ثمن إزاحة الإخوان: حين ترتد الحسابات السياسية على أصحابها… اليمن نموذجًا
كثيرًا ما تصنع الدول سياساتها وفق حسابات اللحظة، فتسعى إلى إضعاف خصمٍ سياسي تراه خطرًا عليها، وقد تبدو الخطوة في وقتها مكسبًا تكتيكيًا… لكن السياسة لا تُقاس دائمًا بنتائج اللحظة، وإنما بما تفتح له من أبواب في المستقبل.
واليمن يقدم مثالًا صارخًا على ذلك.
ففي السنوات التي أعقبت ثورات الربيع العربي، أصبحت مواجهة جماعة الإخوان المسلمين والتيارات القريبة منها أولوية إقليمية لدى بعض الدول، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.
وفي اليمن تحديدًا، كان حزب التجمع اليمني للإصلاح أحد أهم القوى السياسية والاجتماعية المرتبطة بالتيار الإسلامي، وكانت له علاقات تاريخية مع الرياض.
لكن هذه العلاقة دخلت مرحلة شديدة التعقيد بعد عام 2011، خصوصًا مع تصاعد الخلاف الإقليمي حول مستقبل الإسلام السياسي.
وقد أشارت دراسات سياسية إلى أن الرياض عملت خلال تلك المرحلة على تقليص نفوذ الإصلاح وحلفائه، في الوقت الذي كان فيه الحوثيون يوسعون نفوذهم تدريجيًا في شمال اليمن.
المشكلة لم تكن في الخصومة وحدها… بل في مَن استفاد منها
هنا تظهر المفارقة.
فإضعاف قوة سياسية يمكن أن يخلق فراغًا لا يبقى فارغًا.
وفي الحالة اليمنية، استفاد الحوثيون من الانقسامات التي أصابت القوى التقليدية، ومن الصراع بين مراكز القوى، ومن تراجع قدرة حزب الإصلاح وحلفائه على مواجهة التمدد الحوثي.
وتشير دراسة لمعهد إلكانو الملكي إلى أن قرار إضعاف نفوذ الإخوان المسلمين في اليمن أسهم في إضعاف القوى التي كان الحوثيون يصطدمون بها، وأن سقوط صنعاء عام 2014 جاء في سياق صراع داخلي معقد شاركت فيه عوامل متعددة، بينها تحالف الحوثيين مع الرئيس السابق علي عبدالله صالح وانقسامات المؤسسة العسكرية والسياسية.
وهنا يجب أن نكون دقيقين:
ليس من الدقة القول إن السعودية سلّحت الحوثيين أو أوصلتهم مباشرة إلى الحكم بوصف ذلك حقيقة ثابتة.
لكن من الممكن مناقشة حقيقة أخرى أكثر تعقيدًا:
إن سياسات إضعاف الخصوم الإسلاميين، وتفكك التحالفات التي كانت قادرة على مواجهة الحوثيين، ساعدت ـ ضمن عوامل أخرى ـ على خلق البيئة التي استفاد منها الحوثيون.
وهذا فرق مهم بين الدعم المباشر والنتيجة السياسية غير المباشرة.
من كان يُراد إبعاده… ومن صعد بدلًا منه؟
كانت المعادلة في ظاهرها بسيطة:
إضعاف الإخوان → تقليص نفوذ الإصلاح → إعادة ترتيب المشهد السياسي.
لكن الواقع اليمني لم يكن بهذه البساطة.
فمع ضعف القوى التقليدية وانقسامها، كان الحوثيون يتحركون على الأرض، ويستفيدون من التحالفات المتغيرة ومن ضعف خصومهم.
وفي سبتمبر 2014 دخل الحوثيون صنعاء، ثم تطورت الأحداث سريعًا إلى انهيار العملية السياسية ودخول اليمن في حرب واسعة.
وبحلول مارس 2015، كانت السعودية نفسها تقود تحالفًا عسكريًا ضد الحوثيين، بعد أن أصبح تمددهم تهديدًا مباشرًا لأمنها وحدودها.
وهنا تظهر المفارقة التي تستحق التأمل:
القوة التي استفادت في مرحلة ما من إضعاف خصم سياسي أصبحت بعد فترة هي نفسها في مواجهة القوة التي تمددت على حساب ذلك الخصم.
الدرس اليمني: لا تُسقط خصمك السياسي من حسابك قبل أن تسأل: من سيملأ الفراغ؟
هذه ليست مسألة يمنية فقط.
فالتاريخ السياسي مليء بالأمثلة التي تحاول فيها دولة أو قوة إقليمية إضعاف تيار سياسي لأنها تعتبره خطرًا، ثم تجد نفسها لاحقًا أمام قوة أخرى أكثر صعوبة في التعامل معها.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:
هل نريد إضعاف الإخوان أم لا؟
بل:
ماذا سيحدث إذا أضعفنا القوة السياسية والاجتماعية التي تقف في مواجهة قوة مسلحة أكثر تنظيمًا؟
فالسياسة ليست لعبة إقصاء فقط.
وإضعاف الخصم لا يعني بالضرورة أن الفراغ سيصب في مصلحة من أضعفه.
من الإصلاح إلى الحوثيين… مسارٌ لم يكن بهذه البساطة
ومن الخطأ أيضًا اختزال المأساة اليمنية كلها في السعودية أو الإخوان أو الحوثيين وحدهم.
فاليمن شهد:
صراعًا طويلًا على السلطة.
انهيارًا تدريجيًا لمؤسسات الدولة.
انقسامات داخل الجيش.
تحالفًا مؤقتًا بين الحوثيين وعلي عبدالله صالح.
صراعًا بين القوى السياسية والقبلية.
تدخلات إقليمية متعددة.
دعمًا إيرانيًا متزايدًا للحوثيين.
وتنافسًا سعوديًا وإماراتيًا وقطريًا على النفوذ بدرجات مختلفة عبر مراحل الصراع.
وقد أكدت دراسات متعددة أن صعود الحوثيين كان نتيجة تداخل هذه العوامل، وليس نتيجة قرار دولة واحدة بمفردها.
لذلك فإن تحميل طرف واحد كامل المسؤولية يختزل تاريخًا معقدًا في رواية واحدة.
لكن المفارقة الكبرى تبقى قائمة
كانت السعودية قبل الربيع العربي على علاقة قوية بحزب الإصلاح اليمني، ثم تراجعت هذه العلاقة مع تصاعد المواجهة الإقليمية مع الإخوان المسلمين.
وفي الوقت نفسه، كان الحوثيون يتقدمون.
وبعد سقوط صنعاء، تحولت المعادلة جذريًا:
من إضعاف الخصوم السياسيين للحوثيين… إلى مواجهة الحوثيين عسكريًا.
بل إن حزب الإصلاح نفسه أصبح لاحقًا جزءًا من المعسكر المناهض للحوثيين، وذكرت دراسات أن الحزب دعم التدخل السعودي عام 2015، وأن قياداته تعرضت للاعتقال والملاحقة من الحوثيين.
وهنا يصبح السؤال التاريخي أعمق من مجرد اتهام طرف أو تبرئة طرف:
هل كان إضعاف الإصلاح في تلك المرحلة مكسبًا سياسيًا حقيقيًا، أم أنه ساهم ـ مع عوامل أخرى ـ في اختلال ميزان القوى الذي استفاد منه الحوثيون؟
هذا سؤال مشروع، وتجيب عنه الوقائع بدرجة أكبر مما تجيب عنه الشعارات.
والدرس الأهم: لا تجعل خصومتك مع تيار سياسي تعميك عن الخطر الأكبر
يمكن أن تختلف مع الإخوان.
ويمكن أن تنتقد مشروعهم السياسي والفكري.
ويمكن أن ترى أن بعض سياساتهم أضرت بدول المنطقة.
لكن هناك فرقًا بين النقد السياسي وبين بناء استراتيجية تؤدي إلى إضعاف الدولة أو المجتمع أو القوى التي يمكن أن تواجه خصمًا مسلحًا أكثر خطورة.
فالسياسة الرشيدة لا تسأل فقط:
مَن عدوي اليوم؟
بل تسأل أيضًا:
مَن الذي سيستفيد إذا أضعفت هذا الخصم؟
وهذا هو الدرس الذي يجعل التجربة اليمنية جديرة بالتأمل.
من إقصاء الخصم إلى صناعة الفراغ
أحيانًا لا يكون الخطر في القوة التي تحاربها اليوم…
بل في القوة التي ستجد الطريق مفتوحًا أمامها غدًا بسبب تلك الحرب.
ولهذا فإن إقصاء تيار سياسي لا يعني اختفاءه من المعادلة، كما أن إضعافه لا يعني بالضرورة أن النتيجة ستكون في صالح الدولة.
فإذا أُضعفت القوى السياسية والاجتماعية، وبقيت القوى المسلحة الأكثر تنظيمًا وتسليحًا، فقد يتحول الصراع السياسي إلى فراغ أمني، ويصبح ملء هذا الفراغ من نصيب القوة الأكثر قدرة على فرض الأمر الواقع.
وهنا تحديدًا يمكن فهم جانب من المأساة اليمنية.
لقد دفعت المنطقة ثمنًا باهظًا للصراعات بالوكالة، ولحسابات النفوذ، ولتقديم الخصومة السياسية الآنية على حساب قراءة التوازنات بعيدة المدى.
واليمن لا يزال يعيش آثار تلك المرحلة.
وفي عام 2026 ما زال الحوثيون يسيطرون على معظم شمال اليمن، فيما عادت التوترات العسكرية إلى التصاعد بعد سنوات من الهدوء النسبي.
الخلاصة
ليست القضية أن نقول:
"السعودية صنعت الحوثيين"
فهذه عبارة أكبر من الأدلة المتاحة.
وليست القضية أيضًا أن نتجاهل أثر السياسات الإقليمية في إضعاف بعض القوى اليمنية.
بل القراءة الأكثر إنصافًا هي أن الحسابات الإقليمية المتصارعة، ومنها سياسة إضعاف الإخوان وحزب الإصلاح في مرحلة حساسة، تداخلت مع الانقسامات اليمنية والتحالفات الداخلية وصعود الحوثيين، وأسهمت في تشكيل البيئة التي انتهت إلى المشهد الكارثي الذي نراه اليوم.
والدرس الذي ينبغي ألا يُنسى:
لا تُضعف خصمك السياسي من غير أن تحسب مَن سيملأ الفراغ بعده.
فقد تربح معركة سياسية قصيرة…
ثم تجد نفسك بعد سنوات أمام خصم أقوى، وأكثر تنظيمًا، وأصعب احتواءً.
وهكذا قد يتحول الانتصار التكتيكي إلى مشكلة استراتيجية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق