علي بن أبي طالب وبيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنهما
تحقيق الروايات المتعارضة وكشف الصحيح منها
عرضٌ ونقدٌ وتحقيق
د. خالد كبير علال
قسم التاريخ والجغرافيا – المدرسة العليا للأساتذة – بوزريعة
تمهيد
تضاربت الروايات التاريخية والحديثية في تحديد موقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه من تولي أبي بكر الصديق رضي الله عنه الخلافة سنة 11هـ، حتى ظهرت في المصادر عدة روايات متباينة في مضمونها.
فمنها ما يذكر أن عليًا وبني هاشم رفضوا مبايعة أبي بكر، ومنها ما يذكر أن عليًا بايعه تحت التهديد والإكراه، ومنها ما يفيد أنه بادر إلى البيعة طواعية، ومنها ما يذكر أنه تأخر عن البيعة ستة أشهر ثم بايع.
ومن هنا تبرز ضرورة السؤال عن قيمة هذه الروايات من الناحية الحديثية والتاريخية، وعن إمكانية الجمع بين ما صح منها، ورد ما لم يثبت.
وسنقسم الروايات إلى أربع مجموعات، ثم ننظر في أسانيدها ومتونها، ونقارن بينها، وصولًا إلى أقرب صورة يمكن إثباتها تاريخيًا.
أولًا: الروايات الواردة في موقف علي من بيعة أبي بكر
1 ـ روايات رفض البيعة
تتضمن هذه المجموعة روايات تزعم أن بني هاشم، ومن بينهم علي رضي الله عنه، لم يرضوا ببيعة أبي بكر في البداية.
ومن أشهر ما ورد فيها روايات اليعقوبي التي تصف غضب بني هاشم، وتذكر أنهم رأوا أنفسهم أحق بهذا الأمر.
ومنها كذلك رواية تذكر أن عليًا والعباس تأخرا عن البيعة، وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حاول التفاهم مع العباس في شأن الخلافة.
وتوجد رواية أخرى تذكر أن عليًا، بعد البيعة العامة لأبي بكر، عاتبه على عدم استشارته، وأن أبا بكر أجابه بأنه خشي الفتنة.
كما وردت روايات في كتاب «الإمامة والسياسة» المنسوب إلى ابن قتيبة، تتحدث عن رفض علي للبيعة، وعن مطالبته بحقه، بل وتذكر أحداثًا شديدة التفصيل داخل بيت فاطمة رضي الله عنها.
2 ـ روايات الإكراه على البيعة
وتوجد مجموعة ثانية من الأخبار تفيد بأن عليًا والزبير رضي الله عنهما أُجبرا على البيعة.
ومن ذلك رواية في تاريخ الطبري تذكر أن عمر بن الخطاب جاء إليهما وقال لهما، بمعنى الرواية: إما أن تبايعا طائعين أو تبايعا كارهين، ثم تمت البيعة.
وتوجد رواية أخرى في الطبري تذكر مجيء عمر إلى منزل علي، وتهديد من فيه بإحراق المنزل إن لم يخرجوا للبيعة، ثم تذكر خروج الزبير بسيفه وسقوطه منه.
كما وردت رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما تتضمن كلامًا عن صرف الخلافة عن بني هاشم.
وهذه الروايات تحتاج إلى فحص دقيق لأسانيدها ومتونها قبل بناء موقف تاريخي كبير عليها.
3 ـ روايات البيعة الطوعية
في المقابل، نجد روايات أخرى تقدم صورة مختلفة تمامًا.
فمنها رواية تذكر أن عليًا رضي الله عنه لما بلغه خبر البيعة خرج إلى أبي بكر وبايعه.
ومنها رواية أخرى تفيد أن أبا بكر لما جلس للبيعة العامة ولم ير عليًا والزبير، سأل عنهما، فجاءا إليه فبايعاه.
وتكتسب هذه الرواية أهمية خاصة؛ لأن سندها صححه عدد من أهل العلم، ونقل ابن كثير أنها رواية محفوظة.
كما توجد رواية عامة تفيد بأن المهاجرين تابعوا أبا بكر بالبيعة، ولم يتخلفوا عن بيعته.
4 ـ روايات تأخر علي عن البيعة ستة أشهر
أما المجموعة الرابعة فتتحدث عن تأخر علي رضي الله عنه عن البيعة إلى أن توفيت فاطمة رضي الله عنها بعد ستة أشهر من وفاة رسول الله ﷺ.
ومن أشهر ما ورد في ذلك رواية اليعقوبي، ورواية المسعودي، ورواية «الإمامة والسياسة»، ثم الرواية المشهورة في صحيحي البخاري ومسلم.
وهنا تظهر المسألة الأكثر أهمية في البحث:
كيف نجمع بين الروايات التي تثبت تأخر علي ستة أشهر، والروايات التي تثبت مبايعته في البيعة العامة؟
ثانيًا: نقد الروايات وتمييز الصحيح من الضعيف
إن مجرد وجود الرواية في كتاب تاريخي لا يعني صحتها، كما أن شهرة الرواية لا تغني عن فحص سندها ومتنها.
ولهذا ينبغي التعامل مع هذه الأخبار وفق قواعد النقد الحديثي والتاريخي، والنظر في:
الإسناد، والرجال، والاتصال، والمتن، وموافقته للأخبار الصحيحة الأخرى.
روايات الرفض والإكراه
عدد من الروايات التي تزعم رفض علي للبيعة أو وقوع الإكراه عليه وردت بلا أسانيد في بعض المصادر التاريخية، وهو ما يجعل الاعتماد عليها لإثبات حادثة بهذا الحجم أمرًا غير كافٍ.
فالروايات المنقولة عن اليعقوبي، مثلًا، جاءت في المواضع المشار إليها من غير إسناد، ولذلك لا يمكن إخضاعها لنقد الإسناد بالصورة المطلوبة.
وكذلك فإن بعض الروايات المنسوبة إلى «الإمامة والسياسة» تحتاج إلى مزيد من الاحتياط، خاصة أن نسبة الكتاب إلى ابن قتيبة الدينوري ليست ثابتة عند المحققين، وقد أشار البحث نفسه إلى أن نسبته إليه غير مؤكدة.
وهذه نقطة مهمة؛ إذ لا يصح بناء صورة تاريخية حاسمة عن علاقة كبار الصحابة بعضهم ببعض على أخبار لم تثبت أسانيدها.
ثالثًا: الروايات التي تتحدث عن الإكراه
أما الروايات التي تصف البيعة بأنها تمت تحت التهديد، ففي أسانيد بعضها رواة تكلم فيهم أهل الجرح والتعديل.
بل إن إحدى الروايات التي يُستدل بها على الإكراه لا تصرح أصلًا بكيفية حصول البيعة، وإنما تذكر أن عليًا والزبير طُلب منهما أن يبايعا، ثم تذكر أنهما بايعا.
وهذا لا يكفي وحده لإثبات أن البيعة تمت قسرًا.
كما أن رواية أخرى في الطبري تتضمن تهديدًا بإحراق المنزل، لكنها لا تستمر في بيان ما جرى بعد خروج الزبير وسقوط السيف منه.
ومن ثم لا يصح أن تُستكمل القصة من عندنا، ولا أن تُحمّل الرواية ما لم تقله.
رابعًا: الرواية الصحيحة في البيعة العامة
في مقابل تلك الأخبار، توجد رواية أخرى صحح إسنادها عدد من أهل العلم، وتذكر أن أبا بكر رضي الله عنه لما لم ير عليًا والزبير في البيعة العامة، استدعاهما، فجاءا فبايعاه.
وهذه الرواية مهمة جدًا في فهم الصورة العامة للأحداث؛ لأنها تثبت أصل البيعة، ولا تجعلها نتيجة مواجهة أو إكراه.
ويذكر البحث أن ابن كثير وصف إسناد هذه الرواية بالصحة والحفظ، وأن أبا بكر بن خزيمة عظّم شأنها، وهو ما يدل على قوة موقعها في باب الترجيح.
خامسًا: كيف نفهم رواية «ستة أشهر» في البخاري ومسلم؟
هنا نصل إلى الرواية الأكثر شهرة، وهي الرواية التي في الصحيحين، والتي تفيد أن عليًا رضي الله عنه لم يجدد البيعة لأبي بكر إلا بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها بستة أشهر.
وهذه الرواية صحيحة الإسناد، ولذلك لا يصح ردها لمجرد أنها لا توافق رواية أخرى في ظاهرها.
والمنهج الصحيح هنا ليس إسقاط إحدى الروايتين، وإنما الجمع بينهما إذا أمكن.
وقد ذهب ابن كثير إلى أن عليًا رضي الله عنه بايع أبا بكر بيعة أولى في الأيام الأولى، ثم جدد البيعة بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها.
وبذلك يمكن تفسير رواية الصحيحين على أنها تتحدث عن تجديد البيعة والمصالحة العلنية، لا عن أول بيعة على الإطلاق.
وقد أشار ابن حجر العسقلاني إلى هذا الجمع أيضًا، بحسب ما نقله البحث.
سادسًا: الشواهد التي تؤيد هذا الجمع
هناك مجموعة من الشواهد التي يستأنس بها في ترجيح هذا الفهم.
1 ـ اجتماع علي وأبي بكر بعد وفاة النبي ﷺ
وردت رواية تفيد أن أبا بكر صلى العصر، وكان علي معه، ثم خرجا معًا، ولقيا الحسن بن علي رضي الله عنهما، فحمله أبو بكر، وجرى بينهما كلام ومزاح.
وهذه الحادثة ـ بحسب الرواية المذكورة في البحث ـ وقعت بعد وفاة النبي ﷺ بوقت قصير، وليس بعد ستة أشهر.
وهي على الأقل تشير إلى وجود علاقة اجتماعية طبيعية بين الرجلين، لا إلى قطيعة كاملة أو خصومة مستحكمة.
2 ـ موقف علي من خروج أبي بكر لقتال المرتدين
ومن الشواهد التي يذكرها البحث أن عليًا رضي الله عنه كان من الذين اعترضوا على خروج أبي بكر بنفسه إلى قتال المرتدين، ونصحه بالرجوع إلى المدينة.
وقد خاطبه بصفته خليفة المسلمين.
وهذا الموقف ـ إن ثبت كما أورده البحث ـ يمثل قرينة مهمة على أن العلاقة بين علي وأبي بكر لم تكن علاقة قطيعة أو رفض لشرعية خلافته.
3 ـ قضية فدك والميراث
من الثابت في الرواية الصحيحة أن فاطمة رضي الله عنها راجعت أبا بكر في مسألة المال والميراث، وأن أبا بكر احتج بحديث النبي ﷺ في ذلك.
وهذا الجانب مهم في فهم رواية الصحيحين؛ إذ إن الرواية نفسها تربط الخلاف الذي وقع بين علي وأبي بكر بمسألة الأموال والميراث، لا بجعل أصل الخلاف حول شرعية خلافة أبي بكر.
وهنا ينبغي التفريق بين:
الخلاف في مسألة معينة، وبين الخلاف على أصل الخلافة.
4 ـ تصريح علي بأفضلية أبي بكر
يذكر البحث رواية عن علي والزبير رضي الله عنهما، مفادها أن غضبهما كان بسبب تأخرهما عن المشورة، مع اعترافهما بأن أبا بكر أحق الناس بها، وأن له فضله وسابقته وصحبته للنبي ﷺ.
وهذا التفصيل مهم؛ لأنه يفتح بابًا لفهم الموقف باعتباره اعتراضًا على طريقة انعقاد البيعة الأولى وعدم حضور بعض الصحابة للمشورة، لا إنكارًا لأهلية أبي بكر للخلافة.
5 ـ موقف علي من أبي سفيان
ومن الشواهد التي يستشهد بها البحث رواية تفيد أن أبا سفيان حاول تحريض علي رضي الله عنه على أبي بكر، وعرض عليه المساعدة، لكن عليًا رفض ذلك وأكد أهلية أبي بكر للخلافة.
وهذا الشاهد، إذا ثبت، يقوي صورة أن عليًا لم يكن يرى أن الخلافة قد اغتصبت منه، ولا أنه كان يسعى إلى إسقاط أبي بكر.
سابعًا: ماذا عن القول بأن عليًا كان صاحب الحق في الخلافة؟
يذهب البحث إلى أن الروايات التي تجعل عليًا رضي الله عنه صاحب حق حصري في الخلافة بعد رسول الله ﷺ تحتاج إلى دليل صحيح صريح.
ويؤكد أن مسألة اختيار الخليفة ارتبطت بالشورى والاجتهاد بين المسلمين، وأن النبي ﷺ لم يترك ـ بحسب الرؤية التي يتبناها البحث ـ نصًا صريحًا ملزمًا بتعيين خليفة بعينه بعد وفاته.
ومن هنا يرى البحث أن القول بأن عليًا امتنع عن البيعة لأنه كان يرى أن الخلافة حق خاص له يحتاج إلى دليل صحيح مستقل، ولا يكفي فيه مجرد أخبار تاريخية متنازع في أسانيدها.
ثامنًا: النتيجة الأقرب من مجموع الروايات
بعد جمع الروايات ونقدها، يصل البحث إلى نتيجة مفادها أن الصورة الأقرب هي:
أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لم يكن رافضًا لخلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ولم تكن علاقته به قائمة على العداء أو القطيعة، وأنه بايعه، مع وجود تأخر أو تباطؤ في بداية الأمر بسبب عدم حضوره المشورة الأولى في السقيفة، ثم جدد البيعة بصورة علنية بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها.
وبذلك يمكن الجمع بين الروايات بدل وضع بعضها في مواجهة بعضها الآخر.
فالرواية التي تثبت البيعة المبكرة تتحدث عن أصل البيعة، بينما رواية الصحيحين تتحدث عن تجديد البيعة بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها.
وهذا الجمع ـ كما يذكر البحث ـ هو الذي قال به ابن كثير ووافقه ابن حجر.
الخلاصة
إن التعامل مع أحداث صدر الإسلام لا ينبغي أن يقوم على انتقاء الروايات التي توافق موقفًا مسبقًا، ثم بناء صورة تاريخية كاملة عليها.
فالمسألة تحتاج إلى:
جمع الروايات أولًا،
ثم دراسة أسانيدها،
ثم نقد متونها،
ثم المقارنة بين الروايات الصحيحة،
ثم محاولة الجمع بينها ما أمكن.
ومن خلال هذا المنهج يرى البحث أن الروايات التي تصور عليًا رضي الله عنه خصمًا لأبي بكر، أو تجعله يرى نفسه صاحب الحق المغصوب، أو تصور العلاقة بينهما باعتبارها صراعًا مستمرًا، لا تنهض ـ في مجموعها ـ أمام الروايات الأقوى والأثبت التي تؤكد وجود البيعة والتعاون والعلاقة الطبيعية بين كبار الصحابة.
وعليه؛ فإن الصورة التي يخلص إليها البحث هي أن:
علي بن أبي طالب رضي الله عنه لم يكن رافضًا لخلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وإنما كان له موقف من طريقة انعقاد البيعة الأولى ومن عدم مشاركته فيها، ثم حصلت البيعة، وتجددت بصورة علنية بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها.
وهكذا يظهر أن كثيرًا من الإشكال في هذه القضية إنما نشأ من جمع روايات متفاوتة في القوة، ثم قراءتها وكأنها رواية واحدة متماسكة.
والمنهج العلمي يقتضي أن نميز بين الصحيح والضعيف، وأن نضع كل خبر في مرتبته، وألا نبني أحداثًا جسامًا على روايات لا تثبت أسانيدها أو تتعارض مع الأخبار الأصح منها.
رضي الله عن أصحاب رسول الله ﷺ أجمعين.
تنبيه توثيقي
هذا المقال إعادة صياغة وتحرير للنص المرفق، مع الحفاظ على أطروحته العامة ومنهجه في عرض الروايات ونقدها، وليس تحقيقًا حديثيًا جديدًا مستقلًا لجميع الأسانيد والمراجع المذكورة فيه. والنص الأصلي يذكر أنه نُشر في مجلة الباحث، العدد الأول، سنة 2009، وهي مجلة محكّمة تصدر عن المدرسة العليا للأساتذة.
أهم المراجع التي اعتمد عليها البحث
تاريخ الطبري.
صحيح البخاري.
صحيح مسلم.
البداية والنهاية لابن كثير.
فتح الباري لابن حجر.
تاريخ اليعقوبي.
مروج الذهب للمسعودي.
السنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل.
المستدرك للحاكم.
السنن الكبرى للبيهقي.
المنتظم لابن الجوزي.
تهذيب الكمال للمزي.
ميزان الاعتدال للذهبي.
لسان الميزان لابن حجر.
وغيرها من المصادر المذكورة في هوامش البحث الأصلي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق