الأحد، 19 يوليو 2026

مفهوم التزكية والتقديم بين المنهج العلمي والتهويل الحزبي

 


مفهوم التزكية والتقديم بين المنهج العلمي والتهويل الحزبي

تزخر المكتبة الإسلامية بظاهرة علمية صحية ومستقرة عبر العصور، وهي قيام الشيوخ والأكابر بالتقديم لكتب تلامذتهم ومؤلفات الباحثين؛ تشجيعاً لهم، وإشادةً بأصول بحثهم. غير أن هذه الممارسة الأكاديمية الطبيعية تحولت في فترات الخصومة المنهجية إلى مادة للنزاع والتهويل، واستُخدمت كأداة للتشكيك في أمانة المؤلفين العلمية ونواياهم.

📌 ما الذي تعنيه "المقدمة" في العرف العلمي؟

من المستقر عليه عند من شم رائحة العلم أن كتابة العالم لمقدمة كتاب أو ثنائه عليه لا تعني بالضرورة ما يلي:

  • إحاطته بكل لفظة، أو إقراره لكل فكرة فرعية وردت بين دفتيه.

  • أن العالم قد تفرغ لقرائته حرفاً بحرف من الجلد إلى الجلد.

إنما تعني المقدمة في الغالب أن الشيخ اطلع على أصول الكتاب، وعلم مقصده الإجمالي ورؤوس مسائله، ووجد فيه نفعاً للناس فحث على قراءته وطباعته. وهذا المسلك تقتضيه طبيعة المشاغل والمسؤوليات التي تقع على عاتق كبار العلماء.

🔍 بهتان التهويل وصناعة الإيهام

تتجلى معالم الخصومة الجائرة حين يعمد بعض النَقَدة إلى تتبع المؤلفين، واتهامهم بصناعة "الإيهام والتدليس" لمجرد أنهم وضعوا على غلاف مؤلفاتهم عبارة: "وقدم له الشيخ فلان"!

وينطلق هذا التهويل من مسلكين متناقضين:

  1. التبرير للموافق: إذا وضع أحد المقربين منهم تزكية من عالم، التمسوا له الأعذار، وجعلوا التقديم صكاً غامراً بالقبول والتأييد، حتى وإن ثبت أن العالم لم يقرأ كل تفاصيل مسائله.

  2. التهويل على المخالف: إذا صنع المخالف الممارسة ذاتها، أثاروا حوله النكير، واعتبروا صنيعه خروجاً عن الأمانة، وزعموا أنه يوهم القراء بما لم يحدث، كمن يعيب على مؤلف وضع اسم شيخه المحدث الكبير (كالشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله) على غلاف كتابه، رغم أن الشيخ اطلع على مادة الكتاب وكتب له مقدمة حافلة بالثناء والدعاء بالثبات والنصرة!

حقيقة واضحة: إن كتابة العالم لمقدمة كتاب تلميذه بناءً على معرفته بمنهجه وعلمه هي تواصل علمي مشروع، وإن محاولة تجريد المؤلف من حق الفخر بتقديم شيوخه له هي محض تزيد وتشنج أعمى أحدثته المنافسة الحزبية والخصومات الشخصية.

💡 كلمة ختامية

إن الواجب في المحاكمات العلمية هو النظر في ذات الأدلة والبراهين التي يسوقها المؤلف في كتابه، لا الانشغال بطريقة صياغة الغلاف أو التفتيش في النوايا والظنون. إن تبسيط المنهج العلمي وحمايته من التهويل والتهريج الحزبي هو السبيل الوحيد لإعادة الهيبة للكتاب الإسلامي ولحفظ التواصل الإيجابي بين العلماء وطلبة العلم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق