السبت، 19 سبتمبر 2026

ماذا قال الدعاة والعلماء والمصلحين عن سيد قطب رحمه الله ؟

 

نودّ أن ننقل بعضاً مما قيل عن الشهيد سيّد قطب وكتاباته رحمه الله :

[   " إن كتاب معالم في الطريق قد حصر أملي كله في سيد قطب ! فقد قرأته وأعدت قراءاته !

       وإن سيد قطب هو الأمل المرتجى للدعوة الآن ، إن شاء الله !"

                                                    الأستاذ / حسن الهضيبي

         المرشد العام الثاني للإخوان المسلمين

 

" إنني متأكد كاملاً إن شاء الله أنه ليس في كتابات سيد قطب ما يخالف الكتاب والسنة ، اللذين قامت عليهما دعوة الإخوان المسلمين ، وتأكدي الكامل من أنه ليس في هذه الكتابات ما يخالف أفكار وأقوال الشهيد حسن البنا ، مؤسس هذه الجماعة .." .

الأستاذ / محمد قطب ..

 

" كان سيد قطب رحمه الله رحيماً ، لا يغضب إلا للحق .

وما رأيته مرة واحدة غاضباً ، عف اللسان حتى عند ذكر أعداء الله ، لطيف المجلس ، حلو المعشر ، لا تفارقه الابتسامة الوقور ، ذو دعابة مؤدبة ، رقيق المشاعر ، مرهف الحس ... إذا سألت أو ناقشت يستمع إليك ، حتى تنتهي من كلامك تماماً ، ولا يقاطعك ، ولا يعرض برأيك ولو خالفتـه الرأي ، ولا يرفع صوته حتى ولو رفعت صوتك ، ولا ينفعل حتى لو انفعلت ...." .

                                           الأستاذ / أحمد عبد المجيد

من قادة التنظيم الإخواني الجديد عام 1965

" كتاب التصوير الفني في القرآن فتح والله جديد ، وسيد قطب وقع على كنز من كنوز القرآن ، كأن الله ادخره له فلم يعط مفتاحه لأحد قبله ، حتى جاء هو ففتحه ..." .

الأستاذ / علي الطنطاوي - رحمه الله

 

" لقد برهن سيد قطب بمواقفه في عهد الطغيان على أنه يحسن القول في تأييد الحق يوم يتجهم وجه الباطل القوي للحق ، إذا انصرف عنه جنوده ، وهناك كثيرون من حملة الأقلام يحسنون تأييد الحق إذا كانت له سوق يروج فيها ، أو دولة تخطب ود مؤيديه ولو إلى حين ، وهم على استعداد لأن يقولوا غير ذلك أيضاً " .

الأستاذ / محب الدين الخطيب

 

" لقد تعاملت مع سيد قطب فرأيته متواضعاً ، لم يتطلع إلى شيء من المناصب أو الألقاب " .

الأستاذ / علال الفاسي

 

" قابلت سيد قطب في السجن بعد محاكمته والحكم عليه بالإعدام ، فقلت ، له : ماذا تنتظر يا أستاذ سيد ؟ فقال : أنتظر القدوم على ربي !! " .

الأستاذ / أحمد رائف

 

" المدير الفعلي للسجن هو سيد قطب وليس أنا ! لأنه موضع احترام السجانين والمسجونين جميعا " .

المدير الرسمي لسجن طرة

 

" أعترف أنني أحب سيد قطب محبة عظيمة ، كما يحبه العديد من المسلمين الصالحين في مختلف بقاع العالم ، أحبه في الله ، لما وقفت عليه من مواقف إيمانية في سيرته وحياته الإسلامية ، ولما وقفت عليه من إضافات ثمينة أضافها إلى العلم والفكر والمعرفة والثقافة ، في التفسير والعقيدة والدعوة والجهاد . . .

أُحبه محبة عظيمة في الله ، وأتقرب بذلك إلى الله ، وأرجوا الله أن يجمعني به يوم القيامة هو وإخوانه الذين أنعم الله عليهم من العلماء الأعلام الربانيين الذين ينطبق عليهم قول الله سبحانه : ( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ) وروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ، يا رسول الله : كيف تقول في رجل أحب قوماً ولم يلحق بهم ؟ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم : " المرء مع من أحب "

وروى ابن جرير الطبري عن أنس ابن مالك رضي الله عنه ، قال : سئل رسول الله صلي الله عليه وسلم عن الرجل يحب قوماً ولم يلحق بهم ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : المرء مع من أحب " ! .

وأثارت مقالات أبي عزة في مجلة الشهاب اللبنانية ردود فعل عديدة حادة عنيفة قاسية ، وانقسم المتجادلون من الإسلاميين على صفحات المجلة إلى فريقين :

فريق منصف لسيد قطب وفكره ، بين وجه الحق في المسائل الفكرية والفقهية والدعوية المثارة ، وحقيقة رأي سيد قطب الموضوعي فيها .

وفريق متحامل على سيد قطب وفكره وفقهه الدعوي ، كالَ لسيد قطب الاتهامات جزافاً ، وأساء فهم واستيعاب وتأويل كلامه ! واستاء كثير من الإسلاميين من هذه المعركة ، ومن تحامل بعض الدعاة على سيد قطب ، واتهامهم له بالباطل ، ولما يمض على استشهاده سبع سنوات ! واطلع الأستاذ محمد قطب على بعض هذا الصخب ، وكان حديث عهد في الخروج من السجن ، لأنه أفرج عنه عام 1972 وبعد توقيف زاد عن سبع سنوات

د./ صلاح الخالدى

رسالة محمد قطب إلى كمال السنانيري

كتب الأستاذ محمد قطب رسالة إلى الأستاذ الشهيد كمال السنانيري - أحد قادة الإخوان المسلمين في مصر - وهو زوج المجاهدة أمينة قطب ، وقد استشهد بعد ذلك في سجن السادات ! وقد وضح في رسالته وجه الحق في كثير من القضايا المثارة .

ونشرت مجلة الشهاب اللبنانية رسالة الأستاذ محمد قطب إلى السنانيري : وفيما يلي نص الرسالة :

" أخي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وبعد . . .

فإنك تعلم يا أخي ما دار من لغط في محيط الإخوان ، حول كتابات الشهيد سيد قطب ، وما قيل من كونها مخالفة لفكر الإخوان ، أو جديد عليه .

وأحب في هذا المجال أن أثبت مجموعة من الحقائق أحس بأنني مطالب أمام الله بتوضيحها ، حتى لا يكون في الأمر شبهة . .

إن كتابات سيد قطب قد تركزت حول موضوع معين ، هو : بيان المعنى الحقيقي للا إله إلا الله ، شعوراً منه بأن كثيراً من الناس لا يدركون هذا المعنى على حقيقته ، وبيان المواصفات الحقيقية للإيمان ، كما وردت في الكتاب والسنة ، شعوراً منه بأن كثيرا من هذه المواصفات قد أُهمل ، أو غفل الناس عنه ! ولكنه مع ذلك حرص حرصاً شديداً على أن يبين أن كلامه هذا ليس مقصودا إصدار أحكام على الناس ، وإنما المقصود به تعريفهم بما غفلوا عنه من هذه الحقيقة ، ليتبنوا هم لأنفسهم : إن كانوا مستقيمين على طريق الله كما ينبغي ، أم أنهم بعيدون عن هذه الطريق ، فينبغي إليهم أن يعودوا إليه . . . .

ولقد سمعته بنفسي أكثر من مرة يقول : " نحن دعاة ولسنا قضاة " إن مهمتنا ليست إصدار الأحكام على الناس ، ولكن مهمتنا تعريفهم بحقيقة " لا إله إلا الله " لأن الناس لا يعرفون مقتضاها الحقيقي ، وهو التحاكم إلي شريعة الله ! كما سمعته أكثر من مرة يقول : إن الحكم على الناس يستلزم وجود قرينة قاطعة لا تقبل الشك ! وهذا أمر ليس في أيدينا ، ولذلك نحن لا نتعرض لقضية الحكم على الناس ، فضلا عن كوننا دعوة ولسنا دولة ، دعوة مهمتنا بيان الحقائق للناس ، لا إصدار الأحكام عليهم . . . .

أما بالنسبة لقضية المفاصلة ، فقد بين في كلامه أنها المفاصلة الشعورية ، التي لابد أن تنشأ تلقائياً في حس المسلم الملتزم ، تجاه من لا يلتزمون بأوامر الإسلام ، ولكنها ليست المفاصلة الحسية المادية ، فنحن نعيش في هذا المجتمع ، وندعوه إلى حقيقة الإسلام ، ولا نعتزله ! وإلا فكيف ندعوه ؟ .

تعقيب محمد قطب على أفكار شقيقه الشهيد

تلك خلاصة كتابات سيد قطب .. ولي على هذه الخلاصة تعقيبان :

الأول : هو تأكدي الكامل - بإذن الله - من أنه ليس في هذه الكتابات ما يخالف الكتاب والسنة ، اللذين تقوم عليهما دعوة الإخوان المسلمين .

الثاني : هو تأكدي الكامل - أيضاً - من أنه ليس في هذه الكتابات ما يخالف أفكار الشهيد حسن البنا مؤسس هذه الجماعة ، ولا يخالف أقواله . . . .

وهو الذي قال في رسالة " التعاليم " - في البند العشرين - على أن المسلم الذي لا يجوز تكفيره هو :

الذي نطق بالشهادتين ، وعمل بمقتضاها ، وأدى الفرائض . .

وذلك فضلاً عن كون كتابات سيد قطب - كما أسلفت - لم يقصد بها إصدار الأحكام على الناس ، وإنما كان قصده منها - كما قصد الإمام الشهيد بالضبط - وهو بيان حقيقة الإسلام ، ومواصفات المسلم ، كما وردت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

تلك حقائق ، أرى أن من واجبي أن أُبينها وأُوضحها ، أداء للشهادة لله ، فإننا لا ندري متى نلقى الله . . .

ولا ينبغي لنا أن نلقاه وقد كتمنا شهادة لله ! والله الموفق إلى سواء السبيل ..." .

شهادة عمر التلمساني

المرشد العام للإخوان المسلمين

الأستاذ عمر عبد الفتاح التلمساني هو المرشد العام الثالث لجماعة الإخوان المسلمين ، وقدم شهادة لسيد قطب وفكره ، ثمينة قيمة ، وقيمة هذه الشهادة أنها صادرة من مرشد عام الإخوان وقائدهم ، وصاحب المرجعية القيادية الأولى فيهم ، ونقدم هذه الشهادة للذين يستمرون في الطعن في سيد قطب وفكره ، وهم من الإخوان المسلمين الملتزمين بتنظيم الجماعة ! ونقول لهم : ألا تكفيكم شهادة المرشد العام للجماعة ؟

قال التلمساني رحمه الله في كتابه " ذكريات لا مذكرات " عن فكر سيد قطب :

" أذكر أن الشهيد سيد قطب له مؤلفات عدة وجيدة ، على مستوى رفيع ، منها : في ظلال القرآن ، والعدالة الاجتماعية في الإسلام ، ومعالم في الطريق .

وتمتاز هذه المؤلفات بالنقمة على الظلم في كل مظاهره ، والحرص على رفع المعاناة عن كل الطبقات ، وأن تسود مصر الحرية ، التي ليس لها حدود إلا فيما أحل الله وحرم ، وما تواضعت عليه الأمم الراقية ذات الحريات الواسعة ..." .

هذه هي المبادئ والمتطلبات التي تسود مؤلفاته ، والتي تسعى إلى تحقيقها طوال حياته ، مع إيمانه الكامل بأن ذلك لن يكون إلا إذا طبقت الحكومات شرع الله .

فهو لا يرى في غيره إصلاحاً ولا نجاحاً ، أي في شرع الله .

ثناء التلمساني على سيد قطب وكتبه :

فليس إذن في " معالم الطريق " جديد في فكر سيد قطب ، ولكن بما أن " معالم الطريق " كتبه الشهيد في السجن ، بعد أن ذاق ألوان العذاب على مختلف قسوتها ووحشيتها ، فقد بدت نقمته على مخالفة الشرع أوضح وأظهر .. وما أراد الشهيد الأستاذ سيد قطب في يوم من الأيام أن يكفر مسلماً ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في أكثر من حديث : " إن من قال لا إله إلا الله ، مؤمنا بها قلبه ، لن يخلد في النار .. ولن يخلد في النار إلا الكافرون ، وهم الذين ينكرون وحدانية الواحد القهار !

هذه واحدة والثانية : أن كثرة ترداده لكلمة " المجتمع الجاهلي " لم يقصد بها تكفير المجتمع ، ولكن تشديد النكير على الظلمة والطغاة والمستغلين والمشككين ! وهو أسلوب تعرفه اللغة العربية ، ففي العذاب - ترهيب وتخويف - يقول الله : " فبشره بعذاب أليم " والبشرى لا تساق " إلا في مجال الخير والنعيم ، وفي كثير من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس منا من فعل كذا " لو قال كذا" ولم يقصد بذلك التكفير ، ولكن أن ذلك من سنتنا أو عملنا ، والقصد تقليل الدرجات !!

والذين يعرفون الشهيد سيد قطب ودماثة خلقه ، وجم أدبه وتواضعه ، ورقة مشاعره ، ويعرفون أنه لا يكفر أحداً ! إنه داعية إسلامي ، من عيون دعاة المسلمين ! ظلمه من أخذ كلامه على غير مقاصده ، ومن هاجموه متجنين لما رأوا من عميق تأثير كلماته وكتاباته على الشباب الطاهر النظيف !

هذا موجز مقتضب للمبادئ التي قام عليها كتاب " معالم في الطريق " .. وقد كان لي شرف الإطلاع عليه قبل طبعه ، ونحن في مستشفى " ليمان طرة " .

ولا يسع المجال لأكثر من ذلك ، في موضوع يحتاج إلى مؤلفات ! لقد تحدثت عن الشهيد " سيد قطب " بما فيه الكفاية . . . وأضيف أنه لما أُفرج عنه أول الأمر أرسل إلي وأنا في السجن ، يخبرني أن الجمهورية العراقية طلبته ليعمل في مجالات التعليم والتربية هناك ! واستشارني في الرفض أو القبول !

وكان رأيي أن يقبل ، لتخوفي مما كنت أتوقعه بالنسبة له من رجال الانقلاب .. ولكنه أثر البقاء في مصر ، ليدافع عن رأيه .. وهو قدر الله ، الذي لا ينفع معه احتياط ولا حذر .. " ] [1] .

شهادة العالم الجليل الأستاذ أبو الحسن الندوي رحمه الله :

[ هذه الشهادة لها وزنها وثقلها لأنها صادرة من عالم الهند الشهير ، ومؤلف الكتاب الرائع " : " ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين" حيث قال عندما سمع خبر إعدام سيد قطب : " إن هذه الشهادة ليست شهادة الأفراد ، وإنها ليست هدراً للدماء وعبثاً بالحقوق البشرية والكرامة الإنسانية فحسب ، وإنها ليست همجية وعداءً سافراً للإسلام فحسب ، بل إنها خسارة فادحه للدعوة الإسلامية والعلم والأدب ، والدراسة والبحث والأدب والنقد ، ومأساة علمية ضخمة ، إن سيد قطب من أولئك الأفذاذ الذين يسعد بهم العالم الإسلامي ، وهو في الطراز الأول من صفوة الدعاة ورجال الفكر والأدب الذين تحظى بهم الأمم بعد فترات طويلة .   ] [2] .

وقال الشيخ صلاح الخالدي رحمه الله :

[   أسلوبه الهجومي لا يدل على مظهره :

هذا وأسلوب سيد قطب في الكتابة لا يدل على مظهره ، فهو في الكتابة كما يقول علي الطنطاوي – بحق – مقارع محارب ، وكاتب مجادل مناضل ، يهاجم مهاجماً ومدافعاً محايداً ، ويتجلى هذا الأسلوب في مقالاته الأدبية التي خاض من خلالها معاركه الأدبية والنقدية ، كما يتجلى في مؤلفاته التي أعدها بعد هذه المرحلة من حياته ، فهو في كتبـه هذه ثائر مناضل مجادل ، عنيف مجادل ، وفي كتبه ( العدالة الاجتماعية في الإسـلام ) و ( معركـة الإسلام والرأسمالية ) و ( في ظلال القرآن ) و ( معالم في الطريق ) مصداق ما نقول . بل إن صفة الهجوم ملازمة له ، حتى اعتبر أنه أول من قاد الفكر الإسلامي من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم .

أقول رغم أن هذا هو طابع أسلوبه ، إلا أن مظهره العام – عند اللقاء به – يدل على العكس من هذا تماماً ، فهو كما يقول علي الطنطاوي – عندما قابله ، حيث وجده – (( لطيفاً هادئاً ، وتبدو عليه سيما المسالمة والموادعة والإيناس )) [3] ولذلك يفاجأ من يراه ، ولا يكاد يصدق أن هذا الشخص الهادىء المسالم هو نفسه الذي تصدر عنه هذه المقالات والكتب . . ( ولا يظهر بادىء ذي بدء أنه هو صاحب الأسلوب القوي في الموضوعات الدينية ) [4] كما قال عنه الندوي بحق .

وتزول الغرابة والمفاجأة عندما نعلم أن العبرة ليس بضآلة الجسم أو ضخامة ، إذ لا أثر لهذا على أسلوب الكاتب ، وإنما العبرة بالروح التي يحملها الكاتب بين جنبيه ، ولا شك بأن جسم سيد الناحل الصغير قد ضم بين جوانحه روحاً ثائرة ، هي التي صدرت عنها تلك المؤلفات ، التي زلزلت عروش الطغاة ، ورسمت معالم الطريق للمجاهدين السائرين إلى الله ! ! ] [5] .

ثانياً : ولتأكيد قوة شخصية الشهيد سيّد قطب رحمه الله ، ودماثة خلقه ، وصبره وتواضعه ، ورصانته ، وهدوئه ،  ننقل ما دار في مهزلة محاكمته برئاسة ذيل أحد طواغيت هذا العصر جمال عبد الناصر وهو الضابط الخائن محمد فؤاد الدجوي [6]

[  محاكمة سيد قطب



[1]  سيد قطب بين مؤيديه ومعارضيه : أحمد عبد المجيد .

[2]  المصدر نفسه .

[3]  الرسالة : عدد 648 صفحة 1313 والأسبوع المجلد الثالث عدد 35 صفحة 8 .

[4]  مذكرات سائح للندوي : 97 .

[5]  سيد قطب الشهيد الحي . ص 115 – 116

[6]  [  أولاً: ضابط خائن

محمد فؤاد الدجوي

يقول الصحفي الشهير مصطفى أمين : " إنني أعرف الدجوي منذ عام 1956م ، عندما هاجمت الجيوش البريطانية والفرنسية والإسرائيلية مصر ، واحتلت سيناء وبورسعيد ، واستدعاني الرئيس جمال عبد الناصر ، وطلب مني أن أركب وحدي أول طائرة مصرية مدنية تغادر مصر أثناء العدوان ، وأن أحمل معي صور العدوان وأنشرها في جميع أنحاء العالم.. =

= ووصلت إلى مدينة نيويورك وفوجئت بجميع تليفزيونات أمريكا تعرض فيلمًا للواء فؤاد الدجوي حاكم غزة ، وهو يستسلم للجيش الإسرائيلي ، كان الفيلم مُهينًا للجيش المصري ولمصر كلها ، وكان الحاكم المصري يقف ذليلاً أمام ضابط إسرائيلي يقدم له خضوعًا ، ويثني على الجيش الإسرائيلي وشجاعته وقوته ومروءته وإنسانيته ، ويدلل على هذه المروءة بأن زوجته كانت مريضةً وأن اليهود نقلوها إلى مستشفى في تل أبيب لإجراء عملية جراحية لها . . ! !

وكان كل عربي سمع ورأى هذه الصورة المذلة المهينة للحاكم المصري وهو يثني على إنسانية قاتليه ومحتلي أرضه ومهيني شرفه . . كان كل عربي ينتفض غيظًا واحتقارًا للقائد الصغير الكبير . . وكان العرب في نيويورك يقولون : كيف يجوز أن يشكر هذا القائد المصري جنود الاحتلال الإسرائيلي الذين قتلوا العرب في غزة ، وسبوا نساءهم ، والذين قتلوا شبابنا في سيناء ومثلوا بجثثهم ؟ !

 

هل يغفر لهم كل هذه الجرائم من أجل أنهم أجروا عمليةً جراحيةً لزوجة الدجوي ؟ ! مع وجود أطباء مصريين أخصائيين ومستشفى مصري مجهز بجميع الأجهزة ؟ ! وقد طلب منه الأطباء أن يجروا لها العملية وهي كيس دهني ولكنه رفض ، وطلب نقلها إلى تل أبيب ، والأطباء المصريون شهود الحادث أحياء يرزقون=

=وعندما عدت الى القاهرة ، ورويت للرئيس ما قال اللواء الدجوي في التليفزيون قال لي الرئيس إنه سمع بنفسه في الإذاعات هذه الأقوال نفسها وصوت الدجوي نفسه من محطة إسرائيل ، وإن الدجوي أسير حرب في إسرائيل الآن ، وإنه ينتظر عودته مع الأسرى ليحاكمه محاكمةً عسكريةً وليُضرب علنًا بالرصاص..

وعاد اللواء محمد فؤاد الدجوي من الأسر ، ولم يحاكَم ، ولم يعدَم رميًا بالرصاص . . ! ! وفوجئتُ بعد ذلك بأن الاختيار يقع دائمًا على الدجوي ليكون قاضيًا في أي محاكمة يرى المسئولون أن أدلتها ضعيفةٌ أو لا أساسَ لها .

وكان الدجوي في أحاديثه يفخَر بأنه لا يحمل شهادة ليسانس ، وأنه لم يدرس الحقوق ، ولا يعرف القانون ، وأنه محل ثقة ولاة الأمور . .

ويكمل مصطفى أمين شهادته فيقول : " وعندما مثلت أمام الدجوي رفضت أن أتكلَّم أو أفتح فمي ؛ لأنني عرفتُ أنه يريد أن يقول في الجلسة السرية ما يريد أن يصل إلى رئيس الدولة في الميكروفون ، وفي نهاية محاكمتي وقفت وطلبت الكلمة من الدجوي فأذن لي ، وقلت : "في أثناء عدوان سنة 1956م استدعاني الرئيس جمال عبد الناصر إلى هذا المكان- مجلس قيادة الثورة - وقال لي إنني سأكلفك بمهمةٍ قد تموت فيها وهي أن تكون راكبًا أول طائرة تطير أثناء الضرب لتتولَّى الدعاية لمصر في العالم ، وفي نيويورك اختارني الدكتور أحمد حسين - سفير مصر في واشنطون - لأدافع عن سمعة الجيش المصري ، عندما عرضت محطات التليفزيون الأمريكي فيلمًا عنك وأنت تستسلم لليهود وتشكرهم . . ومن سخرية القدر أن يطلب الادعاء رأسي في نفس المكان الذي اختارني فيه الرئيس عبد الناصر لهذه المهمة الخطرة ، وأن تتولى سيادتك محاكمتي ! ! ولم يفتح الدجوي فمه بكلمة وأعلن انتهاء المحاكمة " ] من هو القاضي الذي حاكم الإخوان عام 1965م ؟ ويكيبيديا الإخوان المسلمين .

ما معنى «الحاكمية» وكيف فسرها سيد قطب رحمه الله ؟!

 

🕌 الحاكمية عند سيد قطب: ماذا قصد سيد قطب بالحاكمية؟

من أكثر المصطلحات التي ارتبطت بكتابات الشهيد سيد قطب رحمه الله مصطلح «الحاكمية»، حتى أصبح هذا المصطلح محورًا لكثير من النقاشات حول أفكاره ومشروعه الفكري.

وقد ذهب بعض منتقديه إلى ربط مفهوم الحاكمية عنده بفكر الخوارج، بينما يرى أنصاره أن الرجل لم يأتِ بعقيدة جديدة، وإنما ركّز على أصل قرآني معروف، واستخرج منه دلالات تتعلق بالتوحيد والتشريع والعبودية.

ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق الحكم على سيد قطب هو:

ماذا كان يقصد بالحاكمية؟ وهل كان يستعملها بمعنى «الإمارة» ورئاسة الدولة، أم بمعنى أوسع يتعلق بمرجعية الحكم والتشريع لله تعالى؟

وهنا تظهر أهمية العودة إلى النصوص نفسها، بدل الاكتفاء بالانطباعات أو العبارات المجتزأة.


🔹 أولًا: «لا حكم إلا لله».. كلمة حق

عندما رفعت الخوارج شعار:

«لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ»

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

«كلمة حق أُريد بها باطل».

وهذه العبارة لا تعني أن أصل الجملة باطل، بل إن أصلها حق؛ لأن القرآن نفسه يقول:

﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
(يوسف: 40).

فالمشكلة لم تكن في أصل العبارة، وإنما في المعنى الذي أرادته الخوارج منها، والطريقة التي وظفوها بها في مواجهة علي رضي الله عنه.

وهنا ينبغي التفريق بين أمرين:

صحة الأصل، وصحة التطبيق والاستدلال.

وهذا التفريق مهم جدًا عند مناقشة مفهوم الحاكمية.


🔹 ثانيًا: ماذا قصد سيد قطب بالحاكمية؟

عند الرجوع إلى تفسير سيد قطب للآية، نجده يقرر أن:

«إن الحكم لا يكون إلا لله، فهو مقصور عليه سبحانه بحكم ألوهيته، إذ الحاكمية من خصائص الألوهية».

ثم يربط ذلك بمفهوم العبادة، فيرى أن العبادة ليست مجرد أداء الشعائر، وإنما تشمل كذلك الدينونة لله، والخضوع له، واتباع أمره.

ويشرح ذلك بقوله إن المقصود بالعبادة في أصلها اللغوي هو:

الدينونة لله وحده، والخضوع له وحده، واتباع أمره وحده.

ومن هنا بنى سيد قطب العلاقة بين الحاكمية والعبادة والتوحيد.

فالحاكمية في هذا السياق ليست مجرد الحديث عن رئيس يحكم دولة، ولا عن شخص يتولى السلطة السياسية، وإنما هي ــ بحسب عرضه ــ مرجعية الأمر والتشريع لله تعالى.

وهذا هو المفتاح الأساسي لفهم المصطلح في كتاباته.


🔹 ثالثًا: الحاكمية ليست مجرد رئاسة الدولة

من أكثر المواضع التي تحتاج إلى توضيح أن مصطلح الحاكمية عند سيد قطب لا ينبغي أن يُفهم بمجرد معنى الإمارة أو رئاسة الجمهورية أو إدارة شؤون الدولة.

فقد أورد النص موقف علي رضي الله عنه من الخوارج عندما قالوا:

«لا حكم إلا لله»

فقال:

«الحكم لله، وفي الأرض حكام».

فالناس لا يمكن أن يعيشوا بلا سلطة تنظّم شؤونهم، ولا يعني القول بأن الحكم لله نفي وجود الحكام من البشر.

والتفريق هنا ضروري بين:

مَن يباشر السلطة

وهو الإنسان أو الحاكم أو المؤسسة التي تتولى إدارة شؤون الناس،

وبين:

مَن يملك أصل التشريع

وهو الله تعالى، بحسب التصور الإسلامي الذي يستند إليه المقال.

وهذا التفريق نفسه يؤكد عليه سيد قطب في عباراته حول الفرق بين مزاولة السلطة ومصدر السلطة.


🔹 رابعًا: ما معنى «الحاكمية» إذن؟

يمكن تلخيص المعنى الذي يعرضه المقال في أن حاكمية الله تعالى تعني:

أن الحكم الشرعي والتشريع الذي يتعلق بأفعال المكلفين مصدره الله تعالى، وأن الإنسان لا يملك أن يجعل لنفسه حقًا إلهيًا في تحليل ما حرّم الله أو تحريم ما أحلّ الله استقلالًا عنه.

وهذا المعنى يرتبط عند علماء أصول الفقه بمفهوم الحكم الشرعي.

فالحكم عند الأصوليين هو:

خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع.

ومن ثم يدخل في الأحكام الشرعية:

  • الواجب.

  • الحرام.

  • المندوب.

  • المكروه.

  • المباح.

  • وما يتعلق بالأسباب والشروط والموانع.

وعلى هذا الأساس، فالقرآن والسنة وسائر الأدلة الشرعية ليست ــ في التصور الأصولي ــ مصادر مستقلة عن الله بمعنى التشريع الذاتي، وإنما هي طرق لمعرفة حكم الله تعالى وبيانه.


🔹 خامسًا: القرآن يقرر أن «الحكم لله»

من الآيات المركزية التي يستند إليها هذا التصور قول الله تعالى:

﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾
(يوسف: 40).

وقوله تعالى:

﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾
(الأعراف: 54).

وقد نقل المقال عن الإمام الطبري رحمه الله تفسيره لهذه الآية بما يؤكد أن الأمر لله تعالى، وأن أمره لا يُرد ولا يُخالف.

كما نقل عن ابن كثير رحمه الله في تفسير آية يوسف أن الله تعالى أخبر أن:

الحكم والتصرف والمشيئة والملك كله لله

وأنه أمر عباده أن يعبدوه وحده.

وهذه النصوص هي التي جعلت صاحب المقال يرى أن سيد قطب عندما تحدث عن الحاكمية لم يأتِ بأصل غريب عن القرآن، وإنما بنى حديثه على أصل قرآني موجود في كتب التفسير والعقيدة وأصول الفقه.


🔹 سادسًا: الحاكمية وعلاقتها بالعبادة

من أهم أفكار سيد قطب في هذا الباب الربط بين:

الحكم ← العبادة ← التوحيد.

فهو ينطلق من قوله تعالى:

﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾.

ويرى أن اقتران الحكم بالعبادة في الآية ليس عرضيًا.

فالعبادة ــ وفق تفسيره ــ أوسع من مجرد الصلاة والصيام وسائر الشعائر، بل تشمل الدينونة والخضوع والاتباع.

ومن هنا يرى أن توحيد الله في العبادة يقتضي أن يكون الله سبحانه هو المرجع الأعلى في التشريع والأمر والنهي.

وهذه هي الفكرة التي جعلت مفهوم الحاكمية يحتل مساحة كبيرة في مشروع سيد قطب الفكري.


🔹 سابعًا: هل كل مخالفة للشرع تعني الكفر؟

وهنا نصل إلى نقطة بالغة الأهمية، لأن كثيرًا من الخلط في هذا الموضوع يأتي من عدم التفريق بين رفض حكم الله وبين مخالفة الحكم مع الاعتراف بأنه حكم الله.

وقد ميّز النص الأصلي بين حالتين:

الأولى:

أن يعلم الإنسان أن حكم الله هو الحق، ويقر بذلك، ولكنه يخالفه بسبب ضعف أو شهوة أو معصية.

الثانية:

أن يدعي الإنسان لنفسه حقًا مستقلًا في التشريع، فيجعل لنفسه ــ من حيث المبدأ ــ حق تحليل الحرام وتحريم الحلال، أو يرفض أصل مرجعية الحكم الإلهي.

وهذا التفريق مهم؛ لأن مجرد وقوع الإنسان في المعصية لا يعني بالضرورة أنه أنكر حكم الله أو ادعى لنفسه حق التشريع الإلهي.

ولهذا فإن مناقشة نصوص سيد قطب في هذا الباب ينبغي أن تراعي الفرق بين المعصية، وبين الاعتقاد، وبين ادعاء حق التشريع.


🔹 ثامنًا: الحاكمية عند سيد قطب ليست فكرة منفصلة عن التوحيد

من خلال النصوص التي ينقلها المقال، يتضح أن سيد قطب لم يتعامل مع الحاكمية باعتبارها قضية سياسية منفصلة عن العقيدة، وإنما ربطها بمفهوم التوحيد والعبادة والدينونة لله.

فهو يقول في في ظلال القرآن إن الإسلام ليس مجرد مجموعة من العقائد النظرية والمناسك والشعائر، وإنما هو ــ في تصوره ــ منهج شامل للحياة.

ومن هنا تحدث عن صراع الإسلام مع صور الاستبداد والطغيان التي تجعل البشر خاضعين لأهواء بشر آخرين.

وفي هذا السياق يفسر دعوات الأنبياء إلى عبادة الله وحده بأنها لم تكن مجرد قضية نظرية، بل كانت ــ بحسب قراءته ــ تحمل آثارًا اجتماعية واسعة؛ لأنها تقاوم الاستبداد والظلم واستغلال الإنسان للإنسان.

وهذا جزء أساسي من البنية الفكرية التي أقام عليها سيد قطب مفهومه للحاكمية.


🔹 تاسعًا: الإسلام والتغيير الاجتماعي في قراءة سيد قطب

يرى سيد قطب أن الإسلام لا يفصل بين العقيدة والحياة.

فالإيمان بالله، في تصوره، لا يقتصر على الاعتقاد النظري، وإنما ينعكس على طريقة تنظيم حياة الإنسان وعلاقاته ومجتمعه.

ولهذا تحدث عن الإسلام باعتباره:

نظامًا شاملًا

يريد أن يقيم العدل ويقاوم الظلم والطغيان.

وهنا ينبغي الانتباه إلى أن هذه العبارات هي جزء من القراءة الفكرية لسيد قطب للإسلام والتاريخ والمجتمع، وليست مجرد تعريف اصطلاحي للحاكمية.

ومن المهم عند مناقشة الرجل أن نفرّق بين:

النص القرآني نفسه، وتفسير سيد قطب للنص، والاستنتاجات الفكرية التي بناها على ذلك التفسير.

فهذا التفريق يجعل الحوار أكثر علمية وأبعد عن الاختزال.


🔹 عاشرًا: ماذا قال علماء أصول الفقه عن مصدر الحكم؟

لا تتوقف فكرة أن الحكم الشرعي لله عند سيد قطب وحده.

فالمقال يستند إلى كلام علماء أصول الفقه في تعريف الحكم الشرعي، وينقل أن:

الحاكم والشارع للأحكام الشرعية هو الله سبحانه وتعالى.

فالواجب واجب لأن الشارع أوجبه، والحرام حرام لأن الشارع حرّمه، والمندوب مندوب لأن الشارع ندب إليه، والمكروه مكروه لأن الشارع نهى عنه نهيًا غير جازم، والمباح ما خُيّر المكلف فيه.

وهذه هي البنية التي يقوم عليها علم أصول الفقه في حديثه عن الحكم الشرعي.

ومن هنا يرى صاحب المقال أن سيد قطب عندما تحدث عن الحاكمية كان يعيد التأكيد على قاعدة موجودة أصلًا في العلوم الشرعية.


🔹 الحاكمية بين «المصدر» و«التنفيذ»

وهنا تظهر واحدة من أهم النقاط التي ينبغي إبرازها:

ليس كل من يمارس الحكم هو مشرّعًا من عند نفسه.

فالحاكم أو القاضي أو المفتي قد يقوم بتطبيق حكم شرعي، وقد يجتهد في فهم النص وتنزيله على واقعة معينة، دون أن يعني ذلك أنه جعل نفسه مصدرًا إلهيًا للتشريع.

وبالتالي فإن الخلط بين:

مصدر الحكم

و

من يقوم بتطبيق الحكم

يمكن أن يؤدي إلى تصورات خاطئة حول معنى الحاكمية.

وهذا التفريق مهم كذلك في فهم المؤسسات السياسية والقضائية والفقهية؛ لأن ممارسة السلطة شيء، وادعاء مصدرية التشريع شيء آخر.


🔹 فهل كان سيد قطب يكرر مقولة الخوارج؟

هذه هي النقطة التي دار حولها قدر كبير من الجدل.

والجواب الذي يقدمه هذا المقال هو أن مجرد استعمال عبارة «الحاكمية» أو الاستدلال بقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ لا يكفي وحده للحكم بأن صاحبها يتبنى منهج الخوارج.

فالخوارج أنفسهم ــ بحسب الحديث المنقول عن علي رضي الله عنه ــ رفعوا كلمة صحيحة، ولكنهم أرادوا بها معنى باطلًا في سياق التحكيم.

إذن ليست العبرة بمجرد العبارة، وإنما:

بالمعنى الذي يقصده المتكلم، وبطريقة تنزيله لهذا المعنى على الواقع.

وهذه قاعدة مهمة في قراءة الأفكار والنصوص عمومًا.


🔹 الخلاصة

بعد قراءة النصوص التي يستند إليها المقال، يمكن تلخيص مفهوم الحاكمية عند سيد قطب في عدة نقاط:

1️⃣ أصل الفكرة قرآني

فقوله تعالى:

﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾

نص قرآني صريح في إسناد الحكم إلى الله تعالى.

2️⃣ الحاكمية ليست مجرد منصب سياسي

فالمقصود في سياق سيد قطب أوسع من مجرد رئاسة الدولة أو الإمارة.

3️⃣ الحاكمية مرتبطة بالتوحيد والعبادة

لأن سيد قطب يربط بين اختصاص الله بالحكم واختصاصه بالعبادة.

4️⃣ هناك فرق بين مصدر الحكم ومن يطبقه

فالحاكم البشري يمارس السلطة، لكنه ــ وفق هذا التصور ــ لا يصبح بذلك مصدرًا إلهيًا مستقلًا للتشريع.

5️⃣ لا بد من التفريق بين المعصية ورفض الحكم الشرعي

فعدم تطبيق حكم شرعي مع الإقرار بأنه حكم الله ليس هو نفسه ــ من حيث التصور ــ إنكار أصل مرجعية الحكم الإلهي.

6️⃣ الخلاف الحقيقي ينبغي أن يكون في المعنى والتطبيق

فليس من المنهج العلمي أن يُحكم على فكرة بمجرد تشابه لفظها مع عبارة استخدمتها جماعة أخرى، بل لا بد من دراسة المفهوم والسياق والنتائج التي بناها صاحبه عليه.


🟦 كلمة أخيرة

إن النقاش حول سيد قطب ومفهوم الحاكمية لا ينبغي أن يتحول إلى معركة بين عبارات مبتورة وأحكام مسبقة.

فالطريق الأقرب إلى الإنصاف هو:

أن نقرأ النص كاملًا، ونميّز بين القرآن وتفسير المفسر، وبين الأصل الشرعي والاجتهاد البشري، وبين المفهوم النظري وتطبيقاته العملية.

كما أن استعمال مصطلح واحد لا يعني بالضرورة اتفاق أصحابه في المذهب والمنهج؛ فقد تتفق جماعتان في العبارة وتختلفان جذريًا في المقصود منها.

ولهذا فإن السؤال الأهم ليس:

«هل قال سيد قطب بالحاكمية؟»

فهو أمر ثابت في كتبه.

بل السؤال الأدق هو:

«ماذا قصد سيد قطب بالحاكمية؟ وكيف بنى مفهومه لها؟ وهل تتفق جميع لوازم هذا المفهوم مع ما قرره علماء الإسلام، أم أن بعضها يمثل اجتهادًا خاصًا به يحتاج إلى مناقشة ونقد؟»

وهنا يبدأ البحث العلمي الحقيقي؛ بقراءة النصوص في سياقها، لا باجتزاء العبارات، ولا بإطلاق الأحكام قبل تحرير المصطلحات.