الأحد، 19 يوليو 2026

قضايا الإيمان والعمل.. وسطية السلف بين الغلو والجفاء

 قضايا الإيمان والعمل.. وسطية السلف بين الغلو والجفاء


إن من أعمق القضايا التي شهدت الساحة العلمية معارك فكرية حولها في الآونة الأخيرة هي مسائل الإيمان، والعمل، وموجبات التكفير أو التبديع. وحين تغيب الحكمة ويقل فقه الراسخين، تتحول هذه الأصول العقدية الكبرى من حصن لحفظ عقيدة الأمة، إلى سلاح يُشهر لتمزيق الصف وتراشق التهم بالمرجئة تارة، وبالخوارج تارة أخرى.

📌 جوهر معتقد السلف: وسطية بلا شطط

لقد تميز معتقد أهل السنة والجماعة عبر التاريخ بـ الوسطية المحكمة بين طرفي الغلو والجفاء في كل أبواب الدين، ولا سيما في باب الإيمان والعمل:

  • فهم متوازن: الإيمان عند السلف الصالح قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والعمل جزء لا يتجزأ من حقيقة الإيمان.

  • حذر من المسالك الدخيلة: في مقابل هذا التأصيل، حذر الأكابر من مسلكين خطيرين: مسلك "الوعيدية" الذين يسارعون إلى تكفير وتخليد عصاة الموحدين، ومسلك "المرجئة" الذين يخرجون العمل بالكلية عن مسمى الإيمان.

🔍 آفة التشنج في إطلاق الألقاب

تتجلى الأزمة المعاصرة في هذا الباب حين يُسقط بعض المنتسبين للعلم القواعد الكلية على مسائل الخلاف الاجتهادية الدقيقة، أو حين يعجزون عن استيعاب العبارات والمصطلحات التي يطلقها بعض الباحثين في سياق تنزيل الأحكام.

فترى المتشنجين يسارعون إلى تبديع ورمي كل من خالفهم في تحقيق مناط مسألة فرعية (كجنس العمل أو تارك المباني الأربعة) بالمرجئة، والتشهير به في المجالس والكتب، متناسين أن هذه المسائل قد وقع فيها نزاع وتفصيل بين أهل العلم الأجلاء قديماً وحديثاً، ولم يخرج أحد منهم الآخر من دائرة السنة والجماعة لمجرد خلاف في صياغة عبارة أو تحرير مناط.

الحقيقة الغائبة: إن معالجة قضايا الإيمان والقدر تتطلب نفساً علمياً هادئاً، ورجوعاً راسخاً إلى المحكم من النقول عن الأكابر، والابتعاد الكامل عن أسلوب التهويل وبتر النصوص من سياقاتها لإثبات تهم معدة مسبقاً في غرف الخصومة.

💡 كلمة ختامية

إن العودة إلى وسطية السلف الصالح تقتضي منا أمرين: تعظيم النص الشرعي وفهم الأوائل له، والعدل والإنصاف مع المخالف في فهم هذه الدقائق. إن بث الطمأنينة العلمية ونبذ التشنج والتبديع السريع هو الكفيل بحماية عقول الشباب من الانحراف نحو التكفير الغالي أو الإرجاء الجافي، لتبقى الدعوة نقية صافية تبني وتجمع، ولا تهدم وتفرق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق