الثلاثاء، 21 يوليو 2026

⚖️ لماذا يختلف الناس في الاحتفال بمولد سيدنا محمد ﷺ؟ (دراسة أصولية مختصرة)

 

⚖️ لماذا يختلف الناس في الاحتفال بمولد سيدنا محمد ﷺ؟ (دراسة أصولية مختصرة)

بقلم: د. محمد عياش الكبيسي

اسمحوا لي أيها الأحباب أن ألخص المستند الشرعي لهذه المسألة وكما يأتي:

نعم، لقد نهى الإسلام عن الابتداع في الدين، وهذا أصل متفق عليه، لكن ما معنى الابتداع في الدين؟

لقد كثر الجدال حول هذه النقطة، والذي يطمئن إليه القلب أن معنى الابتداع المنهي عنه يتلخص في: تشريع عبادة (خاصة) من غير دليل؛ لأن العبادة طاعة، والطاعة من دون أمر لا تُسمّى طاعة. والمقصود بالعبادة هنا: العمل الذي لا يُقصد به إلا التقرب المحض لله تعالى كالصلاة والصوم والحج ونحوها.

🌐 وهذا لا يشمل الأمور الآتية:

1️⃣ الأمور الدنيوية والحياتية:

كالأكل والشرب واللبس والسكن والسفر والصناعة والزراعة والتجارة؛ فالأصل في كل هذا الإباحة إلا إذا ورد نهي بدليل صحيح. فالابتداع هنا -إن صح التعبير- متاح ومباح بشكل مطلق.

2️⃣ الأمور المطلوبة في الشرع لتحقيق غايات ملموسة (العبادة بالمعنى العام):

مثل طلب العلم، والدعوة إلى الله، والجهاد، وأداء الحقوق؛ فهذه عبادات نعم، لكن حكمها يختلف عن العبادات الخاصة (كالصلاة والصوم)؛ فالباب هنا أوسع، والأصل فيها الإباحة بما يحقق مقصود الشرع، بل أنت مثاب على ذلك.

  • ويدخل في ذلك استخدام الوسائل الحديثة التي لم تكن في زمن التشريع؛ فنحن اليوم نبني الجامعات، ونستخدم الأجهزة الإلكترونية في تعليم القرآن، ونركب الطائرات والسيارات في الحج، ونستخدم الدبابات (مع أن القرآن نص على "رباط الخيل")، ولا يقول عاقل إن الدبابة بدعة لأنها تخالف النص أو أنه "لا اجتهاد في معرض النص"!

📍 في ضوء هذه المقدمات.. أين تقع مسألة الاحتفال بالمولد؟

أتابع أقوال المعارضين في كل سنة فأجد كثيراً منها يدور حول ما لا ينبغي الخلاف فيه؛ مثل: (أن هذه حادثة تاريخية، وأن السلف لم يعملوا بها)، وهذا التخريج لا يكفي أبدا في التحريم، كما هو واضح مما سبق!

  • فجميع العلماء من شتى التوجهات لا يتحرجون اليوم من استخدام الطرق المبتكرة في حفظ القرآن وتفاسيره، وطباعة المصحف بوضع الحركات والإشارات (التي لم تكن في مصاحف الصحابة رضي الله عنهم)، وكذلك الاجتهاد في هندسة وبناء المساجد.

  • بل حتى الدعاء -وهو عبادة بنص الحديث- لم يشترط أحد الوقوف فيه عند الصيغ والكيفيات الواردة فحسب. وكل هذا وغيره كثير يقع دون نكير من أحد معتبر، ولا اعتراض بقول: (لو كان خيراً لسبقونا إليه).

⚠️ محوران أساسيان في رؤية المعارضين:

  • المحور الأول (مخالفات وسلوكيات):

    بعضهم يستند إلى ما يصاحب بعض الاحتفالات من منكرات ومخالفات؛ وهذا إن حصل فهو خطأ ينبغي التعاون في النصح والتذكير والنهي عنه، لكنه لا يعني بحال أن الاحتفال بذاته محرّم، وإنما المحرم هي تلك المنكرات العارضة.

  • المحور الثاني (اعتقاد البدعة الدينية):

    والبعض الآخر يحرمها لأنه يرى أن الناس يتعاملون معها كـ "عبادة دينية خاصة" (مثل عيدي الفطر والأضحى، أو يوم عرفات، أو رمضان). ولا شك أن هذا لو حصل لكان في غاية الخطورة؛ لأن المناسبات التعبدية توقيفية لا مجال فيها للاجتهاد بالهوى.

    • ولكن الذي رأيته في كل احتفالات بلادنا هو أن الناس يتعاملون مع المولد النبوي كـ "مناسبة تاريخية جميلة" يتذاكرون فيها سيرة النبيّ الكريم ﷺ، وشمائله وأخلاقه، ولم أر أحدا يجعلها مناسبة لابتداع شعائر تعبدية معينة (كالاختراعات الباطنية المشابهة للطواف والسعي ونحو ذلك).

🎯 الخلاصة التي أفتي بها:

  • من تعامل مع المولد النبوي كما يتعامل مع ذكرى الهجرة، ومعركة بدر، وفتح القدس مثلاً (بالضوابط الشرعية)، فلا حرج في ذلك أبداً، ومفهوم البدعة المنهي عنها لا يشمله.

  • أما من جعله عيداً ثالثاً له شعائره وطقوسه الدينية الخاصة والمخترعة، فهذا باطل يجر عامة الناس إلى ما لا تحمد عقباه.

والحقيقة أني أرى في هذه المعالجة توضيحاً لكثير من المسائل التي هي محل خلاف في مشروعيتها أو بدعيتها، وليست مقتصرة على مسألة المولد النبوي وحده.

والله أعلم وأحكم وأرحم.

انشر المقال لتعم الفائدة ويتبين المنهج الوسط المعتدل في فهم النصوص والمناسبات!

#المولد_النبوي_الشريف #فقه_الواقع #دراسات_أصولية #د_محمد_عياش_الكبيسي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق