من ربيع المدخلي إلى العامي المتمدخل: كيف تتشكل طبقات الخطاب المدخلي؟
قراءة نقدية في مراتب التأثير والتلقي داخل التيار المدخلي
ليس المقصود من هذا المقال إطلاق الأحكام على الأفراد لمجرد انتسابهم إلى اتجاه فكري معين، ولا القول إن جميع المنتسبين إليه سواء؛ فداخل أي تيار فكري تفاوت في العلم والفهم والممارسة، كما أن الناس يتأثرون بالأفكار بدرجات مختلفة.
لكن من خلال متابعة الخطاب المدخلي، ولا سيما في بعض البيئات المحلية، يمكن ملاحظة تدرج في دوائر التأثير والتلقي؛ تبدأ من الشخصيات المرجعية، ثم تنتقل إلى الدوائر العلمية والدعوية، وتنتهي عند عموم الأتباع الذين يتلقون المواقف والأحكام عبر سلسلة متدرجة من المؤثرين.
ومن هنا يمكن فهم ما يسميه بعض المنتقدين بـ «طبقات المداخلة».
🔹 الطبقة الأولى: المرجعية العليا
في أعلى الهرم تأتي الشخصية المرجعية التي يدور حولها قدر كبير من الخطاب والتوجيه، ومن أبرز الأسماء المرتبطة بهذا التيار:
ربيع المدخلي.
وتُستمد من هذه الدائرة كثير من التصورات المتعلقة بالمواقف من الأشخاص والجماعات، وقضايا التبديع والتحذير والهجر، وتحديد من يُقبل قوله ومن يُحذَّر منه.
🔹 الطبقة الثانية: الدائرة العلمية الأقرب
وتضم مجموعة من الأسماء التي ارتبطت بالخطاب المدخلي، ومن بينها:
محمد المدخلي، وعبيد الجابري، وبازمول، وغيرهم.
وتقوم هذه الدائرة بدور الوسيط العلمي والدعوي بين المرجعيات العليا وبين الدوائر الأدنى.
🔹 الطبقة الثالثة: الدعاة وأصحاب الحضور الجماهيري
ثم تأتي طبقة أوسع من الدعاة الذين كان لهم حضور واضح في نشر هذا الخطاب، ومن الأسماء التي تُذكر في هذا السياق:
محمد سعيد رسلان، والرضواني، وطلعت زهران، وغيرهم.
وهنا ينتقل الخطاب من المستوى العلمي المتخصص إلى خطاب دعوي أكثر قربًا من الجمهور العام.
🔹 الطبقة الرابعة: الدائرة المحلية والعلمية
وفي بعض البيئات المحلية يظهر تأثير أسماء مثل:
فركوس، وسليمان الرحيلي، وغيرهما.
ومع اختلاف المراتب العلمية والتوجهات والتفاصيل بين هؤلاء، فإن المقصود هنا ليس إصدار حكم علمي على كل شخصية، وإنما وصف موقعها في التصور الذي يتداوله أتباع التيار.
واللافت أن هذه التصنيفات نفسها قد تتغير مع الوقت؛ فقد يرتفع شخص في نظر أتباع التيار، وينخفض آخر، تبعًا للمواقف والخلافات والتزكيات المتبادلة.
🔹 الطبقة الخامسة: المؤثرون المحليون
وتأتي بعد ذلك طبقة من الدعاة والمشايخ المحليين، ومن الأسماء التي يشار إليها في الجزائر مثل:
لزهر سنيقرة وعبد الغني عويسات وغيرهما.
وهنا تبدأ دائرة التأثير بالاقتراب أكثر من الجمهور المحلي.
والتصنيف داخل هذه الدائرة ليس ثابتًا بالضرورة؛ إذ يمكن أن يتغير تبعًا للعلاقات والمواقف والتزكيات والاصطفافات الداخلية.
🔸 الطبقة السادسة: أئمة المساجد والمتعاطفون
وتضم هذه الدائرة عددًا من أئمة المساجد أو الدعاة المحليين الذين يميلون إلى الخطاب الصادر عن الطبقات السابقة، ويتأثرون بها في المواقف من الأشخاص والقضايا المختلف فيها.
وهنا يتحول التأثير من خطاب المشايخ إلى الممارسة اليومية في المساجد والمجالس الدعوية.
🔸 الطبقة السابعة: المؤثرون المحليون غير الرسميين
وهذه من أكثر الطبقات أهمية؛ لأنها تمثل حلقة الاتصال بين الخطاب الدعوي وبين عامة الناس.
وقد يكون أفرادها من أصحاب المتاجر أو الموظفين أو رواد المساجد أو الناشطين في محيطهم الاجتماعي، وليس بالضرورة أن يكونوا من أهل العلم.
ومع ذلك، قد يصبح لبعضهم تأثير كبير في محيطه المحلي، فينقل مواقف المشايخ، ويتولى عملية التزكية أو التحذير أو الهجر، ويحدد للأفراد من يُسمع ومن لا يُسمع.
وفي بعض البيئات قد يصبح رضا هؤلاء أو قبولهم بمثابة جواز مرور اجتماعي إلى الدوائر الأعلى.
🔸 الطبقة الثامنة: عوام التنظيم أو الأتباع النشطون
وهذه هي الطبقة الأكثر حضورًا في الحياة اليومية.
ويمكن أن نجد داخلها عدة أنماط:
1️⃣ المنفذون للأحكام الاجتماعية
وهم الذين يسارعون إلى الهجر والتحذير من المخالف، وقد يتحول الخلاف الفكري عندهم إلى خصومة شخصية ومقاطعة اجتماعية.
2️⃣ ناقلو ملفات التجريح
وهؤلاء ينشغلون بصورة كبيرة بأخبار الأشخاص، ومن قيل فيه، ومن حُذِّر منه، ومن تاب، ومن رجع، ومن هُجر.
حتى تتحول متابعة قضايا التجريح والتعديل والتحذير إلى نشاط يومي يستهلك مساحة كبيرة من وقتهم واهتمامهم.
3️⃣ المروجون للصورة الإيجابية
وهؤلاء أقل حدة في التعامل مع المخالفين، ويهتمون أكثر بتقديم صورة حسنة عن مشايخ التيار.
وقد يمتلك بعضهم قدرًا من حسن الخلق والانضباط والاهتمام بالعبادات، ولذلك يكون تأثيره أكبر على المتدين الجديد.
فهو لا يبدأ معه بالخصومة والجدال، وإنما يبدأ معه بالمسائل التي يكثر السؤال عنها، ثم يعرّفه شيئًا فشيئًا على مشايخ التيار وكتبهم ومصادرهم.
وهذا النوع من الخطاب قد يكون أكثر قدرة على استقطاب المتدين الجديد من الخطاب الصدامي المباشر.
4️⃣ أتباع الخوف من التصنيف
وهؤلاء لا يتبعون التيار دائمًا عن قناعة علمية مكتملة، وإنما قد يخشون أن يُتهموا بالتساهل أو التمييع أو البدعة إذا خالفوا الجماعة.
فيصبح شعارهم العملي:
«نحن مع الإخوة فيما يقولون»
بغض النظر عن مقدار البحث أو الدراسة أو التحقق من الدليل.
🔸 الطبقة التاسعة: العامي المتمدخل حديثًا
وهذه هي الحلقة الأوسع.
وهو الشخص الذي دخل حديثًا في هذا الخطاب، وغالبًا ما يكرر عبارات من قبيل:
«أنا لست طالب علم.»
«أنا لا أعرف شيئًا، اسأل العلماء.»
«لولا العلماء لما عرفنا السلفية.»
ولا إشكال في أن يعترف الإنسان بجهله، بل ذلك من علامات الإنصاف.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الاعتراف بالجهل إلى حصانة من المراجعة.
فقد تجد الشخص يطلق أحكامًا شديدة على عالم أو داعية، ثم إذا سألته عن الدليل قال:
«لا أعلم.»
وإذا سألته عن المصدر قال:
«قال لي أخ.»
وإذا سألته عن العالم الذي نقل عنه قال:
«لا أدري.»
وهنا يصبح مصدر المعلومة ليس كتابًا ولا بحثًا ولا درسًا موثقًا، وإنما سلسلة من النقل الشفهي داخل الدائرة نفسها.
فتصبح المعرفة:
قال الشيخ → قال الأخ → قال الأخ الآخر → قال فلان → إذن هذه هي الحقيقة.
وبهذه الطريقة يمكن أن تنشأ دائرة مغلقة يصعب دخول أي معلومة جديدة إليها، سواء كانت صحيحة أو غير صحيحة.
⚠️ المفارقة الأبرز
من المفارقات التي تستحق التأمل أن بعض هؤلاء الأتباع قد يفتي في مسائل دقيقة جدًا بثقة شديدة، بينما يحتاج العالم المتخصص إلى وقت طويل للتحقيق فيها.
فإذا قيل له:
ما دليلك؟
قال:
لا أعلم.
ومن أين نقلت هذا؟
قال لي أخ.
ومن أي كتاب؟
لا أدري.
ومن أي عالم؟
لا أعرف.
ومع ذلك يبقى الحكم عنده قطعيًا لا يحتمل المراجعة!
وهنا لا تعود المشكلة مجرد نقص في العلم، وإنما تصبح المشكلة في طريقة صناعة اليقين.
🌿 وهناك طبقة مختلفة تمامًا...
ومع ذلك، لا ينبغي أن نضع جميع الأتباع في سلة واحدة.
فهناك شخص قد ينتسب إلى هذا التيار، لكنه في الحقيقة لم يستوعب أصوله الفكرية ولا آليات عمله.
قد يكون:
محبًا للعلم.
حسن الخلق.
مجتهدًا في العبادة.
بعيدًا عن التجريح والتبديع.
رافضًا للتنفير والهجر.
مؤمنًا بأهمية الموازنات.
لا يرى أن كل من وقع في البدعة يصبح مبتدعًا.
لكنه في الوقت نفسه لا يزال يثق ثقة كبيرة في مشايخ التيار، ويرفض الاستماع إلى غيرهم.
وهذا النوع ليس بالضرورة خصمًا فكريًا مغلقًا؛ بل قد يكون أقرب إلى الباحث الذي حُصر داخل دائرة معرفية ضيقة.
🔹 «الطبقة المميزة»: طاقة علمية لم تُستثمر
وهذه من أهم الفئات التي ينبغي التعامل معها بهدوء.
فقد تجد شابًا لديه قدرة جيدة على الحفظ، ورغبة في طلب العلم، واجتهاد واضح في القراءة، وربما تفوق في بعض الجوانب على من حوله، لكنه بقي سنوات طويلة داخل دائرة معرفية محدودة.
يقرأ الكتاب نفسه مرات متعددة، ويحفظ المتون الصغيرة، ويكرر مسائل محددة، لكنه لا ينتقل إلى آفاق أوسع من العلوم.
وقد يُقال له:
«تخصص في كتاب التوحيد.»
فيظل يدور حول الكتاب نفسه وشرحه ومختصراته، بينما لا يتوسع في:
التفسير، والحديث، وأصول الفقه، ومناهج الاستدلال، والفقه المقارن، والسيرة، واللغة العربية، وتاريخ التشريع، والخلاف الفقهي.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
فليس الخطر في أن يحفظ الإنسان كتاب التوحيد أو القرآن أو المتون، فهذه أمور نافعة في أصلها، وإنما الخطر في أن تتحول مرحلة البداية إلى سقف لا يتجاوزه طالب العلم.
طالب العلم الحقيقي لا ينبغي أن يبقى أسير كتاب واحد، ولا شيخ واحد، ولا دائرة واحدة.
بل ينتقل من:
الحفظ → إلى الفهم → إلى المقارنة → إلى التحقيق → إلى القدرة على الاستدلال والنقد.
🌱 لماذا نكتب لهذه الفئة؟
لأن الهدف من النقد ليس تحطيم الأشخاص، ولا السخرية من المتدينين، ولا استبدال جماعة بجماعة.
بل الهدف هو أن يكتشف الإنسان طاقته العلمية التي قد تكون مكبوتة خلف الخوف من مخالفة الجماعة.
وقد يكون من بين هؤلاء شاب قادر على البحث والتحقيق، لكنه لم يكتشف قدرته بعد؛ لأنه تعود أن ينظر إلى نفسه باعتباره تابعًا، وإلى غيره باعتباره صاحب الحق المطلق.
وهنا ينبغي أن نقول له:
اطلب العلم، ولا تكتفِ بالأسماء.
اقرأ، ولا تكتفِ بالنقول.
تحقق، ولا تجعل «قال لي أخ» مصدرًا نهائيًا للمعرفة.
اسأل عن الدليل، ولا تجعل الأشخاص بديلًا عن الدليل.
واسمح لنفسك أن تسمع المختلف قبل أن تحكم عليه.
✦ الخلاصة
المشكلة ليست في أن يكون للإنسان شيخ أو مدرسة علمية أو مرجعية يرجع إليها؛ فهذا أمر طبيعي في مسيرة طلب العلم.
والمشكلة ليست كذلك في احترام العلماء والاستفادة منهم.
وإنما المشكلة حين تتحول المرجعية إلى دائرة مغلقة، ويتحول الولاء للأشخاص إلى معيار للحق والباطل، ويصبح التجريح والهجر والتبديع وسيلة لضبط الجماعة، ويُعامل السؤال والمراجعة وكأنهما خروج عن المنهج.
فالإنسان قد يبدأ طالبًا للعلم، ثم يصبح تابعًا لشيخه، ثم تابعًا لأتباع شيخه، ثم ينتهي به الأمر إلى تكرار ما يسمعه دون أن يعرف مصدره أو دليله.
وهنا يصبح السؤال الضروري:
هل نحن نطلب العلم فعلًا… أم نتعلم فقط كيف نكرر ما يقوله الآخرون؟
إن أعظم خدمة يمكن أن نقدمها للشباب ليست أن ننقلهم من جماعة إلى جماعة، وإنما أن نعيد إليهم حرية البحث، وشجاعة السؤال، وأمانة التحقق، وسعة الاطلاع، واحترام الدليل.
فالعلم لا ينمو داخل الجدران المغلقة، ولا تزدهر الملكة العلمية بالخوف من السؤال، ولا يكون طالب العلم أسيرًا لاسم أو جماعة.
اطلب العلم من أهله، واقرأ في مصادره، وقارن بين الأقوال، واعرف دليل كل قول، ثم كوّن موقفك بعلم وإنصاف.
فليس المقصود أن نخرج من تبعية الأشخاص إلى تبعية أشخاص آخرين؛ وإنما المقصود أن ننتقل من ثقافة التلقي المغلق إلى ثقافة العلم والبحث والتحقيق.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق