السبت، 19 سبتمبر 2026

تهمة القول بخلق القرآن ضد سيّد قطب باطلة … حين تُقتطع العبارات من سياقها… نُسب إلى سيّد قطب القول بخلق القرآن؟

 


 من الاتهامات التي وُجّهت إلى الشهيد سيّد قطب رحمه الله أنه كان يقول بخلق القرآن، وأن بعض عباراته في في ظلال القرآن وكتبه الأخرى تدل على إنكار كلام الله أو تبنّي قول المعتزلة والجهمية.

وهذا اتهام خطير؛ لأن مسألة خلق القرآن من أشهر مسائل العقيدة التي وقع فيها نزاع تاريخي كبير، وامتحن بسببها الإمام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة أهل السنة.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بهدوء هو:

هل العبارات التي نُقلت عن سيّد قطب تثبت فعلًا أنه كان يعتقد أن القرآن مخلوق؟ أم أن بعضها قُطع عن سياقه وحُمّل على معنى لم يرده صاحبه؟

وهنا تبدأ المسألة.


🔹 أولًا: لا بد من التفريق بين «الخلق» و«الإعجاز»

من أكثر العبارات التي استُدل بها على سيّد قطب قوله في تفسير سورة الإسراء إن القرآن من «صنع الله»، وإن المخلوقين يعجزون عن الإتيان بمثله.

وهذا الكلام موجود فعلًا في في ظلال القرآن، لكن النص الكامل يبين أن سياقه هو بيان إعجاز القرآن وعجز البشر عن محاكاته، لا تقرير مسألة كلام الله على طريقة المعتزلة.

فسيّد قطب يقارن بين قدرة الإنسان المحدودة وبين صنع الله المعجز، ثم يقرر أن القرآن ليس مجرد ألفاظ يستطيع البشر محاكاتها، بل كتاب يعجز الإنس والجن عن الإتيان بمثله.

وهنا ينبغي أن نسأل:

هل كل استعمال لعبارة «صنع الله» يعني بالضرورة أن المقصود هو أن القرآن مخلوق؟

ليس بالضرورة.

فالعبارة ينبغي أن تُقرأ في سياقها، خصوصًا إذا كان صاحبها يتحدث عن الإعجاز والإنشاء والإبداع الإلهي، لا عن التفصيل الكلامي في صفة الكلام.


🔹 ثانيًا: النص الكامل أهم من العبارة المبتورة

ومن المواضع التي وقع فيها الاستدلال على سيّد قطب كلامه عن الحروف والكلمات.

فقد قال في تفسيره إن البشر يستعملون الحروف والكلمات في كلامهم، بينما لا يستطيعون أن يؤلفوا من هذه الحروف مثل القرآن.

وهذا المعنى ظاهر في سياق الحديث عن التحدي القرآني:

الحروف معروفة للعرب، والكلمات من جنس ما يتكلمون به، ومع ذلك عجزوا عن الإتيان بمثل هذا القرآن.

إذن القضية التي يناقشها سيّد قطب هنا هي:

كيف يتكوّن هذا الإعجاز الهائل من حروف وكلمات يعرفها البشر؟

وليس:

هل القرآن مخلوق أم غير مخلوق؟

والفرق بين المسألتين جوهري.


🔹 ثالثًا: «صنعة الله» لا تساوي تلقائيًا «القول بخلق القرآن»

من المواضع التي أُخذت على سيّد قطب قوله إن القرآن من «صنع الله»، ثم قوله إن البشر يعجزون عن أن يصنعوا مثله.

والنص نفسه يوضح أنه يتحدث عن الإعجاز:

البشر يستعملون الحروف والكلمات، ولكنهم لا يستطيعون أن يصوغوا منها كتابًا يماثل القرآن.

وهذا ينسجم مع قوله تعالى:

﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾.

والنص الكامل في الظلال يؤكد أن سيّد قطب يربط المسألة بعجز الخلق عن الإتيان بمثل القرآن، وبإعجازه ومنهجه وآثاره، لا بإثبات مذهب المعتزلة في كلام الله.


🔹 رابعًا: ماذا عن قوله: «توجّه الإرادة كافٍ وحده»؟

استُدل كذلك على بعض عباراته المتعلقة بقوله تعالى:

﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾.

فسيّد قطب يشرح قدرة الإرادة الإلهية، وأن إرادة الله لا يعجزها شيء، وأن الكون يصدر عن إرادته سبحانه.

وهذا في أصله حديث عن قدرة الله وإرادته ونفوذ أمره.

ولا يصح الانتقال من هذه العبارة مباشرة إلى النتيجة:

إذن سيّد قطب يقول بخلق القرآن!

لأن هذا استنتاج يحتاج إلى دليل مستقل، وليس مجرد تشابه لفظي بين الحديث عن «الإرادة» وبين مسائل المعتزلة.

بل إن الخلط بين صفة الإرادة وبين صفة الكلام هو نفسه يحتاج إلى بيان علمي دقيق.


🔹 خامسًا: وماذا عن كلامه في تكليم موسى عليه السلام؟

وهذه من أهم المواضع التي استُدل بها عليه.

قال سيّد قطب عند تفسير قوله تعالى:

﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى ۝ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾

إننا لا نعرف كيفية النداء، ولا كيف تلقاه موسى عليه السلام، ولا بأي كيفية وقع هذا الاتصال.

ثم ختم المعنى بقوله إن ذلك من أمر الله الذي نؤمن بوقوعه، ولا نسأل عن كيفيته؛ لأن الكيفية وراء مدارك البشر.

والنص الكامل واضح في أنه يثبت وقوع النداء، لكنه ينفي عن الإنسان القدرة على إدراك كيفيته. وهذا فرق مهم جدًا.

فعدم معرفة كيفية الكلام الإلهي لا يعني إنكار وقوع الكلام الإلهي.

وهذا التفريق ليس تفصيلًا هامشيًا، بل هو أساس مهم في باب الصفات:
إثبات ما أثبته النص، مع عدم ادعاء معرفة الكيفية.

والنص الكامل في الظلال يصف مشهد موسى عليه السلام أمام النداء الإلهي، ثم يقرر أن الإنسان يقف أمام كيفية هذا الاتصال مؤمنًا بوقوعه، عاجزًا عن إدراك كيفيته.


🔹 سادسًا: «القرآن ظاهرة كونية»… ماذا قصد سيّد قطب؟

ومن أكثر العبارات التي أُثير حولها الجدل قوله عند تفسير سورة طه:

«فالقرآن ظاهرة كونية كالأرض والسماوات».

فهل يعني هذا أن سيّد قطب جعل القرآن مخلوقًا مثل الأرض والسماء؟

الجواب يحتاج إلى قراءة بقية الفقرة.

فسيّد قطب يقول قبلها إن الذي أنزل القرآن هو الذي خلق الأرض والسماوات، ثم يربط بين الظاهرة الكونية وبين نزول القرآن من الملأ الأعلى إلى الأرض، ويربط السياق بين النواميس التي تحكم الكون وبين السنن التي ينزل بها القرآن.

إذن التشبيه في السياق ليس تشبيهًا في الحقيقة والماهية، وإنما في جهة الظهور والارتباط بالكون ونزول الوحي.

ومن الخطأ المنطقي أن يقال:

إذا شبّه شيئًا بشيء، فقد جعله مماثلًا له في كل الصفات.

فاللغة لا تعمل بهذه الطريقة.

عندما نقول:

«زيد كالأسد في الشجاعة»

لا يعني ذلك أن زيدًا صار حيوانًا مفترسًا!

وإذا قيل:

«القرآن ظاهرة كونية كالأرض والسماوات»

فلا يلزم من ذلك أن القرآن مخلوق؛ لأن وجه التشبيه ينبغي أن يُعرف من السياق.

وهذا بالضبط ما يؤكده النص الكامل في الظلال؛ فهو يتحدث عن نزول القرآن، وعن علاقته بالملأ الأعلى، وعن الربط بين سياق القرآن وسياق خلق السماوات والأرض.


🔹 سابعًا: حتى من خالف سيّد قطب لم يساوِ بالضرورة بين عباراته وبين مذهب المعتزلة

وهنا تظهر نقطة مهمة جدًا.

فقد نُقل عن الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله موقف أكثر احترازًا من بعض العبارات الموجودة في الظلال؛ إذ وصف سيّد قطب بأنه أديب وكاتب، ورأى أن بعض عباراته في مسائل العقيدة ليست مصطلحات علمية دقيقة على طريقة المتخصصين.

لكنه ميّز في الوقت نفسه بين النقد العلمي للعبارة وبين نسبة مذهب عقدي محدد إلى صاحبها.

وهذه نقطة منهجية مهمة:

قد تكون العبارة غير موفقة في الاصطلاح، أو قابلة للاعتراض، من غير أن يثبت بذلك أن قائلها يتبنى المذهب العقدي الذي يفهمه الناقد من تلك العبارة.

وهذا هو الفارق بين:

نقد العبارة

وبين:

الحكم على عقيدة صاحبها.


🔹 ثامنًا: ماذا عن التكفير؟

يزداد الأمر خطورة عندما تتحول المناقشة من:

«هذه العبارة خطأ»

إلى:

«إذن قائلها كافر».

وهنا لا بد من استحضار التفريق الذي قرره علماء الإسلام بين الحكم على القول وبين الحكم على المعيّن.

فشيخ الإسلام ابن تيمية يقرر أن إطلاق الحكم بالكفر على قول لا يعني بالضرورة تكفير كل شخص قاله بعينه، بل لا بد من النظر في الشروط والموانع وقيام الحجة في حق المعيّن. كما نقل أن الإمام أحمد استغفر لبعض من عذبوه ودعوا إلى القول بخلق القرآن، مع أن القول نفسه عده من الأقوال الكفرية.

وهذا يعلّمنا قاعدة بالغة الأهمية:

ليس كل من وقع في قولٍ كفري يُحكم عليه مباشرة بالكفر المعيّن دون تفصيل.

فإذا كان هذا أصلًا معتبرًا في كلام الأئمة، فكيف يصح الانتقال من عبارة محتملة أو مجازية أو أدبية إلى اتهام شخص بعقيدة كاملة دون استقراء مجموع كلامه؟


🔹 تاسعًا: ومن المفيد هنا ذكر موقف الشيخ بكر أبو زيد

ومن الشواهد اللافتة أن الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله اطّلع على كتاب ربيع المدخلي أضواء إسلامية على عقيدة سيد قطب وفكره، ووجّه إليه ملاحظات نقدية.

ومن أبرز ما ذكره أن عناوين الكتاب جمعت على سيّد قطب اتهامات شديدة، منها القول بخلق القرآن، ثم رأى أن مطابقة هذه العناوين بالموضوعات نفسها تحتاج إلى نظر، وانتقد طريقة العرض التي قد تدفع القارئ إلى الوقيعة في الرجل.

وهذه الشهادة لا تعني أن الشيخ بكر أبو زيد وافق على كل ما قاله سيّد قطب، ولا تعني أنه صحح جميع عباراته العقدية.

لكنها تؤكد شيئًا مهمًا:

أن القضية ليست بهذه البساطة التي يصورها عنوان «سيد قطب يقول بخلق القرآن».


🔹 عاشرًا: ما الذي يمكن إثباته إذن؟

الإنصاف يقتضي أن نقول:

نعم، توجد في كتب سيّد قطب عبارات يمكن أن يعترض عليها المتخصص في علم العقيدة من جهة الاصطلاح والدقة.

ونعم، بعض عباراته قد تكون قابلة لسوء الفهم إذا قُطعت من سياقها.

لكن هذا شيء، والقول:

«كان سيّد قطب معتزليًا يقول بخلق القرآن»

شيء آخر يحتاج إلى إثبات أقوى بكثير.

فالعبارات التي استُدل بها عليه تدور في مواضعها حول:

  • قدرة الله وإرادته.

  • إعجاز القرآن.

  • عجز البشر عن الإتيان بمثله.

  • نزول القرآن من عند الله.

  • الفرق بين صنع البشر وصنع الله.

  • استحالة إدراك البشر لكيفية بعض الأمور الغيبية.

  • الربط بين نزول الوحي وسياق الكون.

وهذه المعاني لا تكفي وحدها لإثبات تبنّي مذهب المعتزلة في خلق القرآن.


🔹 الخلاصة

المشكلة ليست في أن ننتقد سيّد قطب.

فالنقد العلمي حق، ومراجعة عباراته حق، وبيان ما أخطأ فيه حق.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المراجعة العلمية إلى قراءة انتقائية للنصوص، ثم تُحمل العبارة الأدبية على اصطلاح كلامي لم يصرح به صاحبها.

والقاعدة التي ينبغي ألا تغيب:

اقرأ النص كاملًا قبل أن تحكم عليه، واقرأ العبارة في سياقها قبل أن تنسب إلى صاحبها مذهبًا عقديًا.

فمن أراد أن يثبت أن سيّد قطب يقول بخلق القرآن، فعليه أن يقدم نصًا صريحًا لا يحتمل التأويل يقرر فيه هذا المذهب، لا أن يجمع عبارات متفرقة عن «الصنع» و«الإرادة» و«الظاهرة الكونية» ثم يبني عليها نتيجة عقدية كبرى.

أما النصوص التي بين أيدينا، فإنها تُظهر بوضوح أن سيّد قطب كان يتحدث في هذه المواضع عن إعجاز القرآن وقدرة الله ونزول الوحي وعجز الخلق عن محاكاته، وليس فيها ـ بمجردها وسياقاتها ـ ما يكفي لإثبات أنه تبنى مذهب المعتزلة في خلق القرآن.

ولهذا فإن الأدق علميًا أن يقال:

قد تُؤخذ على سيّد قطب بعض العبارات من جهة الصياغة العقدية والاصطلاح، لكن تحويل هذه العبارات إلى دليل قاطع على تبنّيه القول بخلق القرآن يحتاج إلى نصوص صريحة أقوى من تلك التي استُدل بها عليه.

وهنا يظهر الفرق بين نقد الخطأ واختلاق المذهب لصاحبه من خلال عبارات محتملة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق