🟦 التفويض في الصفات بين الأشاعرة والسلفية
أين يقع الاتفاق؟ وأين يبدأ الخلاف؟
من المسائل التي يكثر فيها الخلط والجدل عند الحديث عن الأشاعرة والمدرسة السلفية المعاصرة مسألةُ التفويض في صفات الله تعالى.
فقد يظن بعض الناس أن الفريقين يقولان شيئًا واحدًا؛ لأن كليهما يتحدث عن إثبات الصفات، والتنزيه، ونفي التشبيه، وترك الخوض في الكيفية.
لكن عند التأمل في حقيقة المصطلحات والمنهج، يظهر أن هناك مساحة اتفاق مهمة، ثم يبدأ بعد ذلك خلاف عميق في معنى التفويض وحدوده.
🟢 أولًا: نقاط الاتفاق
① الإيمان بأن الله تعالى موصوف بصفات الكمال
يتفق الطرفان من حيث الأصل على أن الله سبحانه وتعالى متصف بصفات الكمال، وأن صفاته ليست صفاتٍ مخلوقة ولا حادثة.
② تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقات
فالله سبحانه وتعالى يقول:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
فلا يجوز قياس حقيقة صفات الخالق على صفات المخلوقين.
③ أن حقيقة ذات الله تعالى لا يحيط بها عقل
وكذلك لا يحيط البشر بحقيقة ما يختص بالله سبحانه وتعالى من الغيب.
فالله تعالى أعظم وأجل من أن تحيط به العقول أو تدرك حقيقته إدراكًا كاملًا.
🔴 ثانيًا: أين يقع الخلاف؟
① هل معنى الصفة معلوم لنا على الحقيقة؟
هنا تظهر نقطة الخلاف الأساسية.
فالأشاعرة، وخاصة عند من يسلك مسلك التفويض، يؤكدون أن النصوص الواردة في بعض الصفات يجب أن تُفهم في إطار التنزيه المطلق، وأن حقيقة المراد من بعض الألفاظ المتشابهة تُرد إلى علم الله تعالى، مع القطع بنفي كل معنى يقتضي مشابهة الخالق للمخلوق.
أما الاتجاه السلفي المعاصر فيرى أن المعنى اللغوي للصفة معلوم في الجملة، مع تفويض الكيفية والحقيقة التي عليها الصفة إلى الله تعالى.
ومن هنا نشأ الخلاف في السؤال التالي:
هل التفويض يتعلق بالكيفية وحدها، أم قد يشمل حقيقة المراد من بعض ألفاظ الصفات؟
وهذا هو جوهر المسألة.
② بين «إثبات المعنى» و«التنزيه عن المعنى الحسي»
يؤكد المفوضة من الأشاعرة أن الألفاظ التي قد توهم في ظاهرها خصائص الأجسام والمخلوقات لا يجوز حملها على ما يتبادر من معاني الأجسام والحوادث.
ولهذا كان همهم الأول هو حماية أصل التنزيه، وعدم نقل خصائص المخلوق إلى الخالق لمجرد الاشتراك في اللفظ.
أما الاتجاه الآخر فيؤكد إثبات المعنى اللغوي، مع نفي التشبيه والتمثيل.
وهنا ينبغي التنبه إلى أن الخلاف ليس مجرد خلاف في الكلمات، بل يتعلق بـ حدود ما يمكن للعقل أن يدركه من حقيقة مدلولات الصفات الإلهية.
③ مسألة «الكيف»
من المسلمات عند أهل السنة أن الله تعالى لا يشبه خلقه.
لكن التعبير عن قضية الكيفية يحتاج إلى دقة شديدة؛ لأن مجرد استخدام الألفاظ المتعلقة بالأجسام أو الخصائص الحسية في حق الله تعالى قد يؤدي إلى إشكالات لا تحل بمجرد القول: «لا نعلم الكيف».
ولهذا يميل كثير من علماء الأشاعرة إلى التشديد على أن الله سبحانه وتعالى منزَّه عن الكيفية التي هي من خصائص الأجسام والمخلوقات، فلا يصح أن يتصور الإنسان لله تعالى هيئةً أو صورةً أو تركيبًا ثم يقول: نجهل كيفيتها.
فالتنزيه يبدأ قبل محاولة رسم صورة ذهنية ثم الادعاء بأن كيفيتها مجهولة.
⚖️ لماذا أميل إلى أن منهج الأشاعرة في التفويض أقرب إلى الصواب؟
لأن باب الصفات بابٌ عظيم، والخطأ فيه لا ينبغي أن يكون نتيجة التسرع في استعمال الألفاظ أو إسقاط ما نعرفه عن المخلوقات على الخالق سبحانه وتعالى.
ومن هنا يظهر جانب القوة في منهج التنزيه عند الأشاعرة:
نثبت ما أثبته الله لنفسه، ونؤمن بالنص، وننزّه الله تعالى عن مشابهة خلقه، ولا نُحمِّل النصوص من التصورات الحسية ما لم يدل عليه دليل.
فليس كل ما تدركه عقولنا من معنى الألفاظ في عالم المخلوقات يصح نقله تلقائيًا إلى عالم الغيب والإلهيات.
وهذا – في نظري – أكثر احتياطًا في باب التنزيه، وأقرب إلى التسليم لله تعالى.
⚠️ ولكن…
هذه المسائل من دقائق علم العقيدة والكلام وأصول النظر، وليست من القضايا التي ينبغي أن تتحول إلى مادة للتراشق والاتهام بين عامة المسلمين.
فليس من الحكمة أن يُفتح أمام كل أحد باب الجدل في دقائق:
المعنى، والحقيقة، والكيفية، والتفويض، والتأويل، واللازم…
دون تأصيل علمي وفهم دقيق لكلام العلماء.
فالواجب على المسلم أن يعرف ربه معرفةً صحيحة، وأن يؤمن بأن الله تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
وأن يعلم أن الخوض في دقائق هذه المسائل يحتاج إلى علم وعدل وإنصاف، لا إلى التعصب المذهبي أو تبادل التهم.
✨ الخلاصة
الاتفاق قائم على إثبات الكمال لله تعالى وتنزيهه عن النقص ومشابهة المخلوقات.
أما الخلاف الحقيقي فيدور حول:
🔹 حدود المعنى الذي يُثبت للفظ.
🔹 معنى التفويض ومجاله.
🔹 العلاقة بين المعنى اللغوي والحقيقة الإلهية.
🔹 كيفية تحقيق التنزيه دون تعطيل.
ومن وجهة نظري، فإن منهج التفويض الأشعري – عند ضبطه بأصوله العلمية – أكثر احتياطًا في باب التنزيه، وأبعد عن استدعاء التصورات الحسية إلى مجال الصفات الإلهية.
وما كان لله تعالى، فالله أعلم بحقيقته وكنهه، ولا يحيط به عقل ولا خيال.
🌿 فالعلم في هذه الأبواب يحتاج إلى تواضع… والاختلاف يحتاج إلى عدل… والتنزيه يحتاج إلى دقة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق