⚖️ الرأي الفقهي الموزون والتأصيل الشرعي.. في حكم الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف
الحمد لله والصّلاة والسّلام على سيّدنا محمّد رسول الله، وبعد:
كلّما هلّ علينا هلال شهر ربيع الأول، كلّما هلّت بالمقابل التساؤلات حول مشروعية إحياء ذكرى المولد النبوي، والتي ينتج عنها في كثير من الأحيان مشادات بين المجيز والمانع قد تصل حدّ التبديع والتضليل المتبادل!
رغم أنّ هذه المسألة ليست وليدة عصرها، بل بحثها علماؤنا الأعلام منذ مئات الأعوام. فكم كان أحرياً بالجميع مراجعة المسألة من مظانّها الفقهية، والتزام أدب الخلاف والحوار عملاً بقاعدة: (لا إنكار في محل الاختلاف).
🔍 أولاً: تجلية المسألة وأقوال الأئمة
ذهب كثير من أهل العلم إلى القول باستحباب إحياء يوم المولد الشّريف بالذكر والمدائح والشكر والابتهالات، مع التأكيد على حرمة ممارسة البدع وتتبع الخرافات.
ومن أهم من قال بجوازه واستحبابه عبر التاريخ:
العلامة الحافظ العراقي: ألّف كتابه (المورد الهني في المولد السني).
الإمام الحافظ السيوطي: بوّب له باباً في الحاوي أسماه (حسن المقصد في عمل المولد).
الإمام العلامة الملا علي القاري: ألّف كتاب (المورد الرّوي).
الإمام العلامة ابن رجب الحنبلي: حثّ على إحياء يوم المولد واغتنام نفحاته واستحب صيامه في (لطائف المعارف).
الإمام الحافظ ابن الجزري: إمام القراء وصاحب (عرف التعريف بالمولد الشريف).
الإمام الحافظ ابن الجوزي.
الإمام أبو شامة (شيخ الحافظ النووي): اعتبره من أحسن ما أحدث الناس لاندراجه تحت البدعة الحسنة في كتابه (الباعث على إنكار البدع والحوادث).
الإمام الشهاب القسطلاني (شارح البخاري) في (المواهب اللدنية).
الحافظ السخاوي، والحافظ ابن الديبع الشيباني، وغيرهم الكثير.
💡 ولا ننكر أنّ طائفة من أهل العلم كرهت ذلك، لكنها لم تبدّع أو تفسّق من يفعله، أفلا يسعنا ما وسع أسلافنا، وننشغل بقضايا الأمة الكبرى الملحة؟!
📜 ثانياً: الأدلة الشرعية المستندة لاستحباب الإحياء
من باب الأمانة العلمية، لم يأتِ نص صريح متفق عليه في الكتاب والسنة على استحباب إحياء ذكرى المولد بعينها، وإنما هي اجتهادات يستأنس فيها بإشارات النصوص العامة، ومنها:
الامتثال لعموم التذكير بنعم الله:
قوله تعالى: ﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ﴾ [إبراهيم: 5] أي: بنعم الله، ووولادة النبي ﷺ هي النعمة العظمى والمنة الكبرى على العالم.
الأمر بالفرح برحمة الله:
قوله تعالى: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ [يونس: 58]، والنبي ﷺ هو رحمة الله المهداة.
دليل صيام يوم الإثنين:
سُئل النبي ﷺ عن صيام الإثنين فقال: (ذاك يوم ولدت فيه) [رواه مسلم]، فدلت على مزية ليوم الولادة.
دليل الشكر في النظير (عاشوراء):
صيامه ﷺ لعاشوراء شكراً لنجاة موسى عليه السلام، فدل على مشروعية تكرار الشكر لله في نظير يوم النعمة من كل عام.
🏛️ ثالثاً: القاعدة الأصولية (لا يُحتجّ بالترك)
أجاب العلماء عن شبهة (أن النبي ﷺ لم يحتفل به ولا صحابته) بأنّ القاعدة الأصولية تقول: "لا يُحتجّ بالترك"، أي كونه لم يفعله أو لم ينص عليه بصورته التنظيمية لا يعني عدم الجواز طالما أن له أصلاً عاماً في الدين.
فالتراويح جمعها عمر ولم تكن بهذا التنظيم في عهد النبي ﷺ.
وجمع القرآن في مصحف ونقطه لم يكن في عهده صلى الله عليه وآله وسلم.
📋 رابعاً: بيان دار الإفتاء الأردنية والمجلس الإسلامي للإفتاء
جاء في فتاوى الهيئات الرسمية المعتمدة:
(إن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف الذي هو اجتماع الناس، وقراءة ما تيسر من القرآن، ورواية السيرة، وإنشاد المدائح، وإكرام الحاضرين بالطعام من غير زيادة على المحرمات: سُنَّة حسنة؛ لأن فيه تعظيماً وتوقيراً لقدر النبي ﷺ، وإظهاراً للفرح والاستبشار بمولده الشريف).
🎯 خامساً: الخلاصة المانعة (ضوابط المولد وصوره)
حكم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف على ثلاث صور راجعة إلى اعتقاد الإنسان فيه (كما في التوجيه العلمي المعتمد):
❌ من اعتقده عيداً كعيدي الفطر والأضحى: فقد ابتدع (وهو ممنوع).
✔️ من اتخذه ذكري للنبي ﷺ باعتباره نعمة من نعم الله، وشكر هذه النعمة بالأعمال الصالحة (كتلاوة القرآن، وإطعام الطعام، وذكر السيرة): فهذا مأذون فيه بل مطلوب، لأنه نظير أمر الصيام شكراً لله على ميلاده.
✔️ من اتخذه مناسبة لبعض الأمور المباحة (كإظهار الملابس الجديدة والبهجة): فهذا من الأمور الجائزة لأنه ليس مما يدخل حيز البدع المذمومة في الدين.
والخلاصـة:
أن من احتفل بيوم مولده ﷺ فسرد سيرته العطرة، وذكّر بمناقبه، ولم يُلبِسه شيئاً منافياً للشرع (كالاختلاط المحرم، أو المنكرات والموسيقى المحرمة، والتمسح بالقبور) فلا حرج فيه أبداً، وقد قال بذلك حشد كبير من أهل العلم.
فالأصل التزام أدب الاختلاف، وترك الخوض في المسائل الخلافية الفرعية، والتركيز على ما يجمع الأمة ويوحد صفها!
المجلس الإسلامي للإفتاء
(2 ربيع الأول 1441هـ / 30 أكتوبر 2019م)
#المولد_النبوي_الشريف #المجلس_الإسلامي_للإفتاء #فتاوى_معاصرة #أدب_الاختلاف
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق