الاثنين، 14 سبتمبر 2026

الشورى والمشاورة في السنة النبوية من بناء السلطة إلى صناعة القرار

 

الشورى والمشاورة في السنة النبوية

من بناء السلطة إلى صناعة القرار

 


تمهيد

إن من رحمة الله تعالى بعباده أن بعث إليهم رسلًا مبشرين ومنذرين، يبلغونهم رسالة الله، ويجسدونها أمامهم في نموذج بشري حي؛ فكانوا بشرًا حتى يكون الاقتداء بهم ممكنًا، وتقوم الحجة على الناس.

قال تعالى:

﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾
[النساء: 165]

ومن أهم المبادئ التي تكشفها السنة النبوية في بناء المجتمع والدولة الإسلامية: مبدأ الشورى والمشاورة.

وقد ورد أصل الشورى في القرآن الكريم في قوله تعالى:

﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾
[الشورى: 38]

كما ورد الأمر بالمشاورة في خطاب النبي ﷺ:

﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾
[آل عمران: 159]

وقد جاء القرآن الكريم بالأصل المجمل، ثم جاءت السنة النبوية لتقدم لنا نماذج عملية متعددة، تكشف كيف مارس النبي ﷺ المشاورة في السلم والحرب، وفي القضايا العامة والخاصة، وكيف راعى اختلاف الظروف والأشخاص والموضوعات.

ومن هنا تأتي أهمية النظر في السنة السياسية النبوية؛ فهي لا تقدم لنا مجرد مواقف تاريخية، وإنما تكشف عن جملة من المبادئ المتعلقة ببناء السلطة وأدائها، والمشاركة في صناعة القرار، والاستفادة من أهل العلم والخبرة، ومراعاة أصحاب الشأن، وإشراك المرأة، والنظر في رأي الأكثرية.


أولًا: بين الشورى والمشاورة

من المفيد منهجيًا التمييز بين الشورى والمشاورة.

فالشورى يمكن أن تتصل بالقضايا الكبرى المتعلقة ببناء السلطة وشرعيتها واختيار القيادة، بينما تتصل المشاورة بصورة أكبر بأداء السلطة وإدارة شؤون المجتمع واتخاذ القرارات العملية.

وقد ورد لفظ الشورى في وصف المؤمنين:

﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾

بينما جاء الأمر للنبي ﷺ:

﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

والنبي ﷺ لم يكن يستمد نبوته أو أصل قيادته من اختيار الناس، وإنما كانت نبوته ووظيفته الرسالية بتكليف من الله تعالى.

قال سبحانه:

﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾
[النساء: 80]

وقال:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾
[الفتح: 10]

ومن هنا ينبغي التفريق بين القيادة النبوية القائمة على الوحي والرسالة، وبين السلطة السياسية البشرية بعد عصر النبوة، التي تقوم على رضا الأمة واختيارها وشروط الشرعية السياسية المعروفة في الفقه الإسلامي.

وهذا التفريق بالغ الأهمية؛ لأن أحد أخطر الأخطاء هو نقل خصائص القيادة النبوية إلى الحكام بعد النبي ﷺ، وكأن الحاكم يستمد سلطته مباشرة من الله تعالى.

فالأنبياء يتلقون الوحي والتكليف من الله، أما الحكام بعدهم فهم بشر، ولا يملكون أن يجعلوا إرادتهم السياسية إرادة إلهية، ولا أن يرفعوا قراراتهم البشرية إلى مرتبة التشريع الملزم.


ثانيًا: النبي ﷺ كان كثير المشاورة

كان النبي ﷺ، مع كونه مؤيدًا بالوحي، أكثر الناس مشاورة لأصحابه.

وقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه:

«ما رأيت أحدًا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله ﷺ».

وهذه الحقيقة وحدها كافية لإسقاط التصور الذي يجعل المشاورة علامة ضعف في القيادة.

فالنبي ﷺ لم يكن يشاور لأنه عاجز عن اتخاذ القرار، وإنما كان يمارس المشاورة تربيةً للأمة، وإشراكًا لأصحاب الشأن، واستثمارًا للخبرات، وإظهارًا لقيمة الرأي الجماعي.

ومن أبرز نماذج ذلك:

1. مشاورته أصحابه في غزوة بدر

لما سار النبي ﷺ إلى بدر استشار المسلمين، ثم استمع إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ثم طلب رأي الأنصار، لأن الموقف كان يتجاوز حدود الترتيبات السابقة، وكان من المهم معرفة موقفهم واستعدادهم.

فقال سعد بن معاذ رضي الله عنه:

«والذي بعثك بالحق، لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتبعناك».

وهكذا تحولت المشاورة إلى التزام عملي واستعداد جماعي لتحمل نتائج القرار.


2. مشاورته في أسرى بدر

استشار النبي ﷺ أصحابه في شأن الأسرى:

«ما ترون في هؤلاء الأسارى؟»

وجاءت الروايات بما يدل على أنه استشار عددًا من كبار الصحابة، كما وردت روايات تدل على استشارة عموم الحاضرين.

وهذا النموذج يكشف أن المشاورة قد تكون عامة، وقد تكون خاصة بحسب طبيعة القضية وأصحاب المصلحة فيها.


3. مشاورته في غزوة أحد

كان رأي النبي ﷺ أن يبقى المسلمون داخل المدينة ويقاتلوا من خلالها، بينما رأى عدد من أصحابه الخروج إلى أحد.

فلما استقر رأي الجماعة على الخروج أخذ النبي ﷺ بهذا الرأي، وخرج معهم.

وهنا تظهر قاعدة مهمة:

المشاورة تسبق العزم، فإذا عزم القائد بعد اكتمالها، وجب الانتقال من مرحلة النقاش إلى مرحلة التنفيذ.


4. مشاورته قادة الأنصار في أمر غطفان

لما عرض الحارث الغطفاني على النبي ﷺ أن يعطيه نصف تمر المدينة مقابل انسحاب قومه من الأحزاب، لم يتخذ النبي ﷺ القرار منفردًا، وإنما استشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وغيرهما من قادة الأنصار.

ولما عبّروا عن رفضهم، أخذ النبي ﷺ برأيهم.

وهذا نموذج مهم في استشارة أصحاب الشأن المباشر؛ لأن الأنصار هم أصحاب الأرض والنخيل، وهم الذين سيتحملون تبعات ذلك القرار.


5. مشاورته في الحديبية

ولما ظهرت مشكلة تتعلق بحلفاء قريش، قال النبي ﷺ:

«أشيروا عليَّ أيها الناس».

فاستمع إلى أبي بكر رضي الله عنه، ثم اتخذ القرار المناسب.

وهذا يوضح أن المشاورة النبوية لم تكن مجرد سؤال شكلي، وإنما كانت جزءًا من عملية صناعة القرار.


6. مشاورته في حادثة الإفك

استشار النبي ﷺ أسامة بن زيد وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما في شأن عائشة رضي الله عنها، ثم خطب الناس واستشارهم في كيفية التعامل مع من خاض في عرضها.

وهنا نرى بوضوح الفرق بين:

المشاورة الخاصة في القضية الخاصة، والمشاورة العامة في الجانب العام من القضية.


ثالثًا: المشاورة ليست دائمًا عامة

تدل هذه النماذج على أن المشاورة لا تسير على صورة واحدة.

فقد تكون:

مشاورة عامة عندما يتعلق الأمر بالمجتمع كله.

وقد تكون:

مشاورة خاصة عندما يتعلق الأمر بفئة معينة أو بأصحاب خبرة محددة.

وقد تجمع بين الأمرين.

ففي قضية أسرى بدر، كان هناك مجال للمشاورة العامة، مع الاستفادة من رأي بعض الصحابة بصورة خاصة.

وفي قضية تمر المدينة، كان من الطبيعي أن يستشار أهلها وأصحاب المصلحة المباشرة فيها.

ومن هنا يمكن وضع ضابط مهم:

كل من كان معنيًا بالأمر، ومتأثرًا بنتائج القرار، أو صاحب اختصاص وخبرة فيه، فهو أولى بأن يكون حاضرًا في دائرة المشاورة، أصالةً أو نيابةً.

وهذا يفتح الباب أمام مفهوم التمثيل والنيابة في الشورى، وهو معنى تؤيده تطبيقات من السنة، مثل العرفاء الذين يمثلون أقوامهم وينقلون آراءهم.


رابعًا: أهل العلم والخبرة لهم مكانة خاصة

لم تكن المشاورة النبوية قائمة على جمع أكبر عدد من الآراء فحسب، وإنما كان لأهل العلم والخبرة والثقة مكانة متميزة.

وقد أكثر النبي ﷺ من استشارة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

كما كان عمر رضي الله عنه يستشير أهل العلم، وخاصة القراء وأهل الفقه.

قال البخاري:

«كان القراء أصحاب مشورة عمر، كهولًا كانوا أو شبانًا».

وهذا يدل على أن الشورى الرشيدة لا تعني إلغاء التخصص.

فليس كل رأي مساويًا لغيره في القضايا التي تحتاج إلى علم أو خبرة.

والحكمة السياسية تقتضي الجمع بين أمرين:

حق المجتمع في المشاركة، وحق أهل الاختصاص في أن يكون لهم وزنهم العلمي والمهني.

ولهذا فإن الاستشارة العامة لا تتعارض مع الاستشارة الخاصة، بل يمكن أن يكمل بعضها بعضًا.


خامسًا: المرأة شريكة في المشاورة

ومن أهم الدلالات التي تكشفها السنة أن المشاورة ليست حكرًا على الرجال.

فالمرأة داخلة في عموم المجتمع المسلم، وإذا كان الأمر متعلقًا بالشأن العام الذي يشملها ويؤثر فيها، فلا يصح إخراجها من دائرة الرأي والمشاركة دون دليل.

ومن أشهر النماذج النبوية في ذلك مشورة أم سلمة رضي الله عنها في الحديبية.

فلما أمر النبي ﷺ أصحابه أن ينحروا ويحلقوا، تأخروا عن تنفيذ الأمر بسبب ما كان في نفوسهم من الحزن والصدمة، فدخل النبي ﷺ على أم سلمة رضي الله عنها، وذكر لها ما لقي من الناس.

فأشارت عليه أن يخرج وينحر ويحلق دون أن يكلم أحدًا، ففعل النبي ﷺ، فلما رأى الصحابة ذلك بادروا إلى الاقتداء به.

لقد كان رأي أم سلمة رضي الله عنها ناضجًا، عمليًا، ومؤثرًا في حل أزمة جماعية.

وهذا يؤكد أن قيمة الرأي لا تتحدد بجنس صاحبه، وإنما بما يحمله من علم وخبرة وحكمة وحسن تقدير.


سادسًا: الشورى بين الإلزام والإعلام

من أكثر القضايا إثارة للنقاش: هل رأي أهل الشورى ملزم للحاكم، أم أن المشاورة مجرد إعلام واستئناس بالآراء؟

والجواب يحتاج إلى التفريق بين الشورى المتعلقة ببناء السلطة، وبين المشاورة المتعلقة بإدارة السلطة.

الشورى في بناء السلطة

تدل نصوص كثيرة على أن اختيار القيادة لا ينبغي أن يكون مجرد قرار فردي مفروض على الأمة.

وقد جاء عن النبي ﷺ:

«لو كنت مستخلفًا أحدًا دون مشورة لاستخلفت ابن أم عبد».

كما قال عمر رضي الله عنه:

«لا خلافة إلا عن مشورة».

وقال أيضًا في التحذير من البيعة المنفردة:

«من بايع رجلًا دون مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه».

وهذه النصوص تؤكد أن الشرعية السياسية بعد عصر النبوة ليست حقًا شخصيًا للحاكم، ولا ميراثًا عائليًا، ولا تفويضًا إلهيًا مباشرًا لأحد من الناس.


سابعًا: هل يشترط الإجماع؟

لا يبدو أن اشتراط إجماع جميع أفراد الأمة في اختيار الحاكم أمر عملي يمكن تحقيقه في كل زمان.

ولهذا جرى عمل الصحابة على اعتبار الاختيار العام الذي يتحقق به الرضا والقبول السياسي، مع وجود مخالفين في بعض الوقائع.

فقد وقع اختلاف في بيعة أبي بكر رضي الله عنه، ثم استقرت له الخلافة.

وكذلك وقع الخلاف في خلافة علي رضي الله عنه، ومع ذلك استقرت له الخلافة في زمانه.

ومن هنا يمكن القول إن تحقيق الإجماع الكامل ليس شرطًا واقعيًا دائمًا لصحة العملية السياسية، وأن وجود المخالفين لا يعني بالضرورة سقوط شرعية القرار إذا استقرت الجماعة على اختيار معين وفق الأصول المعتبرة.


ثامنًا: متى تكون نتيجة المشاورة ملزمة؟

أما المشاورة المتعلقة بأداء السلطة وإدارة شؤون المجتمع، فليست نتيجتها على درجة واحدة في جميع القضايا.

ويمكن التفريق بين ثلاث حالات:

1. قضايا عامة عظيمة الأثر

مثل القضايا المصيرية التي تمس الأمة بأسرها، والتي لا يصح أن تنفرد بها إرادة فرد واحد.

فهنا تكون المشاورة ذات وزن قوي، ويكون لرأي الجماعة وأهل الاختصاص أثر حقيقي في القرار.

2. الأمور الداخلة في صلاحيات الحاكم

مثل بعض التعيينات والإدارات والتنظيمات التنفيذية.

فهذه قد تكون المشاورة فيها واجبة أو مستحبة بحسب طبيعة القضية، لكن القرار النهائي قد يبقى ضمن صلاحيات القيادة، مع بقاء حق الأمة في الرقابة والنصح والتصحيح.

3. الأمور الشخصية

فهذه لا تكون المشاورة فيها واجبة، لكنها قد تكون مستحبة؛ تأسّيًا بالنبي ﷺ واستفادة من تجارب الآخرين.

وهكذا يتبين أن المشاورة ليست قالبًا واحدًا، وإنما تتغير بحسب طبيعة القضية، وأهميتها، وأصحاب المصلحة فيها، ودرجة تأثيرها على المجتمع.


تاسعًا: المشاورة قبل العزم، لا بعده

من أهم القواعد التي يمكن استخلاصها من السنة:

المشاورة قبل اتخاذ القرار، فإذا عزم المسؤول وانتقل إلى مرحلة التنفيذ، فلا ينبغي أن يتحول النقاش إلى تردد دائم.

قال تعالى:

﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾
[آل عمران: 159]

وقد تجلت هذه القاعدة بوضوح في غزوة أحد.

فقد كان رأي النبي ﷺ البقاء في المدينة، ثم أخذ برأي أصحابه في الخروج.

لكن بعد أن لبس لأمته وعزم على الخروج، لم يرجع عندما ندم بعض أصحابه وطلبوا منه العودة.

وقال ﷺ:

«ما ينبغي لنبي أن يضع لأمته بعد أن لبسها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه».

وهذا لا يعني إلغاء رأي الأغلبية، وإنما يعني أن مرحلة التشاور لها وقت، ومرحلة القرار لها وقت، ومرحلة التنفيذ لها وقت.

والقيادة التي تعيد فتح النقاش بعد كل قرار، أو تتراجع عند أول ضغط، قد تفقد قدرتها على الحسم والثبات.


عاشرًا: إذا جاء النص فلا شورى في مخالفة الوحي

وهذه قاعدة أساسية في المنهج الإسلامي:

الشورى تكون في مجال الاجتهاد البشري، لا في مخالفة النص الشرعي القطعي.

وقد كان النبي ﷺ يستشير أصحابه، فإذا جاءه الوحي لم يكن لأحد أن يقدم رأيه على الوحي.

وهذا ما يظهر بوضوح في صلح الحديبية، فقد كان النبي ﷺ موقنًا بما أمره الله به، فلم تكن المشورة وسيلة لتغيير حكم الوحي.

ومن هنا فإن الشورى في الإسلام ليست نظامًا يجعل رأي الأكثرية فوق النص الشرعي، بل هي آلية للاجتهاد واتخاذ القرار في دائرة المباح والمصالح المتغيرة والقضايا التي تحتمل النظر.

وهذا هو الفهم الذي ينسجم مع ما قرره الإمام البخاري في باب الشورى، حين جعل المشاورة قبل العزم والتبين، فإذا ظهر حكم الله ورسوله لم يكن لأحد أن يتقدم عليه.


الحادي عشر: الشورى ليست تطييبًا للخواطر

إن اختزال الشورى في كونها وسيلة لتطييب خواطر الناس يفرغها من مضمونها.

فالشورى في السنة النبوية كانت:

مشاركة في صناعة القرار.

وكانت:

استفادة من الخبرة.

وكانت:

استماعًا إلى أصحاب المصلحة.

وكانت:

تربية للأمة على تحمل المسؤولية.

وكانت:

وسيلة لمنع الاستبداد بالرأي.

ولهذا لم يكن النبي ﷺ محتاجًا إلى مشورة أصحابه من الناحية المعرفية في الأمور التي يأتي فيها الوحي، لكنه مع ذلك شاورهم في الأمور الاجتهادية والسياسية والعسكرية والاجتماعية؛ ليعلم الأمة عمليًا أن القائد لا يستغني عن عقل الجماعة وخبرة المجتمع.


الثاني عشر: الشورى منهاج سياسي وتربوي

إن المتأمل في السنة النبوية يجد أن الشورى ليست مجرد إجراء سياسي، بل هي منهج تربوي كامل.

فهي تعلم الناس:

  • احترام الرأي المخالف.

  • الاستماع قبل إصدار الأحكام.

  • تقدير أهل الاختصاص.

  • إشراك أصحاب المصلحة.

  • تحمل المسؤولية الجماعية.

  • عدم الاستبداد بالرأي.

  • التفريق بين مرحلة النقاش ومرحلة القرار.

  • الالتزام بالقرار بعد صدوره.

  • تقديم النص الشرعي على الرأي البشري عند وجوده.

وبذلك تتحول الشورى من مجرد نص سياسي إلى ثقافة اجتماعية وأخلاقية.


خاتمة

لقد قدمت السنة النبوية نموذجًا غنيًا للشورى والمشاورة، لا باعتبارهما شعارين سياسيين، وإنما باعتبارهما منهجًا عمليًا في إدارة المجتمع وصناعة القرار.

فالنبي ﷺ شاور أصحابه في بدر، وأحد، والحديبية، والأسرى، وفي قضايا اجتماعية وأسرية، واستشار الرجال والنساء، وأهل الخبرة، وأصحاب المصلحة المباشرة، وجمع أحيانًا بين المشاورة العامة والمشاورة الخاصة.

ومن مجموع هذه التطبيقات تتضح لنا مجموعة من القواعد:

الشورى في بناء السلطة ليست ترفًا سياسيًا، بل أصل من أصول انتظام الجماعة.

والمشاورة في إدارة شؤون الأمة ليست مجرد تطييب للخواطر، بل وسيلة لاكتشاف الصواب وتحقيق المصلحة.

وأهل العلم والخبرة أحق بمكانة خاصة في المشورة، دون أن يعني ذلك إلغاء حق المجتمع في المشاركة.

والمرأة المسلمة ليست خارج دائرة الرأي والمشاركة، وقد قدمت أم سلمة رضي الله عنها نموذجًا خالدًا في ذلك.

والأمور العامة الأصل فيها توسيع دائرة المشاورة، بينما تضيق الدائرة كلما اقتضت طبيعة القضية ذلك.

والشورى لا تعني الفوضى؛ فبعد التشاور يأتي العزم، وبعد العزم يأتي التنفيذ.

ولا شورى في مخالفة نص شرعي قطعي، لأن الاجتهاد البشري لا يقدم على الوحي.

إن أمة الإسلام عانت عبر تاريخها الطويل من صور متعددة من الشقاق والاقتتال والاستبداد بالرأي، ولا يمكن تجاوز هذه الأزمات بمجرد الشعارات، وإنما بالعودة إلى المبادئ التي أقام عليها الإسلام حياة الجماعة: العدل، والشورى، والمساءلة، والنصيحة، واحترام الإنسان، وتحمل المسؤولية.

لقد كانت الشورى في عهد النبي ﷺ سلوكًا يمارس، لا شعارًا يرفع؛ ولذلك فإن استحضار هذا النموذج اليوم ليس ترفًا فكريًا، وإنما هو محاولة لفهم جانب مهم من الهدي النبوي في بناء المجتمع وإدارة شؤونه.

والله الموفق لكل خير.


المراجع والتنبيهات

اعتمد المقال في مادته الأصلية على عدد كبير من مصادر السنة وشروحها، وفي مقدمتها:

صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن الترمذي، سنن النسائي، مسند أحمد، السنن الكبرى للبيهقي، مصنف عبد الرزاق، ابن حبان، الطبراني، أبو يعلى، الحاكم، ابن أبي شيبة، وفتح الباري لابن حجر، وأحكام القرآن لابن العربي، وشرح النووي على صحيح مسلم، وغيرها.

وقد وردت في النص الأصلي إحالات تفصيلية بلغت 64 إحالة، ويمكن إبقاؤها كاملة في النسخة البحثية أو في ملف مستقل، بينما يفضّل في منشور فيسبوك طويل عدم إثقال المتن بعشرات الإحالات المتتابعة حتى لا ينقطع تسلسل القراءة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق