حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة… دراسة حديثية وتأصيلية لرفع الإشكالات
مدخل
من الأحاديث التي كثر حولها الجدل، وتباينت في فهمها مناهج العلماء، حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة.
وقد تحوّل هذا الحديث عند بعض المتأخرين من نصٍّ للتحذير من التفرق والاختلاف إلى أداة لتوزيع أحكام النجاة والهلاك على المسلمين، بل وإلى وسيلة للتبديع والتضليل، وأحيانًا إلى التسرع في التكفير.
وهنا تظهر الحاجة إلى قراءة الحديث قراءةً علمية هادئة، تجمع بين دراسة أسانيده وألفاظه، والنظر في اختلاف رواياته، وفهم دلالاته في ضوء مجموع نصوص الكتاب والسنة، ومراعاة قواعد أهل العلم في الحكم على الفرق والمخالفين.
فالغاية ليست إسقاط الحديث، ولا إنكار دلالته على وقوع الافتراق، وإنما تحرير محل النزاع، ورفع الإشكالات التي نشأت من القراءة المجتزأة له.
أولًا: ما الذي ثبت من حديث الافتراق؟
ورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه في بيان افتراق اليهود والنصارى، وأن هذه الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة.
ومن ألفاظ روايته عند الترمذي:
«وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة».
وقد حكم الترمذي على الحديث بالحسن الصحيح، ورواه كذلك أبو داود وابن ماجه وغيرهما.
وهذا يعني أن أصل الإخبار بوقوع الافتراق في الأمة له أصل حديثي معتبر.
لكن ينبغي التفريق بين أصل الحديث وبين جميع الزيادات الواردة في بعض طرقه وألفاظه؛ فليست كل الروايات في درجة واحدة من الصحة.
ومن أشهر الألفاظ التي وقع حولها البحث:
«كلها في النار إلا واحدة».
وقد اختلف العلماء في ثبوت هذه الزيادة، فصححها بعض أهل الحديث بمجموع طرقها، بينما ناقش آخرون أسانيدها أو بعض طرقها، ومنهم ابن حزم وابن الوزير وغيرهما. وفي المقابل ذهب علماء آخرون إلى تقوية الحديث بمجموع طرقه. ولذلك فالأدق علميًا أن يقال:
إن أصل حديث الافتراق ثابت، أما بعض ألفاظ الزيادة وتفاصيلها فقد وقع فيها خلاف حديثي معروف.
وهذه النتيجة تمنعنا من بناء أحكام عقدية ضخمة على رواية واحدة دون النظر في مجموع طرق الحديث وألفاظه.
ثانيًا: ماذا تعني كلمة «أمتي»؟
من المفاتيح المهمة في فهم الحديث تحرير معنى «الأمة».
فلفظ الأمة في النصوص الشرعية يأتي على معانٍ متعددة، ومن أشهر التقسيمات عند أهل العلم:
أمة الدعوة: وهم من وُجّهت إليهم دعوة النبي ﷺ.
وأمة الإجابة: وهم الذين استجابوا له وآمنوا برسالته.
وعند النظر في حديث الافتراق، فإن جمهور شُرّاحه حملوا «أمتي» هنا على أمة الإجابة؛ لأن الحديث يتحدث عن فرق نشأت داخل الأمة الإسلامية.
ومن هنا لا يصح أن يتحول مجرد الاختلاف في الاعتقاد أو المنهج إلى حكم آلي بإخراج كل طائفة من الإسلام.
بل إن علماء أهل السنة أنفسهم بحثوا في أحكام الفرق المنتسبة إلى الإسلام، وميّزوا بين البدعة والكفر، وبين الخطأ والردة، وبين الحكم على القول والحكم على قائله.
وهذه التفرقة من أهم القواعد التي ينبغي استحضارها عند قراءة حديث الافتراق.
ثالثًا: هل العدد «ثلاث وسبعون» يراد به الحصر العددي الدقيق؟
من أكثر المسائل التي تحتاج إلى تحرير: هل المقصود بالعدد ثلاثة وسبعون الحصر الحسابي الدقيق، بحيث يجب على المسلمين أن يبحثوا في التاريخ عن ثلاث وسبعين فرقة بالضبط؟
هنا اختلف أهل العلم في فهم العدد.
فمنهم من حمله على ظاهره، ومنهم من رأى أن الأعداد في بعض السياقات العربية قد تستعمل للمبالغة في الكثرة، وليس المقصود منها دائمًا إجراء عملية حسابية دقيقة.
ولهذا فإن محاولة إجبار تاريخ الفرق الإسلامية على الانقسام إلى ثلاث وسبعين فرقة بالضبط قد تؤدي إلى تكلفات في التصنيف والتفريع.
والأهم من ذلك أن المقصود العملي من الحديث ليس أن ينشغل المسلم بالسؤال:
من الفرقة رقم 17؟ ومن الفرقة رقم 48؟ ومن الفرقة رقم 72؟
وإنما أن يدرك أن الاختلاف والتفرق قد يقعان في الأمة، وأن النجاة تكون بالاعتصام بالكتاب والسنة، واجتناب أسباب التنازع والهوى.
رابعًا: ليس كل اختلافٍ افتراقًا مذمومًا
وهذه نقطة مركزية في فهم الحديث.
فليس كل اختلاف بين المسلمين من جنس الافتراق المذموم.
لقد اختلف الصحابة رضي الله عنهم في مسائل فقهية واجتهادية كثيرة، ولم يؤدِّ ذلك إلى أن يصبحوا فرقًا متباغضة.
واختلف الأئمة بعدهم في الفروع، وتعددت المذاهب الفقهية، ومع ذلك ظل أصل الأخوة الإسلامية قائمًا.
لذلك ينبغي التفريق بين:
اختلاف التنوع والاجتهاد في الفروع،
وبين:
الافتراق الذي يتحول إلى خصومة وتمزيق وتكفير واستحلال للدماء والأعراض.
فالمشكلة ليست في مجرد وجود الاختلاف، وإنما في تحول الاختلاف إلى قطيعة وتنازع وتعصب واعتداء.
ومن هنا فإن حديث الافتراق ينبغي ألا يُستخدم لمحاربة كل تعدد فقهي أو اجتهادي داخل الأمة.
خامسًا: ماذا تعني عبارة «كلها في النار إلا واحدة»؟
هذه العبارة من أكثر مواضع الحديث حساسية، ولذلك يجب التعامل معها بمنهج أهل السنة في فهم نصوص الوعيد.
فورود الوعيد بالنار لا يعني بالضرورة الخروج من الإسلام أو الخلود الأبدي في النار.
وهذا أصل معروف في باب الوعيد؛ إذ قد تَرِد نصوص الوعيد في حق أهل المعاصي، مع بقاء أصل الإسلام، ويكون أمرهم إلى الله تعالى.
ولهذا فرّق علماء أهل السنة بين:
الكفر المخرج من الملة،
وبين:
البدعة والمعصية والضلال الذي لا يستلزم الكفر.
كما فرّقوا بين الحكم على المقالة بأنها كفر، وبين الحكم على المعيّن بأنه كافر.
ومن هنا لا يصح تحويل عبارة «كلها في النار» إلى قاعدة تقول:
كل من خالفني في الاعتقاد فهو كافر خالد في النار.
فهذه قفزة لا يبررها الحديث.
بل إن علماء السنة بحثوا في الفرق المخالفة، ولم يجعلوا مجرد الانتساب إلى فرقة أو الوقوع في بدعة سببًا آليًا للحكم بالردة على كل فرد من أفرادها.
سادسًا: من هي «الفرقة الناجية»؟
وردت في بعض روايات الحديث ألفاظ تفسر الفرقة الناجية، ومن أشهرها:
«الجماعة».
وجاء في رواية أخرى:
«ما أنا عليه وأصحابي».
وقد تناول العلماء معنى هذه الألفاظ بطرق متعددة، لكن الجامع بينها هو لزوم ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، والتمسك بأصول الإسلام، والاعتصام بالكتاب والسنة.
وهنا ينبغي التنبه إلى قضية مهمة:
الفرقة الناجية ليست بالضرورة اسمًا تنظيميًا معاصرًا، ولا بطاقة عضوية تمنحها جماعة لنفسها.
فلا يجوز أن يتحول الحديث إلى وسيلة تقول بها كل جماعة:
«نحن الفرقة الناجية، وكل من خالفنا من أهل الهلاك».
لأن العبرة ليست بالاسم والشعار، وإنما بمدى موافقة الاعتقاد والعمل للكتاب والسنة وما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه.
ولهذا فإن تنزيل مفهوم «الفرقة الناجية» على جماعة معاصرة بعينها يحتاج إلى علم وعدل وتحرير، ولا يصح أن يتحول إلى وسيلة لاحتكار الإسلام.
سابعًا: هل حديث الافتراق دعوة إلى تصنيف المسلمين؟
هنا ينبغي أن نقرأ الحديث في الاتجاه الصحيح.
النبي ﷺ عندما يحذر من الافتراق لا يدعونا إلى صناعة الافتراق.
وعندما يحذر من التنازع لا يأمرنا بتحويل الاختلاف إلى عداوة.
فالحديث ـ في أصل مقصده ـ يحمل معنى التحذير من أسباب الانقسام والانحراف، لا تحويل الأمة إلى جماعات متناحرة، كل جماعة منها تزعم امتلاك صك النجاة.
ومن الخطأ أن يتحول الحديث من:
تحذير من التفرق
إلى:
مشروع دائم لتفريق المسلمين.
ومن:
دعوة إلى لزوم الحق
إلى:
احتكار الحق في جماعة أو مدرسة أو تنظيم.
ومن:
التحذير من البدع
إلى:
توزيع أحكام الهلاك على الناس بلا علم ولا عدل.
ثامنًا: التبديع لا يساوي التكفير
من أهم القواعد التي ينبغي إبرازها عند الحديث عن الفرق:
ليس كل مبتدع كافرًا، وليس كل خطأ عقدي موجبًا للخروج من الإسلام.
فالحكم على الأشخاص يحتاج إلى استيفاء شروط وانتفاء موانع، كما أن الحكم على المقالات يحتاج إلى تحرير دقيق لمحل النزاع.
ولهذا كان علماء أهل السنة أشد احتياطًا في باب التكفير، لما يترتب عليه من أحكام خطيرة في الدنيا والآخرة.
والأصل أن المسلم الذي ثبت إسلامه لا يُنقل عنه إلا بيقين، ولا ينبغي أن تتحول الخلافات العلمية إلى أبواب مفتوحة للتكفير والتبديع والتشهير.
تاسعًا: حديث الافتراق لا يلغي سعة الخلاف الفقهي
من الخطأ إدخال المذاهب الفقهية ومدارس الاجتهاد في مفهوم الافتراق المذموم لمجرد اختلافها في بعض الأحكام.
فالمسائل الاجتهادية بطبيعتها تحتمل النظر والترجيح، وقد اختلف فيها كبار الصحابة والأئمة.
ومن هنا فإن:
اختلاف الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة في مسائل الاجتهاد لا يعني أنهم فرق متناحرة.
وكذلك فإن اختلاف العلماء في بعض مسائل العقيدة أو الكلام يحتاج إلى تفصيل، فلا يصح إطلاق حكم واحد على كل المدارس والأشخاص دون تمييز بين المسائل والأعيان والمراتب.
عاشرًا: ماذا نتعلم من الحديث؟
إذا جمعنا روايات الحديث، وأقوال العلماء في شرحه، أمكننا أن نستخلص جملة من المعاني المهمة:
1 ـ التحذير من التفرق
فالحديث يخبر بوقوع الاختلاف ويحذر من عواقبه، وهو معنى تؤكده نصوص كثيرة من القرآن والسنة في النهي عن التنازع والفرقة.
2 ـ ضرورة الاعتصام بالكتاب والسنة
فالنجاة ليست في الاسم ولا في الشعار، وإنما في موافقة هدي النبي ﷺ وأصحابه.
3 ـ عدم التسرع في التكفير
فالوعيد لا يعني بالضرورة الكفر، والبدعة لا تعني آليًا الردة.
4 ـ التفريق بين الحكم على القول والحكم على القائل
وهذه قاعدة مهمة جدًا في أبواب العقائد والفرق.
5 ـ عدم تحويل الحديث إلى أداة للصراع الحزبي
فالانتساب إلى «الفرقة الناجية» لا يكون بمجرد الاسم، ولا باحتكار الحقيقة، ولا بإقصاء المخالف.
6 ـ ضرورة الجمع بين النصوص
فلا يجوز أن نقرأ حديث الافتراق بمعزل عن نصوص الأخوة، والرحمة، والنهي عن الظلم، والتحذير من التكفير بغير حق.
خاتمة
حديث افتراق الأمة من الأحاديث التي تحتاج إلى علمٍ بالحديث، وفقهٍ في الدلالة، ومعرفةٍ بأصول أهل السنة في الحكم على الفرق والأشخاص.
وأصل الإخبار بافتراق الأمة له أصل حديثي معتبر، لكن ألفاظ الحديث وطرقه وتفاصيل دلالاته ليست على درجة واحدة، وقد وقع بين العلماء نقاش معروف في ثبوت بعض الزيادات وفي تفسيرها.
ولهذا فإن التعامل مع الحديث بمنهج علمي يقتضي ألا نجعله وسيلة إلى:
التكفير، أو احتكار النجاة، أو تمزيق وحدة المسلمين، أو تحويل الخلاف العلمي إلى عداوة دينية.
بل ينبغي أن يكون الحديث باعثًا على الاعتصام بالكتاب والسنة، والحذر من التعصب والهوى، والتمييز بين الخطأ والبدعة، وبين البدعة والكفر، وبين الحكم على القول والحكم على المعيّن.
فالرسالة الأهم ليست أن ننشغل بالسؤال:
«من الفرقة الهالكة؟»
وإنما أن نسأل أنفسنا:
هل نحن ممن ينهى عن التفرق، أم ممن يصنعه؟
وهل نستخدم النصوص لجمع الأمة على الحق، أم لتحويلها إلى سلاح في صراع الجماعات؟
إن حديث الافتراق، إذا قُرئ في سياقه العلمي الصحيح، لا ينبغي أن يكون وقودًا لمزيد من الخصومة، بل إنذارًا من أسباب التفرق، ودعوةً إلى لزوم الحق والعدل والرحمة.
اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق، وألّف بين قلوبهم، واجعل اختلافهم اختلاف تنوع ورحمة، ولا تجعله اختلاف تنازع وفرقة.
والله أعلم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق