحفاً، وقال: إني مُدخلٌ معك رجلاً لبيباً فصيحاً، فما اجتمعتما عليه
فاكتباه، وما اختلفتما فيه فارفعاه إليّ.
وفي رواية عن مصعبِ بن سعدٍ: فقال
عثمانُ: من أكتبُ الناس؟ قالوا: كاتبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدُ بن ثابت.
قال: فأيُّ الناس أعربُ وفي رواية أفصحُ ـ؟ قالوا: سعيدُ بن العاص. قال: فليمل
سعيدٌ، وليكتب زيدٌ.
اختلفت الروايات في عدد المصاحف التي
كتبها عثمانُ، فالمشهور أنها خمسةٌ، وورد أنها أربعةٌ، وورد أنها سبعةٌ، بعث بها
إلى مكةَ، والشامِ، واليمنِ، والبحرينِ، والبصرةِ، والكوفةِ، وأبقى واحداً
بالمدينة سُمي ((المصحفَ الإمامَ)).
أمر عثمان بما سوى المصحف الذي كتبه
والمصاحفِ التي استكتبها منه أن تحرق.
وهكذا كان الجمعُ الثاني للقرآن الكريم
في عهد عثمانَ رضي الله عنه، أشرف عليه بنفسه، بمشاركة كبارِ
الصحابة رضوانُ الله عليهم، وموافقِتهم وإجماعهم. فجمع بهذا العمل الجليل كلمة
المسلمين، وحسم ما ظهر بينهم من خلاف.
كُتبت مصاحف عثمانَ خالية من النقط
والشكل؛
حتى تحتملَ قراءتُها الأحرفَ السبعةَ التي نزل بها القرآنُ الكريم، وعندما أرسلها
إلى الأمصار رضي بها الجميعُ، ونسخوا على غرارها مصاحفَ كثيرةً خاليةً من النقط
والشكل. واستمروا على ذلك أكثر من أربعين سنة.
وخلال هذه الفترة توسعت الفتوح، ودخلت
أممٌ كثيرة لا تتكلم العربيةَ في الإسلام؛ فتفشت العجمةُ بين الناس، وكثرُ اللحنُ،
حتى بين العرب أنفسهم؛ بسبب كثرة اختلاطهم ومصاهرتهم للعجم، ولما كان المصحف
الشريف غيرَ منقوط خشي ولاةُ أمر المسلمين عليه أن يتطرق إليه اللحنُ والتحريف.
وكان أولَ من التفت إلى نقط المصحف
الشريف زيادُ بن أبيه؛ الذي طلب من أبي الأسود الدؤلي
أن يضع شيئاً يصلح به كلامَهم ويعربون به كتابَ الله فاختار أبو الأسودِ رجلاً من
عبد القيس، وقال له: ((خذِ المصحفَ، وصبغاً يخالف لونَ المداد، فإذا رأيتَني فتحت
شفتي بالحرف فانقط واحدة فوقه، وإذا كسرتُها فانقط واحدة أسفَلهَ، وإذا ضَمَمْتُها
فاجعل النقطةَ إلى جانب الحرف (أي أمامه)، فإذا أتبعت شيئاً من هذه الحركات غنة
(أيْ تنويناً)، فانقط نقطتين)). فأخذ أبو الأسودِ يقرأُ المصحفَ بالتأني، والكاتبُ
يضع النقْطَ، واستمر على ذلك حتى أعرب المصحفَ كلَّه، وكان كلما أتم الكاتبُ
صحيفةً، أعاد أبو الأسودِ نَظرةَ فيها.
وجاء تلاميذُ أبي الأسود بعده، وتفننوا
في شكل النقطة؛ فمنهم مَن جعلها مربعةً، ومنهم من جعلها مدورةً مطموسة الوسطِ،
ومنهم من جعلها مدورة خاليةَ الوسط.
وقد تطور هذا النقطُ فيما بعدُ على يد
إمام اللغة في عصره الخليلِ بن أحمدَ الفراهيديِّ على هيئةٍ تميزت
بالوضوحِ وسهولة الفهمِ، وكان هذا النقط يُسمى شكلاً، أو ضبطاً؛ لأنه يدل على شكل
الحرف وصورتهِ، وما يعرض له من حركة، أو سكون، أو شد، أو مد، ونحو ذلك.
أما نقط الإعجام،
فهو ما يدل على ذات الحرف، ويميز المتشابهَ منه؛ لمنع العجمةِ، أو اللبسِ. كحروف
الباء والتاء والثاء والياء، والجيم والحاء والخاء والراء والزاي، والسين والشين،
والعين والغين، والفاء والقاف، ونحوها مما يتفق في الرسمِ ويختلف في المعنى، فقد
دعت الحاجةُ إليه عندما كَثرُ الداخلون في الإسلام من الأعاجمٍ، وكثرُ التصحيفُ في
لغة العرب، وخيف على القرآن أن تمتدَ له يدُ العبث.
واختلفت الآراءُ في أولِ من أخذ بهذا
النقط، وأرجَحُها في ذلك ما ذَهَب إلى أن أولَ من قام به هما: نصرُ بن عاصم، ويحيى
بن يَعْمَر؛ بأمر من الحجاج بن يوسف الثقفي (75-95هـ) والي العراق في عهد الخليفة
الأموي عبد الملك بن مروان حيث كانا أعرفَ أهلِ عصرهما بعلوم العربية وأسرارها،
وفنون القراءات وتوجيهها.
تجويد الخط:
جاء في الفهرست: أنَّ أول مَن كتب
المصاحف في الصدر الأول، ووصف بحسن الخط ((خالدُ بن أبي الهياج))، وكان كاتباً
للوليد بن عبد الملك (86-89هـ/705-715م)، كتب له المصاحفَ والأشعارَ والأخبار،
وكان عمرُ بن عبد العزيز مِمن اطّلع على خطّه وأعجب به، وطلب منه أن يكتب له
مصحفاً تفنن في خطه، فقلَّبه عمر واستحسنه إلا أنه استكثر ثمنه فرده عليه.
وممن اشتهر بتجويد الخط في العصر الأموي
((قطبةُ المحرِّر)) وهو من كتاب الدولة، يقول عنه ابنُ النديم: ((استخرج الأقلامَ
الأربعةَ، واشتق بعضَها من بعض، وكان قطبةُ من أكتبِ الناس على الأرض بالعربية)).
وإليه ينسب تحويلُ الخط العربيِّ من الكوفيِّ إلى الخط الذي هو عليه الآن.
أما في العصر العباسي، وفي خلافة أبي
العباس السفاح (132-136هـ/749-754م) فقد انتهت جودة الخط إلى ((الضحاك بن عجلان))
يقول ابن النديم: ((فزاد على قطبةَ، فكان بعده أكتبَ الخلق)).
وظل الخطُ العربيُّ يترقَّى ويتنوعُ حتى
وصل إلى عشرين نوعاً على رأس المائة الثالثة من الهجرة عندما انتهت رئاسةُ الخط
إلى الوزير أبي علي محمدِ بن عليِ بن مقلةَ، وأخيه أبي عبد الله الحسنِ بن علي.
ومع نهاية القرن الرابع الهجري، وبداية
القرن الخامس الهجري انتقلت رِئاسة الخط العربي إلى أبي الحسن علي بن هلال الكاتب
البَغْدادي المعروفِ بابن البواب، أو بابن السَّتَري.
وفي القرن السابع الهجري انتهت رئاسة
الخط إلى عدد من الخطاطين منهم: ياقـــوتُ بن عبد الله الموصلي أمينُ الدين الملكي،
المتوفى سنة 618هـ.
ومنهم ياقوتُ بن عبد الله الرومي
الحموي، شهاب الدين، المتوفى سنة 626هـ.
ومنهم ياقوتُ بن عبد الله الرومي
المُستَعْصِمي، المتوفى ببغداد سنة 698هـ.
وكان ياقوت المستعصمي يمثل نهاية
الاحتكار العراقي للخط المجوَّد المنسوب، حيث أخذت المراكزُ الثقافيةُ الأخرى في
العالم الإسلامي تنافس بغداد في الاهتمام بالخط وتجويده.
وفي مصر عُرف تجويدُ الخط منذ عصر
الدولة الطولونية (254-292هـ/868-905م)، وفي العصر الفاطميِّ
(358-567هـ/968-1171م) وصلت إلى مستوى المنافسة مع بغدادَ عاصمةِ العباسيين،
واستمرت كذلك في عصر الأيوبيين (569-650هـ/1174-1252م) إلى أن جاء العصرُ
المملوكيُّ (648-932هـ/1220-1517م)، حيث بلغت مركزَ الصدارة.
وفي شمال الشام تطور فنُّ الخط منذ
أواخر القرن الخامس الهجري، وأجاد السوريون الشماليون خطَّ النسخ، وخطَّ الطومار
ومشتقاته.
وفي تركيا، حيث قامت الدولةُ العثمانيةُ
(699-1341هـ/1299-1922م) بلغت العنايةُ بتجويد الخط حداً بعيداً، وأنشئت في
الآستانة سنة 1326هـ أولُ مدرسة خاصةٍ لتعليم الخط والنقش والتذهيب.
ولم يزل الأتراك ممسكين بزمام التفوق في
تطور الخط العربي حتى سنةِ 1342هـ عندما استبدلوا بالحرف العربي الحرفَ اللاتيني،
حيث انتقل قيادُ التفوقِ الخطّي إلى مصر مرة أخرى.
وفي منتصف شهر أكتوبر سنة 1922م فُتحت
في مصر مدرسةٌ لتعليم الخطوط العربية، وبعد فترة ألحق بها قسمٌ في فن الزخرفة
والتذهيب.
واستقطبت مصرُ عدداً من الخطاطين
الأتراك الذين تخرج على أيديهم عدد من الخطاطين المصريين، وغيرِهم من مختلف البلاد
الإسلامية.
وفي إيران لم تكن العناية بالخط العربي،
وكتابة المصاحف أقلَ منها في تركيا، ونبغ الإيرانيون في مجال التذهيب، حتى تفوقوا
على الأتراك في هذا الفن.
أما شمالُ إفريقيةَ فقد انتقل الخط
إليها عن طريق المدينة، ثم الشام، فعُرف الخط المغربي وانتشر في شمال إفريقيةَ
ووسطها وغربِها وفي الأندلس.
وفي الجناح الشرقي من البلاد الإسلامية
كان الغزنويون والسلاجقةُ العظامُ، لا يقلون اهتماماً بالخط عن نظرائهم في البلاد
الإسلاميةِ الأخرى، ومثلُهم في ذلك الأيلخانيون، والتيموريون، والجلائريون في
القرنين السابعِ والثامنِ الهجريين.
الطَبَعات المبكرة للمصحف الشريف:
في أوربا:
تحدث الدكتور يحيى
محمود جنيد عن طبعات ثلاث للمصحف الشريف في أوربا في القرنين السادسَ عشرَ
والسابعَ عشرَ الميلاديين، هي:
طبعةُ البندقيةِ عامَ
1537م أو 1538م، وطبعةُ هامبورج عام 1694م، وطبعةُ بتافيا عام 1698م.
وكانت الطبعةُ الأولى يلفها الغُمُوض في
تحديد تاريخها، ومكانها والجهة المشرفة عليها ومصيرها.
أما مكان الطبع فاختلف فيه أيضاً؛ فقيل
في البندقية، وقيل في روما، وكذلك المشرفُ على طبعه، ورغم ما يتردد من شك حول
اكتشاف نسخة من هذه الطبعةِ في مكتبة الدَّيْر الفرنسسكاني القديس ميخائيل
بالبندقية على يد أنجيلا نيوفو Angela Novo، إلا أن هناك اتفاقاً على أن هذه الطبعةَ أتلفت
بأمر من البابا، وإذا كان هناك من الباحثين من يرجع سببَ إتلافها إلى رداءة
طباعتها، وعدمِ تقيدِها بالرسم الصحيح للمصحف، حسب ما اتفق عليه علماءُ المسلمين
مما جعل المسلمين يحجمون عن اقتنائها، إلا أن تدخلَ البابا، وأمرَه بإتلافها يوحي
بأن هناك دافعاً دينياً أيضاً وراء إتلاف هذه الطبعة.
أما طبعةُ هامبورج Hamburgh
في عام 1125هـ (1694م)، فقد قام بها مستشرقٌ ألمانيٌّ ينتمي إلى الطائفة
البروتستنتية، هو إبراهام هنكلمان Ebrahami Hincklmani،
وقد حدد أن أهدافه من هذه الطبعة ليس نشر الإسلام بين البروتستانت وإنما التعرفُ
على العربية والإسلام.
طبعة بتافيا: صدرت هذه الطبعةُ من مطبعة
السمناريين عام 1698م.
وفي روسيا طبع المصحفُ الشريفُ في
((سانت بتر سبورغ)) عام 1787م، وأشرف على هذه الطبعة مولاي عثمانُ، وفي عام 1848م
ظهرت طبعة أخرى في ((قازان)) أشرف عليها محمد شاكر مرتضى أوغلي.
وفي عام 1834م ظهرت طبعة للمصحف الشريف
في مدينة ((ليبزيغ)) أشرف عليها ((فلوجل)) Flugel، ورغم اهتمام الأوربيين بها، وإقبالهم
عليها، إلا أنها لم تحظ بعناية المسلمين؛ لمخالفتها قواعدَ الرسمِ العثمانيَّ
الصحيحِ.
وفي إيران طبع المصحف طبعتين
حجريتين في كل من طهرانَ عام 1244هـ (1828م)، وتبريز عام 1248هـ (1833م).
كما ظهرت طبعات أخرى في الهند، وفي
الآستانة بدءاً بالعام 1887م.
إلا أن الملاحظَ على جميع تلك الطبعاتِ
عدمُ التزامها بقواعد الرسم العثماني، الذي حظي بإجماع صحابة رسول الله صلى الله
عليه وسلم، وجرت على قواعد الرسم الإملائيِّ الحديثِ، إلا في نزرٍ يسير من الكلمات
كتبت بالرسم العثماني.
واستمر الوضعُ على ذلك حتى عامِ 1308هـ
(1890م) عندما قامت المطبعةُ البهيةُ بالقاهرة، لصاحبها ((محمد أبو زيد ))
بطبع المصحف الذي كتبه الشيخُ المحقق ُ ((رضوانُ بنُ محمد)) الشهيرُ بالمخللاتي،
والتزم فيه بخصائصِ الرسمِ العثماني، واعتنى بأماكنِ الوقوف مميزاً كلَّ وقف
بعلامة دالةٍ عليه.
عُرف هذا المصحفُ بمصحف المخللاتي،
وكان المقدمَ على غيره من المصاحفِ، إلا أن رداءةَ ورقه، وسوءَ طباعته الحجريةِ،
دفع مشيخةَ الأزهر إلى تكوين لجنة؛ للنظر فيه، وفي ما ظهر من هَنَاتٍ في رسمه
وضبطهِ، فكُتب مصحفٌ بخط الشيخ محمدِ علي خلفِ الحسيني، على قواعد الرسم العثماني،
وضُبط على ما يوافق روايةَ حفصٍ عن عاصمٍ، على حسب ما ورد في كتاب ((الطراز على
ضبط الخراز)) للتَّنَسي، مع إبدال علاماتِ الخليل بن أحمدَ وتلاميذهِ من المشارقة
بعلامات الأندلسيين والمغاربة، وظهرت الطبعةُ الأولى منه عام 1342هـ (1923م)،
فتلقاها العالم الإسلاميُّ بالرضا والقبولِ.
ثم توالت طبعاتُ المصحفِ الشريف في مدنٍ
مختلفة من العالم الإسلاميِّ مع تطور آلات الطباعة وانتشارها، بما فيها
المغربُ العربيُّ، الذي لم يتأخر كثيراً في طباعة المصحف الشريف عن المشرق، وإن لم
يُعرف على وجه الدقة تاريخُ بدء الطباعة فيها، إلا أنها التزمت في علامات الضبط
بما جاء عند الخراز.
عناية المملكة العربية السعودية بطباعة
المصحف الشريف:
وفي المملكة العربية السعودية، تعودُ
بدايةُ طباعةِ المصحف الشريف إلى عامِ 1369هـ عندما ظهر المصحفُ المعروفُ بمصحفِ
مكةَ المكرمةِ، والذي طبعته شركةُ مصحفِ مكة المكرمةِ بعد خمس سنوات استغرقها
العملُ بين الكتابة والتصحيح، وقد كتب هذا المصحفَ الخطاطُ الشهير محمد طاهر
الكردي وصححته لجنة من علماء مكة ثم أرسل إلى مشيخة الأزهر فوافقت على التصحيح.
وكان صدى ظهورِ هذا المصحفِ واسعاً داخل
المملكة وخارجها، وكانت فرحةُ الملك عبد العزيز رحمه الله بظهوره كبيرةً، وقدم
للقائمين عليه دعماً مادياً ومعنوياً سخياً، وكذلك أصحابُ السموِّ الأمراءُ
والمعالي الوزراءُ وكبارُ موظفي الدولة، كما لاقى استحسانَ المسلمين وثناءَهم
خارجَ المملكة، وأشادت به الصحف الصادرةُ في بعض تلك البلاد.
وبعد ثلاثين عاماً من ظهور مصحف مكةَ،
ظهر مصحفٌ آخر في مدينة جدة، وذلك في عام 1399هـ، بمطابع الروضة، بعد مراجعته
والموافقة عليه من الجهة المخولة بذلك في الملكة العربية السعودية.
وفي شهر المحرم من عام 1405هـ، (1984م)
أُعلن عن افتتاح أعظم منشأة في العالم تقوم على خدمة القرآن الكريم وهو مجمعُ
الملك فهدٍ لطباعة المصحف الشريف، وهو أول عمل حكوميِّ رسميِّ لطباعة القرآن
الكريم، وفتح عظيمٌ نفع الله به ملايين المسلمين في مختلف بقاع الأرض.
ووقع الاختيارُ على مدينة المصطفى صلى
الله عليه وسلم، لتكون مقراً لهذه المنشأةِ العظيمةِ؛ لمكانتها في نفوسِ المسلمين،
ولأنها عاصمةُ الإسلام الأولى التي تنزل فيها الوحيُ على خير الخلق محمد صلى الله
عليه وسلم، وشع منها نورُ القرآنِ فأضاءَ أنحاءَ المعمورةِ.
واتفق على تسمية المصحف الذي يتم طبعهُ
في هذا المجمعِ بمصحف المدينة النبوية؛ تيمناً بهذه البقعة المباركة.
كان حدثاً عظيماً أثلج صدورَ المسلمين،
عندما أزاح خادمُ الحرمين الشريفين الملكُ فهدُ بن عبد العزيز الستار إيذاناً
بتشغيل المجمع، بعد أن اكتمل بناؤه وتجهيزاتهُ الفنيةُ، والبشريةُ.
طُبع المصحفُ الشريفُ في المجمع برواية حفص عن عاصم، وهي الرواية
التي يُقرأ بها في معظمِ بلاد العالم الإسلاميِّ، وكتب هذا المصحفُ على قواعدِ
الرسم العثماني، وضُبط على ما قرره علماءُ الضبط مع الأخذ بعلامات الخليل بن أحمدَ
وأتباعه من المشارقة.
كما طُبع برواية ورش عن نافعٍ المدني،
وهي الروايةُ التي يُقرأ بها في معظم دولِ المغرب العربي (المغرب، والجزائر،
وتونس، وموريتانيا) إضافة إلى السنغال، وتشاد، ونيجيريا، وكتب هذا المصحف بالخط
المشرقيِّ على حسب قواعد الرسم العثماني، وضُبط بالضبط المغربي.
كما طبع برواية الدوري عن أبي عمرو
البصري، وكتب بالخط المشرقي على حسب قواعد الرسم العثماني، وضبط على ما قرره
علماءُ الضبط مع الأخذ بعلامات الخليل بن أحمدَ وأتباعِه من المشارقة، ما عدا
بعضاً يسيراً، فقد روعي في ضبطه مذهبُ أكثرِ المغاربةِ، وما جرى العملُ به في
السودان.
كما طبع مصحف نسخ تعليق برواية حفص عن
عاصم، على حسب قواعد الرسم والضبط المتعارف عليها في باكستان وما جاورها.
كتبت مصاحفُ المجمع بيد خطاطٍ متمرسٍ،
مشهودٍ له بالتفوق في كتابة المصاحفِ، هو الخطاطُ عثمان طه.
وتشرف على كتابتها وطبعها لجنةٌ علميةٌ
مختارة بعناية من المختصين في علوم التجويد، والقراءات، والرسم، والضبط، وعد الآي،
والوقوف، والتفسير، والفقه، واللغة، والنحو والصرف.
وتتلخص الضوابطُ التي تسير عليها
اللجنةُ في مراجعتها للمصحف الشريف فيما يلي:
1. اشتراطُ
الإجماع في كل خطوة، والمصادرُ الأساسيةُ من كتب المتقدمين وكتبِ المتأخرين هي
المرجعُ في حسم أي خلاف.
2. التمسكُ
بالحجة إن ظهرت، وإسقاط ما عداها، والحجة مبنية على الرواية وكلامِ الأئمة
المتقدمين، ولا دخل للرأي والاستحسانِ فيها.
3. اتباعُ
قواعد الرسم العثماني، الذي حظي بإجماع الصحابة والتابعين.
4. تجريدُ
المصحف مما عدا القرآنَ الكريمَ لقوله صلى الله عليه وسلم كما جاء في صحيح مسلم:
((لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غيرَ القرآن فَلْيَمْحه))، وذلك خَشية اختلاطِ نص
القرآن بغيره والتباسِ ذلك على الناس، مما قد يكون مدخلاً وسبباً للتحريف
والزيادة، متأسيةً في ذلك بما سار عليه الصحابةُ رضي الله عنهم في تجريد المصاحفِ
العثمانيةِ مما سوى القرآن الكريم، مما لم يحظ بالتواتر والقطع واليقين، كترقيم
السور، وعدد آياتِها وبيان المكيِّ والمدنّي منها، مما هو داخل في نطاق النص
القرآنيِّ، حيث يمكن تفصيلُ الأقوال فيه، وبيانِ الراجِح مِن المرجوح في كتب
التفسير، وعلوم القرآن الكريم.
5. أما
أسماءُ السور، ورموزُ الوقوف، والنقْطُ والشكلُ، فقد دعت الحاجةُ إلى إثباتها؛
لالتصاقها بالنص القرآني. أما ما هو خارجُ نطاق النص القرآني في حواشي الصفحات،
كاسم السورة، ورقمِ الجزء، أو في جانب الصفحات، كرموز الأجزاء، والأحزاب،
والأرباع، والأعشار، والأخماس، ورموز السجدات، والسكتات، فلقلّة المحذور فيها؛
لبعدها عن مجال النص القرآني أُثبتت بإخراج طباعي يختلف عن النص القرآني.
وبعد:
فقد كان القرآن
الكريم موضعَ اهتمام المسلمين من أول يوم تنزل فيه على رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فوعاه الصحابةُ وحفظوه، وكتبوه، وطبقوا ما فيه، وكان ما قام به أبو بكر
الصديقُ بمشورة عمرَ رضي الله عنهما من جمع القرآن مما هو مكتوبُ، ومحفوظٌ في عهده
صلى الله عليه وسلم عملاً عظيماً حُفظ به القرآنُ، وسار على نهجه عثمانُ بنُ عفانَ
رضي الله عنه، عندما جمع الناسَ على مصحف واحد، ومنعَ الاختلاف بين المسلمين، وقد
نال زيد بن ثابت رضي الله عنه شرف تحمل مسؤوليةِ جمعِ القرآن في عهد أبي بكرٍ،
وكتابتهِ في عهد عثمان.
وكان حرصُ المسلمين
على تَعَلُّم الكتابةِ، وتطوير الخطِ مرتبطاً بحرصهم على قراءة القرآن الكريم
وتدبره وحفظه، والعناية بكتابته ونشره.
وقد تفنن المسلمون في
العصور اللاحقة في تجويد كتابة مصاحفهم وزخرفتها وتذهيبها والعناية بها، وفي كل
عصر، بل وفي كل قُطر برز خطاطون بلغوا الكمالَ في حسن الخط وتجويده، فجاؤوا بما
يُبْهر من الخطوط المنسوبة، التي خلَّدت ذكرَهم على مرّ العصور.
لم يؤثر ظهورُ
المطابع الحديثة في اهتمام المسلمين بجودة الخط، والتفنن في كتابة مصاحفهم،
واستمروا على ذلك حتى وقتنا الحاضر، رغم ما يشهده من زَحَمِ في وسائلِ التقنية
الحديثة التي تعنى بالكتابة وزخرفتها وتطويرها.
تنامى اهتمام
المسلمين بكتابة وطباعة المصحف الشريف، واستخدام وسائلِ الطبعِ الحديثة في بعض
البلاد الإسلامية، والعملِ على نشر القرآن الكريم بوسائلَ مختلفةٍ، وكان أعظمُ
عنايةٍ بالقرآن الكريم في الوقت الحاضر هو ما قامت به المملكة العربية السعودية من
إنشاء مجمع لخدمة القرآن الكريم والسنة والسيرة النبوية المطهرة تشرف عليه وزارة
الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد وهو مجمع الملك فهد لطباعة المصحف
الشريف.
سدَّ المجمع حاجة
ماسة عند المسلمين لمصاحفَ متقنةٍ سليمةٍ في رسمها وضبطها من
أي خطأ أو تحريف، سار في كتابتها على ما ارتضاه وأجمع عليه الصحابةُ والتابعونَ،
وقد بلغ إنتاجُه حتى عامِ 1421هـ أكثر من مائة وستين مليون نسخة من مختلف
الإصدارات، وزع منه على المسلمين في مختلف أنحاء العالم أكثرُ من مائة وتسعة
وثلاثين مليون نسخة هديةً من حكومة المملكة العربية السعودية؛ إيماناً منها
برسالتها، وإدراكاً لمسؤوليتها تُجاه كتابِ الله وسنةِ رسوله صلى الله عليه وسلم،
وخدمةً للدين ونشره في أرجاء الأرض.
لم تقتصر عنايةُ
المملكة العربية السعودية على طبع المصحف الشريف ونشره، بل امتدت إلى ترجمة معانيه
إلى لغات العالم التي بلغت حتى عامِ 1421هـ أربعين لغةً، وكذلك العنايةُ بتفسيره
وعلومهِ المختلفةِ، والعنايةُ بالسنة والسيرة النبوية المطهرة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق