الاثنين، 14 سبتمبر 2026

بين حكم كشف الوجه، وخوف الفتنة، ودعوى الإجماع

 

دعوى الإجماع على وجوب تغطية وجه المرأة زمن الفتن تحتاج إلى تحرير علمي

بين حكم كشف الوجه، وخوف الفتنة، ودعوى الإجماع

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

من المسائل التي يكثر فيها النقل والجدال: مسألة تغطية المرأة وجهها عند وجود الفتنة.

وقد تكرر على ألسنة بعض الفضلاء أن العلماء الذين قالوا بجواز كشف الوجه قيدوا هذا الجواز بأمن الفتنة، وأنه عند وجود الفتنة يجب على المرأة تغطية وجهها، بل إن بعضهم ينقل في ذلك دعوى الإجماع.

وهنا ينبغي التوقف قليلًا؛ لا اعتراضًا على مكانة العلماء، ولا انتقاصًا من قدرهم، وإنما تحريرًا لمحل النزاع، وتمييزًا بين الاحتياط والوجوب، وبين قول بعض العلماء ودعوى الإجماع.

فالحق أحق أن يُتَّبع، وكل يؤخذ من قوله ويرد عليه إلا رسول الله ﷺ.


أولًا: ماذا قال عدد من الفقهاء؟

ورد عن جماعة من الفقهاء عبارات تفيد منع الشابة من كشف وجهها عند خوف الفتنة، ومن ذلك ما نُقل عن ابن عابدين، وابن نجيم، والزيلعي، والطحطاوي وغيرهم من فقهاء الحنفية، وكذلك نُقلت عبارات عن بعض المالكية والشافعية وغيرهم في منع الكشف عند خوف الفتنة.

ومن أشهر ما يُستدل به في هذا الباب ما ذكره ابن عابدين في رد المحتار من أن منع الشابة من كشف وجهها ليس لكون الوجه عورة، وإنما لخوف الفتنة.

وهذا النوع من النصوص مهم في تحرير المسألة؛ لأنه يدل على أن حكم الوجه من حيث كونه ليس بعورة عند هؤلاء الفقهاء لا يمنع من القول بالمنع في حال عارضة إذا تحققت الفتنة.

لكن السؤال الذي يحتاج إلى دليل مستقل هو:

هل هذه الأقوال تثبت إجماع العلماء على وجوب تغطية الوجه في زمن الفتن؟

وهنا محل البحث.


ثانيًا: الفرق بين المنع عند الفتنة وبين دعوى الإجماع على الوجوب

هناك فرق كبير بين ثلاث مسائل ينبغي عدم الخلط بينها:

الأولى: أن يكون الأصل عند بعض الفقهاء جواز كشف الوجه.

الثانية: أن يرى بعض هؤلاء الفقهاء أن الكشف قد يُمنع إذا تحققت الفتنة أو غلب على الظن حصولها.

الثالثة: أن يقال: أجمع العلماء على وجوب تغطية الوجه عند الفتنة.

فليس كل نص ورد فيه: تُمنع، أو يُنهى عنها، أو يُخشى من الفتنة نصًا صريحًا في انعقاد إجماع على أن تغطية الوجه فرض شرعي عام على كل امرأة في كل زمان يوجد فيه ما يسمى بالفتنة.

والانتقال من القول بالمنع في بعض الأحوال إلى دعوى الإجماع يحتاج إلى دليل أقوى.


ثالثًا: الخلاف الفقهي القديم يمنع من التوسع في دعوى الإجماع

من المهم هنا استحضار أن مسألة كشف وجه المرأة ليست مسألة اتفق فيها جميع الفقهاء على قول واحد.

بل نجد في كتب المذاهب الفقهية أقوالًا متعددة في حكم الوجه، مع اختلاف في التعبير والتفصيل، وفي مقدار ما يُمنع منه عند الفتنة.

ومن النقول المهمة في هذا الباب ما ذكره ابن مفلح في الآداب الشرعية عند بحثه مسألة إنكار كشف النساء وجوههن في الطريق، حيث نقل أن المسألة مبنية على خلاف في أصل وجوب ستر الوجه أو وجوب غض البصر.

كما نُقل عن بعض أهل العلم تقرير أن الوجه ليس بعورة، وأن الواجب على الرجل غض البصر عند النظر المحرم.

وهذا كله يدل على أن المسألة تحتاج إلى جمع أقوال العلماء وتتبعها تاريخيًا، لا إلى نقل عبارات متفرقة ثم إطلاق لفظ الإجماع عليها.


رابعًا: الإجماع غير قول الأكثرية

وهذه نقطة أصولية في غاية الأهمية.

الإجماع ليس هو قول الأكثرية، ولا هو شهرة القول، ولا هو كثرة القائلين به.

وإنما الإجماع في اصطلاح الأصوليين هو اتفاق مجتهدي الأمة على حكم شرعي في عصر من العصور بعد وفاة النبي ﷺ.

ومن ثم، فإن وجود مخالف معتبر في المسألة يمنع من إطلاق دعوى الإجماع بالمعنى الأصولي الدقيق، ما لم يكن هناك دليل على أن الخلاف غير معتبر أو أنه لم يثبت أصلًا.

ولهذا فإن مجرد وجود عدد كبير من العلماء الذين قالوا بالمنع عند الفتنة لا يكفي وحده للقول:

"أجمع العلماء على وجوب تغطية الوجه زمن الفتنة."

فالانتقال من الكثرة إلى الإجماع يحتاج إلى إثبات مستقل.


خامسًا: لا ينبغي الخلط بين الحكم الأصلي والحكم العارض

ومن أقوى ما ينبغي تحريره في هذه المسألة:

هل الحديث عن حكم الوجه في ذاته، أم عن حكم الكشف إذا ترتبت عليه مفسدة معينة؟

فقد يرى الفقيه أن وجه المرأة ليس بعورة، وأن الأصل جواز كشفه، ثم يقول في الوقت نفسه:

إذا خيفت الفتنة، أو ترتب على الكشف مفسدة معتبرة، مُنعت المرأة من الكشف.

وهذا لا يعني بالضرورة أن الوجه صار عورة، ولا يعني أن الحكم الأصلي تغير في ذاته.

فالتحريم قد يكون أحيانًا لأمر عارض، لا لأن الفعل في أصله محرم.

وهذه قاعدة مهمة في فهم كلام الفقهاء، وتمنع من تحويل كل نص في المنع عند الفتنة إلى دليل على أن كشف الوجه حرام لذاته.


سادسًا: الفتنة لا تعني تحميل أحد الجنسين وحده مسؤولية ضبط النظر

الشريعة لم تجعل حفظ العفة مسؤولية المرأة وحدها.

بل خاطبت الرجال أولًا بقوله تعالى:

﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾

ثم قال سبحانه:

﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾

فالمسؤولية مشتركة:

الرجل مأمور بغض البصر، والمرأة مأمورة بالعفة والاحتشام، وكلاهما مأمور بحفظ الفرج.

ولهذا لا يصح أن يتحول الحديث عن الفتنة إلى إعفاء الرجل من مسؤوليته الشرعية في ضبط بصره وسلوكه.

وفي الوقت نفسه، إذا تحققت فتنة حقيقية ترتب عليها مفسدة معتبرة، فلا مانع من أن يرى الفقيه منع بعض المباحات دفعًا للمفسدة.

لكن هذا شيء، والقول بأن كل امرأة يجب عليها تغطية وجهها بإجماع العلماء لمجرد وجود الفتن شيء آخر.


سابعًا: حديث المرأة الخثعمية يحتاج إلى قراءة فقهية دقيقة

ومن أهم الأدلة التي ينبغي أن تحضر في هذه المسألة حديث المرأة الخثعمية في حجة الوداع.

فقد كانت المرأة شابة حسناء، وكان الفضل بن عباس رضي الله عنهما ينظر إليها، وكان النبي ﷺ يصرف وجه الفضل.

والحديث ثابت في الصحيحين بمعانٍ مشهورة.

والذي يلفت النظر هنا أن النبي ﷺ عالج جانب النظر؛ فصرف وجه الفضل رضي الله عنه، ولم يرد في الحديث أنه أمر المرأة أن تغطي وجهها.

وهذا الحديث من الأدلة التي استند إليها عدد من العلماء في تقرير أن الوجه ليس بعورة، وأن معالجة الفتنة قد تكون بغض البصر من جهة الناظر.

ولا يعني ذلك وحده أن كل صور كشف الوجه جائزة في جميع الأحوال؛ فالمسألة أوسع من حديث واحد، وإنما المقصود أنه دليل لا يصح تجاهله عند مناقشة دعوى الإجماع.


ثامنًا: الإحرام يوضح أن تغطية الوجه ليست حكمًا واحدًا في كل الأحوال

ومن الأدلة التي تحتاج إلى تأمل أيضًا أن المرأة المحرمة نُهيت عن لبس النقاب، مع اختلاف الفقهاء في تفاصيل تغطيتها وجهها عند مرور الرجال بها.

وهذا يبين أن الشريعة قد تفرق بين:

لبس النقاب بوصفه لباسًا مخصوصًا،

وبين:

تغطية الوجه عند وجود حاجة أو خوف فتنة.

ولهذا فالمسألة ليست بهذه البساطة التي تجعل كل تغطية للوجه حكمًا واحدًا ثابتًا في جميع الظروف.


تاسعًا: دعوى "إجماع العلماء" تحتاج إلى توثيق لا إلى مجرد النقل

عندما يقال:

"أجمع العلماء على أن المرأة يجب عليها تغطية وجهها عند الفتنة."

فالسؤال العلمي المشروع هو:

من هم العلماء الذين أجمعوا؟ وما نصوصهم؟ وهل كانوا يتحدثون عن وجوب أصلي أم منع عارض؟ وهل يوجد خلاف معتبر في العصر نفسه؟

فهذه الأسئلة ليست اعتراضًا على العلماء، وإنما هي من صميم المنهج العلمي في دراسة الإجماع.

فقد يكون القول هو قول جمهور العلماء، أو قول طائفة كبيرة منهم، أو يكون هو الأحوط والأبعد عن الفتنة، وكل ذلك يمكن مناقشته واحترامه.

لكن الإجماع مرتبة أصولية خاصة، ولا ينبغي استعمالها إلا بعد تحقق شروطها.


عاشرًا: الأحوط شيء، والواجب شيء آخر

ومن أكثر الأمور التي ينبغي التنبيه إليها في هذه القضية:

الاحتياط لا يساوي الوجوب.

قد يرى العالم أن تغطية المرأة وجهها:

  • أحوط لها،

  • وأبعد عن الفتنة،

  • وأصون لها في بعض البيئات،

  • وأولى عند فساد الزمان.

وكل ذلك يمكن أن يكون له وجه فقهي معتبر.

لكن لا يصح أن تتحول عبارة:

"هذا أحوط وأولى"

إلى:

"هذا فرض بإجماع العلماء."

فبين العبارتين فرق كبير من الناحية الشرعية والأصولية.


الحادي عشر: هل تغير الزمان يغير بعض الأحكام؟

لا شك أن الفقيه قد يراعي تغير الأحوال والبيئات، وأن بعض المباحات قد تُمنع في ظرف معين إذا ترتبت عليها مفسدة معتبرة.

لكن ينبغي أن يكون هذا المنع منضبطًا بعلته، فلا يتحول تغير الزمان وحده إلى وسيلة لإثبات فرض جديد لم يثبت بدليل.

فالقول بأن الفتنة موجودة في زماننا لا يكفي وحده لإثبات إجماع تاريخي على وجوب تغطية الوجه.

وإذا كان المقصود أن بعض البيئات تنتشر فيها الفتنة بصورة شديدة بحيث يرى الفقيه منع الكشف فيها، فهذا حكم مرتبط بظروف وعلل معينة، وليس بالضرورة حكمًا عامًا ثابتًا على جميع النساء وفي جميع المجتمعات.


الثاني عشر: وجود الخلاف المعاصر يؤكد ضرورة عدم إطلاق دعوى الإجماع

ومما يؤكد الحاجة إلى التثبت أن عددًا من العلماء المتأخرين والمعاصرين اختاروا القول بأن الوجه ليس بعورة، ولم يجعلوا تغطيته فرضًا مطلقًا، مع اختلافهم في بعض تفاصيل الفتنة والنظر.

فوجود هذا الخلاف يجعل إطلاق عبارة "الإجماع على وجوب تغطية الوجه عند الفتنة" بحاجة إلى مزيد من التحقيق والتوثيق.

والخلاف في المسألة لا يعني أن أحد القولين باطل بالضرورة، ولا يعني أن من اختار التغطية مخطئ، كما لا يعني أن من قال بجواز الكشف متساهل.

بل المسألة من مسائل الفقه التي ينبغي أن تُبحث بالدليل، وأن يُحترم فيها الخلاف المعتبر.


الخلاصة

بعد استقراء هذه المسألة، ينبغي التفريق بين أمور أربعة:

1️⃣ القول بأن الوجه ليس بعورة

وهو قول معروف عند عدد من أهل العلم.

2️⃣ القول بأن كشف الوجه قد يُمنع عند تحقق الفتنة

وهو قول له مستند فقهي عند طائفة من العلماء.

3️⃣ القول بأن تغطية الوجه أحوط وأبعد عن الفتنة

وهذا أوسع من القول بالوجوب.

4️⃣ القول بوجود إجماع على وجوب التغطية عند الفتنة

وهذه دعوى أصولية تحتاج إلى إثبات مستقل، ولا يكفي لإثباتها مجرد نقل أقوال عن عدد من الفقهاء.

ولهذا فالأدق أن يقال:

إن تغطية المرأة وجهها عند خوف الفتنة قول فقهي معتبر عند طائفة من العلماء، وقد شدد بعضهم في ذلك، لكن إطلاق دعوى الإجماع على وجوب تغطية الوجه في زمن الفتن يحتاج إلى تحرير وتتبع لأقوال أهل العلم، ولا ينبغي أن يُبنى على مجرد كثرة النقول أو الخلط بين الحكم الأصلي والحكم العارض.

وفي جميع الأحوال، تبقى الشريعة داعية إلى العفة وغض البصر وحفظ الفروج والاحتشام، وهذه مسؤولية مشتركة بين الرجال والنساء.

والخلاف الفقهي في حكم كشف الوجه لا ينبغي أن يتحول إلى سبب للطعن في العلماء، أو التشدد على الناس فيما وسّع الله فيه، بل الواجب هو الإنصاف، والتحقيق، ونسبة الأقوال إلى أصحابها بدقة، والتفريق بين ما هو واجب وما هو مستحب وما هو أحوط.

فالاحتياط يُحترم، والخلاف يُنصف، والإجماع لا يُدَّعى إلا بدليل.

والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق