"لماذا يهاجمون التصوف؟".. هل أزعجهم (الصفاء) أم أفزعهم (الإحسان)؟
نسمع بين الحين والأخر أصوات من جعلوا "التديّن" معارك كلامية وجدلاً عقيماً، ليصبوا جام غضبهم على (التصوف)، وكأنهم وجدوا في "تزكية النفس، والحب الإلهى" عدواً للإسلام! والحقيقة أن هجومهم ليس غيرةً على العقيدة، بل هو "ضيق أفق" أمام سعة الروح.
لماذا يهاجمون التصوف؟
لأن التصوف (علم)، وهم أدمنوا (السطحية):
يهاجمون التصوف لأنه يطالبهم بما هو أصعب من حفظ المتون؛ يطالبهم بـ "إصلاح القلوب".
الفرق بين الفقيه الصوفي وبين المتشدد الجاف، كالفرق بين من يدرس "قوانين الماء" وبين من "يشربه ليرتوي". هم وقفوا عند الرسوم، والتصوف غاص في الحقائق. التصوف هو (الفقه الأكبر) الذي يحول "لا إله إلا الله" من كلمة باللسان إلى "حال" يملأ الوجدان.
حين يتعامل المتصوف مع الإنسان -أيّاً كان معتقده- أو الحيوان، أو حتى الجماد، فإنه يتعامل بـ (الرفق والتحبب)؛ لأنه يرى في كل كائن "سراً إلهياً". هذا الحب هو الذي يجعل الصوفي "سَلماً" للعالم، لا يضمر حقداً، ولا يعرف غلاً، لأن قلبه قد امتلأ بمحبة (الأصل)، ففاضت المحبة على (الفروع).
هنا تظهر الفجوة بين "روحانية التصوف" وبين "غِلظة المتشدد"؛ فالأخير يبحث عن "موجبات الكراهية" ليثبت تدينه، بينما يبحث الصوفي عن "موجبات الرحمة" ليثبت إحسانه.
"الصوفي هو مَن اتسع قلبه لكل الوجود، فرأى في الوردة جمال الله، وفي العاصفة جلاله، وفي الإنسان -بضعفه وعثراته- مَحلاً لرحمته.. هو الذي يرى الخلق بعين الحق، فلا يخرج من قلبه إلا الحب."
فرية "القبور والخرافات":
أكبر كذبة يرددونها هي حصر التصوف في "المظاهر" أو "التجاوزات"، فالتصوف السني الذي يدرسه الأزهر هو (المقيد بالكتاب والسنة)؛ تصوف الجنيد والغزالي. نحن لا ندافع عن "خرافة"، بل ندافع عن (منهج تزكية). إن رؤية "الخطأ" في سلوك بعض العوام لتبرير هدم "أصل العلم" هي مغالطة (تعميم الاستثناء)؛ تماماً كمن يريد هدم الطب لأن هناك دجالاً يرتدي ثوب الأطباء!
الزهد الذي أفزع "عبدة المادة":
صوروا لكم الزهد بأنه "فقر وكسل"، والحقيقة أن زهد الصوفية هو (تحرر)، فالزهد أن تكون "الدنيا في يدك لا في قلبك". الصوفي يعمل، ينتج، ويبني، لكنه لا يُباع ولا يُشترى بالمال. هذا التحرر يزعج من يريدون تحويل الإنسان إلى "آلة استهلاك"، ويزعج من يريدون ربط الدين بـ "المصالح الضيقة".
لماذا يخافون من "الأدب" الصوفي؟
التصوف يعلمنا "أدب المريد"، و"كسر الأنا"، و"ستر الخلق". والمتشدد يقتات على "تفسيق الناس" و"الاستعلاء عليهم بالحق".
فالتصوف يسحب البساط من تحت أقدام (أوصياء الدين)؛ لأنه يربط العبد بربه مباشرة بـ "الحب والشوق"، لا بـ "الخوف والترهيب" الذي يمارسه أصحاب الخطاب الجاف ليظلوا هم "المرجعية الوحيدة" للناس.
التصوف لم يُهاجم لأنه باطل، بل لأنه (عميق) يفضح "فراغهم". ولم يُشوه لأنه خطر على التوحيد، بل لأنه خطر على (قسوة القلوب).
من صفا قلبه، عرف أن التصوف هو "جوهر الشريعة"، ومن اعتاد "الظلام"، آذاه "النور".
"التصوف ليس لبس الصوف، بل هو أن تصفو من الكدر، وتملأ قلبك بالبشر، وتكون مع الله كأنك تراه.. فإن لم تكن تراه، فاعلم أنه بصيرٌ بجهل من يجهلون قيمة الروح."
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق