ليست مجرد أربع قصص… بل أربع فتن يواجهها الإنسان في حياته!
يقرأ ملايين المسلمين سورة الكهف كل يوم جمعة…
يحفظ بعضهم آياتٍ منها، ويكررون قراءتها أسبوعًا بعد أسبوع، ويعرفون ما ورد في فضلها من النور والهداية.
لكن هناك سؤالًا يستحق أن نتوقف عنده قليلًا:
لماذا سورة الكهف تحديدًا؟
ما الذي يجمع في سورة واحدة بين:
قصص تبدو، للوهلة الأولى، متباعدة…
لكنها في حقيقتها تجتمع حول قصة واحدة: قصة الإنسان حين يُفتن.
فتنة في:
قصة أصحاب الكهف
فتية عاشوا في مجتمعٍ يخالف ما آمنوا به، لكن الخوف من الاختلاف لم يغيّر ما استقر في قلوبهم:
﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا﴾
وهنا تظهر فتنة الدين…
فكم من إنسان يعرف الحق، لكنه يخشى أن يكون مختلفًا؟
وكم من شاب يساير الخطأ، لا لأنه مقتنع به، بل لأنه لا يريد أن يخرج عن الجماعة، أو يخسر القبول، أو يدفع ثمن موقفه؟
إن أصحاب الكهف يعلّموننا أن الثبات على الحق قد يجعلك مختلفًا عن الآخرين…
لكن الاختلاف عن الخطأ ليس خطأً.
قصة صاحب الجنتين
ثم تنتقل بنا السورة إلى رجلٍ يملك جنتين، فينظر إلى ما بين يديه ويقول:
﴿مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا﴾
لم تكن المشكلة في امتلاك المال…
بل في اللحظة التي يتحول فيها ما يملكه الإنسان إلى شعورٍ بأنه لن يفقده أبدًا.
وظيفة مستقرة…
رصيد يزداد…
صحة جيدة…
نجاح مستمر…
أشياء جميلة، لكنها قد تتحول – دون أن يشعر الإنسان – من نعمٍ يشكر الله عليها إلى أوهامٍ يظن أنها باقية لا تزول.
ثم يأتي المثل القرآني:
﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ... فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾
وكأن السورة تهمس للإنسان:
ما بين يديك حقيقي… لكنه ليس دائمًا.
قصة موسى والخضر عليهما السلام
ثم تأتي رحلة موسى عليه السلام مع العبد الصالح.
أحداث تبدو في ظاهرها غير مفهومة، ثم يأتي تفسيرها في النهاية.
وهنا درس عظيم:
الإنسان يرى جزءًا صغيرًا من القصة، ثم يظن أنه عرف القصة كلها.
يحدث له أمر لا يفهمه، فيظن أن الحياة ظلمته.
يُغلق أمامه باب، فيعتقد أن مستقبله انتهى.
يخسر شيئًا، فيظن أن الخسارة هي نهاية الحكاية.
لكنه لا يرى إلا لحظة واحدة…
أما الله سبحانه وتعالى فيعلم بداية الطريق ونهايته، وما خفي على الإنسان وما ظهر.
وكم من أمرٍ أحزننا في بدايته، ثم اكتشفنا بعد سنوات أن الخير كان مختبئًا خلف ما حسبناه شرًا!
قصة ذي القرنين
ثم تأتي قصة ذي القرنين…
رجلٌ مكّن الله له في الأرض، وآتاه من أسباب القوة ما آتاه.
لكنه لم يرَ القوة سببًا للاستعلاء أو التكبر، بل قال بعد أن أنجز عمله:
﴿هَٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي﴾
وهنا يظهر الفرق بين من يمتلك القوة ومن تملكه القوة.
فكم من إنسان تغير عندما امتلك منصبًا؟
مديرٌ نسي أنه كان يومًا موظفًا…
وصاحب شهرةٍ نسي أن تأثيره في الناس مسؤولية قبل أن يكون امتيازًا…
القوة ليست فقط فيما يستطيع الإنسان أن يفعله بالآخرين…
بل فيما يختار أن يصنعه بهم حين يصبح قادرًا.
تتغير القصص…
لكن الامتحان يبقى حاضرًا:
الدين.
المال.
العلم.
القوة.
أربعة أشياء يحتاجها الإنسان في حياته…
لكنها قد تتحول إلى فتنة إذا فقد الإنسان ميزانه.
ولهذا تختم السورة بالعودة إلى الحقيقة الكبرى:
﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾
ليس لأن الإنسان يحتاج إلى قصة جديدة كل أسبوع…
بل لأنه يحتاج إلى أن يتذكّر كل أسبوع.
يتذكر أن الفتنة قد تدخل حياته من الباب الذي يحبّه أكثر.
وقد تكون في دينٍ يخاف أن يتمسك به…
أو مالٍ يظن أنه لن يزول…
أو علمٍ يظن أنه أحاط به بكل شيء…
أو قوةٍ ينسى معها أن الفضل من الله.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان…
ليس أن يفقد شيئًا.
بل أن يمتلك شيئًا…
ثم يفقد نفسه بسببه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق