الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026

📖 هل يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن وعلوم الشريعة؟

 


📖 هل يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن وعلوم الشريعة؟

خلافٌ فقهيٌّ قديم… وترجيحٌ بالدليل

من المسائل التي وقع فيها خلافٌ بين الفقهاء: هل يجوز للمعلم أن يأخذ أجرةً على تعليم القرآن الكريم وتلاوته وأحكامه، وعلى تعليم الفقه والتفسير والحديث والعقيدة وسائر علوم الشريعة؟

والمسألة ليست جديدة، بل بحثها علماء السلف والخلف، واختلفت فيها أنظارهم، واستدل كل فريق بأدلة من الكتاب والسنة والآثار والمعقول.

وتزداد أهمية المسألة في زماننا؛ إذ إن تعليم القرآن والعلوم الشرعية يحتاج إلى تفرغٍ ووقتٍ وجهد، وكثير من المعلمين لا يستطيعون التفرغ لذلك دون موردٍ يعينهم على معاشهم ومعاش من يعولون.

فما حكم أخذ الأجرة على ذلك؟


🔹 أولًا: القول بجواز أخذ الأجرة

ذهب فريق من الفقهاء إلى جواز الإجارة وأخذ الأجرة على تعليم القرآن وعلوم الشريعة، مع اختلاف بينهم في بعض التفاصيل.

فقد رُوي هذا القول عن عدد من الصحابة والتابعين، وذهب إليه متأخرو الحنفية، وهو المعتمد عندهم، كما ذهب الشافعية إلى جواز الإجارة على تعليم القرآن، مع تفصيل في تعليم سائر العلوم الشرعية.

أما المالكية ففرّقوا بين تعليم القرآن وتعليم غيره من العلوم، فأجازوا الإجارة على تعليم القرآن مع كراهة أخذ الأجرة على غيره عندهم.


📜 ومن أبرز أدلتهم:

1️⃣ قول النبي ﷺ:

«إن أحقَّ ما أخذتم عليه أجرًا كتابُ الله»

وهو الحديث الوارد في قصة الرقية بفاتحة الكتاب.

ووجه الاستدلال عند أصحاب هذا القول أن النبي ﷺ أقرّ أخذ العوض المتعلق بكتاب الله، واللفظ جاء عامًا، فلا يقتصر بالضرورة على الرقية وحدها، بل يدخل فيه ـ عندهم ـ التعليم والقراءة والنسخ ونحو ذلك.

وقد اعترض بعض العلماء بأن الحديث إنما ورد في الرقية، والرقية نوع من المداواة، فلا يلزم منه جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن.

لكن أجيب عن ذلك بأن التفريق بين الرقية والتعليم يحتاج إلى دليل، وأن الأصل في عموم لفظ الحديث بقاؤه على عمومه.


2️⃣ حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه

وفيه أن جماعة من الصحابة رقوا سيد حيٍّ من العرب بفاتحة الكتاب، وجعل لهم أهل الحي قطيعًا من الغنم، فلما ذكروا ذلك للنبي ﷺ قال لهم:

«قد أصبتم، اقتسموا، واضربوا لي معكم سهمًا»

فاستدل أصحاب هذا القول بإقرار النبي ﷺ أخذ الجُعل على عملٍ متعلق بالقرآن.

وقد ناقش المخالفون هذا الاستدلال، وبيّنوا أن الرقية تختلف عن التعليم، وأن الجُعالة أوسع من الإجارة.


3️⃣ حديث تعليم القرآن في قصة الزواج

وفي قصة الرجل الذي لم يجد مهرًا، سأله النبي ﷺ:

«ماذا معك من القرآن؟»

ثم زوّجه المرأة بما معه من القرآن، وجاء في بعض الروايات:

«فعلمها ما معك من القرآن»

فاستدل بعض الفقهاء بأن تعليم القرآن جُعل عوضًا في عقد النكاح، مما يدل على جواز المعاوضة عليه.

وقد نوقش هذا الاستدلال أيضًا، فقيل إن الحديث لا يصرح صراحةً بأن التعليم كان هو المهر، كما احتمل بعض العلماء أن تكون هذه الواقعة خاصة بتلك الحالة.


🔹 ثانيًا: القول بعدم جواز أخذ الأجرة

وذهب فريق آخر من العلماء إلى عدم جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن والعلوم الشرعية، واستندوا إلى عدد من الأحاديث والآثار.

ومن ذلك ما رُوي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه علّم أناسًا من أهل الصُّفّة القرآن والكتابة، فأُهدي إليه قوس، فذكر ذلك للنبي ﷺ، فقال له:

«إن سرك أن يقلدك الله قوسًا من نار فاقبلها»

واستدلوا بهذا الحديث على النهي عن أخذ العوض في مقابل تعليم القرآن.

كما استدلوا بما رُوي عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه علّم رجلًا سورة من القرآن، فأُهدي إليه ثوب، فذكر ذلك للنبي ﷺ، فحذّره من أخذه.

واستدلوا كذلك بأحاديث ورد فيها النهي عن التأكل بالقرآن والتكسب به.


⚖️ ولكن… هل هذه الأحاديث صريحة في محل النزاع؟

هنا وقع البحث الدقيق بين العلماء.

فقد ناقش عدد من أهل العلم أسانيد بعض هذه الأحاديث، وبيّنوا أن بعضها لا يخلو من مقال، وأن بعضها الآخر يحتمل أكثر من وجه في تفسير سبب النهي.

فقيل مثلًا:

🔸 لعل التعليم في تلك الوقائع كان قد تعيّن على المعلم، فلم يجز له أخذ الأجرة عليه.

🔸 أو لعل المعلم كان قد علّمهم احتسابًا لله تعالى، ثم أخذ العوض بعد ذلك، فكان النهي متعلقًا بهذه الصورة.

🔸 أو لعل الأخذ كان من قومٍ فقراء محتاجين، فكان أخذ المال منهم غير مناسب لحالهم.

وعلى هذا حمل بعض العلماء الأحاديث الواردة في المنع، باعتبارها وقائع أعيان لا يلزم منها تحريم الأجرة على التعليم في كل صورة.


🧭 وماذا عن آثار الصحابة؟

وردت آثار عن بعض الصحابة في الكراهة أو المنع من أخذ العوض على قراءة القرآن وتعليمه، كما وردت آثار أخرى تدل على الإعطاء للمعلمين والقراء.

ولهذا ذهب صاحب البحث إلى أن آثار الصحابة في هذه المسألة متعارضة، فلا يصح جعلها وحدها حجة قاطعة في المسألة.

وكذلك لا يصح الاحتجاج بإجماع أهل المدينة مع ثبوت الخلاف الفقهي المعروف بينهم وبين غيرهم.


🧠 وماذا يقول العقل والواقع؟

استند المجيزون أيضًا إلى حاجة الناس إلى تعليم القرآن والعلوم الشرعية.

فالمعلم يحتاج إلى الوقت والتفرغ، وقد ينقطع عن بعض أسباب معاشه بسبب اشتغاله بالتعليم.

وفي العصور السابقة كان للمعلمين أحيانًا أعطيات من بيت المال تعينهم على التفرغ للتعليم.

أما في زماننا، فقد قلّ من يستطيع أن يتفرغ لتعليم القرآن والعلوم الشرعية دون موردٍ يعيش منه.

ومن هنا قال بعض الفقهاء إن الحاجة قد تؤثر في الحكم من حيث التطبيق والصورة، ولا سيما إذا كان ترك الأجرة يؤدي عمليًا إلى قلة المعلمين أو انقطاع التعليم.


⚖️ الترجيح

بعد استعراض أدلة الفريقين واعتراضاتهم ومناقشاتهم، رجّح صاحب البحث جواز الإجارة وأخذ الأجرة على تعليم القرآن وغيره من علوم الشريعة.

وأقوى ما استند إليه في ذلك: الأحاديث الصحيحة الدالة على جواز أخذ العوض المتعلق بكتاب الله، وفي مقدمتها قول النبي ﷺ:

«إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله»

كما أن الاعتراضات الواردة على أدلة المجيزين لا تمنع ـ في نظره ـ من الاستدلال بها، في حين أن كثيرًا من أحاديث المنع إما وقع الكلام في أسانيدها، أو كانت وقائع محتملة لأكثر من تفسير.

وبناءً على ذلك، فإن أخذ الأجرة على تعليم القرآن والعلوم الشرعية لا يُحكم بتحريمه بإطلاق، بل هو مسألة خلافية قديمة، والقول بالجواز له مستنده من السنة وأقوال أهل العلم.


🌿 تنبيه مهم

والقول بجواز أخذ الأجرة على التعليم لا يعني أن المعلم يجعل القرآن وسيلةً للمتاجرة بالدين، ولا يعني أن كل صورة من صور التكسب بالقرآن مشروعة.

فالحديث عن أجرةٍ معلومة مقابل عملٍ تعليمي شيء، وعن استغلال القرآن طلبًا للدنيا أو اتخاذه وسيلةً للكسب بغير حق شيء آخر.

كما أن بقاء الإخلاص لله تعالى مقصدٌ لا ينبغي أن يغيب عن المعلم؛ فالأجرة لا تجعل التعليم في ذاته مذمومًا إذا كان العمل مشروعًا والعوض مشروعًا.

وهكذا يتبين أن المسألة ليست بالبساطة التي قد يتصورها البعض:

ليست كل أجرةٍ على تعليم القرآن حرامًا، ولا كل صورةٍ من صور التكسب بالقرآن مباحةً بلا تفصيل.

إنما هي مسألة فقهية قديمة، اختلف فيها العلماء، ولكل فريق أدلته ومناقشاته، وقد رجّح بعض أهل العلم جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن وعلوم الشريعة.

والله تعالى أعلم.


📚 المصدر:
بحث بعنوان: الإجارة على تعليم القرآن الكريم وعلوم الشريعة
أ.د. عبد الفتاح محمود إدريس.

أُعيدت صياغة المادة وتنسيقها لتكون أوضح وأسهل للقراءة والنشر، مع المحافظة على أصل المسألة وترجيح البحث المرفق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق