السبت، 5 سبتمبر 2026

حديث الشروق… هل ثبت أجر حجة وعمرة لمن صلى بعد الإشراق؟

 

حديث الشروق… هل ثبت أجر حجة وعمرة لمن صلى بعد الإشراق؟


من الأحاديث التي اشتهرت بين الناس حديث:

«مَن صلّى الغداة في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلّى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة، تامة تامة تامة».

فما درجة هذا الحديث؟ وهل ثبت عن النبي ﷺ أن من فعل ذلك نال أجر حجة وعمرة؟

أولًا: الحديث مختلف في تصحيحه وتضعيفه

حديث أنس رضي الله عنه رواه الإمام الترمذي في سننه، من طريق أبي ظلال عن أنس بن مالك، وقال الترمذي:

«هذا حديث حسن غريب».

وقد صحح الحديث أو حسنه بعض أهل العلم، ومن أشهرهم الإمام الترمذي في حكمه المتقدم، كما صححه الألباني رحمه الله.

لكن في المقابل، ضعّفه عدد من أهل الحديث، ومنهم من شدد في تضعيف راويه أبي ظلال هلال بن أبي مالبة، فقد نُقل عن يحيى بن معين قوله فيه: «ليس بشيء»، وضعفه أبو داود والنسائي وابن عدي وغيرهم.

ولهذا فالمسألة ليست من الأحاديث التي يصح أن يقال فيها: «ثبت الحديث بلا خلاف»، بل هي مسألة حديثية وقع فيها خلاف معتبر بين أهل العلم.

ثانيًا: هل تتقوى طرق الحديث؟

ورد الحديث أو ما يقاربه من طرق أخرى عن أبي أمامة وابن عمر وعائشة رضي الله عنهم، إلا أن هذه الطرق أيضًا لا تخلو من مقال في أسانيدها ورجالها.

وقد ذهب الشيخ الحافظ سليمان بن ناصر العلوان إلى أن هذه الطرق لا تصلح لتقوية بعضها بعضًا، وأنه لا يصح في الباب حديث يثبت هذا الأجر المخصوص.

وهذا هو محل النزاع الحقيقي:

هل مجموع الطرق يرتقي بالحديث إلى درجة القبول؟

أم أن ضعفها شديد بحيث لا ينجبر بعضها ببعض؟

فمن رأى أن الطرق تتقوى حسّن الحديث أو صححه، ومن رأى أن عللها لا تنجبر حكم بضعفه.

ثالثًا: ماذا عن عمل النبي ﷺ والصحابة؟

هنا تأتي قرينة مهمة تستحق التأمل.

ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس حسناء.

فأصل الجلوس بعد الفجر والذكر حتى طلوع الشمس ثابت.

لكن محل البحث هو:

هل ثبت أنه ﷺ كان يصلي بعد ذلك ركعتين مخصوصتين بهذا الوصف، وأنه رتب على ذلك أجر حجة وعمرة تامة؟

وهنا لا نجد في الحديث الصحيح الصريح ما يثبت هذا الفضل المخصوص.

بل نُقل عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت إذا طلعت الشمس نامت نومة الضحى، ونُقل عن جماعة من السلف أنهم كانوا يجلسون بعد الفجر للذكر حتى تطلع الشمس، ثم يتذاكرون العلم والذكر.

وهذه الآثار لا تثبت وحدها نفي صلاة الضحى، وإنما تفيد أن الهيئة الخاصة المذكورة في الحديث، مع الوعد بأجر حجة وعمرة، لم تكن أمرًا مشهورًا مستفيضًا عن السلف.

رابعًا: هل معنى ذلك أن صلاة الضحى غير ثابتة؟

لا.

وهذه نقطة ينبغي ألا تختلط على القارئ.

صلاة الضحى ثابتة بأحاديث صحيحة، وهي سنة مشروعة، وليس الخلاف هنا في أصل مشروعيتها.

وإنما الكلام عن الفضيلة الخاصة جدًا الواردة في حديث الشروق:

من صلى الفجر في جماعة، ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، فله أجر حجة وعمرة تامة تامة تامة.

فهذا الوعد الخاص يحتاج إلى دليل ثابت؛ لأن تحديد مقدار الثواب من الأمور التوقيفية التي لا تثبت بمجرد الاستحسان.

خامسًا: ماذا نقول في الحديث إذن؟

الإنصاف العلمي يقتضي أن نقول:

حديث الشروق حديث مختلف في تصحيحه.

فقد حسنه الترمذي، وصححه بعض أهل العلم، بينما ضعفه آخرون، ومنهم من رأى أن طرقه لا تخلو من علل لا ترتقي به إلى درجة الصحة أو الحسن.

وعليه، فمن قال:

«الحديث صحيح ومتفق على صحته»

فهذا غير دقيق.

ومن قال:

«الحديث موضوع ولا أصل له مطلقًا»

فهذا أيضًا مبالغة؛ لأن الحديث مروي في كتب السنة وله طرق وألفاظ متعددة، وإنما الكلام في ثبوته عن النبي ﷺ.

والأدق أن يقال:

حديث فضل صلاة الشروق بأجر حجة وعمرة حديث مختلف في صحته؛ حسنه الترمذي وصححه بعض المحدثين، وضعفه آخرون، ومنهم من رأى أن طرقه لا تثبت.

وهذه العبارة أبعد عن التعصب، وأقرب إلى المنهج الحديثي.

وأما عبارة: «لو كان هذا الفضل ثابتًا لما تركوه»…

فهي ليست دليلًا مستقلًا على ضعف الحديث؛ لأن عدم نقل العمل لا يعني بالضرورة عدم وقوعه.

لكنها قرينة تستحق النظر، ولا سيما إذا كان الحديث يقرر فضيلة عظيمة جدًا، وكان مقتضى هذه الفضيلة أن تكون موضع عناية ظاهرة عند الصحابة والتابعين.

ولهذا يمكن أن يقال:

إن عدم اشتهار هذه الهيئة الخاصة عن النبي ﷺ وأصحابه، مع اشتهار جلوسهم بعد الفجر للذكر، وعدم ثبوت إسناد صحيح صريح في هذا الأجر عند من يضعف الحديث، يزيد المسألة نظرًا وبحثًا، لكنه لا يكفي وحده للحكم على الحديث بالوضع أو البطلان.

الخلاصة

أصل صلاة الضحى ثابت.

وأصل الجلوس بعد الفجر للذكر ثابت.

أما الجمع بين الأمرين في هيئة مخصوصة، مع الوعد بأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة، فحديثه مختلف في صحته، ولا يصح عرضه على الناس على أنه حديث صحيح متفق عليه.

ومن أراد الاحتياط في العبادة، فله أن يجلس بعد الفجر يذكر الله ويقرأ القرآن، ثم يصلي الضحى، دون الجزم بأن له أجر حجة وعمرة إلا بناءً على القول الذي يصحح الحديث.

وهذا هو التفريق الذي ينبغي أن يُراعى عند الكلام على حديث الشروق:
مشروعية العمل شيء، وثبوت الثواب الخاص الوارد في الحديث شيء آخر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق