🔥 الفكر المدخلي بين تقديس الأشخاص وإقصاء المخالفين… قراءة في أبرز ملامحه وآثاره
من خلال ما يظهر في الخطاب المدخلي المعاصر، ومن خلال الاحتكاك ببعض أتباعه ومتابعة خطابهم وممارساتهم، يمكن رصد عدد من السمات التي تستحق التوقف والنقد، لا بقصد الطعن في الأشخاص، وإنما لمناقشة منهجٍ فكريٍّ وأسلوبٍ دعويٍّ تركا آثارًا واضحة في الساحة الإسلامية.
❶ تضخيم مكانة الشيوخ
من أبرز المظاهر التي تُلاحظ في هذا الخطاب المبالغة في الثقة ببعض المشايخ، بحيث تتحول أقوالهم أحيانًا من اجتهادات بشرية قابلة للنقاش إلى مرجعية حاسمة في الحكم على الأشخاص والمواقف.
وهنا يصبح السؤال المنهجي مهمًّا:
هل تُعرف صحة القول بالأشخاص، أم يُعرف الأشخاص بالحق الذي يقولونه؟
فالعالم يُحترم ويُستفاد من علمه، لكنه ليس معصومًا من الخطأ.
❷ حصر مصادر العلم في دائرة ضيقة
يظهر في بعض الخطابات المدخلية تضييق دائرة التلقي، بحيث لا يُقبل العلم عن بعض العلماء والدعاة إلا بعد أن يحصلوا على تزكية من شيوخ معينين.
وبذلك قد يتحول مفهوم التزكية من وسيلة للتعريف بأهل العلم إلى أشبه ببوابة يُمنح من خلالها حق الكلام في الدين أو يُحجب.
والعلم أوسع من أن يُختزل في جماعة أو دائرة محددة من المشايخ.
❸ الأصل في المخالف عندهم التهمة حتى تثبت التزكية
ومن أخطر النتائج المترتبة على هذا الأسلوب أن يصبح الأصل في العالم أو الداعية المخالف هو الريبة والتحفظ، بينما يكون الأصل في الموافق هو القبول والثقة.
وهكذا تنتقل المسألة من مناقشة الأقوال والأدلة إلى تصنيف الأشخاص والبحث عن موقعهم من خريطة الولاء والبراء الدعوية.
❹ الغلظة في التعامل وسوء الظن بالمخالف
يؤخذ على بعض الخطابات المدخلية حضورٌ واضح للحدة والغلظة في الحوار، وسرعة إطلاق الأحكام على المخالفين، مع تفسير كثير من المواقف بأشد الاحتمالات.
ولا شك أن النصيحة والدفاع عن السنة أمر محمود، لكن الدعوة إلى الحق لا تحتاج إلى سوء الخلق، ولا إلى احتقار المخالف، ولا إلى تحويل الخلاف العلمي إلى خصومة شخصية.
❺ تحويل التحذير إلى غيبة وإسقاط
من أكثر الممارسات إثارة للجدل: الإكثار من الحديث عن العلماء والدعاة المخالفين، وذكر أخطائهم وسقطاتهم، تحت شعار التحذير والدفاع عن السنة.
والتحذير من الخطأ قد يكون مشروعًا عند الحاجة وبالضوابط الشرعية، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول إلى منهج دائم في التعامل مع المخالف، فتغيب حسناته، وتُضخّم أخطاؤه، ويصبح الحديث عنه قائمًا على الإسقاط أكثر من كونه تقويمًا علميًا.
❻ إسقاط هيبة العلماء المخالفين
حين يُختزل العالم المخالف في أخطائه، وتُنسى كتبه وخدمته للعلم والدعوة، ويُقدَّم للناس وكأنه لا يُعرف إلا بالانحراف والضلال، فإن النتيجة الطبيعية هي إسقاط مكانة العلماء في نفوس الشباب.
والإنصاف يقتضي أن نقول:
قد نختلف مع العالم في مسائل كثيرة، لكن اختلافنا معه لا يمحو علمه، ولا يلغي فضله، ولا يجعل كل ما عنده باطلًا.
❼ الغلو في قضية طاعة ولي الأمر
ومن أكثر المسائل التي أثارت جدلًا واسعًا في الخطاب المدخلي التوسع في مفهوم طاعة ولي الأمر، حتى يبدو في بعض التطبيقات أن الطاعة مقدمة على كل اعتبار، مهما بلغت درجة الظلم أو الاستبداد.
والمنهج المتوازن لا يعني الفوضى، كما أن الدعوة إلى طاعة ولي الأمر لا تعني إعطاء الحاكم حصانة من النقد والنصيحة، أو جعل طاعته مطلقة في كل الأحوال.
فالطاعة في الإسلام ليست طاعة عمياء، وإنما هي في المعروف.
❽ الهروب من غلو التكفير إلى غلو التبديع
لقد عرفت الساحة الإسلامية تاريخيًا مشكلة الغلو في التكفير، وهو أمر خطير بلا شك.
لكن معالجة غلوٍ بغلوٍّ آخر لا تصنع منهجًا متوازنًا.
فإذا كان التكفير بغير حق خطرًا، فإن التبديع والتفسيق والإسقاط بغير علم وعدل خطر كذلك، خصوصًا عندما تصبح هذه الأحكام وسيلة لإقصاء المخالفين من الساحة العلمية والدعوية.
❾ الإيحاء بامتلاك معيار «الفرقة الناجية»
من أخطر نتائج الخطاب الإقصائي أن تتشكل لدى أتباع أي جماعة قناعة بأنها تمثل وحدها المنهج الصحيح، وأن الآخرين لا بد أن يكونوا بين مبتدع وضال ومنحرف.
والحق أكبر من أن تحتكره جماعة، وأهل السنة عبر تاريخهم أوسع بكثير من أن يُختزلوا في تيار معاصر أو مدرسة واحدة.
❿ امتحان الناس بالأشخاص
ومن أبرز مظاهر هذا المنهج امتحان الناس بالمواقف من المشايخ والأسماء:
من تحب؟
من تنتقد؟
من تجلس إليه؟
من تقرأ له؟
من تثق به؟
وبذلك قد يصبح الشخص في بعض البيئات مطالبًا بإثبات سلامة منهجه من خلال قائمة من الولاءات والمواقف من الأشخاص، بدل أن يكون الميزان هو العلم والدليل والعدل.
⓫ الولاء والبراء حول شخصيات بعينها
ويظهر ذلك بصورة خاصة في التعامل مع بعض الشخصيات المؤثرة في التيار المدخلي، وعلى رأسها الشيخ ربيع المدخلي، حيث تتحول مواقف الشخص منه أحيانًا إلى معيار للحكم على قربه أو بعده عن المنهج.
وهنا ينبغي التفريق بين احترام العالم والاستفادة منه وبين تحويل الموقف منه إلى معيار يُبنى عليه تصنيف الناس وإقصاؤهم.
⓬ استقطاب الشباب باسم السنة
والشباب المتدين الباحث عن الحق يحتاج إلى بيئة علمية رحيمة تعلّمه كيف يفكر، وكيف يقرأ، وكيف يزن الأقوال بالأدلة.
لكن حين يُقدَّم له الدين في صورة صراعات مستمرة، وقوائم طويلة من المحذَّرين منهم، وأحكام متتابعة على العلماء والدعاة، فقد يتحول التدين عنده من رحلة علم وإيمان وأخلاق إلى رحلة بحث عن المخالفين وتصنيفهم والتحذير منهم.
وهذه مشكلة تربوية قبل أن تكون مشكلة فكرية.
الخلاصة
ليس النقد الموجَّه إلى الخطاب المدخلي اعتراضًا على الدفاع عن السنة، ولا على احترام العلماء، ولا على طاعة ولي الأمر في المعروف.
فالخلاف الحقيقي يتعلق بما قد ينشأ من غلو في الأشخاص، وتضييق لدائرة التلقي، وإفراط في التصنيف، وتحويل الخلاف العلمي إلى خصومة، والتوسع في التبديع والإسقاط، وربط سلامة المنهج بالمواقف من أسماء محددة.
والسنة لا تحتاج إلى هذا الأسلوب حتى تُصان.
فالحق يُعرف بالدليل، والعالم يُحترم دون أن يُعصم، والمخالف يُناقش دون أن يُهدر، والنصيحة لا تكون بالظلم، والتحذير لا يتحول إلى تشهير، والاختلاف لا يبرر إسقاط فضل الآخرين.
وأخطر ما يمكن أن يصل إليه الخطاب الدعوي هو أن يجعل الشباب يظنون أن الدين هو الانتصار على المخالفين، وأن سلامة العقيدة تُقاس بعدد من نُحذِّر منهم، وأن الولاء للحق لا يكتمل إلا بالولاء للأشخاص.
بينما الدين أوسع وأرحب من ذلك كله.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾.
فالعدل مع المخالف ليس تنازلًا عن السنة، بل هو من السنة.
#المداخلة
#الفكر_المدخلي
#النقد_الفكري
#الخطاب_الدعوي
#المنهج_والدليل
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق