خطبة الجمعة لا تتوقف صحتها على التحميد أو الصلاة على النبي ﷺ أو قراءة آية
دراسة فقهية في أركان الخطبة وما تصح به
الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين.
أما بعد:
فإن خطبة الجمعة من أعظم وسائل الدعوة إلى الله تعالى، وبها يُعلَّم الجاهل، ويُذكَّر الناسي، ويُوعظ الغافل، ويُؤمر بالمعروف ويُنهى عن المنكر.
ومن المسائل الفقهية التي وقع فيها الخلاف بين العلماء: ما الذي تصح به خطبة الجمعة؟ وهل يشترط لصحتها أن تشتمل على تحميد الله، أو الصلاة على النبي ﷺ، أو قراءة آية من القرآن؟
وقد اختلف الفقهاء في ذلك، واختلفت أنظارهم في تحديد القدر الذي لا تصح الخطبة بدونه.
وفيما يأتي عرض لأشهر الأقوال وأدلتها، ثم بيان ما يظهر رجحانه منها.
أولًا: أقوال الفقهاء في أركان خطبة الجمعة
يمكن تلخيص أقوال الفقهاء في هذه المسألة في ثلاثة اتجاهات رئيسة:
القول الأول: أن الواجب مطلق الذكر
ذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن ركن الخطبة يتحقق بمطلق ذكر الله تعالى، فيصح عنده الاقتصار على تحميدة أو تسبيحة أو تهليلة، مع القول بالكراهة.
القول الثاني: أن المعتبر ما يسمى خطبة في العرف
ذهب أبو يوسف ومحمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة، وكذلك المالكية، إلى أن الواجب هو الإتيان بكلام يصدق عليه اسم الخطبة عرفًا.
وهذا يعني أن الكلام لا بد أن يكون في حقيقته خطبة، لا مجرد ذكر يسير لا يسمى في العرف خطبة.
القول الثالث: اشتراط أمور مخصوصة
ذهب الشافعية والحنابلة إلى اشتراط أمور معينة في الخطبة، من أبرزها:
تحميد الله تعالى.
الصلاة على النبي ﷺ.
الوصية بالتقوى.
قراءة آية كاملة من القرآن.
وزاد الشافعية الدعاء للمؤمنين في الخطبة الثانية.
ثانيًا: هل يكفي مجرد الذكر في خطبة الجمعة؟
استدل القائلون بكفاية مطلق الذكر بقول الله تعالى:
﴿فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾
[الجمعة: 9]
وقالوا: إن الآية أطلقت «ذكر الله»، فيشمل القليل والكثير، فيصح أن تكون الخطبة تحميدة أو تسبيحة أو تهليلة.
مناقشة هذا الاستدلال
لا يلزم من إطلاق لفظ «ذكر الله» في الآية أن يكون كل ذكر، ولو كان كلمة واحدة، خطبةً شرعية.
فالخطبة في اللغة والعرف اسم للكلام الذي يخطب به الخطيب، ومقصود خطبة الجمعة ليس مجرد التلفظ بذكر من الأذكار، وإنما وعظ الناس وتذكيرهم بالله، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، ودعوتهم إلى الخير.
ولهذا فإن الاقتصار على قول:
«الحمد لله»
أو:
«سبحان الله»
أو:
«الله أكبر»
لا يحقق في العرف معنى الخطبة ولا مقصودها.
ومن هنا يظهر أن الحد الأدنى الذي تصح به الخطبة هو الكلام الذي يصدق عليه اسم الخطبة ويحقق مقصودها من الوعظ والتذكير.
ثالثًا: حديث «أقصرت الخطبة»
استدل بعض أهل العلم بحديث البراء بن عازب رضي الله عنه أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، علمني عملًا يدخلني الجنة، فقال النبي ﷺ:
«إن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة».
ووجه الاستدلال أن النبي ﷺ أطلق على الكلام القليل اسم «الخطبة».
والجواب
ليس في الحديث ما يدل على أن كل كلام قليل يسمى خطبة الجمعة، ولا أن مجرد إلقاء مسألة على الناس يقوم مقام خطبة الجمعة.
فالحديث وارد في سياق معين، ولا يدل بمجرده على أن كلمة أو جملة قصيرة تكفي في خطبة الجمعة.
والعبرة بما يتحقق به مسمى الخطبة ومقصودها.
رابعًا: حديث «بئس الخطيب أنت»
ومن الأدلة التي استُدل بها ما رواه مسلم عن عدي بن حاتم رضي الله عنه:
أن رجلًا خطب عند النبي ﷺ فقال:
«من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى».
فقال له النبي ﷺ:
«بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله».
وقد استُدل بالحديث على أن النبي ﷺ سمى هذا الرجل «خطيبًا» مع قلة كلامه.
والجواب
ليس في الحديث أن الرجل اقتصر في خطبته على هذه الجملة وحدها، ولا أن النبي ﷺ قرر أن هذا القدر هو الحد الأدنى الواجب في خطبة الجمعة.
ثم إن كلامه اشتمل على معنى ديني ووعظي، وهو الترغيب في طاعة الله ورسوله والتحذير من معصيتهما.
فلا يصح جعل الحديث دليلًا على أن مجرد تحميدة أو تكبيرة أو تهليلة تكفي في خطبة الجمعة.
خامسًا: هل يشترط تحميد الله في الخطبة؟
استدل القائلون بوجوب التحميد بما جاء عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه:
«كانت خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة يحمد الله ويثني عليه».
ولا شك أن الحمد لله والثناء عليه من هدي النبي ﷺ في خطبه، وهو أمر عظيم مشروع ومستحب.
لكن السؤال هو:
هل فعل النبي ﷺ يدل على أن التحميد ركن لا تصح الخطبة بدونه؟
الجواب
مجرد فعل النبي ﷺ لا يدل بذاته على الوجوب ما لم تقم قرينة تدل على أن الفعل واجب.
فكون النبي ﷺ كان يحمد الله ويثني عليه في خطبه يدل على مشروعية الحمد والثناء وفضيلتهما، لكنه لا يكفي وحده لإثبات أن الخطبة لا تصح إلا بهما.
ولهذا ينبغي التفريق بين أمرين:
المشروعية شيء، والوجوب شيء آخر.
وما دام الدليل الوارد في ذلك يدل على الفعل ولم يرد نص صريح يجعل تركه مبطلًا للخطبة، فلا يصح الانتقال من مجرد الفعل إلى الحكم بالبطلان دون دليل.
سادسًا: حديث «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله...»
ومن الأدلة التي يستدل بها على وجوب التحميد الحديث المشهور:
«كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع أبتر».
وقد نوقش هذا الحديث من جهة ثبوته، وقد ضعفه عدد من أهل الحديث، ونقل الألباني الكلام على طرقه وحكم عليه بالضعف، بل حكم على بعض ألفاظه بالوضع.
ثم إن الحديث ـ على فرض ثبوته ـ لا يتضمن نصًا صريحًا في أن الحمد لله شرط لصحة خطبة الجمعة.
فالقول بأن الأمر ناقص أو قليل البركة لا يساوي بالضرورة القول بأن العمل باطل ولا يصح.
ولهذا لا يصلح الحديث وحده لإثبات ركنية التحميد في خطبة الجمعة.
سابعًا: هل الصلاة على النبي ﷺ ركن في الخطبة؟
استدل من أوجب الصلاة على النبي ﷺ بأن كل كلام يشتمل على ذكر الله ينبغي أن يشتمل على ذكر رسوله ﷺ.
وهذا التعليل ليس قاعدة مطردة؛ فهناك عبادات وأحوال يذكر فيها اسم الله تعالى ولا يشترط فيها الصلاة على النبي ﷺ.
ففي الوضوء يذكر اسم الله، وعند العطاس يقول المسلم:
«الحمد لله»
وعند الذبح يذكر اسم الله، ولا يشترط في هذه المواضع أن يقول مع ذلك:
«والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ».
وأما قوله تعالى:
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾
[الشرح: 4]
فهو دليل على علو منزلة النبي ﷺ ورفعة ذكره، وليس في الآية نص على وجوب الصلاة والسلام عليه في كل خطبة.
ولا يصح أن تتحول دلالة الآية العامة إلى حكم فقهي خاص يحتاج إلى دليل مستقل.
ولا شك أن الصلاة والسلام على النبي ﷺ في الخطبة من أفضل ما ينبغي للخطيب أن يحرص عليه، ولكن الكلام هنا عن دعوى كونها ركنًا لا تصح الخطبة بدونه.
ثامنًا: هل تشترط قراءة آية من القرآن؟
استدل من أوجب قراءة القرآن بما رواه جابر بن سمرة رضي الله عنه:
«كانت للنبي ﷺ خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويذكر الناس».
كما استدل بما ورد عن أم هشام بنت حارثة رضي الله عنها أنها قالت:
«ما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إلا عن لسان رسول الله ﷺ يقرؤها كل جمعة على المنبر».
ولا خلاف في أن قراءة القرآن في الخطبة من هدي النبي ﷺ، وأنها من أفضل ما تشتمل عليه الخطبة.
لكن محل البحث هو: هل يدل ذلك على أن قراءة آية كاملة شرط لصحة الخطبة؟
والجواب: أن مجرد فعل النبي ﷺ لا يدل وحده على الوجوب.
فقد يكون الفعل بيانًا للمشروعية والفضيلة، ولا يلزم منه أن يكون تركه مبطلًا.
ولو كانت قراءة القرآن ركنًا لا تصح الخطبة بدونه، لاحتاج ذلك إلى دليل صريح يدل على هذا الوجوب.
أما القياس على الصلاة، بأن الخطبة فرض فتجب فيها القراءة كما تجب في الصلاة، ففيه نظر؛ لأن الخطبة ليست صلاة، ولا يلزم أن تأخذ جميع أحكام الصلاة لمجرد اتصالها بها.
والأصل ألا نثبت حكمًا تعبديًا خاصًا إلا بدليل.
تاسعًا: ماذا عن الدعاء في الخطبة؟
نقل العلماء أن خطب النبي ﷺ وخطب السلف اشتملت على الدعاء، ولا شك أن الدعاء في الخطبة أمر مشروع حسن.
لكن المشروعية لا تساوي الوجوب.
فإذا كان فعل النبي ﷺ نفسه لا يدل بمجرده على أن كل ما فعله في الخطبة ركن لا تصح الخطبة بدونه، فمن باب أولى أن مجرد نقل فعل العلماء والسلف لا يكفي وحده لإثبات الركنية.
عاشرًا: ما القدر الذي تصح به خطبة الجمعة؟
بعد النظر في الأدلة يظهر أن الأقرب ـ والله أعلم ـ هو أن العبرة بتحقق مسمى الخطبة عرفًا وشرعًا، مع اشتمالها على الوعظ والتذكير والدعوة إلى الخير.
فليس المقصود من خطبة الجمعة مجرد التلفظ بكلمات من الذكر، وإنما المقصود منها:
🔹 تذكير الناس بالله تعالى.
🔹 وعظهم وإرشادهم.
🔹 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
🔹 الدعوة إلى التقوى والطاعة.
🔹 تعليم الناس ما يحتاجون إليه من أمر دينهم.
فمتى تحقق معنى الخطبة بهذه الصورة، صدق عليها اسم «الخطبة»، ولا يلزم أن تكون مشتملة ـ على جهة الركنية ـ على تحميد مخصوص، أو صلاة مخصوصة على النبي ﷺ، أو آية معينة.
الخلاصة
بعد استعراض الأقوال والأدلة، يمكن تلخيص المسألة في نقاط:
أولًا: الحمد لله والثناء عليه في الخطبة من هدي النبي ﷺ، وهو أمر مشروع فاضل، ولا ينبغي للخطيب تركه من غير سبب.
ثانيًا: الصلاة والسلام على النبي ﷺ من أجلِّ ما ينبغي أن تشتمل عليه الخطبة، لما له ﷺ من عظيم الحق والمكانة.
ثالثًا: قراءة القرآن في الخطبة سنة عظيمة وهدي نبوي كريم، وينبغي للخطيب أن يحرص عليها.
رابعًا: الدعاء للمسلمين مشروع حسن، وهو من الأمور التي جرى عليها عمل العلماء والخطباء.
خامسًا: لكن إثبات أن هذه الأمور أركان لا تصح الخطبة بدونها يحتاج إلى دليل صريح يدل على الوجوب والبطلان عند الترك.
سادسًا: الأقرب أن القدر المعتبر في الخطبة هو ما يتحقق به اسم الخطبة ومقصودها من الوعظ والتذكير والدعوة إلى الله.
تنبيه مهم
لا ينبغي أن يفهم من هذا البحث أن الخطيب يُستحب له أن يتعمد ترك الحمد والصلاة على النبي ﷺ وقراءة القرآن.
فالمقصود هو تحرير محل النزاع الفقهي، والتمييز بين:
ما هو مشروع فاضل في الخطبة، وما هو ركن لا تصح الخطبة بدونه.
وهذا فرق مهم ينبغي ألا يُغفل.
بل إن المحافظة على ما اعتاده الناس من افتتاح الخطب بالحمد والثناء والصلاة على النبي ﷺ وقراءة القرآن أولى وأجمع للقلوب، ولا سيما إذا كان ترك ذلك يؤدي إلى التشويش على المصلين أو إيقاعهم في الحرج والشك في صحة جمعتهم.
فالخلاف الفقهي لا ينبغي أن يتحول إلى سبب للاضطراب والنزاع بين المسلمين.
والله أعلم.
أهم المراجع
الكاساني، بدائع الصنائع، 1/262.
ابن رشد، بداية المجتهد، 1/161.
ابن عبد البر، الكافي، 1/71.
الرملي، نهاية المحتاج، 2/314-315.
الشربيني، مغني المحتاج، 1/285-286.
ابن قدامة، المغني، 2/151-152.
النووي، المجموع، 4/439.
الأزهري، تهذيب اللغة، مادة «خطب».
الألباني، السلسلة الضعيفة والموضوعة، 2/303.
الشوكاني، نيل الأوطار، 3/278.
كتبه: ربيع أحمد سيد
بكالوريوس الطب والجراحة
22 رمضان 1429هـ — 22/9/2008م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق