قال الله تعالى :{{ قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين }} [يوسف الآية: 108].
الأربعاء، 15 أبريل 2020
شبة حول حديث ( *وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك* ).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الشيخ حفظه الله ورعاه
وفرج كربته
......
"هذه الزيادة؛ ذكرها مسلمٌ رحمه الله؛ في غير الأصول، من طريق: أبي سلام عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو معلول؛ لأن أبا سلام لم يسمع من حذيفة!
قاله الدار قطني وجماعة من الحُفاظ،
ورُوي من غير هذا الوجه عند أحمد، ولا يصحّ!
وكذلك عند ابن حبَّان، وهو معلول!
ولا يصحّ في ذلك شيءٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم..
ولو كان هذا الحديث معروفًا لاحتجّ به الصحابة على عبد الله بن عمرو بن العاص!
حينما تجهَّز للقتال دفاعًا عن أرضه!
وكان سيقاتل خليفةَ عصره، وهو في مسلم، واحتجّ عمرو بحديث: «من قُتل دون أرضه فهو شهيد».
قلتُ: حديث حذيفة قد رواه الشيخان من طريق أبي إدريس الخولاني عنه، وليس فيه زيادة «وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك»،
وإنما بلفظ: "قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم»".
ويَحسُن بنا ها هنا عرض كلام ابن حزم رحمه الله، على الفهم الخاطيء لهذه الزيادة!
فقال رحمه الله: "فإذا كان هذا كذلك؛ فيقين لا شك فيه، يدري كلُّ مسلم، أن أخذ مال مسلم أو ذمي بغير حق، وضرب ظهره بغير حق.. إثم وعدوان وحرام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم»، فإذ لا شك في هذا؛ ولا اختلاف من أحد من المسلمين؛ فالمُسْلِم ماله للأخذ ظلمًا، وظهره للضرب ظلمًا، وهو يقدر على الامتناع من ذلك بأي وجه أمكنه، معاونٌ لظالِمه على الإثم والعدوان، وهذا حرامٌ بنصّ القرآن" (الفِصَل).
انتهى.....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلت:
ـــــــ
اي انها زيادة لا تصح
ولو افترضنا صحتها تنزلا
ضرب الظهر واخذ المال بالحق وليس ظلما وجورا
وضرب الظهر وأخذ المال لمن له ولاية أصلا على المسلمين وليس للمبدلين والمحاربين لدين الله
والسمع والطاعة لمن يقيم الدين ويسوس الأمة بدين رب العالمين.
الاثنين، 13 أبريل 2020
الرئيس عبد السلام عارف الذي توسط للشهيد سيد قطب فاستشهد قبله
كان الرئيس عبد السلام عارف ولا يزال نقطة مفصلية ( كامنة التمفصل ) في تاريخ العروبة والإسلام ، وعلى الرغم من أن عشاق الطغيان يصورون هذا الرجل رئيسا مفتقدا للكاريزما فإن الرئيس عبد السلام عارف كان بلا جدال أرفع العسكريين العرب ثقافة وفهما، وقد أتاح له هذا الفهم مروره بثلاث تجارب خاصة يندر اجتماعها في رئيس واحد.
التجربة الأولى : هي تجربة الغُربة المكتملة في المجتمع الألماني لمدة 5 سنوات (1951 ـ 1956) حيث عاش في ديسلدورف وتأثر ببيئتها وثقافتها وحضارتها التي تجمع بين الألمنة و الفرنسة كما تأثر بالسلوكيات الناشئة عن فلسفة الألمان المثالية وعملهم الجاد وإحاطتهم الواسعة بشئون الحياة، خاض الرئيس عبد السلام عارف هذه التجربة حين كانت ألمانيا تبني نفسها ولم تكن وصلت إلى أيه درجة من درجات التعالي على الأجانب ، بل ربما أن الوضع المالي للرئيس عبد السلام عارف في ذلك الوقت كان أفضل بكثير من الألمان بلا استثناء ، وهكذا فإنه تعلم و تثقف وتحضر من شرفة عالية ومن دون أن يُحس بأنه يخضع للغربيين أو باضطراره إلى تملقهم.
التجربة الثانية : هي تجربة السجن الجاد و الحقيقي وتحديد الإقامة والتعرض لحكم الإعدام وهي الفترة التي قضاها بعد أن كان قد أصبح الرجل الثاني في العراق ونائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للداخلية (1958) فإذا به بأوامر من عبد الكريم قاسم ينقل ليكون سفيرا في ألمانيا الغربية (1959) ويعود ليطمئن على والده فيُقبض عليه بتهمة تنظيم انقلاب ، ويصدر عليه حكم بالإعدام ثم يُخففه الرئيس قاسم إلى المؤبد ثم إلى تحديد الإقامة .
التجربة الثالثة : تتعلق بنقد الذات والنضج الانفعالي سنؤجل الحديث عنها إلى حينها لتأتي في سياقها من دون تأثير على الفهم التاريخي .
حدث الانقلاب البعثي - القومي على نظام عبد الكريم قاسم واستُدعى الرئيس عبد السلام عارف ليتولى رئاسة الجمهورية في 8 فبراير 1963 فيما اعتُبر انتصارا للبعث والقوميين المتحالفين معه تتوج بعد شهر بالضبط بانتصار آخر للبعث في سوريا فيما يُعرف بحركة 8 مارس 1963 التي جاء البعث من خلالها للسلطة في سوريا ولم يُغادرها منذ ذلك الوقت وإن حدثت انقلابات بعثية على البعث من داخل البعث نفسه كما هو معروف.
ها نحن في فبراير 1963 وقد أصبح للعراق رئيس جديد هو الرئيس عبد السلام عارف هو ثاني رؤسائها في عهد الجمهورية، وقد سبقه إلى رئاسة الجمهورية الفريق محمد نجيب الربيعي الذي كان يتولى هذه الرئاسة منذ نجح انقلاب عبد الكريم قاسم والرئيس عبد السلام عارف في 14 يوليو 1958 فقد كان عبد الكريم قاسم قائدا للثورة ولمجلسها ورئيسا للوزراء لكنه لم يكن رئيسا للجمهورية. وقد عقد البعثيون المعروفون براديكاليتهم الاستئصالية محاكمة فورية لعبد الكريم قاسم وأعدموه وكان هذا متوقعا نتيجة لعنفه معهم.
ومن المهم أن نبيّن للقارئ الذي لم يُعاصر تصنيفات الستينات ما أصبح واضحا لنا الآن من الاتجاهات التي اضطرب حكم العراق فيما بينها في العهد الجمهوري:
ــ والقومي العربي هو الرئيس عبد السلام عارف نائبه في 14 يوليو 1958 والذي أصبح رئيسا للعراق في 8 فبراير 1963 من خلال الانقلاب على عبد الكريم قاسم
ــ والبعثي هو أحمد حسن البكر رئيس الوزراء في عهد عبد السلام عارف، ثم نائب رئيس الجمهورية في عهده، ثم رئيس الجمهورية بعد ذلك وقد حاول البعثيون الانقلاب على الرئيس عبد السلام عارف أكثر من مرة لكن الرئيس عبد السلام عارف سبقهم (وهو رئيس) في الانقلاب عليهم ، ولأن انقلاب صاحب السلطة لا يُسمّى انقلابا وإنما يسمى حركة تصحيحية فإن هذا ما حدث حين قاد الرئيس عبد السلام عارف "حركة تصحيحية " ضد شركائه البعثيين في 18 نوفمبر 1963 أي بعد 250 يوما (ثمانية شهور وعشرة أيام) من وصوله للرئاسة وقد عزل في هذه الحركة الوزراء البعثيين في حكومته وكانوا 12 وزيرا وأحل محلهم 12 من الضباط العسكريين الموالين له كي يستطيع أن يُسيطر على الأوضاع ، ومع أنه أحالهم جميعا للتحقيق فإنه استثنى رئيس الوزراء أحمد حسن البكر نفسه الذي أصبح فيما بعد خلفا لخلفه أي خلفا لأخيه عبد الرحمن عارف الذي هو ثاني رؤساء العراق، وأحمد حسن البكر هو ثالث رؤساء العراق و هو الذي كان الرئيس صدام نائبا له حتى 1979. ومن الطريف أن الرئيس عبد السلام عارف كان قد عاد بعد فترة وأعاد البكر لمنصب نائب رئيس الجمهورية بعد ان كان عزله من رئاسة الوزارة.
أما التوجه الرابع وهو الناصري فيُمثله عارف عبد الرزاق رئيس الوزراء في عهد الرئيس عبد السلام عارف الذي حاول الانقلاب على الرئيس عبد السلام عارف بالتحديد في 15 سبتمبر 1965، (قبل سبع شهور من وفاة عارف) ومع أن محاولته فشلت فقد لجأ إلى مصر، ثم إن أجهزة مصرية حاولت مرة أخرى أن يكون هو خليفة للرئيس عبد السلام عارف حسبما روى أمين هويدي في كتبه ونقلنا عنه إلا أن العراقيين كانوا قد فضلوا عبد الرحمن عارف على مرشحهم الآخر وهو الدكتور عبد الرحمن البزاز العلامة المفكر الذي كان رئيسا للوزراء ولم يتح للعراق أن يستفيد منه في موقع رئيس الجمهورية.
هكذا يمكن لنا أن نقول بكل وضوح إنه منذ فبراير 1963 وحتى سقوط بغداد في عهد صدام بعد أربعين عاما 2003 بدأت مرحلة تم تداول السلطة فيها بين البعثيين في أغلب الفترة وبين القوميين العرب من ذوي التوجه القومي الذين لم يكونوا يملكون تنظيما بقوة البعث وسطوته. أما في سوريا فإن السلطة تنقلت من بعث إلى بعث منذ مارس 1963 (بعد شهر من العراق) وحتى الآن بعد 55 عاما.
و ببساطة شديدة فقد كان هذان الحدثان العراق في فبراير 1963 والسوري في مارس 1963 البداية الحقيقية ، وغير المعلنة حتى الآن ، للانحسار النهائي للفكرة الناصرية والمد الناصري، وكل ما جاء ما بعدها من وجود ناصري هنا أو هناك لم يكن إلا بمثابة شذرات الناصرية التي صعدت ثم بدأت الانحسار بانفصال سوريا (سبتمبر 1961) ثم بدأت الانحسار النهائي بانقلابي العراق وسوريا في فبراير 1963 ومارس 1963.
لم يكن الرئيس عبد السلام عارف بعثيا لكنه التقى مع البعث في مساحات كثيرة، ولم يكن أيضا ناصريا لكنه التقى مع عبد الناصر في مساحات كثيرة ، أما حقيقة الرئيس عبد السلام عارف التي فقد حياته بسببها فهي أنه كان أقرب الزعماء العرب إلى التوجهات الإسلامية الموضوعية إذا صح هذا التعبير.
ومن الطريف الذي يتعمد كثيرون أن يقفزوا عليه أن الرئيس عبد السلام عارف هو الذي توسط في 1964 للمفكر سيد قطب من تلقاء نفسه عند عبد الناصر ليخرجه من السجن فأخرجه ، حدث هذا في 1964 ولم يتحمل عبد الناصر ومن هم وراء عبد الناصر من القوى الكبرى أن يبقى سيد قطب حرا ولا حيا، فإذا به يُسجن مرة أخرى في 1965 مُتهما بمؤامرة ضُخّمت معالمها، وقبل أن يصل سيد قطب إلى مرحلة الحكم عليه بالإعدام كان الرئيس عبد السلام عارف نفسه قد لقي مصرعه في حادث طائرة مريب على نحو ما يلقى أمثاله نهايتهم في أحداث مريبة.
نقفز إلى السؤال التاريخي التقليدي: ماذا بقي من عبد السلام عارف!
المذهل أننا نجد الإجابة على هذا السؤال تقول إن ما بقي من الرئيس عبد السلام عارف (فبراير 1963 ـ أبريل 1966) أي في ثمانية وثلاثين شهرا يفوق ما بقي من صدام حسين في سنوات طوال. كما أننا نجد الرئيس عبد السلام عارف قد سبق الرئيس جمال عبد الناصر بخطوات واسعة في مجال التنمية حتى أنه في 1965 بعد عامين من مسئوليته كان قد حقق من المؤسسات والتوجهات أكثر مما حققه جمال عبد الناصر في 11 عاما (1954 ـ 1965) ، ومن المفهوم بالطبع أن الرئيس عبد السلام عارف قد استفاد من نتائج تجربة عبد الناصر الجاهزة بعد تصفيتها من العيوب والمحاولات الفاشلة، لكن الإنصاف يقتضينا أن نقول إن عزم الرئيس عبد السلام عارف وجديته كانا يفوقان عزم عبد الناصر وجديته بمراحل كثيرة حتى مع كل ما تمتع به عبد الناصر من حماس ونفوذ وطاعة ومعاونين.
إذا قارنت أي مجال من مجالات التنمية الاجتماعية والاقتصادية فستجد آثار الرئيس عبد السلام عارف تفوق آثار كل العسكريين العرب وليس عبد الناصر وحده وهنا نأتي إلى التجربة الثالثة التي أشرت إليها سريعا في البداية و أجلت الحديث عنها.
حين بدأ الرئيس عبد السلام عارف علاقته بالسلطة كنائب لعبد الكريم قاسم ووزير للداخلية 1958 استعار من التاريخ الإسلامي صورة حكام المسلمين الأوائل الذين يسيرون بين الناس بأمان، ويتصرفون على طبيعتهم ، ويُحاولون ممارسة كل شيء بأنفسهم فإذا تحدثوا كانوا صُرحاء فضلا عن أن يكونوا صادقين، وإذا انتقدوا كانوا مباشرين بدلا من أن يكونوا متلطفين ...... وهكذا جلب الرئيس عبد السلام عارف لنفسه كل الانتقادات المعهودة في انتقاد السلوك العفوي مهما كان صاحب السلوك صادقا ومخلصا.. ونحن نعرف أن الزمن وحده يتكفل بأن يتحول هذا الانتقاد إلى سخرية وإلى ما هو أصعب أثرا من السخرية.
ثم مرّ الرئيس عبد السلام عارف بتجربة السجن، والابتعاد عن السلطة ، ورأى بنفسه وسمع الانتقادات الموجهة إلى تصرفاته ورأى في هذه الانتقادات كثيرا من المعقولية والمنطقية فأعاد ضبط سلوكه وتصرفاته على نحو يليق بالبروتوكول لا بالفلكلور ، وهكذا أصبح من أول أيامه في فترة حكمه كرئيس (1963 ـ 1966) رجلا مختلفا تماما عن ذلك الثائر القديم الذي عرفه الناس وهو وزير و نائب لرئيس الوزراء (1958 ـ 1959).
و بالطبع فقد كانت الخلفيات السياسية للرئيس عبد السلام عارف سببا من أسباب نجاحه وفهمه فقد كان الرجل قد انضم منذ شبابه الباكر إلى تنظيم ثورة 1941 بقيادة رشيد عالي الكيلاني وهي الثورة التي تمكنت من الاستيلاء على السلطة ما بين فبراير ومارس 1941 ونصبت رشيد عالي الكيلاني رئيسا للوزراء بدلا من نوري السعيد.
وبهذه التجارب وبهذه الخبرة وبالمعرفة الألمانية التي تطعمت أيضا بزيارات فرنسية وبريطانية بدأ الرئيس عبد السلام عارف مشروعه الكبير للعراق وهو المشروع الذي لم يلق الإنصاف حتى الآن
وإذا كان من المهم أن نشير إلى بعض ملامح من هذا المشروع فإني أفضل ألا أنظمها بطريقة موضوعية وإنما أنطلق بها إلى آفاق معرفية وصحفية تعوّد القارئ المعاصر أن يفهم منها مدى نجاح السياسي ومدى قدرته على الاستمرار ومدى قدرته على النهوض بوطنه بصرف النظر عن قصر حياته وما قُدّر له من العمر أو فترة الحكم.
ولهذا فإني سأذكر هذه القبسات على هيئة فقرات متتالية ومنفصلة حتى يُمكن لمن يُراجعوها أن يُشيروا إليها من دون حاجة إلى تصنيف الإنجاز.
الرئيس عبد السلام عارف هو أنجح الرؤساء العراقيين في التعامل مع الأكراد كانوا يثقون به، وكان يسير معهم وبهم في الطريق الكفيل بحل كل معضلات الزمن التي تراكمت على قضاياهم، كان الضابط الكردي نور الدين محمود رئيسا للوزراء في عهده (1965) وكان رئيسا للأركان قبل ذلك.
وليس أدل على صدق مشاعره تجاه الأكراد من أنه أصدر أوامره بإيقاف جميع العمليات العسكرية التي تستهدف الأكراد، وهو ما حدث بالفعل.
اتفاق 10 أبريل 1964 مفخرة للرئيس عبد السلام عارف وللعراقيين.
الرئيس عبد السلام عارف هو رمز رفيع للعلاقة المُثلى مع الشيعة ، وصل به الأمر أن ضمت وزارة من وزارته تسعة وزراء شيعة (في حكومة طاهر يحيى) وهو ما لم يصل إليه أسلافه ولا خلفاؤه.
تأسس حزب الدعوة الإسلامي "الشيعي" والحزب الإسلامي العراقي في عهد عبد السلام عارف ، وقد حدث هذا بعد أن كان الخلاف بين عبد الكريم قاسم والشيعة قد وصل إلى حدود خطرة ولا نهائية، وكان الشيعة ينتقدون توجهات عبد الكريم قاسم الماركسية، و بعده عن تعاليم الإسلام ، بل إن الرئيس عبد السلام عارف تولى تقديم زعماء الشيعة العراقيين إلى جمال عبد الناصر ، ومع هذا فقد كان الرئيس عبد السلام عارف بكل وضوح ضد أي سلوك شيعي طائفي.
الرئيس عبد السلام عارف هو الذي أعطى الإمام الخميني حق اللجوء السياسي في العراق دون أن يأبه لغضب شاه إيران، ولم يكن أحد من خلفاء الرئيس عبد السلام عارف (بعد موته ) ولا من حلفائه ( في حياته) قادرا على مثل هذا القرار.
يمكن القول بأن الأثر الفكري الذي لم يصل إليه أحد من الرؤساء العرب قبل الرئيس عبد السلام عارف هو إيمانه العميق بفكرة الوحدة الوطنية وهو الإعلان الذي حكم موقفه من الأكراد والشيعة والأقليات على وجه العموم، وقد كان عارف منتبها إلى حقيقة أن الوحدة العربية لا تغني عن الوحدة الوطنية، بل كان مناديا بأن تحقيق الوحدة الوطنية يجب أن يسبق الدعوة إلى الوحدة العربية و يتسق معها، وهو المبدأ الذي نادى به من بعده المشير عبد الله السلال في اليمن دون أن يتمكن من تحقيق إنجاز فيه نظرا لما أصابه من الإبعاد عن السلطة.
الدولة الصاعدة في عهد الرئيس عبد السلام عارف
و ننتقل مع الرئيس عبد السلام عارف إلى مجموعة من النجاحات الذكية التي حققها في مجالات استراتيجية لم يستطع معاصروه أن يجاروه فيها على الرغم مما توافر لهم من أسباب النجاح :
نجح الرئيس عبد السلام عارف نجاحا ساحقا في سياسات التسليح سواء من ألمانيا الغربية أو من الاتحاد السوفييتي، وكان من أوائل الذين وظفوا علاقات البترول في خدمة إمكانات التسليح ، وقد سلح الجيش العراقي مبكرا بطائرات الميج 21.
نجح الرئيس عبد السلام عارف في سياسة تصنيع واسعة النطاق شملت الصناعة الكيماوية والغدائية والسجاد.
الرئيس عبد السلام عارف هو أول من أدخل الحاسب الآلي في البلاد العربية.
الرئيس عبد السلام عارف هو الذي أسس ثلاث جامعات : الجامعة المستنصرية، وجامعة المعاهد الفنية ، والجامعة التكنولوجية..
كان أنجح برامج التعريب هو البرنامج الناجح الذي أشرف عليه العلامة مصطفى جواد برعايته ، ويرتبط بهذا مشروعه الذي تم بالفعل بتوحيد المصطلحات العسكرية العربية.
نجاحه في استكمال مقومات الاستقلال
كان الرئيس عبد السلام عارف منتبها إلى استكمال مقومات الاستقلال بإقامة المؤسسات المتخصصة في كل مجال .
كان الرئيس عبد السلام عارف هو من أسس مؤسسة النفط العراقية قبل غيره من الدول، بل إنه هو من دعا إلى تأسيس منظمة الأوبك التي انعقدت لأول مرة في بغداد 1965.
الرئيس عبد السلام عارف هو من أسس الخطوط الجوية العراقية (1964)
الرئيس عبد السلام عارف هو من أسس المخابرات العراقية .
الرئيس عبد السلام عارف هو من أسس وكالة الأنباء العراقية
الرئيس عبد السلام عارف هو من أسس البطولات العربية الرياضية التي بدأت في بغداد على ملعب الشعب الدولي الذي بدأ بناءه في 1963، كما أنه أول من افتتح معارض الفن التشكيلي في العراق (1965) ويتصل بهذا ما عُرف عن استضافته الفرق الموسيقية والغنائية على نحو تذكاري وليس على نحو روتيني، وعلى سبيل المثال فإن السيدة أم كلثوم غنت لبغداد في عهده قصيدتين : أولاهما "بغداد يا قلعة الأسود"
كان الرئيس عبد السلام عارف إنشائيا من طراز متقدم ، فتأسس أكبر مساجد العراق وهو جامع أم الطبول في عهده (1966) وقد جعله نسخة من الجامع الأزهر من حيث الزخارف ومن العمارة وحجم البناء.
و الرئيس عبد السلام عارف هو من نظم تعداد السكان العراقي الحديث (1965)
مكانته في تاريخ الفكرتين الإسلامية و العروبية
كان الرئيس عبد السلام عارف ميالا إلى التوفيق بين الإسلام و نزعات العدالة الاجتماعية المعاصرة متمثلة في الاشتراكية ويذكر التاريخ له تأثيره الفكري المرتبط بإدخال الشريعة الإسلامية في التشريع وبالتأكيد على المعاني الاشتراكية في التشريع الإسلامي وهو الذي كلف خير الدين حسيب بالكتابة عن الاشتراكية الإسلامية فيما يعتبر من حيث المبدأ امتدادا لكتابات سيد قطب ومصطفى السباعي.
أما تأثيره العروبي فكان واضحا في مؤتمرات القمة العربية وفي دعم منظمة التحرير الفلسطينية و القضية الفلسطينية ، بل إنه هو صاحب مصطلح اتحاد الجمهوريات العربية قاصدا مصر وسوريا والعراق الذي تبلور في اتفاق 16 أكتوبر.
واتساقا مع هذا فإنه غيّر العلم العراقي ليكون كأعلام هذه الجمهوريات العربية، كما أنه خطا خطوات عربية واسعة في سبيل ما عُرف بعد ذلك بمعاهدة الدفاع العربي المُشترك ، محاولا إحياء الفكر الذي كان مسيطرا على النحاس باشا والجابري والعروبيين في عهدهما .
وليس سرا أن معاهدة الدفاع العربي المشترك كانت سندا لمصر وسوريا في حرب 1973 وأنها هي التي مكنت من اشتراك القوات العراقية في دعم القوات السورية أثناء تلك الحرب، على نمط غير مسبوق في التعاون العربي وقت الحرب.
وعلى الرغم من علاقة عبد السلام المتميزة بالرئيس جمال عبد الناصر والنظام الناصري ، فإنه كان متنبها تمام الانتباه للوقوف أمام العبث الناصري المعهود من خلال أجهزة سيادية مصرية وهو ما مكنه من مواجهة عارف عبد الرزاق وغيره ممن كان يتهمهم بالتبعية المباشرة لمصر لا الأخوة معها.
وقد كانت رجولة الرئيس عبد السلام عارف في تعامله مع مصر وعبد الناصر مضرب المثل في الاحترام المصري للعرب القادرين على استقلال الإرادة بعيدا عن موجات الناصرية، وهو ما ظهر بوضوح في التخليد الذي حظي به اسم الرئيس عبد السلام عارف في ميادين القاهرة وشوارعها بعد وفاته كما ظهر في حياته في دعوته إلى حفل السد العالي مع خروتشوف وعبد الناصر.
زيارة الكويت
ومما يُذكر للرئيس عبد السلام عارف أنه كان أول رئيس عراقي يزور الكويت، بل كان أول مسئول عراقي يزورها بعد أن كان الزعيم عبد الكريم قاسم قد تحرش بالكويت تحرشا تاريخيا معروفا .
دعم ثورة اليمن و نظام عبد الله السلال
قدم الرئيس عبد السلام عارف مساعدات هائلة لثورة اليمن ولنظام عبد الله السلال الذي هو في الأصل خريج المدرسة العراقية العسكرية، لكن كل هذا الإيمان العروبي تعرض للتشويه على يد البعث حين تمكن البعث من الانفراد بالسلطة فيما عُرف بحركة 17 يوليو 1968 ، وهي الحركة التي ظلت كما ذكرنا تحكم العراق من خلال الرئيسين البكر وصدام حتى سقوط بغداد في 2003
وعلى عادة أنظمة الحكم العربية فقد نشطت إدارات متخصصة للانتقاص من إنجازات الرئيس عبد السلام عارف وتوجهاته العربية والعراقية وإصلاحاته وهكذا اجتمع على الهجوم على الرئيس عبد السلام عارف في وقت من الأوقات كل من البعثيين والشيوعيين مع ما بينهما من خلاف، بيد أن المثقفين العرب وجدوا في تاريخ الرئيس عبد السلام عارف وتوجهاته حلا ينجيهم من مآزق البعث والشيوعيين على حد سواء.
ومع أن توجهات عارف لم تُعرف باسمه على نحو ما هو حادث مع غيره وعلى رأسهم عبد الناصر فإن في هذا دلالة على تميز توجهاته بأصولها العروبية والإسلامية والعراقية بعيدا عن أن تكون نزعات شخصانية، وهو ما حفظ للرئيس عبد السلام عارف حقه في أن يكون هو الممثل الطبيعي للفكر العربي القومي في السياسة بعيدا عن الصيغتين البعثية والشيوعية والتحويرات أو التشوهات الناصرية.
المفارقة في علاقته بعبدالكريم قاسم
بقيت جزئية من جزئيات مفارقات التاريخ التي تدل على أن إرادة الله غالبة على كل شيء، فقد كان عبد الكريم قاسم هو الذي ضم الرئيس عبد السلام عارف للتنظيم الذي قام بثورة العراق في 1958، ومع أن تقاليد هذا التنظيم كانت تستدعي تقييم المرشح للانضمام قبل الموافقة على ضمه، فإن عبد الكريم قاسم فاجأ زملاءه بزميلهم الجديد، فلما قامت الثورة وكان للرئيس عبد السلام عارف دور حركي كبير في نجاحها استحق من أجله أن يكون الرجل الثاني فيها بموافقة هؤلاء جميعا ثم حدث ما حدث من خلافه مع عبد الكريم قاسم والقبض عليه والحكم بإعدامه ثم تخفيف الحكم. ثم جاءت الثورة التي جاءت به رئيسا وحكم منفذوها بالإعدام على عبد الكريم قاسم منذ يومهم الأول، يروي كثيرون أن الرئيس عبد السلام عارف حاول وقف هذا الحكم فلم يستطع وأنه ذهب بنفسه لدار الإذاعة ليلتقي بعبد الكريم قاسم ويُعاتبه على ما كان منه ، وبينما هما في عتاب كان القرار بتوكيد حكم الإعدام وضرورة تنفيذه قد اتُخذ سواء وافق عليه الرئيس عبد السلام عارف أو لم يوافق. ومما هو جدير بالذكر أن الثأر بين الرجلين ظل قائما حتى تمكنت جماعة عبد الكريم قاسم من الانتقام من الرئيس عبد السلام عارف بقتل ابنته وزوجها وابنيها في 2004
الخميس، 9 أبريل 2020
رسالة في المصافحة بين الرجل و المرأة
رسالة في المصافحة بين الرجل و المرأة
مصافحة الرجل للمرأة من الأمور التي تشغل الناس فيها كثيراً، وهي محل خلاف في الفقه الإسلامي. إذ لم يرد أي حديث صحيح في تحريم المصافحة.
أدلة من يرى التحريم:
قال البعض بالتحريم مستندين إلى حديث أخرجه الطبراني عن معقل بن يسار أن رسول الله r قال: «لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد، خير له من أن يمس امرأة لا تحل له». و هذا الحديث ضعيف. أخرجه الطبراني (20|211) من طريق شداد بن سعيد (فيه ضعف)، عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن معقل مرفوعاً فذكره. وأخرجه ابن أبي شيبة (4|15 #17310) من طريق بشير بن عقبة (ثقة)، عن أبي العلاء، عن معقل موقوفاً عليه من قوله بلفظ: «لأن يعمد أحدكم إلى مخيط فيغرز به في رأسي، أحب إلي من أن تغسل رأسي امرأة ليست مني ذات محرم». وبشير بن عقبة ثقة أخرج له الشيخان، فهو أثبت، وأحفظ من شداد بن سعيد. وفي هذا قرينة ظاهرة أن شداداً قد أخطأ في الحديث من جهتين في رفعه، وفي لفظه، وأن المحفوظ عن أبي العلاء هو ما حدث به بشير عن معقل موقوفاً عليه باللفظ المذكور.
و حتى لو صح سند الحديث فلا يعني هذا المصافحة لأن اللمس بين الرجل و المرأة في لغة العرب غالباً من يطلق على الجماع، وإلا دلّ على الملامسة مع شهوة. و مسَّ الرجل امرأَتهُ أي: جامعها، كما في قوله تعالى {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} و قوله { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} وقوله{وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن}ـ و أمثال هذا في القرآن و الحديث و أشعار العرب كثيرة جداً.
قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (21|223) راداً على من فسر المس بمجرد مس البشرة البشرة ولو بلا شهوة: «فأما تعليق النقض بمجرد اللمس، فهذا خلاف الأصول، وخلاف إجماع الصحابة وخلاف الآثار، وليس مع قائله نص ولا قياس... وذكر أدلة ثم قال: فمن زعم أن قوله {أو لامستم النساء} يتناول اللمس وإن لم يكن لشهوة، فقد خرج عن اللغة التي جاء بها القرآن، بل وعن لغة الناس في عرفهم. فإنه إذا ذُكِرَ المس الذي يقرن فيه بين الرجل والمرأة عُلِمَ أنه مسّ الشهوة، كما أنه إذا ذكر الوطء المقرون بين الرجل والمرأة، علم أنه الوطء بالفرج لا بالقدم».
و البعض احتج بما رواه الشيخان عن أمنا عائشة قالت: «ما مست يد رسول الله (r) يد امرأة قط إلا امرأة يملكها» رواه البخاري (7214)، ومسلم (1866). وفي الموطأ (ص 982) عن أميمة بنت رقيقة مرفوعاً: «إني لا أصافح النساء». ويُجال على هذا الحديث أنه ليس فيه دلالة على التحريم. إذ أن امتناع رسول الله r عن أمر دون أن ينهى عنه لا يدل على التحريم. و قد امتنع عن أكل الثوم و البصل و الضب و أجازه لأصحابه. و إن دل الحديث على شيء فعلى كراهية المصافحة بين الرجل و المرأة الأجنبية إن أمنت الفتنة (كمصافحة الشاب للمرأة العجوز).
وادعى البعض الإجماع على التحريم، ولا يصح هذا الإجماع. وفي حين يسوق معظم المصنفين المتأخرين الإجماع على حرمة مصافحة النساء، نجد كتب الإجماع خالية من هذه المسألة. وكيف يَدّعون الإجماع وقد ثبت عن فقيه العراق إبراهيم النخعي أنه صافح امرأة أجنبية كبيرة. جاء في حلية الأولياء (4|228): حدثنا ابراهيم بن عبدالله، قال حدثنا محمد بن اسحق، قال حدثنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا جرير، عن منصور، عن ابراهيم، قال : «لقيتني امرأة، فأردت أن أصافحها، فجعلت على يدي ثوبا، فكشفت قناعها، فإذا امرأة من الحي قد اكتهلت، فصافحتها وليس على يدي شيء».
بل جاء في الموسوعة الكويتية: «وأما المصافحة التي تقع بين الرجل والمرأة من غير المحارم فقد اختلف قول الفقهاء في حكمها وفرقوا بين مصافحة العجائز ومصافحة غيرهم: فمصافحة الرجل للمرأة العجوز التي لا تشتهي ولا تُشتهى، وكذلك مصافحة المرأة للرجل العجوز الذي لا يَشتهي ولا يُشتهى، ومصافحة الرجل العجوز للمرأة العجوز، جائز عند الحنفية والحنابلة ما دامت الشهوة مأمونة من كلا الطرفين».
واحتجوا بما جاء في صحيح مسلم (#2657) من حديث مرفوع فيه «...واليد زناها البطش...». شرح النووي (16|206) هذا بقوله: «بالمس باليد بأن يمس أجنبية بيده او يقبلها». فصارت الحجة في قول النووي لا في الحديث النبوي. وقول النووي غلط لأنه ليس من لغة العرب إطلاق البطش على اللمس باليد أو التقبيل، لأن اللمس فيه نعومة ورقة، بعكس البطش. ومعنى البطش في تلك الأحاديث هو الأخذ الشديد. وما وجدت في حديث ولا في شيء من معاجم اللغة ما يدل على أن المراد هو اللمس.
بل وجدت في القاموس المحيط: «"بَطَشَ": به "يَبْطِشٌ ويَبْطُشُ" أخَذَهُ بالعُنْفِ والسَّطْوَةِ "كأبطَشَهُ" أو "البَطْشٌ" الأخْذُ الشديدُ في كلِّ شيءٍ والبأسُ "والبَطيش" الشديدُ البَطْشِ». وف ي لسان العرب: «البَطْش التناول بشدة عند الصَّوْلة والأَخذُ الشديدُ في كل شيء بطشٌ بَطَشَ يَبْطُش و يَبْطِش بَطْشاً وفي الحديث: فإِذا موسى باطِشٌ بجانب العرش أَي متعلق به بقوَّة. و البَطْشُ الأَخذ القويّ الشديد. وفي التنزيل: وإِذا بَطَشْتُم بَطَشْتُم جبَّارين. قال الكلبي: معناه تَقْتُلون عند الغضب. وقال غيره: تَقْتُلون بالسوط، وقال الزجاج: جاء في التفسير أَن بَطْشَهُم كان بالسَّوط والسَّيْف، وإِنما أَنكر اللَّه تعالى ذلك لأَنه كان ظُلماً، فأَما في الحق فالبَطْش بالسيف والسوط جائز. و البَطْشة السَّطْوة والأَخذُ بالعُنْف; و باطَشَه مُباطَشَةً و باطَشَ كبَطَش; قال: حُوتاً إِذا ما زادُنا جئنا به * وقَمْلَةً إِن نحنُ باطَشْنا به. قال ابن سيده: ليْسَتْ به مِنْ قوله باطَشْنا به كَبِه من سَطَوْنا بِه إِذا أَردت بِسَطَوْنا معنى قوله تعالى: يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ وإِنما هي مثلُ بِه من قولك استَعْنَّا به وتَعاونَّا به، فافهم . وبَطَشَ به يُبْطش بَطْشاً : سَطا عليه في سُرْعة. وفي التنزيل العزيز : فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا».
ثم الحديث جاء فيه: «والأذنان زناهما الاستماع»: وليس كل استماع للنساء محرم، إلا ما ثبتت حرمته بالدليل الخارجي. وجاء فيه: «واللسان زناه الكلام»: وليس كل كلام مع النساء محرّم، إلا ما ثبتت حرمته بالدليل الخارجي. فصار لا بدّ من المجيء بدليل خارجي يدل على أن مصافحة الأجنبية هي من البطش باليد المحرم. ثم على التسليم بأن البطش هنا هو اللمس، فالسياق قد جاء في اللمس الذي بشهوة يفضي إلى الزنا، ونحن نسلم بأن المصافحة لشهوة لا تجوز.
فالمصافحة إنما تجوز عند عدم الشهوة، وأمن الفتنة. فإذا خيفت الفتنة على أحد الطرفين، أو وجدت الشهوة والتلذذ من أحدهما، حرمت المصافحة بلا شك. بل لو فقد هذان الشرطان عدم الشهوة وأمن الفتنة بين الرجل ومحارمه مثل خالته، أو أخته من الرضاع، أو بنت امرأته، أو زوجة أبيه، أو غير ذلك، لكانت المصافحة حينئذ حراماً. بل لو فقد الشرطان بين الرجل وبين صبي أمرد، حرمت مصافحته أيضًا. وربما كان في بعض البيئات، ولدى بعض الناس، أشد خطراً من الأنثى. ولذلك ينبغي الاقتصار في المصافحة على موضع الحاجة، ولا يحسـن التوسع في ذلك، سداً للذريعة، واقتداءً بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، الذي لم يثبت عنه أنه صافح امرأة أجنبية قط. وأفضل للمسلم المتدين، والمسلمة المتدينة ألا يبدأ أحدهما بالمصافحة، ولكن إذا صوفح صافح.
أدلة من يرى الجواز:
1-روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «إن كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد رسول الله r فتنطلق به حيث شاءت». هذا غاية في الصحة، وفي رواية أحمد وابن ماجه «فما ينزع يده من يدها»، جوّدها الألباني في صحيح ابن ماجه (#4177)، وفي سندها علي بن زيد بن جدعان وفيه ضعف.
2-جاء في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله r كان يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت رضي الله عنه فدخل عليها رسول الله r فأطعمته ثم جلست تفلي رأسه فنام رسول الله r ثم استيقظ وهو يضحك...الحديث.
وأم حرام ليست من محارمه r. وقد بالغ الحافظ الدمياطي في الرد على من ادعى أنها من محارم النبي r، وبيّن بطلان ذلك بالأدلة القاطعة (انظر في ذلك فتح الباري 13|230). وأما دعوى خصوصية النبي r فقد ردها القاضي عياض بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، وأن الأصل عدم الخصوصية وجواز الاقتداء به في أفعاله حتى يقوم على الخصوصية دليل.
3-ثبت أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه جعل امرأة من الأشعريين تفلي رأسه وهو مُحْرِم في الحج. وهذا صحيحٌ أخرجه البخاري.
أما في حال الفتنة فإن المصافحة لا تجوز من منطلق سد الذرائع. لقد رخص النبي r بالقبلة للشيخ الكبير وهو صائم في رمضان ولم يرخص ذلك لشاب أتاه وسأله نفس السؤال. و الله أعلم بالصواب. قال الكاساني الحنفي: «فإن كانا شيخين كبيرين، فلا بأس بالمصافحة، لخروج المصافحة منهما من أن تكون مورثة للشهوة، لانعدام الشهوة». وقال الرحيباني الحنبلي: «وحَرُم مصافحة امرأة أجنبية شابة، أي: حسناء؛ لأنها شر من النظر إليها، أما العجوز غير الحسناء، فللرجل مصافحتها، لعدم المحظور».
حرب تكسير العظام.. «مداخلة السودان» يخوضون صراع «الأكثر تشددًا»
حرب تكسير العظام.. «مداخلة السودان» يخوضون صراع «الأكثر تشددًا»
اعتاد دعاة السلفية المدخلية، خوض حروب كلامية متتالية مع العديد من التيارات والجماعات الإسلاموية بدءًا من جماعة الإخوان، ومرورًا بأنصار السنة المحمدية، وانتهاء بالتيارات السلفية، التي يسميها المداخلة بـ«الحزبية»، كالسروريون والقطبيون والحدادية، وذلك من أجل تحقيق ما يطلقون عليه «منهج أهل السنة والجماعة».
ولم يتوقف التأثير السلبي لهذه الحروب، عند حد خلق حالة من العداء بين التيار المدخلي وباقي التيارات الإسلاموية فقط؛ بل أدت إلى انقسام المداخلة أنفسهم؛ حيث انشق كثير منهم عن «ربيع بن هادي»، الذي ينسب إليه هذا التيار.

وتُعد السلفية المدخلية بالسودان، من أبرز الدلائل على هذه الانشقاقات التي طالت التيار المدخلي؛ حيث نشأت هذه الطائفة بعد انشقاق دعاتها عن جماعة أنصار السنّة المحمدية، في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، إثر دخولهم في صراع طويل مع الجماعة، التي اتهموها بأنها مخترقة من الحزبيين والسروريين والقطبيين.
ويعتنق «مداخلة السودان»، نفس معتقدات التيار المدخلي الذي يتزعمه ربيع بن هادي؛ حيث يحرمون الانتماء إلى الجماعات الإسلاموية، ويحاربون الطرق الصوفية، ويتهمونها بالوقوع في الشرك والغلو في محبة الأولياء والصالحين، إضافة إلى تحريمهم الخروج على ولي الأمر، وهي القناعات التي اكسبتهم عداء خاصًا مع جماعة الإخوان.
ومؤخرًا سرى الانشقاق في صفوف «مداخلة السودان»، إثر معارك منبرية نشبت بين «نزار هاشم» من جهة، و«مزمل فقيري» و«أبوبكر آداب» من جهة أخرى (وهؤلاء الثلاثة هم القادة الكبار للتيار)، ووصلت هذه المعارك إلى حد الطعن في كبار رموز التيار السلفي المدخلي في العالم، أمثال: ربيع بن هادي المدخلي، ومحمد بن هادي المدخلي.

رأس الفتنة
يُعد نزار بن هاشم السوداني، رأس الفتنة السلفية المدخلية، والسبب في انقسام «مداخلة السودان»، وهو خريج الجامعة اﻹسلامية بالمدينة المنورة، وتعلم فيها على يد ربيع بن هادي المدخلي، وحصل على تزكيته العلمية، إلى جانب تزكيات أخرى من: حمَّاد الأنصاري ، وحسن بن عبد الوهَّاب البنا، ومحمد بن عبد الوهَّاب العقيل، ومحمد بن هادي المدخلي.
بدأ «هاشم»، دعوته المدخلية عقب عودته إلى السودان، من خلال جمعية الكتاب والسنة في السودان (المنشقة عن جمعية أنصار السنة)، وترأس هذه الجمعية فيما بعد، ما ساعده على استقدام بعض دعاة التيار المدخلي لإلقاء الدروس في مساجد الجمعية، وهذا الأمر جعله يصطدم بعدد من كبار دعاة الجمعية الذين رأوه ينحو بها إلى منحنى مختلفًا عن مسارها العام الذي انتهجته منذ نشأتها؛ فما كان منه إلا أن انقلب عليهم وصار يجرح فيهم ويهاجم منهجهم.
وكان هذا الهجوم هو بداية الصراع الذي دخله «هاشم» مع رفقاء دربه القدامى من دعاة جمعية الكتاب والسنة في السودان، الذي تطور فيما بعد ليطال أحد رموز التيار المدخلي الكبار في اليمن وهو «مقبل بن هادي الوادعي»، ثم تعدى ذلك ليطعن في محمد بن هادي المدخلي، في كتابه الذي حمل عنوان: «وقفاتٌ مع الشيخ محمد بن هادي المدخلي»، والذي تسبب في نشوب فتنة «الصعافقة» (فتنة ضربت التيار السلفي المدخلي في مختلف أنحاء العالم، وتسببت في انشقاقه إلى تيارين، وكان أول من أطلق هذه التسمية عليهم، هو: محمد بن هادي المدخلي، واصفًا بها نزار هاشم السوداني؛ في درسه الشهير الذي جاء تحت عنوان: «آن لمحمد بن هادي أن يخرج عن صمته»، و«الصعافقة»، جمع «صعفوق» وهو العبد الأسود).

مدخلي يسب النبي
أما مزمل عوض فقيري، فهو داعية مدخلي سوداني، تخرج في كلية التجارة بجامعة النيلين، وبدأ نشاطه الدعوي من خلال انتمائه إلى جماعة أنصار السنة المحمدية، إلا أنه اختلف مع دعاتها فيما بعد، بسبب عدة أمور بعضها دعوي، وبعضها غير ذلك، ثم انضم إلى جمعيَّة الكتاب والسنة بالسودان، رغم وصف دعاة التيار السلفي المدخلي لهم بـ«الحزبية»، بسبب احتضانهم لبعض الدعاة من التيارات المخالفة للمنهج السلفي المدخلي، مثل الداعية القطبي «عدنان عرعور»، إضافة إلى «مختار بدري»، و«محمد حسين يعقوب»، و«علي الحلبي»، وعدد من السروريين.
ورغم توافق «فقيري»، في الرؤى مع دعاة جمعيَّة الكتاب والسنة بالسودان؛ إلا أنه كان له موقفٌ مضادٌ من الصوفية، تسبب في إلقاء القبض عليه عدة مرات خاصة بعد بلاغات قدمت ضده من الاتحاد العام للشباب الصوفي ومشايخ الطرق، بتهمة الإساءة إلى الشيخ محمد المنتصر الإزيرق، والطريقة العركية الصوفية، إضافة إلى إدانته بالإساءة لعدد من شيوخ الصوفية أمثال: الأمين عمر الأمين، الملقب بـ«شيخ الجلكسي المحايتو ببسي وحيرانو جكسي».
وتعد أشهر القضايا التي تمت محاكمة «فقيري» فيها، اتّهامه بسب الصحابة، والطعن في النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وإساءته لبعض الصحابيات، وزوجات الرسول، وذلك في 29 أغسطس 2018؛ حيث أكد رئيس المحكمة عباس علي بابكر، «أن ما صدر من مزمل فقيري، يعتبر ردة مغلظة، وساقط قول، واستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم»، وعليه أيدت المحكمة حكم الاستئناف المؤيد لحكم جنايات محكمة الكلاكلة، التي قضت بإدانة «فقيري» بناء على المادتين 77 المتعلقة بـ«قانون الإزعاج»، و69 المتعلقة بـ«الإخلال بالسلامة العامة»، وخضوعه للاستتابة القانونية أمام الجهات القضائية المختصة، وهي «مجمع الفقه الإسلامي»، وفي حال إعلان توبته فإنّ العقوبة الموقعة عليه ستتراوح بالسجن ما بين 4 إلى 5 سنوات، وفي حال إصراره على أقواله فستطبّق عليه عقوبة الإعدام.
الصراع على المدخلية
وبالعودة إلى الصراع المحتدم بين قادة التيار المدخلي في السودان؛ فإن «مزمل فقيري»، ينتقد «نزار هاشم»، بسبب تحريم الأخير لعقد حلقات العلم في الأسواق، وهو التحريم الذي يبرره «هاشم» بأنه يتماشى مع منهج السلف في أن التعليم بالمساجد وليس الأسواق.
كما عاب «فقيري» على «نزار هاشم»، تساهل مع عوام الصوفية، وشدته على الحزبيين، في مقابل تساهل واحتواء الأول لهم، وهو ما تسبب في انقلاب «هاشم» عليه وتبديعه، قائلا: «وقع في بدع لجهله»، خاصة بعد تورط «فقيري» في سب النبي والصحابة.
وأكد «فقيري»، أن «هاشم» لا يعرفه إلا القليل من الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي، وأنه منشغل بجمع تزكيات علماء التيار المدخلي ودعاته، وهو ما برره «هاشم» بقوله: «إن المشهد الديني أصابته فوضى نتيجة لتصدر أنصاف المتعلمين للدعوة، وهو ما دفعه لاشتراط تزكية الداعية من عالم معروف بالتزامه بمنهج التيار، حتى لا يتصدر للمشهد من يؤخذ عليه أكثر مما يؤخذ منه».
وانقسم شيوخ التيار المدخلي في الداخل والخارج على هذه الفتنة، وبات بعضهم مؤيدًا لـ«مزمل فقيري»، ومن أبرز هؤلاء: محمد بن هادي المدخلي، وعبد الرحمن محيي الدين، وآخرون مؤيدون لـ«نزار هاشم»، وعلى رأسهم «ربيع بن هادي المدخلي».
المداخلة في ليبيا…دواعش حفتر !
«من أين جاء فقهاء الاستبداد بتقديس الحكّام عن المسؤولية حتى أوجبوا لهم الحمد إذا عدلوا، وأوجبوا الصّبر عليهم إذا ظلموا، وعدّوا كلّ معارضة لهم بغياً يبيح دماء المعارضين؟».
وكأن عبد الرحمن الكواكبي صاحب العبارة السابقة، لا يزال بيننا حيًا ويصف بتلك الكلمات طائفة من المنتسبين إلى العلم والدعوة، منحت الحاكم الذي يُفترض أنه خادم للأمة، كل هذه القدسية، تسوق الناس إلى التسبيح بحمد الحكام وإن جاروا، وعدم المجاهرة بالإنكار عليهم مهما أتوا من ظلم، ومناجزة كل من عارضهم بقول أو فعل أو فكرة، وعن المداخلة وأشباههم من الجامية أتحدث.
يُعرف الصحافي والمؤلف الأسكتلندي أندرو ماكغريغور هذه الطائفة فيقول: «يدعو التيار المدخلي إلى عدم مساءلة الحكومات، حتى تلك التي تلجأ للعنف المتطرف وغير المبرر ضد رعاياها، طالما أنها لا ترتكب أعمال كفرٍ واضحة».
وحديثي في هذه السطور عن المداخلة والجامية في ليبيا على وجه الخصوص، نظرًا لأن هذا الاتجاه في الداخل الليبي ليس فقط كيانًا علميًا دعويًا، وإنما جزءٌ أساس في الصراع المسلح، حيث يتخندق مع الجنرال المنشق خليفة حفتر الذي يُمثل امتدادًا للدولة العميقة، باعتباره ولي الأمر، ضد حكومة الوفاق المعترف بها دوليا، والتي تمثل قوى الثورة. وأضطرُّ أن أضع بين يدي القارئ خلفية معلوماتية مختصرة حول هذا الاتجاه حتى تتضح الصورة، فالمداخلة والجامية فرقة ظهرت في السعودية مطلع التسعينيات نسبة إلى الشيخ ربيع المدخلي، والشيخ محمد أمان الجامي، على خلفية رفض علماء ودعاة الصحوة الاستعانة بالقوات الأجنبية إبان حرب الخليج الثانية، وقامت مبادئ هذا التيار على النصرة المطلقة للحاكم مهما بلغ ظلمه، ويستندون إلى النصوص الآمرة بطاعة ولي الأمر، بدون استحضار النصوص الأخرى التي تحث على قول الحق أمام السلطان الجائر، وإضافة إلى ذلك فإنهم يعتبرون الاحتجاجات السلمية خروجًا على الحاكم، حتى إن لم يحمل المحتجون السلاح، أو يستخدموا في ذلك القوة، بل يُجرمون الإنكار على الحاكم أمام الناس، رغم أن ما جرى عليه العمل بالقرون المفضلة، الإنكار العلني على الحاكم إذا اقتضى الأمر. كما يقوم منهج هذا التيار على العداء لكل جماعة أو حزب سواهم، ويبدعون ويفسقون أصحابها، ويتتبعون كتب ومحاضرات العلماء والدعاة لجمع السقطات والزلات والتشهير بهم والتطاول عليهم.
يشترط في الحاكم من الناحية الشرعية صيانة الدين وسياسة الدنيا بالدين
وكانت الجامية والمداخلة من أبرز الطوائف التي وقفت في وجه ثورات الربيع العربي ضد الأنظمة الجائرة واعتبرتها خروجا على الحكام الشرعيين، مع أنه يشترط في الحاكم من الناحية الشرعية صيانة الدين وسياسة الدنيا بالدين، كما ذكر الإمام الماوردي وغيره، وهؤلاء لم يحققوا تلك الشروط. نعود إلى المداخلة في ليبيا، فهؤلاء تستقر مرجعياتهم الدينية في السعودية، وكما كان تنظيم «داعش» صناعة استخباراتية، فالمداخلة والجامية كذلك لهم تنسيقاتهم مع الأجهزة الاستخباراتية والأمنية، إذ كانوا يرفعون التقارير السرية الراصدة لأنشطة التيار الإسلامي إلى تلك الأجهزة، يحذرون فيها من خطورة تلك الجماعات، مع توصيات بالتصدي والمواجهة، وهذا الدور كان يلعبه المداخلة في ليبيا إبان حكم القذافي، الذي ضيق الخناق على الإسلاميين، وحظر أنشطتهم فاضطروا لممارستها في الخفاء، غير أنه رأى ضرورة مواجهة التيار الإسلامي بفكر مضاد، فاستفاد من المداخلة في تعبئة الجماهير ضد الجماعات الإسلامية حتى السلفية منها.
وبالفعل أعطى القذافي للمداخلة مساحة خضراء واسعة للتحرك، وعمل على دعمهم ورعايتهم، وأوكل ذلك الملف إلى نجله الساعدي القذافي، وظل هذا التيار مهيمنا على الحياة الدعوية في ليبيا حتى قيام الثورة، يروج لنظام القذافي وسياساته وشرعنة قراراته من ناحية، ومن ناحية أخرى يصب هجومه على الإسلاميين المعارضين لحكم القذافي على ضعف شوكتهم وتخفِّيهم بأنشطتهم الدعوية.
ومع اندلاع ثورة 17 فبراير وانضمام الإسلاميين الرافضين لحكم القذافي إلى معسكر الثورة، استخدم النظام المداخلة من جديد لقمع الثورة، تحت مظلة تحريم الخروج على ولي الأمر الشرعي، وخرج الساعدي ورموز المداخلة على الفضائيات لترويج ذلك، إضافة إلى تحذيرهم الناس في المساجد من الخروج في المظاهرات. وبعد نجاح الثورة ومساحة الحريات المُستحدثة، اعتمد المداخلة على كثرة أعدادهم وانتشارهم في بسط السيطرة على المساجد عنوة، وقاموا بالتواصل مع مشايخهم في السعودية بشأن تمدد نفوذ التيار الإسلامي المشارك في الثورة، وأفتى لهم ربيع بن هادي المدخلي بعدم انتخاب الإخوان المسلمين، لأنهم أضر على الإسلام من العلمانيين، وأشد على السلفية من اليهود والنصارى، بحسب قوله، فقام المداخلة بتعبئة الجماهير للتصويت ضد الإسلاميين الثوريين في الاستحقاقات الانتخابية. ولما قام خليفة حفتر بما سماه عملية الكرامة، وأعلن تولي إدارة البلاد، وتجميد المؤتمر الوطني الليبي الذي انتخبه الشعب، وهو ما يعد عملا انقلابيا، سارع المداخلة لتأييده، وأصدر ربيع بن هادي المدخلي فتاواه بالقتال إلى جانب حفتر ضد الإخوان، علمًا بأن الإخوان كانوا جزءًا من قوى الثورة لا جميعها، وقام المداخلة بتكوين الكتائب المسلحة برعاية حفتر، وبدء القتال ضد من سموهم الخوارج.
وحمل المداخلة السلاح ودخلوا في حرب دينية، وقاتلوا معارضي حفتر وقاموا بتصفيتهم واعتقالهم، واتسعت رقعتهم وقويت شوكتهم، حتى صاروا قوة ضاربة في جيش المنشق، ونفّذوا عمليات خطف واعتقال واغتيال وإحراق في صفوف المعارضين، حتى المدنيين بحجة أنهم خوارج، وصارت ميليشيات المداخلة عنصرا رئيسيا فاعلا في قوات حفتر.
ومما يُظهر تناقض المداخلة في ليبيا، أنهم يرون في حفتر وليا شرعيا مع أنه قد انشق على حكومة ما بعد الثورة، فمن أين اكتسب حفتر شرعيته لدى هؤلاء المداخلة إذن؟
وبناء على قولهم في مبايعة الحاكم المتغلِّب، فقد وقعوا في تناقض آخر، نظرا لأن حفتر لم يتغلّب بعد، ولم يؤل إليه زمام الأمور، والحرب بينه وبين حكومة الوفاق المعترف بها دوليا سجال، فكيف دخل هؤلاء في خندق حفتر باعتباره حاكما مُتغلبا؟ الجواب تجده في فتاوى زعيمهم المدخلي، التي طفحت بمعاداة تيار الإسلام السياسي، فأصبح مجرد وجود ذلك التيار على الساحة مبررا شرعيا لقتاله.
الغريب في الأمر، أن العالم الغربي والعربي، يواجه الجماعات الإسلامية المسلحة، فكيف يُسمح لميليشيات المداخلة بالتسليح والقتال في الصراع الدائر؟ إذا أردنا الإجابة لابد وأن ننظر إلى الجهات العربية الراعية لتلك الميليشيات، باعتبارها نائبا عن الثورات المضادة في مواجهة ثورات الربيع العربي، أما أمريكا فصمْتها يدور في فلك المصالح مع الحلفاء في المنطقة.
ومع قرار القيادة التركية بالتدخل عسكريا لصالح حكومة الوفاق، اعتبر المداخلة هذا تدخلا أجنبيا يجب الجهاد ضده، مع أنهم لم يعتبروا التدخل الروسي الإماراتي المصري تدخلا خارجيا.
مَداخلة حفتر لا يختلفون عن «داعش»، فهما وجهان لعملة واحدة، يعملون بالوكالة لصالح الأنظمة، ويقتلون أهل الإسلام، ويلوون أعناق النصوص لتبرير باطلهم، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

