السبت، 5 سبتمبر 2026

❓ هل هذا هو كل ما قاله النبي ﷺ في شأن الحاكم؟

🟥 حين يُقرأ نصفُ الحديث ويُخفى نصفُ الدين!

من أكثر الأمور التي تستحق التأمل في الخطاب المدخلي المعاصر، الانتقائية الواضحة في التعامل مع النصوص الشرعية المتعلقة بالحاكم والمحكوم.

فهم يكثرون من ترديد حديث حذيفة رضي الله عنه الوارد في صحيح مسلم، والذي جاء فيه:

«يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي…»

ويتشبثون بهذا الحديث في كثير من المناسبات، ويجعلونه محورًا أساسيًا في تقرير وجوب السمع والطاعة، حتى في ظل وجود الانحراف والظلم.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح هنا:

❓ هل هذا هو كل ما قاله النبي ﷺ في شأن الحاكم؟

وهل جمعت الشريعة أحكام العلاقة بين الحاكم والمحكوم في حديث واحد، ثم تركت بقية النصوص؟

أم أن الواجب هو جمع النصوص كلها، وردُّ بعضها إلى بعض، وفهمها ضمن منظومة الشريعة الكاملة؟


🟢 وماذا عن هذه الأحاديث؟

قال رسول الله ﷺ:

«ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا له وأطيعوا»
رواه مسلم.

وقال ﷺ:

«وإن أُمِّر عليكم عبد حبشي، فاسمعوا له وأطيعوا ما أقام لكم كتاب الله»
رواه الترمذي.

وفي رواية أخرى:

«ولو استُعمل عليكم عبد حبشي يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا له وأطيعوا»

وفي حديث آخر:

«إن أُمِّر عليكم عبد حبشي مجدَّع، فاسمعوا له وأطيعوا ما قادكم بكتاب الله»

وتأملوا هذه القيود الواضحة:

🔹 «يقودكم بكتاب الله»

🔹 «ما أقام لكم كتاب الله»

🔹 «ما قادكم بكتاب الله»

ثم يقول النبي ﷺ في شأن الإمامة:

«إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبَّه الله في النار على وجهه، ما أقاموا الدين»
رواه البخاري.

❗ فهل هذه القيود مجرد كلمات لا معنى لها؟

أم أنها جزء من النصوص الشرعية التي يجب فهم أحكام الإمامة والولاية في ضوئها؟


⚖️ الحاكم له حقوق… وعليه واجبات

المشكلة ليست في إثبات حق الحاكم في السمع والطاعة في المعروف؛ فهذا أصلٌ مقرر في الشريعة.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الحديث عن هذا الحق إلى الخطاب الوحيد، بينما يُسكت عن واجبات الحاكم ومسؤوليته أمام الله تعالى.

فهل الطاعة في الإسلام تعني تعطيل بقية أحكام الشريعة؟

وهل يعني الأمر بالسمع والطاعة أن يصبح إقامة الدين وتحكيم شرع الله موضوعًا ثانويًا لا يجوز الحديث عنه؟

إن المنهج العلمي لا يسمح بأن نأخذ من النصوص ما يخدم جانبًا واحدًا، ثم نتجاهل النصوص الأخرى.

فكما أن للمحكوم واجبات، فللحاكم واجبات.

وكما أن من حق الحاكم الطاعة في المعروف، فمن واجبه إقامة العدل وحفظ الدين والقيام بما حمّله الله من أمانة ومسؤولية.


🟠 وماذا عن الإنكار على الانحراف؟

ومن النصوص التي ينبغي ألا تُغيب عن هذا الباب قول النبي ﷺ:

«ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون؛ فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل»
رواه مسلم.

فهذا الحديث أصلٌ عظيم في بيان موقف المسلم من المنكر والانحراف.

ولا يصح أن نأخذ حديثًا في باب السمع والطاعة، ثم نجعله ذريعة لإسكات كل حديث يتحدث عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وواجب مقاومة الانحراف بالوسائل المشروعة.


🟥 المشكلة ليست في النصوص… بل في الانتقائية!

حين تُذكر أحاديث السمع والطاعة، تُرفع الشعارات ويُطالب الناس بالتسليم للنصوص.

لكن حين تُذكر النصوص التي تتحدث عن:

🔸 إقامة الدين
🔸 الحكم بكتاب الله
🔸 مسؤولية الحاكم
🔸 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
🔸 مقاومة الانحراف بالوسائل المشروعة

فجأةً تبدأ التهم الجاهزة:

خارجي! صاحب فتنة! مثير للشبهات!

وكأن مجرد الاستدلال بحديث صحيح، أو السؤال عن واجبات الحاكم، أصبح خروجًا عن الدين!

وهذا من أخطر ما يمكن أن يصل إليه الخطاب الديني؛ أن تتحول بعض النصوص إلى أدوات لإسكات النصوص الأخرى.


⚠️ لا تأخذوا نصف الدين!

إن الأمانة العلمية تقتضي أن تُجمع الأدلة كلها.

فلا يجوز أن نقول للناس:

أطيعوا الحاكم.

ثم نخفي عنهم بقية الصورة.

كما لا يجوز أن نذكّر الحاكم بحقوقه، ثم نصمت عن واجباته.

فالمنهج الصحيح يقول:

🟢 للحاكم حق.

🟢 وللأمة حق.

🟢 وعلى الحاكم واجبات.

🟢 وعلى الأمة واجبات.

🟢 والجميع محكومون بشرع الله.

أما أن يُنتقى من النصوص ما يعزز جانب السلطة فقط، بينما تُهمل النصوص التي تذكّر بالمسؤولية والواجب وإقامة الدين، فهذه ليست طريقة سليمة في فهم النصوص.


✨ الخلاصة

لا نرفض أحاديث السمع والطاعة.

ولا ندعو إلى الفوضى.

ولا نقول بتعطيل النصوص التي تأمر باجتماع الكلمة.

لكننا نرفض أن يُختزل الدين في نصوص مختارة، وأن تُستعمل بقية النصوص أو تُهمَل بحسب المصلحة والهوى.

فالواجب أن يُقرأ الدين كله…

لا أن يُقرأ منه ما يتعلق بحقوق الحاكم فقط، ثم يُنسى ما يتعلق بواجباته.

فالحاكم ليس فوق الشريعة… والمحكوم ليس خارج الشريعة… وكلاهما عبدٌ لله ومحكومٌ بكتاب الله.

📌 إنصاف النصوص ليس أن تستشهد بما يؤيد موقفك فقط؛ بل أن تجمع كل الأدلة، ثم تدعها جميعًا تتكلم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق