الخميس، 17 سبتمبر 2026

مفهوم التجديد وتجــديـد التديّــن

 

 

 

 

 

 

مفهوم التجديد  

وتجــديـد التديّــن

 

 

 

 

 

 

 د. عبد الله الزبير عبد الرحمن

 

 

 

 

مفهوم التَّجديد وتجـديـد التـديُّن

 

د. عبد الله الزبير عبد الرحمن(H)

m:

أحمد الله العظيم أنْ هدانا إلى خير دين وأقوم شريعة، لا اعوجاج فيها ولا التواء، بل استقامة على الطريق المستقيم، واعتدال على النهج القويم، وثبات على أرسخ القواعد وأعدل الأمور، كلما تسرَّب إلى جنباتها ما يضعفها، بُعث من يعيد لها نقاهتها ونقاءها، فتبقى محروسة بحفظ الله تعالى، وقد قال عن دستورها: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}([1]).

وأشهد ألاَّ إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، اللهم فَصَلِّ وسلِّم وبارك عليه وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الغر الميامين، ومن اتبعوهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد،،،

فإنَّ دين الحق الذي ارتضاه الله تعالى لعباده، وأرسل به خير رسله، وختم بشرعته ورسالته الرسالات والشرائع، يجب أنْ يبقى كاملاً محفوظاً، تاماً محروساً، لا يَخْلَق ولا يبلى، ولا ينقص، يحتكم إليه العالمون، وتُضبط به أمورهم وشؤونهم حتى لا يبقى في الزمان أمرٌ ولا شأن، إلاَّ الحساب والجزاء يوم الدين.

ولهذا اقتضت كلمة الله البالغة، ورحمته الواسعة، ومقتضى ربوبيته وألوهيته، أنْ يبعث في الناس مجوِّدين، يجلَّون دينه من صدأ التخلِّي، وينقونه من شوائب الصد عنه، ويحمونه من سطو الساعين إلى إضعافه وإخماد جذوته بفضل الكريم المنَّان.

غير أنَّ مصطلح (التجديد) لم يعد كما كان في عهود الازدهار العلمي والعلو الفكري مفهوماً معلوماً، بل شابَهُ ما شاب مصطلحاتنا الإسلامية من الدَّخَل والدَّخَن والتشويه، فاحتاج مفهوم التجديد إلى التجويد والتبيين والإيضاح، فكانت هذه المباحث.

ولقد أردتُ بها التركيز على جانب تجديد السلوك التعبُّدي والتديُّن الفردي، أرصد مظاهر الخلل في التديُّن، وأُظْهِر العلل في المتدينين، أعرضها على ميزان الكتاب والسُّنَّة ليتبيَّن أهلها مدى حاجة أحوالهم إلى التجديد، فجاء البحث في ثلاثة مباحث على النَّحو الآتي:

المبحث الأول: في مفهوم التجديد عموماً.

المبحث الثاني: في المفهوم الخاطئ للتجديد.

المبحث الثالث: في تجديد التديُّن والالتزام.


المبحث الأول: مفهوم التجديد

المطلب الأول: أصل التجديد ووضعه اللُّغوي([2])

 
التجديد في أصله اللُّغوي: مأخوذ من جدَّد الشيءَ، وتجدَّد الشيءُ، إذا صيَّره جديداً أو صار جديداً.
والتجديد فيه طلب واستدعاء، إذ التاء للطلب، فيكون تجديد الشيءِ يعني طلب جِدَّتِه بالسعي والتوسّل إلى ما يجعله جديداً. والجديد نقيض الخَلَق والبِلى، وضدّ القديم بمعنييه ـ القديم زماناً، والقديم بقاءً، وهو التقادم ـ، فيُقال: بلي بيت فلان ثمّ أجَدَّ بيتاً مِنْ شَعْر.. ويُقال لليل والنهار: الجديدان، لأنهما لا يبليان أبداً.
ومن معاني التجديد في أصل اللُّغة: التعظيم والإجلال، ومنه قوله تعالى: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا}([3])، أي عظمته وجلاله وغناه. ومن معانيه كذلك الوسطية، ويقولون: جادّة الطريق أي سواء الطريق ووسطه.

ومن هنا ندرك أنَّ التجديد لا يعني بحال الإتيان بجديد منقطع عما كان عليه الأمر أولاً، ولكن يعني:

·     أنَّ الشيء المجدَّد قد كان في أول الأمر موجوداً وقائماً، وللناس به عهد.

·      وأنَّ هذا الشيء أتت عليه الأيام، فأصابه البِلَى وصار قديماً خَلِقاً.

·     وأنَّ ذلك الشيء قد أُعيد إلى مثل الحالة الأولى التي كان عليها قبل أنْ يبلى وَيَخْلَق ([4]).

ولهذا يقولون: جدَّد بيته، أي: رمَّمه، وأعاد طلاءه، وأحكم إثبات النوافذ، وغيّر مظهره، الذي بدا فيه التقادم وبان عليه التصدّع، ولا يعني تجديد البيت هدَّه من الأساس وإعادة بنائه طوبة طوبة.

ويوضّح أكثر هذا المعنى قول أحد المصلين: جدّدت وضوئي، وهو لا يريد بذلك الوضوء من جديد بعد انتقاضه، فهذا لا يُسمَّى تجديداً، وإنما يريد بتجديده إعادة جدته كسباً لأثره في المصلِّي، تزويداً له بالنشاط للأداء المتقن الخاشع بسببه.

وكذلك قولك لأحد المتعاهدين: جدّدْ العهد، فهو لا يعني أنْ عهدك قد انتقض، بقدر ما يعنون أنه تقادَمَ إلى درجة أوشك معه المتعاهدون يتخلون عن ملزماته ويتساهلون في التزام بنوده.

فالتجديد ـ إذاً ـ لا يستلزم إقامة شيء جديد على أنقاض القديم، ولا يعني رفض القديم كله بحسبان نفود صلاحه، وأنه صار سلباً غير نافع يجب إلغاؤه والإتيان بجديد مغاير منقطع عنه أصلاً ووصفاً.

ولكن حقيقة ما يعنيه التجديد هو إعادة الأمر إلى ما كان عليه أولاً، وهو نوع من الإجلال لذلك الأمر وتعظيم له، على خلاف ما يعتقده كثير من سامعي هذا المصطلح ومطلقيه.

المطلب الثاني: المفهوم الاصطلاحي للتجديد

ما تقرَّر من أصل التجديد ووضعه اللُّغوي، وما أوضحناه من مراده استلزاماً لمفهومه الوضعي؛ ما تقرَّر هناك: هو ما استصحبه العلماء حين اصطلحوا للتجديد، كلفظ شرعي ورد في نصوص الشارع الحكيم، وفي قول رسوله الأمين e.

فيقول العلقمي في معنى التجديد: "معنى التجديد إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسُّنَّة والأمر بمقتضاهما، وإماتة ما ظهر من البدع والمحدثات"([5]).

وقيل معناه: "تبيين السُّنَّة من البدعة، وإكثار العلم ونصرة أهله وكسر أهل البدعة"([6]).

قال الحاكم: "سمعت أبا الوليد حسان بن محمد الفقيه يقول غير مرة: سمعت شيخاً من أهل العلم يقول لأبي العباس بن سريج: أبشر أيها القاضي! فإنَّ الله مَنَّ على المسلمين بعمر بن عبد العزيز على رأس المائة، فأظهر كل سُنَّة وأمات كل بدعة".

ومعنى التجديد الاصطلاحي يظهر أكثر بتعريف أبي الأعلى المودودي ـ رحمه الله تعالى ـ إذ يرى أنَّ المجدِّد هو: "كل من أحيا معالم الدِّين بعد طموسها، وجدَّد حبله بعد انتقاضه..([7]).

فيكون التجديد: إحياء معالم الدِّين بعد طموسها، وتجديد حبله بعد انتقاضه.

والطموس لم يكن للدِّين، وإنما كان لمعالمه، ولا يريد بالطموس انتهاءه بالكلية من قلوب الناس وحياتهم، ولكن أراد به عدم ظهوره في جوانبه كلها. كما أنه ـ رحمه الله ـ لم يُلصِقْ الانتقاض بالدين، بل ألصقه بحبل الدِّين، وحبل الدِّين وسيلة التمسك به، من شعائر، ومشاعر، ونُسُك، وارتباط الوجدان بالمشاهدة، والمراقبة، والصدق، والتوكل، واستمساك العروة الوثقى، توجهاً بالنفس، وتوجيهاً بالدعوة.

فالتجديد في مراد العلماء ـ إذاً ـ يصدق في أمور:

أولها: إحياء ما اندرس من العلم والعمل.

وثانيها: الأمر بمقتضى الكتاب والسُّنَّة عند غياب الأمر بهما أو التساهل في الاستمساك بمقتضاهما.

وثالثها: تبيين السُّنَّة وتمييزها عن البدعة إذا اختلطتا وتمازجتا، فلو لم يقوَ الناس أو يقتدروا على التمييز بينهما لتمكَّن الجهل وتفشَّت الشُّبهة.

ورابعها: إماتة ما ظهر من البدع والمحدثات، بنشر العلم والدعوة به وإكثاره، ونصرة أهله، وكسر أهل البدع والمحدِثين.

وخامسها: إحياء معالم الدِّين بعد ما أصابها الطموس، بعوامل القسوة وطول الأمد، كما أصيب أهل الكتاب منهما، وقد أخبر الله عنهم في قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ}([8]).

وسادسها: ربط حبل الدِّين وتوثيقه في وسائله ووسائطه التعبدية والخلقية والوجدانية، إذا أوشك أنْ ينتقض، استمساكاً بعروة الدِّين الوثقى، وحفاظاً على أسبابه المثلى، التزاماً وثباتاً.

وهذا كله هو ما فعله الذين أخبر عنهم النبي الكريمe  في الخبر الصحيح من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ t عَنْ رَسُولِ اللَّهِ e قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ  الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا)([9]).

وذلك كله مقصود المصطفى e، حين يطلب على حرص النبوة إصلاح الذات، وتنقية القلب، وتزكية النفس من رواسب طول الأمد، وتراخي الرباط الإيماني في قوله e: (جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا؟ قَالَ: (أَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ)([10]).

ولعله المراد من جهود الطائفة القائمة على الحق للاستمساك بعروة الدِّين الوثقى، وإبقاء شعائره وشرائعه صافية نقية دون تغبّر أو تغيّر بجهود الطائفة الظاهرة بالحق على الحق كما في حديث ثَوْبَانَ t قَال:َ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: (لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ..)([11]).


المبحث الثاني: التجديد والمفهوم الخاطئ له

 

لم يأخذ التجديد ـ كمصطلح شرعي؛ ورد على لسان الشرع، ونطق به العلماء والدعاة والمفكرون كثيراً، في أوساط فكرية ودعوية ومحافل علميّة، حقَّه من الفهم الصحيح له، بل تجاوزت به فئات من النَّاس عن المراد الحق منه، إلى معانٍ تناقض مطلوب الشرع، وتنقضّ على ثوابت الدِّين وحقائقه بالإلغاء أو المحو أو التهوين أو التذويب.

فكثيرون ارتبط في أذهانهم معنى للتجديد، ليس هو المعنى الذي أُطلق عليه، بل هو معنى ـ حسب فهمهم ـ لم يقم على أصول العلم الشرعي، ولم يستصحب الثابت الحق الذي لا يجوز المساس به بحال، فظنوا أنَّ للتجديد رجالاً يجدِّدون للأُمَّة أمر هذا الدِّين؛ وأنَّ التجديد يكون بالتغيير لكل وجهٍ موجود في العصر، وبالنسخ لكل شكل يُتَعَبَّد به الله تعالى في أوانهم، وبالتبديل لكل أصل يقوم عليه الدِّين ـ علماً وسلوكاً ـ في زمانهم، ظناً منهم أنَّ التجديد هو: التبديل، والنسخ، والإلغاء، والتغيير بإطلاق، فيخوضون بهذا المفهوم المعكوس الحروب ضد ما ثبت من دين أو تديُّن، ويقودون الحملات الشرسة على كل ما استقر من حال أو شكل لدعوة أو عبادة، دون تمييز وتفريق بين ما يجوز فيه ذلك وما يُمنع، وبين ما يستحق التبديل أو التغيير وما لا يستحق، وبين الذي يصلح للأُمَّة تغييره وتبديله وبين ما يضرها إذا غُيِّر أو بُدِّل، فكل هذا تبديد لا تجديد، ويتبيَّن ذلك من خلال المطالب الآتية:

المطلب الأول: التجديد لحقائق الدِّين

فلا تجديد في حقائق الدِّين بحال، إلاَّ إذا قُصد بتجديدها إزالة الغبار العالق بها، وما أُدخل فيها من الشُبَهِ، وتعلق بها من الخرافات والخزعبلات، فتنقية حقائق الدِّين من هذه العوالق، وتصفيتها من الدخن والوهن وكل ما أصابها يكون من صميم التجديد.

أما محاولات الجهَّال ومن تربَّى على أفكار المتشككين والمستشرقين، وأقام عود قلبه على حب الملحدين، وأصاب عقله ونفسه أمراض الجدة والتغيير المطلق، فمحاولات أولئك ومن اتبعهم بشبر لتغيير حقائق الدِّين الثابتة، وسعيهم المستميت في صياغتها على وفق ما ترسّخ عندهم من أفكار وضلالات اليهود وخرافات النصارى التي تربوا عليها في مراحل التبعية وسنّيها العجاف؛ لا يكون تجديداً أبداً؛ وإنما هو تبديد لثوابت العقيدة الحقّة، وجوازم الدِّين التي لا تقبل التبديل، ولا التغيير، ولا النسخ.

فهؤلاء في الحقيقة، تلامذة الأحبار والرهبان من اليهود والنصارى، اتخذوهم أرباباً من دون الله، وما حَرَّف أصول الديانة عند اليهود إلاَّ الأحبار، وما حَرَّف حقائق الدِّين عند النصارى إلاَّ الرهبان، فمَنْ كان هؤلاء مفكريه وأساتذته لا شك اتبعهم في التحريف والتبديل!!.

 

المطلب الثاني: التجديد في نصوص الشرع

 

ولن يكون التجديد ممكناً يوماً لنصوص الشرع، من آيات الكتاب العزيز وأحاديث الرسول الكريم، إلاَّ إذا أُريد بذلك: صياغة أصول النظر فيها، وتطوير مسالك الاستنباط لمعانيها، وتسهيل طرائق استخراج الأحكام منها، حتى يقدر كل من حصّل قسطاً من أدوات النظر فيها الوصول إلى المطلوب الشرعي أو الاقتراب منه.

أما إذا أُريد بتجديد نصوص الشرع من الكتاب والسُّنَّة: الاستغناء عنها اعتماداً على العقل وتقديماً له عليها، فهذا مذهبٌ رفضته جماهير الأُمَّة وعلماؤها ومجدِّدوها من أهل السُّنَّة من قديم، حين ظهر المعتزلة يبالغون في تقديم العقل على النصّ، ويطّرحون ما أوصل نصّ الشرع إذا وُجد معنى عقلي مقابل، بل ربما ردّوا نصوص الشرع في مقابل المعنى العقلي.

فالهشاميّة([12]) منهم أكثروا من هذا الباب يخالفون القرآن بعقولهم، فقالوا:

·     إنَّ الله تعالى لا يؤلف بين قلوب المؤمنين، بل هم المؤتلفون باختيارهم، مع أنَّ الله  تعالى قال في ذلك صراحة: {مَا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ}([13]).

·     إنَّ الله تعالى لا يحبِّب الإيمان إلى المؤمنين ولا يزينه في قلوبهم، مع أنه تعالى صرَّح بذلك فقال: {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}([14]).

·     إنَّ الله تعالى لا يطبع، ولا يختم، ولا يسدّ، ولا يجعل شيئاً من ذلك في القلوب، مع أنه عزّ وجلّ يصرِّح بكل ذلك فيقول في الختم: {خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ.. }([15])، ويقول في الطبع: {بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً}([16])، وقال: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ}([17])، وقال: {أُولَـئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}([18]).

·     إنَّ الله تعالى لم يخلق الكافر، لأن الكافر: كفر وإنسان، والله تعالى لا يخلق الكفر، مع أنَّ الله تعالى صرَّح بذلك فقال: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}([19]).

كما أنّ التجديد لا يمكن أنْ يكون في نصوص الشرع: بتقديم المصلحة المجردة عن الأصل المنقطعة عنه ـ ولا شاهد لها منه  تقاس عليه ـ على نص الشرع عند المخالفة والمعارضة، وقد ظَنَّ بعض الناس صحة ذلك، فنادوا به يزعمون أنهم يجدِّدون به الدِّين، بشبهة أنَّ الإسلام يعد المصلحة، وأنه ما جاء إلاَّ لجلبها ودرء المفسدة المقابلة لها، فنشطوا يؤخرون النصوص من أجل المصلحة، ويردونها أخذاً بالمصلحة وتقديماً لها، وهذا طريقٌ رفضه الناس حين نُصبتْ على مدرجة الشرع، وقد صرَّح بسلوكها الطوفي([20]) يزعم أنَّ رعاية المصلحة أقوى أدلة الشرع، وأنَّ نصوص الشرع إذا خالفتها وجب تقديم رعاية المصلحة عليها! ليتسع الخرق على الناس، يفتئت على الشرع من هبَّ، ويعطّل نصوصها من دبَّ، كلما أعجزه العلم عن إدراك المراد أو الوصول إلى المطلوب([21]). فهذا كله ليس بتجديد مقبول، وليس هو الذي بشَّر به الشرع الأُمَّة ببعث رجالها من أجله.

المطلب الثالث:التجديد والابتداع

وإنَّ الذي بين التجديد والابتداع، هو ما بين الضدّين من تخالف وتضاد وتعاكس، فلا يمكن أنْ يكون التجديد من الابتداع، بل هما ضدّان متعاكسان:

·     الابتداع قطع عن الأصل، والتجديد إعادة للأصل وربط به.

·     الابتداع اختراع في أصول الدِّين وفروعه بلا دليل، والتجديد إرجاع لأصول الدِّين وربط لفروعه بالدليل.

·     الابتداع طمس لحقائق الدِّين ومعالمه، والتجديد إحياء لتلك المعالم بعد طمسه، فأنَّى يجتمعان، وكيف لهما أنْ يلتقيا؟ فلا يمكن أنْ يكون تجديد الدِّين بالابتداع فيه يوما ما.

المطلب الرابع:التجديد بالجديد

ويخطئ الكثيرون حين يظنون أنَّ التجديد لا يكون إلاَّ بإتيان جديد غير مسبوق في تاريخ التديُّن، أو باختراع عبادة يرون أنها تناسب العصر أو الناس أو الحال، أو بإنشاء أوامر جديدة وتعاليم لم يشر إليها نصٌّ أو استدلال، واهمين أنَّ البقاء على كل قديم جمود قاتل، وأنَّ الثبات على الأصول تقليد مذموم، وأنَّ استصحاب الماضي تعصب خاسر، وينهض لذلك بدوافع رافضة للقديم بمجرد كونه قديماً، وهؤلاء هم الذين سخر منهم الرافعي ـ رحمه الله تعالى ـ حين دخل معركته معهم [تحت راية القرآن] وقال: "إنهم يريدون أنْ يجدِّدوا الدِّين، واللُّغة، والشمس، والقمر". وهؤلاء هم الذين رَدَّ عليهم محمد إقبال حين قال: "إنَّ الكعبة لا تُجَدَّد بجلب حجارة لها من أوربا".

وهم الذين أشار إليهم أحمد شوقي في قصيدته عن الأزهر :

ولو استطاعوا في المجامع أنكروا
من كل ساعٍ في القديـم وهدمـه

 

من مات من آبائهم أو عمِّرا
وإذا تقـدّم للبناية قصّــرا([22])

 

  

 

 


المبحث الثالث: تجـديـد التديُّـن والالتـزام

 

التديُّن الذي يطلبه الشرع لم يكن يوماً ما ذلك الشكل المتبلِّد على صورة واحدة في كل حين، لا يقدر صاحبه أنْ يتجاوزها اعتقاداً منه أنه عابد لله تعالى على أعلى درجة مما لا يستطيع مثلها أحدٌ غيره. ولم يكن الالتزام المطلوب في شريعة الإسلام تصلُّباً وجموداً على حالة واحدة لا تتبدّل، وإنْ كان التبديل مراداً لها، فذلك كله خروج عن مراد الشارع في التديُّن والالتزام.

وليس التديُّن الذي يطلبه الشرع ـ كذلك ـ صوراً تُلتزم حيناً وتُهمل أحياناً في تساهل متعمّد، وانحلال عن ملزماته بأدنى الحيل والأسباب والدواعي، فذلك برهانٌ على قلة الرقيب النفسي، وسرعة ذوبان الارتباط، وانعدام استشعار المراقبة لله الرقيب.

لم يكن التديُّن المقصود في شريعة الله تنازعاً بين أهل التساهل المفرِّطين، الذين لا يرعون له حرمة ولا يرون فيه إلزاماً، وبين أهل التشدُّد المتطرّفين، الذين لا يرون فيه فسحة من اختيار، أو تفاوتاً في الطلب، أو تيسيراً في الأداء، أو رعاية للأحوال من الضعف والقوة، والانشغال والتفرغ، والمرض والصحة، والحاجة والضرورة، والمشقة والكلفة، وغير ذلك مما رعاه الشرع وجعله سبباً للتخفيف على المكلَّفين والتيسير على العابدين.

فهذان الطرفان من أهل التديُّن ليسا مرضيين، وكل منهما تجاوز الحدّ المرغوب المحبوب الذي يجده المستقريء للشرع المحكم. فطرف التساهل مكروه، وطرف التشدُّد مرفوض، والتديُّن الصحيح لا يعرف التساهل في الدِّين ولا التشدُّد فيه.

لا تساهـل بل تيســـير:

فالتساهل لا يقرّه الإسلام لمن التزم شعائره، بل التساهل شرّ التديُّن، والمتساهل شرّ العُبَّاد، فهو لا يعبِّر إلاَّ عن استهوان المتدين بما يتعبَّد الله به، واستصغار شأن العبادة لله تعالى كما طلبه وأراده جَلَّ شأنه. ولم يكن المتساهل في أي شأن ـ ديني أو دنيوي ـ إلاَّ منبوذاً، مكروهاً، موصوماً بالشر والهوان.

فالتديُّن لا يقبل التساهل في ملزماته ومطلوباته بحال.. ولهذا اشتد وعيد الله عزَّ وجَلَّ على المتساهل المفرِّط في عباداته الذي يستهين بأمرها، ويتهاون في أدائها والالتزام بها:

·     فالمتساهل في صلاته لا يقيمها بأركانها، ولا يتوفر لها بشروطها، ولا يحافظ على أوقاتها، بل يسهو عنها ويضيعها، هذا العابد موعود بالويل والثبور، وإنْ كان مصنَّفاً في المصلين، يقول تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ}([23]).

·     والمتساهل في الصوم الواجب، والمفرِّط فيه لا يبالي إنْ أفطر في رمضان، بلا عذر ولا مرض ولا رخصة معلومة؛ مؤاخذٌ ملوم، ففي حديث أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: (مَنْ أَفْطَرَ يَوْماً مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ وَلاَ مَرَضٍ لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ وَإِنْ صَامَهُ)([24]).

·     والتساهل في الحج والإفراط في أدائه والتهاون فيه بلا عذر مانع؛ يعد استقلالاً بالفريضة، واستهانة بالمنسك الركن، وقد جاء في حديث أَبِي أُمَامَةَ t، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: (مَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ عَنِ الْحَجِّ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ أَوْ مَرَضٌ حَابِسٌ فَمَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ؛ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيّاً وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيّاً)([25]).

فالتساهل مرفوض غير مقبول عند أهل التديُّن البتة.

ولكن! خلط الكثيرون بين ما هو تساهل وبين ما هو تيسير، وحكموا على أقوام ميسِّرين بأنهم قوم يتساهلون في التزامهم وتعبُّدهم، وهم في الحقيقة ميسِّرون.. والتيسير على النفس في الطاعات والعبادات التزاماً في النفس وإفتاءً للغير ليس بمنكر ولا محظور، بل هو مرغوب محبوب مطلوب طلب ندب واستحباب، إنْ لم يكن طلب إلزام وإيجاب!!.

فمن سُنَّة رسول الله  eمما التزم به في خاصته، سُنَّة تأسٍّ وأصل اقتداء، وكان نهجاً ثابتاً في تعبُّده وتديُّنه التيسير على نفسه ما وجد إليه خياراً، فإنَّ أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ تخبر كما في الصحيحين: (مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ eَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَيْسَرُ مِنَ الآخَرِ إِلاَّ اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْماً)([26]).

وكان أمرهe  لخلفائه في الدعوة والفتوى والعلم التيسير على الناس، يقول لهم كما في حديث أنس t: (يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا)([27]).

هذا في الدعوة ، وقد أمر بالتيسير كذلك في الفتوى، كما في حديث أبي موسى t، قَالَ: (بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ e وَمُعَاذاً إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: (ادْعُوَا النَّاسَ وَبَشِّرَا وَلا تُنَفِّرَا وَيَسِّرَا وَلا تُعَسِّرَا) قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفْتِنَا فِي شَرَابَيْنِ كُنَّا نَصْنَعُهُمَا بِالْيَمَنِ، الْبِتْعُ: وَهُوَ مِنَ الْعَسَلِ يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ. وَالْمِزْرُ: وَهُوَ مِنَ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ. قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ e قَدْ أُعْطِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ بِخَوَاتِمِهِ فَقَالَ: (أَنْهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ أَسْكَرَ عَنِ  الصَّلاةِ)([28]).

وكذلك يأمر رسول الله e بأنْ يُراعى التيسير ويُنتهج في التعليم كما  يُراعى ويُنتهج في الدعوة والفتوى، فيقول كما في حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: (عَلِّمُوا، وَيَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا، وَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْكُتْ)([29]).

والقرآن يثبت أنْ مِنْ مراد الله عَزَّ وجَلَّ ومقاصده في تشريع العبادات والشعائر مراعاة التيسير في إقامتها والالتزام بها.

ففي تيسير فريضة الصلاة وتوابعها يصرح تعالى أنه مريد للتيسير ولا يقصد التعسير بحال، فيقول في آخر آية المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} ينبّه في آخرها على مقصد التيسير في التشريع فيقول: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ}([30]).

وفي تيسير فريضة الصيام يصرح تعالى أنه مريد للتيسير فيها فيقول : {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}([31]).

وفي تيسير فريضة الحج يصرِّح ربُّ العزة أنه مريد للتيسير كذلك فيقول: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ …}([32]).

وقولـه تعالى: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ} على ما قال الجمهور أي: مِمَّا تيسّر مما يسمّى هَدْياً([33]).

وفي تيسير أمر الدِّين كله يقول تعالى {هُوَ اجْتَبَاكُمْ، وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ ..} الآية([34]).

فالتيسير مقبول ومحبوب ومرغوب، ولا يرادف التساهل لا في المعنى ولا في الحكم، فالتديُّن مطلوب فيه التيسير، ومكروه فيه التساهل، وأهل التديُّن والالتزام لهم التيسير ولا يجوز لهم التساهل.

لا تشـدُّد بل استمسـاك:

وفي المقابل، لا يقرّ الإسلام أهل الالتزام بشعائره وآدابه التشدُّد في التزامهم، إنَّما يطالبهم بالاستمساك بعروة الدين الوثقى تديُّناً وإيماناً.

فالتشدُّد تعبير رافض لسماحة الدِّين ويسر التشريع، وقد أرادهما الرب المعبود لدينه وشريعته. وهو كذلك إلزام للنفس بما لم يلزمها الشرع، وسدّ لباب الاختيار فيما يخيّر فيه العبد، إذ يحمل معنى المبالغة في إجهاد النفس وإلزامها، والمغالاة والتجاوز لحدّ المعقول في الأقوال والأفعال([35]).

ومع ذلك فالتشدُّد لا يأتي بخير، والمتشدِّدُون ما أكثر ما يغلبون على التزامهم فلا يقدرون على الثبات والاستمرار، ولا على المداومة للطاعة فيما تشدَّدُوا فيه وتعمقوا، فينقلب أكثرهم عن حال التشدُّد إلى حال التساهل، وينحدرون من أعالي الالتزام إلى أسافل الانحلال والانسلاخ، وينقلب على وجهه ليكون من الغاوين.

هذا المعنى نجده في قول النَّبِيِّ e وهو يقابل بين التيسير والتشدُّد: (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ)([36]).

ولإلغاء منطق التشدُّد من قاموس التعبُّد يرشد النبي e إلى التيسير مع السداد والمقاربة، فيقول في رواية النسائي: (إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا وَيَسِّرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدَّلْجَةِ)([37]).

وهاهو e يرى التشدُّد في أحد أصحابه وهو يكثر الركوع والسجود  بدرجة يظن من رآه أنه يرائي لا يخلص، فينبّه عليه الصلاة والسلام إلى القصد وعدم المبالغة والمغالاة في العبادة.

·     قَالَ بُرَيْدَةَُ الأَسْلَمِيُّ t: (خَرَجْتُ ذَاتَ يَوْمٍ لِحَاجَةٍ، فَإِذَا أَنَا بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاة وَالسَّلامُ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيَّ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَانْطَلَقْنَا نَمْشِي جَمِيعاً، فَإِذَا نَحْنُ بَيْنَ أَيْدِينَا بِرَجُلٍ يُصَلِّي يُكْثِرُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَقَالَ النَّبِيُّ e: (أَتُرَاهُ يُرَائِي؟) فَقُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَتَرَكَ يَدِي مِنْ يَدِهِ ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يُصَوِّبُهُمَا وَيَرْفَعُهُمَا، وَيَقُولُ: (عَلَيْكُمْ هَدْيًا قَاصِداً، عَلَيْكُمْ هَدْيًا قَاصِداً، عَلَيْكُمْ هَدْياً قَاصِداً، فَإِنَّهُ مَنْ يُشَادَّ هَذَا الدِّينَ يَغْلِبْهُ)([38]).

·     ولم يرض نبي الله e التشدُّد من أحد ولو كان هذا الأحد هو أقرب  الناس إليه، وإنما ينهى عنه ويرشد إلى الأصوب الأوفق لشرع الله، ولو كان التشديد على النفس محبوباً لرضيه لزينب رضي الله عنها، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ t، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَرَأَى حَبْلاً مَمْدُودًا بَيْنَ  سَارِيَتَيْنِ فَقَالَ:(مَا هَذَا الْحَبْلُ؟) فَقَالُوا: لِزَيْنَبَ تُصَلِّي فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ بِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ e: (حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ)([39]).

فالتشدُّد في الطاعات والعبادات منبوذ، ومكروه، ومرفوض في الشرع كالتساهل.

ولكنَّ كثيراً من عوام الأُمَّة المتساهلين، ومَنْ لا علم لهم بحقائق التشريع ومناهجه، وأصحاب الأغراض المنغمسين في الشهوات والمحبوسين في غيابت الشبهات، وفريقاً من الحريصين على الشرف والجاه، والعابدين للعروش والسلطان، يرمون المستمسكين بعروة الدِّين الذين لا يفرِّطون في عروة من عرى الإسلام بالتشدُّد والتنطع، وهم إنما يقيسونهم على حالهم حين أحسنوا الظن بأنفسهم، وهم متساهلون مفرطون في الواجبات والفرائض والأركان يهدمونها ركناً ركناً، ولا شكّ أنَّ من كان هذا حاله فسيرى المتمسك الملتزم متشدداً متنطعاً.

هؤلاء يجب أنْ يتنزهوا عن التساهل في الالتزام والطاعة، ويسارعوا دون تباطؤ أو تراخ إلى الالتزام والاستمساك بكل مطلوب ملزم، من غير تجاوز للحدّ، وانطلاق لطرف الغلو والتنطع الذي يعني التشدُّد في غير مواضع التشديد. فإنَّ التديُّن آن له أنْ يُجدَّد بتزيينه بالتيسير والاستمساك، ونفي خبث التشدُّد والتساهل عنه، وجزى الله شيخنا أحمد علي الإمام ـ حفظه الله تعالى ـ طالما ردَّد لترسيخ هذا المعنى العميق مقولته الذهبية: [نحن قوم لا نعرف التساهل في الدِّين ولكن نعرف التيسير فيه، ولا نعرف التشدُّد في الدِّين ولكن نعرف الاستمساك فيه].

الاختلال في الالتزام والتديُّن:

إنَّ الكثيرين ممن راقهم التزامهم، وعدَّوا أنفسهم أكثر العباد تديُّناً، يختل تديُّنهم والتزامهم في أحوال كثيرة، فلا يستطيعون أنْ يرتبوا ما التزموه من عبادات أو غيرها، بل يرتبك حالهم في كل مرة فيُقدَّم ما حقه التأخير، ويؤَخَّر ما شأنه التقديم. ينكر المباح على غيره ويترك الواجبات، ويأبى أنْ يأتي المستحب ولكنه يأتي المحرمات، ولا يرى التخيير في الجائز ثم يغشى المكروهات، وهكذا.

·     فإنَّ منهم مَنْ لا يفرِّط بحال عن إدراك الجماعة في المسجد، يُعَدُّ له كل عدة، ويستعد مع النداء أو قبله، بل يصرّ إصراراً شديداً على الصلاة في الصف الأول ما حيي، وكل ذلك لا يتعدى الاستحباب والندب ـ وهو طيّب مطلوب محبوب وغاية في الالتزام والطاعة ـ ولكنه مع ذلك يؤذي جاره، وهو محرَّم عليه غير جائز له.

·     ومنهم مَنْ يُدخل الليل في النهار، ويستظهر الأحاديث والآثار برواتها، يجتهد في الإحاطة بأحوال رجال الأسانيد، ويعرف عنهم تفاصيل حياتهم، وكونهم ثقات أو ضعافاً، ولا يملّ من ضبط متون السنن، وتجده يلحن في القرآن لا يجوِّد آية من سورة.

·     ومنهم من يستكثر الأحاديث ويفني عمره في حفظها واستظهارها، ثم يستقل فقهها ولا يكاد يفقه جملة مما يحفظ ويستظهر، وإنْ قيل برّر فقال: "الفقه أقوال الرجال، والحديث قول الرسول e، فلا أنشغل بقول الرجال عن قول الرسول"، ومن بعد ذلك تراه يسيء فهم ما يحفظه، ويتجرأ على أنْ يفتي بغير علم ولا ملكة اجتهاد، وينازع الأئمة الفقهاء ويستصدر الأحكام بهواه، إذ هو ليس بفقيه يتملك أدوات الاجتهاد ليستعين بها.

ومما ذكره العلماء من إساءة فهم الأحاديث ممن اشتغل بجمعها واستظهارها، واستغرق في ذلك عمره :

[1] ما ذكره ابن الجوزي من أنَّ بعض المحدثين روى عن رسول الله e أنه نهى أنْ يسقي الرجل ماءه زرع غيره، فقال جماعة ممن حضر: قد كنَّا إذا فضل عنا ماء في بساتيننا؛ سرَّحناه إلى جيراننا، ونحن نستغفر الله تعالى.

قال ابن الجوزي معلِّقاً على ذلك: "فما فهم القارئ ولا السامع ولا شعروا أنَّ المراد وطء الحبالى من السبايا"([40]).

والحديث أخرجه أبو داود في سننه عَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَامَ فِينَا خَطِيباً قَالَ: أَمَا إِنِّي لا أَقُولُ لَكُمْ إِلاَِّ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ e يَقُولُ يَوْمَ حُنَيْنٍ، قَالَ: (لا يَحِلُّ لامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ، يَعْنِي: إِتْيَانَ الْحَبَالَى)([41]). وهذا تفسير الراوي، وهو واضح في أنَّ المراد إتيان الحبالى من السبايا.

[2] ما ذكره الخطابي ـ رحمه الله تعالى ـ، قال: "كان بعض مشايخنا يروي الحديث أنَّ النبي e نهى عن الحلق قبل الصلاة يوم الجمعة، بإسكان اللام، قال: "وأخبرني أنه بقي أربعين سنة لا يحلق رأسه قبل الصلاة. قال: فقلت له: إنما هو الحلق جمع حلقة، وإنما كره الاجتماع قبل الصلاة للعلم والمذاكرة، وأمر أنْ يشتغل بالصلاة وينصت للخطبة. قال: قد فرّجت عليّ " وكان من الصالحين"([42]).

والحديث أخرجه ابن ماجة في سننه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه أنَّ رسول الله e نهى أنْ يُحلَّق في المسجد يوم الجمعة قبل الصلاة"([43]).

وظاهر الخبر أنَّ المراد التحلُّق لا الحلْق.

[3] ما أخرجه ابن عبد البر بسنده عن عبيد الله بن عمرو أنه قال: "كنت في مجلس الأعمش فجاءه رجل فسأله عن مسألة فلم يجبه فيها، ونظر فإذا أبو حنيفة، فقال: يا نعمان! قل فيها، قال: القول فيها كذا، قال: من أين؟ قال: من حديث حدثتناه، فقال الأعمش: نحن الصيادلة وأنتم الأطباء"([44]).

فعن أمثال هؤلاء كان يحيى بن يمان يقول: "يكتب أحدهم الحديث ولا يتفهّم ولا يتدبّر ، فإذا سئل أحدهم عن مسألة جلس كأنه مكاتَبٌ"([45]).

ويقول ابن الجوزي في "تلبيس إبليس" عن هؤلاء وأمثالهم: "إنّ([46]) قوماً استغرقوا أعمارهم في سماع الحديث والرحلة فيه، وجمع الطرق الكثيرة، وطلب الأسانيد العالية والمتون الغريبة، وهؤلاء على قسمين: قسم قصدوا حفظ الشرع بمعرفة صحيح الحديث من سقيمه، وهم مشكورون على هذا القصد، إلاّ أنَّ إبليس يلبس عليهم بأنْ يشغلهم بهذا عما هو فرض عين من معرفة ما يجب عليهم، والاجتهاد في أداء اللازم والتفقه في الحديث، فإنْ قال قائل: فقد فعل هذا خلق كثير من السلف، كيحيى  بن معين، وابن المديني، والبخاري، ومسلم، فالجواب: أنَّ أولئك جمعوا بين معرفة المهم من أمور الدِّين والفقه فيه، وبين ما طلبوا من الحديث، وأعانهم على ذلك قصر الإسناد وقلة الحديث، فاتسع زمانهم للأمرين، فأما في هذا الزمان؛ فإنَّ طرق الحديث طالت والتصانيف فيه اتسعت، وما في الكتاب في تلك الكتب، وإنما الطرق تختلف، فقلَّ أنْ يمكن أحدٌ أنْ يجمع بين الأمرين، فترى المحدّث يكتب ويسمع خمسين سنة، ويجمع الكتب ولا يدري ما فيها، ولو وقعت له حادثة في صلاته لافتقر إلى بعض أحداث المتفقهة الذين يترددون إليه لسماع الحديث منه، وبهؤلاء تمكن الطاعنون على المحدثين فقالوا: زوامل أسفار لا يدرون ما معهم. فإنْ أفلح أحدهم ونظر في حديثه فربما عمل بحديث منسوخ، وربما فهم من الحديث ما يفهم العامي الجاهل وعمل بذلك، وهو ليس بالمراد من الحديث... قال: وقد رأينا في زماننا من يجمع الكتب، منهم ويكثر السماع، ولا يفهم ما حصّل، ومنهم من لا يحفظ القرآن، ولا يعرف أركان الصلاة، فتشاغل هؤلاء على زعمهم بفروض الكفاية عن فروض الأعيان، وإيثار ما ليس بمهم على المهم من تلبيس إبليس"([47]).

وفي هذا أيضاً يقول ابن عبد البر: "أما طلب الحديث على ما يطلبه كثير من أهل عصرنا اليوم، دون تفقه فيه ولا تدبُّر لمعانيه؛ فمكروه عند جماعة أهل العلم"([48]).

وإنْ كان هذا في عصرهم الزاهر؛ فيكون أشدّ كراهة طلبه على ما يفعله أهل عصرنا اليوم، لتفشي الجهالة، وضعف الفهوم، واختلال الأولويات، وما يجب تقديمه وما يستحق تأخيره.

ومن مظاهر اختلال التديُّن في كثير من أهله، أنَّ بعضهم لا يفرِّط في المندوبات، ولا يسهو عن المستحبات لا توقيتاً ولا إكثاراً، ومع ذلك يواقع المحرمات ويرتكب الكبائر ولا يبالي!!.

فهذا رجل عابد متنسك، حين تراه يقوم الليل كأحسن الخاشعين، ويتلو القرآن في جوف الليل كأحسن العابدين، لا تظن فيه سُوءاً ولا تصدق أنه يرتكب إثماً من الصغائر بلَهَ الكبائر، ولكنه مع أنه قَوَّام بالليل يصلي ويتلو؛ لا يتورع عن ارتكاب الكبائر، ولا يمسك يده عن سرقة أموال الناس، ويسيئ إلى من يحسن إليه، فكيف يستقيم التديُّن لأمثال هذا؟.

روى مالك في الموطأ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ: "أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ أَقْطَعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ قَدِمَ فَنَزَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَشَكَا إِلَيْهِ أَنَّ عَامِلَ الْيَمَنِ قَدْ ظَلَمَهُ، فَكَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فَيَقُولُ أَبُو بَكْرٍ: وَأَبِيكَ مَا لَيْلُكَ بِلَيْلِ سَارِقٍ، ثُمَّ إِنَّهُمْ فَقَدُوا عِقْداً لأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، امْرَأَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَطُوفُ مَعَهُمْ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِمَنْ بَيَّتَ أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ الصَّالِحِ، فَوَجَدُوا الْحُلِيَّ عِنْدَ صَائِغٍ زَعَمَ أَنَّ الأَقْطَعَ جَاءَهُ بِهِ فَاعْتَرَفَ بِهِ الأَقْطَعُ أَوْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِهِ، فَأَمَرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَقُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: "وَاللَّهِ لَدُعَاؤُهُ عَلَى نَفْسِهِ أَشَدُّ عِنْدِي عَلَيْهِ مِنْ سَرِقَتِهِ"([49]).

ومن مظاهر اختلال الدِّين: الاندفاع بلا ارتياب في ارتكاب المحرمات، مع التردد في العمل بالمعفوات، والتفريط في الأمر العظيم الخطير، مع التحرّج والتوقّف في الأمر اليسير.

فانظر إلى هؤلاء الذين ما تورَّعوا ولا توقَّفوا ولا تحرَّجوا عن قتل الحسين بن علي ـ رضي الله عنهما ـ ابن رسول الله e وريحانة الجنَّة، ثم تراهم يتحرّجون ويتوقّفون في قتل الذباب، وإصابة الثوب بدم البعوض!!. فأي التزام هذا وأي تديُّن يختل لهذه الدرجة؟

أخرج البخاري وغيره عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْيمٍ قَالَ: "كُنْتُ شَاهِدًا لابْنِ عُمَرَ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ، فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ. قَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا يَسْأَلُنِي عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ وَقَدْ قَتَلُوا ابْنَ النَّبِيِّ e، وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ e يَقُولُ: (هُمَا ـ أي الحسن والحسين ـ رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا)([50]).

وبعض أهل السلطان لا يغفر لمن يسبه أدنى سبٍّ، ولا يعفو عمن يتكلم فيه غير الذي يرضاه، بل يؤاخذه بأدنى شبهة متهماً إيّاه بالخروج عليه، والبغي على سلطانه، والسعي للإطاحة بحكمه بغياً، والتمرد على سياسته، والخيانة له ولدولته.. أما إذا سُبَّ الله عز وجل علناً!! أو سُبَّ رسول الله e!! أو سُبّ دين الله وشرعه، وسنة المصطفى e!! فلا شيء، لأن الناس أحرار، وحرية التعبير مكفولة لكل أحد، وقد قيل بإحسان في مثل ذلك:

ومَنْ سَبَّ الإلهَ فإنَّ النَّاس أحرارُ

 

يُقادُ للسجن مَنْ سَبَّ الزَّعيمَ

خاتمة:

بحمد الله تعالى وكرمه وتوفيقه كان استعراض ما أردنا عرضه لتبيُّن مواضع الخلل في تديُّن كثير منا، وتشخيص علل المتدينين في سلوكهم التعبدي، وأحوالهم في ترتيب أولويات العبادة وفي أعظم ما يرضي الإله الكريم جلّ وعلا.

ولقد توصّل البحث إلى بعض غاياته من مقاصد إجرائه، وأهداف كتابته، ومرامي دراسته، ومما توصّل إليه:

[1] أنَّ التجديد لم يكن يوماً ما في أصل وضعه اللُّغوي مراداً به التبديد، وانقطاع الأمر الذي يراد به التجديد عن أصوله ومنابعه، بل التجديد حينما اصطلح عليه الشرع كان مراداً منه على الدوام طلب جِدَّة الشيء ليصير جديداً كما كان أول الأمر.

[2] كثير من المنتسبين إلى أهل الفكر أخطأوا فهم التجديد فحملوه إلى معاني التبديد، وجعلوه يدلُّ على التخلّي عن ملزمات الدِّين، والانقطاع عن روابط التواصل في الأُمَّة المحمدية الحاملة لدين الحق والرسالة الخاتمة في العالمين، فأساءوا إلى الدِّين وهم يحسبون أنهم يحسنون إليه، فكان جهدهم هباءً، وسعيهم ضلالاً، وقولهم زوراً وبهتاناً، غير أنَّ عدول الأُمَّة من علمائها نفوا عن التجديد سوء تأويلهم، وضلال فكرهم.

فلا يعني التجديد تغيير الحقائق الدِّين، ولا يعني الإتيان على نصوص الشرع بالتحريف والوضع، ولا يعني الإتيان في الدِّين بجديد ولا يعني أبداً الابتداع فيه.

[3] من مظاهر الخلل في تديُّن كثيرٍ من النَّاس التساهل في الدِّين أو التشدُّد فيه، وكلاهما نقيض التجديد، ولقد أكثر المتساهلون في الإساءة للدِّين، وغالى المتشدِّدُون في حمل أنفسهم وغيرهم على حرف التديُّن، فكان حال الفريقين إلى حاجة بيّنة للتجديد.

والله تعالى أسأله القبول والرضا والتوفيق إلى خير دينه، والبعث لهذه الأُمَّة من يُجَدِّد لها دينها.

وصلى الله على رسولنا الحبيب، وعلى آله وصحبه، والتابعين لهم بإحسان، ورضي الله عن مجدِّدي الأُمَّة فجزاهم الله عنا خير الجزاء.

 

.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ..


قائمة بمراجع البحث

 

[1] النهاية في غريب الحديث: لابن الأثير، تحقيق طاهر الزاوي ومحمود الطناحي، دار إحياء الكتب العربية، بدون.

[2] لسان العرب: لابن منظور الإفريقي، دار صادر، توزيع مكتبة الرشد.

[3] مفهوم تجديد الدِّين: بسطاوي محمد سعيد، دار الدعوة الكويت، ط/1، 1405هـ ـ 1984م.

[4] سنن أبي داود بشرح عون المعبود: للآبادي، دار الفكر، 1979م.

[5] موجز تاريخ تجديد الدين: أبو الأعلى المودودي، ترجمه إلى العربية محمد كاظم سباق، دار الفكر، ط/3، 1387هـ ـ 1968م.

[6] مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني: دار صادر ـ بدون.

[7] صحيح الإمام البخاري بشرح فتح الباري: تحقيق وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب، دار الريان للتراث،
ط/1، 1407هـ ـ 1986م.

[8] مناهل العرفان: لمحمد عبد العظيم الزرقاني، خرَّج أحاديثه أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/1، 1409هـ، 1988م.

[9] الملل والنحل: لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، تحقيق محمد سيد كيلاني، طبعة 1387هـ، 1967م.

[10] ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية: د. محمد سعيد رمضان البوطي مؤسسة الرسالة، ط/4، 1402هـ ـ 1982م.

[11] المصلحة في الشريعة الإسلامية: نجم الدين الطوفي
ود. مصطفى زيد، دار الفكر العربي.

[12] فقه الدعوة ملامح وآفاق: عمر عبيد حسنة، سلسلة كتاب الأُمَّة ـ العدد [19].

[13] تفسير القرآن العظيم: للحافظ عماد الدين بن كثير، دار الأندلس، حائل، ومكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، 1413هـ، 1993م.

[14] موطأ الإمام مالك بشرح الزرقاني: دار الفكر، بيروت، (بدون).

[15] شرح النووي لصحيح مسلم (المنهاج): لمحي الدين النووي، تحقيق خليل مأمون شيحة، دار المعرفة، بيروت، توزيع كنوز المعرفة، ط/1، 1414هـ، 1994م.

[16] المستدرك على الصحيحين: للإمام أبي عبد الله الحاكم النيسابوري، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/1، 1411هـ، 1990م.

[17] سنن الترمذي: لأبي عيسى أبي سورة، مراجعة وتصحيح صدقي العطار، دار الفكر، بيروت، 1414هـ ـ 1994م.

[18] سنن الدارمي: لأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدرامي، تحقيق وتعليق د. مصطفى ديب البغاء، دار القلم، دمشق، ط/2، 1417هـ، 1996م.

[19] سنن النسائي.

[20] تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت، بدون.

[21] سنن الدرامي.



(H) أستاذ مشارك ومدير مركز بحوث القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية بجامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية (أم درمان ـ السُّـودان).

([1]) سورة الحجر، الآية (9).

([2]) يراجع: ابن منظور: لسان العرب، 3/108 وما بعدها، وأبو بكر الرازي: مختار الصحاح، ص 40، وابن الأثير: النهاية في غريب الحديث، 1/244ـ245.

([3]) سورة الجن، الآية (3).

([4]) انظر: بسطامي محمد سعيد: مفهوم تجديد الدِّين، دار الدعوة، الكويت، ط/1، 1405هـ، 1984م، ص 14-15.

([5]) الآبادي: عون المعبود شرح سنن أبي داود، دار الفكر، 1979م، 11/391.

([6]) المرجع السابق نفسه، 11/361.

([7]) أبو الأعلى المودودي: موجز تاريخ تجديد الدِّين، ترجمه إلى العربية محمد كاظم سباق، دار الفكر، ط/3، 1387هـ ـ 1968م.

([8]) سورة الحديد، الآية (16).

([9]) أخرجه أبو داود في كتاب الملاحم برقم 3740. وأبو عمر الداني في الفتن، 1/45، والحاكم في المستدرك، 4/522، والبيهقي في معرفة السُّنن والآثار، ص 52، وصحَّحه الألباني في سلسلته برقم 599، 2/150. وقال العلقمي في "شرح الجامع الصغير": "اتفق الحُفَّاظ على أنه حديث صحيح". وقال ابن القيم: "وممن نص على صحته من المتأخرين= =أبو الفضل العراقي وابن حجر، ومن المتقدمين الحاكم في "المستدرك" والبيهقي في "المدخل". ويراجع: عون المعبود، أول كتاب الملاحم، 11/385.

([10]) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، مسند المكثرين برقم 8353، دار صادر، 2/359.

([11]) أخرجه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة،  بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ e: (لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ يُقَاتِلُونَ، وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ)، ومسلم في كتاب الإمارة برقم 3544، والترمذي في الفتن برقم 2155.

([12]) هم أصحاب هشام بن عمرو الفُوَطي، من فِرَقِ المعتزلة التي بالغت في القدر، وهم ممن أنكروا أنَّ الجنة والنَّار مخلوقتان، وغير ذلك من البدع التي وقعوا فيها. راجع: المِلَل والنِّحل، لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، تحقيق محمد سيد كيلاني،
طبعة 1387هـ ـ 1967م، 1/72 وما بعدها.

([13]) سورة الأنفال، الآية (63).

([14]) سورة الحجرات، الآية (7).

([15]) سورة البقرة، الآية (7).

([16]) سورة النساء، الآية (155).

([17]) سورة محمد، الآية (16).

([18]) سورة النحل، الآية (108).

([19]) سورة التغابن، الآية (2).

([20]) هو: سليمان بن عبد القوي الطوفي، حنبلي في الفقه، اشتهر بالرفض والتشيع، كما ذكر ذلك ابن الجوزي في: "ذيل طبقات الحنابلة"، 2/366 و377، وابن العماد في: "شذرات الذهب"، 6/239.

([21]) انظر: د. محمد سعيد رمضان البوطي: ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية، مؤسسة الرسالة، ط/4، 1402هـ ـ 1982م، ص 202-215. ونجم الدين الطوفي،=
=ود. مصطفى زيد: المصلحة في الشريعة الإسلامية، دار الفكر العربي، ص 15-35 من ملحق الكتاب.

([22]) يوسف القرضاوي، مقابلة معه ضمن كتاب الأُمَّة، "فقه الدعوة ملامح وآفاق"، عدد [19]، تحرير الأستاذ/عمر عبيد حسنة، 2/165-166.

([23]) سورة الماعون، الآيتان (4ـ5).

([24]) أخرجه الترمذي، كتاب الصوم، باب ما جاء في الإفطار متعمّداً، برقم 723، وأبو داود، كتاب الصوم، باب التغليظ في من أفطر عمداً، برقم 2396، وابن ماجة، كتاب الصيام، باب ما جاء في كفارة من أفطر يوماً من رمضان، برقم 1672.

([25]) أخرجه الدارمي في سننه، كتاب المناسك، برقم 1719.

([26]) أخرجه الشيخان: البخاري، كتاب الأدب، باب قول النبي e : )يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا(،
برقم 6126، ومسلم، كتاب الفضائل، باب مباعدته
e  للآثام، برقم 77.

([27]) أخرجه الشيخان: البخاري، كتاب العلم، برقم 69، وفي كتاب الأدب برقم 6125 بلفظ: (وَسَكِّنُوا وَلا تُنَفِّرُوا)، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، برقم 3262، بلفظ: (بَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا وَيَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا)، وأبو داود في كتاب الأدب برقم 4835.

([28]) أخرجه مسلم في كتاب الأشربة برقم 3731.

([29]) أخرجه أحمد في مسند بني هاشم برقم 2029.

([30]) سورة المائدة، الآية (6).

([31]) سورة البقرة، الآية (185).

([32]) سورة البقرة، الآية (196).

([33]) راجع: تفسير ابن كثير، 1/220.

([34]) سورة الحج، الآية (78).

([35]) وراجع معنى التشدُّد في: لسان العرب، مادة (شدد)، 3/234–236. وانظر: شرح النووي لصحيح مسلم، 16/437.

([36]) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، برقم 39.

([37]) سنن النسائي، كتاب الإيمان وشرائعه، برقم 4948.

([38]) مسند الإمام أحمد، مسند الأنصار، برقم 21885، ومسند البصريين، برقم 18950.

([39]) أخرجه النسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، برقم 1625.

([40]) ابن الجوزي: تلبيس إبليس، ص 115.

([41]) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب النكاح، برقم 2158.

([42]) تلبيس إبليس نفسه.

([43]) سنن ابن ماجة، كتاب إقامة الصلاة والسُّنَّة فيها، برقم 1133.

([44]) ابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله، برقم 1736، 2/360.

([45]) جامع بيان العلم نفسه، برقم 1737.

([46]) هذا تصرف من الباحث، وفي الأصل: "من ذلك أنَّ قوماً ..".

([47]) راجع بتوسع: ابن الجوزي: تلبيس إبليس، مرجع سابق، ص 114ـ117.

([48]) جامع بيان العلم وفضله، 2/355.

([49]) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الحدود، برقم 1581.

([50]) أخرجه البخاري والترمذي وأحمد: صحيح البخاري، كتاب الأدب، برقم 5994، وسنن الترمذي، كتاب المناقب، برقم 3770، وقال: "هذا حديث صحيح"، ومسند الإمام أحمد، مسند المكثرين من الصحابة، برقم 5672 و5904.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق