الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026

هكذا فهم الصحابةُ الدين فقهُ النصوص والمقاصد لا جمودُ الظواهر

 

هكذا فهم الصحابةُ الدين

فقهُ النصوص والمقاصد لا جمودُ الظواهر

نماذج من اجتهاد الصحابة في جمع القرآن، والمصاحف، وضوال الإبل، والتراويح، وصلاة الضحى


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

من القضايا المهمة في فهم الشريعة: كيف فهم الصحابة رضوان الله عليهم الكتاب والسنة؟ وكيف تعاملوا مع النوازل والمستجدات التي لم تقع في حياة رسول الله ﷺ؟

فإذا كان الصحابة هم الجيل الذي تلقى الوحي، وعاصر التنزيل، وشهد تطبيق النبي ﷺ للشريعة، فإن دراسة اجتهاداتهم بعد وفاته ﷺ تكشف لنا بوضوح أن فهمهم للدين لم يكن قائمًا على مجرد الوقوف عند ظاهر الترك، ولا على اعتبار كل أمر مستحدث في الحياة الدينية أو الاجتماعية «بدعة ضلالة» بمجرد كونه لم يقع على الصورة نفسها في زمن النبوة.

بل كانوا ينظرون إلى النص، والغاية، والمقصد، والمصلحة، وتغيّر الأحوال، ثم يجتهدون في تنزيل أحكام الشريعة على الواقع.

ومن هنا، فلننظر إلى بعض النماذج العملية من فقههم.


أولًا: جمع القرآن في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه

من أشهر الأمثلة على الاجتهاد بعد وفاة النبي ﷺ ما وقع في جمع القرآن الكريم.

فقد اقترح عمر بن الخطاب رضي الله عنه على أبي بكر الصديق رضي الله عنه جمع القرآن في مصحف واحد، بعد أن استُشهد عدد من القراء في اليمامة.

وتردد أبو بكر رضي الله عنه في البداية، وقال لعمر:

«كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟»

فأجابه عمر رضي الله عنه:

«هو والله خير».

ثم ظل عمر يراجعه حتى شرح الله صدر أبي بكر لهذا الأمر، ثم راجع أبو بكر زيد بن ثابت رضي الله عنه، فتردد زيد أولًا للأمر نفسه، وقال:

«كيف تفعلان شيئًا لم يفعله النبي ﷺ؟»

ثم شرح الله صدره لما شرح له صدور أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فقام بجمع القرآن.

وهنا تبرز قضية مهمة:

هل كان جمع القرآن سنة فعلها النبي ﷺ بهذه الصورة؟

لا.

فالنبي ﷺ لم يجمع القرآن في مصحف واحد بين دفتيه على الصورة التي قام بها أبو بكر رضي الله عنه.

ومع ذلك لم يقل أبو بكر ولا عمر ولا زيد: إن هذا الأمر ممنوع لأنه لم يفعله النبي ﷺ.

بل نظروا إلى حاجة الأمة، ومقاصد الشريعة، وحفظ كتاب الله، وعدم وجود معارض شرعي، ثم انتهوا إلى أن هذا العمل خير.

وهذا هو معنى قول عمر رضي الله عنه:

«هو والله خير».

فالصحابة لم يتعاملوا مع عدم الفعل النبوي باعتباره دليلًا مستقلًا على التحريم.

بل كانوا يسألون:

هل هذا الأمر يخالف نصًا شرعيًا؟ أم أنه يحقق مقصدًا شرعيًا صحيحًا؟

وهذه طريقة فقهية جديرة بالتأمل.


ثانيًا: هل كل ما لم يفعله النبي ﷺ يكون بدعة ضلالة؟

لو كان مجرد عدم الفعل النبوي كافيًا للحكم بالتحريم، لكان جمع القرآن في مصحف واحد ممنوعًا.

لكن الواقع أن الصحابة فعلوه، وأجمعوا على ضرورته ومصلحته.

وهنا ينبغي التفريق بين أمرين:

البدعة في أصل اللغة:
هي إنشاء شيء على غير مثال سابق.

أما البدعة الشرعية المذمومة فليست كل ما استُحدث بعد النبي ﷺ، وإنما ما أُحدث في الدين على وجه يخالف أصوله وقواعده وشرعه.

ولهذا فإن إطلاق الحكم على كل أمر مستحدث بأنه «بدعة ضلالة» دون النظر إلى حقيقته ومجاله ودليله ومقصده يؤدي إلى تضييق واسع في فهم الشريعة.


ثالثًا: توحيد المصاحف في عهد عثمان رضي الله عنه

ولم يتوقف اجتهاد الصحابة عند جمع القرآن.

فقد وقع في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه اختلاف بين المسلمين في وجوه القراءة، فخشي حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن يؤدي الاختلاف إلى التنازع في كتاب الله.

فأرسل عثمان رضي الله عنه إلى حفصة رضي الله عنها يطلب الصحف التي جُمع فيها القرآن في عهد أبي بكر، وأمر بنسخها في مصاحف، ثم أرسل إلى الأمصار بالمصاحف، وأمر بما سواها مما يخشى أن يؤدي إلى الاختلاف أن يُرفع.

وهنا نلاحظ أن القرآن كان قد نزل على وجوه متعددة، وكان النبي ﷺ قد أقر اختلاف القراءات الثابتة.

ومع ذلك رأى عثمان رضي الله عنه أن المصلحة العامة تقتضي توحيد الناس على مصحف جامع يمنع النزاع والفرقة.

فهل كان عثمان رضي الله عنه مخالفًا للسنة؟

قطعًا لا.

بل كان من الخلفاء الراشدين الذين شهد لهم النبي ﷺ بالهداية، وأمر بالتمسك بسنتهم.

وقد نُقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال في شأن عثمان وما فعله في المصاحف:

«لا تقولوا في عثمان إلا خيرًا»، وأن ما فعله كان عن ملأ من الصحابة.

فهذا نموذج آخر يؤكد أن الصحابة كانوا يفقهون روح الشريعة ومقاصدها، ولا يقفون عند صورة واحدة إذا تغيّرت الظروف وأصبحت هناك حاجة إلى وسيلة أخرى لتحقيق المقصد الشرعي.


رابعًا: ضوال الإبل وتغيّر الحكم بتغيّر الأحوال

ومن أعظم الأمثلة على فقه الصحابة لقواعد الشريعة: ضوال الإبل.

فقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ لما سُئل عن ضالة الإبل قال:

«ما لك ولها؟ دعها».

وكان السبب أن الإبل في ذلك الوقت قادرة على حماية نفسها، والوصول إلى الماء، والرعي، والابتعاد عن كثير من الأخطار، ولذلك لم تكن بحاجة إلى أن يلتقطها الناس كما تُلتقط الغنم.

وظل هذا الحكم في زمن النبي ﷺ، ثم في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

لكن لما تغيرت أحوال الناس في عهد عثمان رضي الله عنه، وكثر التعدي على الأموال، رأى أن المصلحة تقتضي اتخاذ إجراء آخر، فأمر بالتعريف بضوال الإبل ثم بيعها، وحفظ ثمنها لصاحبها.

ثم جاء علي رضي الله عنه، فاتخذ إجراءً آخر يحقق الغاية نفسها، فجعل لها موضعًا تُحفظ فيه حتى يأتي صاحبها.

فهل خالف عثمان وعلي رضي الله عنهما سنة النبي ﷺ؟

الجواب: لا.

لأن المقصود من الحكم النبوي لم يكن مجرد ترك الإبل دون حماية، وإنما حفظ مال صاحبها حتى تصل إليه.

فلما تغيّرت الظروف، تغيّرت الوسيلة التي تحقق هذا المقصد.

وهنا تظهر قاعدة مهمة في الفقه:

قد تتغير الوسائل والإجراءات باختلاف الأحوال، مع بقاء المقصد الشرعي ثابتًا.

وقد قرر العلماء معنى قريبًا من ذلك عند حديثهم عن تغير الأحكام بتغير الأحوال والأعراف والمصالح المعتبرة.


خامسًا: صلاة التراويح وجمع الناس على إمام واحد

ومن أشهر الأمثلة التي ينبغي التأمل فيها قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

«نعمت البدعة هذه».

فقد كان النبي ﷺ قد صلى بالناس قيام رمضان جماعة في بعض الليالي، ثم ترك الخروج إليهم خشية أن تُفرض عليهم الصلاة.

وبقي الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر رضي الله عنه وصدر من خلافة عمر رضي الله عنه.

ثم رأى عمر رضي الله عنه الناس يصلون جماعات متفرقة، فقال:

«إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل».

فجمعهم على أُبي بن كعب رضي الله عنه.

ثم قال:

«نعمت البدعة هذه».

والتأمل في هذه العبارة مهم جدًا.

فعمر رضي الله عنه لم يكن يشرّع عبادة جديدة من عند نفسه، وإنما جمع الناس على صورة منظمة لتحقيق مصلحة شرعية، مستندًا إلى أصل قيام رمضان الثابت عن النبي ﷺ.

ولهذا لا ينبغي أن يتحول النقاش إلى مجرد جدل لفظي حول معنى كلمة «بدعة».

السؤال الأهم هو:

هل كل صورة تنظيمية أو جماعية لم يفعلها النبي ﷺ تكون محرمة لمجرد أنها لم تقع على الصورة نفسها في حياته؟

وفعل عمر رضي الله عنه يبين أن الأمر يحتاج إلى نظر في الأصل الشرعي، والغاية، والمقصد، والوسيلة.


سادسًا: صلاة الضحى ومساحة الاجتهاد عند الصحابة

ومن النماذج اللافتة أيضًا ما ورد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في صلاة الضحى.

فقد نُقل عنه أنه كان إذا سُئل عنها قال:

«بدعة».

ثم ورد عنه أيضًا:

«إنها محدثة، وإنها لمن أحسن ما أحدثوا».

ونُقل عنه كذلك:

«لا آمر بها ولا أنهى عنها»، مع قوله إنها من أحب ما أحدث الناس إليه.

كما ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت إنها كانت تصلي الضحى، مع نقلها أنها لم تر النبي ﷺ يصليها على تلك الصورة.

وهنا تظهر أمامنا مسألة بالغة الأهمية:

ليس كل اختلاف بين الصحابة في الفعل والترك اختلافًا في أصول الدين، وليس كل ما وصفه أحدهم بأنه «محدث» يعني بالضرورة أنه محرم أو من البدع الضالة.

بل كان الصحابة يفرقون بين:

ما يخالف أصلًا شرعيًا،

وبين:

ما لم يفعله النبي ﷺ على تلك الصورة، لكنه لا يخالف أصلًا شرعيًا، وقد يكون داخلًا في عموم مشروع.

وهذه مساحة واسعة من الفقه والاجتهاد.


الصحابة لم يكونوا أسرى للظاهر

إن التأمل في هذه النماذج جميعًا يكشف لنا شيئًا مهمًا:

الصحابة رضوان الله عليهم كانوا أفقه الناس بالنصوص، وأعرفهم بمقاصد الشريعة، وأبعدهم عن الجمود الذي يفصل النص عن علته وهدفه.

فهم لم يكونوا يتعاملون مع السنة باعتبارها مجموعة من الصور الجامدة التي لا يجوز تجاوزها في الوسائل والإجراءات، بل كانوا يميزون بين:

النص والمقصد

العبادة والوسيلة

الثابت والمتغير

الغاية والطريقة

الحكم الشرعي وتطبيقه على الواقع

فجمع القرآن لم يكن في حياة النبي ﷺ بهذه الصورة، ومع ذلك جمعه أبو بكر.

وتوحيد المصاحف لم يكن على تلك الصورة في حياة النبي ﷺ، ومع ذلك فعله عثمان.

وضالة الإبل تغير التعامل معها عندما تغيرت أحوال الناس.

وجمع الناس في صلاة التراويح على إمام واحد لم يستمر على تلك الصورة في حياة النبي ﷺ، ومع ذلك فعله عمر.

وصلاة الضحى وقع فيها اجتهاد بين الصحابة مع اختلافهم في فعلها وتركها.


أين تكمن المشكلة إذن؟

المشكلة ليست في الرجوع إلى الكتاب والسنة، فهذا أصل لا خلاف عليه.

وليست في الاقتداء بالسلف الصالح، فهذا من أعظم أبواب الهداية.

وإنما المشكلة حين يتحول شعار:

«بفهم السلف»

من دعوة إلى فهم الصحابة والتابعين والفقهاء للنصوص إلى منهج جامد يحصر الفهم في قراءة واحدة، ويجعل مجرد عدم الفعل النبوي دليلًا مستقلًا على التحريم.

فهذا ليس هو الذي تكشفه لنا ممارسات كبار الصحابة.

إن الصحابة كانوا أكثر الناس تعظيمًا للنص، وفي الوقت نفسه كانوا أكثر الناس فقهًا في تنزيل النص على الواقع.

ولذلك فإن الاقتداء الحقيقي بهم لا يكون بمجرد ترديد أقوالهم، وإنما بفهم المنهج الذي كانوا يفكرون به، والفقه الذي كانوا يمارسونه، والميزان الذي كانوا يزنون به المستجدات.


السلف الصالح: فقهٌ واجتهادٌ وبصيرة

لقد تخرج الصحابة في مدرسة النبوة.

عاشوا مع رسول الله ﷺ، وتعلموا منه، وشهدوا التنزيل، وفهموا أسباب ورود النصوص، وعرفوا مقاصد التشريع، ورأوا كيف يطبق النبي ﷺ الأحكام على اختلاف الوقائع والأشخاص والأحوال.

ثم حملوا هذا الفقه إلى الآفاق.

ولهذا كانوا أئمة في العلم والعمل، لا أسرى للجمود، ولا أصحاب نظرة سطحية للنصوص.

فإذا أردنا حقًا أن نفهم الدين بفهم السلف الصالح، فعلينا ألا نكتفي بالنظر إلى ماذا فعلوا، بل ينبغي أن نسأل أيضًا:

كيف فهموا؟ ولماذا اجتهدوا؟ وكيف جمعوا بين النص والمقصد؟ وكيف تعاملوا مع تغير الأحوال؟

فهنا يكمن جانب مهم من فقه السلف.


الخلاصة

إن دراسة اجتهادات الصحابة رضي الله عنهم تعلمنا أن الترك النبوي ليس وحده كافيًا للحكم بالتحريم، وأن المستجدات لا تُحكم عليها بمجرد كونها لم تقع في زمن النبي ﷺ.

بل لا بد من النظر في:

النصوص الشرعية، والقواعد الكلية، والمقاصد، والمصالح المعتبرة، ودرجة ارتباط الأمر بالعبادة المحضة أو بالوسائل والعادات والتنظيمات.

وهكذا نفهم لماذا قال عمر رضي الله عنه:

«هو والله خير»

وقال أيضًا:

«نعمت البدعة هذه».

فالمطلوب ليس تجاوز السنة، ولا ابتداع دين جديد، وإنما فهم السنة فهمًا عميقًا، كما فهمها أصحاب رسول الله ﷺ، وتنزيلها على الوقائع تنزيلًا يجمع بين صحة الدليل وسلامة الفقه.

رحم الله أصحاب رسول الله ﷺ، فقد كانوا أئمة في الاتباع، وأئمة في الفقه والاجتهاد، وأئمة في فهم مقاصد الشريعة.

وما أحوجنا اليوم إلى أن نتعلم منهم كيف نفهم النص، لا أن نكتفي بمجرد ترديد النص.

والله تعالى أعلم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق