الاثنين، 14 سبتمبر 2026

قصة رحلة كتابة المصحف الشريف وطباعته .

 

📖 من الرقاع إلى مصحف المدينة النبوية

رحلة كتابة المصحف الشريف وطباعته وعناية المملكة العربية السعودية به

أ. د. محمد سالم بن شديد العوفي
الأمين العام لمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف – المدينة المنورة


✦ تمهيد

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.

عرف العرب الكتابة قبل الإسلام، وكانت تُعد من مظاهر كمال الرجل العربي، إلى جانب مهارات أخرى كالسباحة والرماية وركوب الخيل. ويرجع انتشار الكتابة في الجزيرة العربية إلى صلات العرب بالأمم المتحضرة في اليمن وبلاد الشام، وإلى قيام ممالك عربية على أطراف تلك البلاد.

وكانت مملكة الأنباط، التي قامت في شمال غرب الجزيرة العربية وبلاد الشام، من البيئات التي أسهمت في تطور الكتابة العربية؛ إذ تأثر الأنباط بالآراميين، ثم تطور عن الخط النبطي عدد من الخطوط العربية القديمة، كالخط الأنباري والحيري والمثلث.

وفي الحجاز، حيث كانت الكتابة أقل انتشاراً، عُرف الخط المعروف بالجزم، ثم جاء الإسلام فرفع من شأن الكتابة، وجعلها وسيلة أساسية من وسائل حفظ الوحي، ونشر العلم، وتدبير شؤون الدولة.

وقد بعث الله تعالى رسول الله ﷺ في أمة يغلب عليها وصف الأمية، فقال سبحانه:

﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾

ومن هنا بدأ عهد جديد للكتابة العربية، ارتبط ارتباطاً وثيقاً بكتاب الله تعالى.


✦ أولاً: الكتابة في عهد النبي ﷺ

شجّع النبي ﷺ أصحابه على تعلم الكتابة، وسلك في ذلك وسائل متعددة، حتى إنه جعل تعليم عدد من صبيان المدينة الكتابة وسيلة لفداء بعض أسرى بدر.

وهكذا أخذت الكتابة تنتشر في المجتمع الإسلامي الناشئ، حتى بلغ عدد الذين عُرفوا بكتابة الوحي للنبي ﷺ أكثر من أربعين كاتباً.

وكانت قريش في مكة وثقيف في الطائف من أشهر القبائل العربية عناية بالكتابة، ولذلك كان لعدد من أبنائهما دور بارز في كتابة المصحف وجمعه.

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:

«لا يُمْلِيَنَّ في مصاحفنا هذه إلا غلمان ثقيف».

ولما جمع عثمان بن عفان رضي الله عنه المصاحف قال:

«اجعلوا المُمْلِيَ من هذيل، والكاتبَ من ثقيف».

وكان القرآن الكريم ينزل منجماً على رسول الله ﷺ، فيحفظه ويبلغه للناس، ويأمر كتّاب الوحي بكتابته ووضع الآيات والسور في مواضعها.

فكان القرآن يُكتب في عهده ﷺ على وسائل متعددة، منها:

العُسُب، واللِّخاف، والرِّقاع، وقِطع الأديم، وعظام الأكتاف والأضلاع.

وفي الوقت نفسه كان عدد كبير من الصحابة يحفظون القرآن في صدورهم؛ فمنهم من حفظه كله، ومنهم من حفظ معظمه، ومنهم من حفظ بعضه، ومنهم من كان يكتب الآيات والسور.

وهكذا اجتمع للقرآن الكريم في عهد النبي ﷺ حفظٌ في الصدور والسطور.


✦ ثانياً: لماذا لم يُجمع القرآن في مصحف واحد في عهد النبي ﷺ؟

كُتب القرآن الكريم كله في عهد النبي ﷺ، إلا أنه لم يُجمع في مصحف واحد بين دفتين؛ وذلك لأسباب من أهمها استمرار نزول الوحي، وما كان يترقبه النبي ﷺ من نزول آيات جديدة أو وقوع نسخ لبعض الآيات والأحكام.

كما أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعتمدون اعتماداً كبيراً على الحفظ والاستظهار، إلى جانب الكتابة.

وبقي القرآن محفوظاً بهذه الوسائل حتى توفي رسول الله ﷺ.


✦ ثالثاً: جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه

في السنة الحادية عشرة للهجرة وقعت معركة اليمامة، واستُشهد فيها عدد كبير من القراء.

فخاف عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يذهب شيء من القرآن بذهاب حفاظه، فذهب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأشار عليه بجمع القرآن.

وتردد أبو بكر رضي الله عنه في البداية؛ لأنه لم يفعل ذلك رسول الله ﷺ، ثم شرح الله صدره لهذا العمل لما ظهر له من المصلحة والحاجة إليه.

واختير لهذه المهمة الصحابي الجليل زيد بن ثابت رضي الله عنه، لما كان يتمتع به من حفظ وإتقان، ومعرفته بكتابة الوحي، وشهوده العرضة الأخيرة للقرآن.

يقول زيد رضي الله عنه:

«فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن».

ومع كونه حافظاً للقرآن، لم يكتفِ زيد بالحفظ، وإنما أخذ يتتبع ما كُتب من القرآن، فجمعه من العُسُب واللِّخاف والرِّقاع وغيرها، ومن صدور الرجال.

وكان ذلك الجمع في غاية الاحتياط والتحري.

وبقيت الصحف التي جُمع فيها القرآن عند أبي بكر رضي الله عنه، ثم عند عمر رضي الله عنه، ثم عند أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها.


✦ رابعاً: جمع عثمان بن عفان رضي الله عنه وتوحيد المصاحف

مع اتساع الفتوحات الإسلامية وانتشار الصحابة في الأمصار، أخذ أهل كل بلد يتلقون القراءة ممن استقر بينهم من الصحابة.

فكان في الشام من يقرأ بقراءة أبي بن كعب، وفي الكوفة من يقرأ بقراءة عبد الله بن مسعود، وفي البصرة من يقرأ بقراءة أبي موسى الأشعري رضي الله عنهم.

وكان اختلاف القراءات في أصله مرتبطاً بما تلقاه الصحابة من رسول الله ﷺ، إلا أن اتساع رقعة الدولة الإسلامية ودخول أمم جديدة في الإسلام أدى إلى ظهور صور من النزاع والاختلاف بين بعض الناس.

وفي فتح أذربيجان وأرمينية، في خلافة عثمان رضي الله عنه، لاحظ حذيفة بن اليمان رضي الله عنه اختلاف الناس في القراءة، فخشي أن يؤدي ذلك إلى فتنة، فأسرع إلى عثمان رضي الله عنه وقال:

«يا أمير المؤمنين، أدرك الناس».

وأخبره بما رأى من اختلاف أهل الشام والعراق في القراءة.

فجمع عثمان رضي الله عنه الصحابة، وتشاور معهم في الأمر، ثم أمر بنسخ الصحف التي كانت عند حفصة رضي الله عنها في مصاحف موحدة.

واختير زيد بن ثابت رضي الله عنه للكتابة، وجُعل معه عدد من الصحابة.

وقال عثمان رضي الله عنه:

«فما اجتمعتما عليه فاكتباه، وما اختلفتما فيه فارفعاه إلي».

وكان سعيد بن العاص رضي الله عنه ممن شارك في هذه المهمة، لما عُرف به من فصاحة وعربية.

وهكذا أُنجزت المصاحف العثمانية، وأُرسلت إلى عدد من الأمصار، وأمر عثمان رضي الله عنه بما سوى تلك المصاحف أن يُرفع حتى لا يبقى الناس في اختلاف يؤدي إلى النزاع.

وكان هذا العمل العظيم سبباً في جمع كلمة المسلمين على المصحف الإمام، وصيانة الأمة من الاختلاف في كتاب الله تعالى.


✦ خامساً: المصحف العثماني وتطور النقط والضبط

كانت المصاحف العثمانية الأولى خالية من كثير من علامات النقط والشكل التي نعرفها اليوم، وكان ذلك مناسباً لطبيعة الكتابة العربية في ذلك العصر، كما كان يساعد على استيعاب وجوه القراءة التي يحتملها الرسم.

واستمر الأمر كذلك مدة من الزمن.

لكن مع اتساع الفتوحات ودخول أعداد كبيرة من غير العرب في الإسلام، وكثرة اختلاط العرب بالأعاجم، بدأ اللحن والتصحيف يظهران في قراءة العربية.

ومن هنا ظهرت الحاجة إلى وضع علامات تساعد على ضبط القراءة وحماية النص من الخطأ.


✦ سادساً: نقط المصحف وضبطه

كان من أوائل من عُني بهذه المسألة أبو الأسود الدؤلي، حيث ارتبط اسمه بوضع علامات لضبط أواخر الكلمات وحركاتها.

ثم تطور نظام الضبط على أيدي العلماء من بعده، حتى جاء الخليل بن أحمد الفراهيدي فأسهم في تطوير علامات الضبط وجعلها أقرب إلى الصورة التي عرفها العلماء بعد ذلك.

ومن المهم هنا التمييز بين نوعين من النقط:

🔹 نقط الإعجام

وهو النقط الذي يميز الحروف المتشابهة في الرسم، مثل:

الباء والتاء والثاء، والجيم والحاء والخاء، والسين والشين، والعين والغين، والفاء والقاف.

🔹 نقط الشكل والضبط

وهو ما يتعلق بالحركات والسكون والشدة والمد ونحوها، مما يساعد القارئ على أداء الكلمة أداءً صحيحاً.

وهكذا لم يكن تطور علامات المصحف خروجاً عن أصله، وإنما كان من وسائل صيانة القراءة وضبط الأداء ومنع الالتباس.


✦ سابعاً: تطور الخط العربي وكتابة المصاحف

لم يتوقف اهتمام المسلمين عند حفظ النص وضبطه، بل امتد إلى تحسين الخط وتجويده.

ومن أشهر من عُرفوا في صدر الإسلام بحسن كتابة المصاحف خالد بن أبي الهياج، الذي اشتهر بجودة خطه.

ثم برز في العصر الأموي قطبة المحرر، الذي كان له أثر في تطور الأقلام العربية.

وفي العصر العباسي تطور الخط العربي تطوراً كبيراً، ثم جاء ابن مقلة وأخوه، فكان لهما أثر بالغ في تنظيم قواعد الخط العربي.

ثم برز ابن البواب، وبعده عدد من كبار الخطاطين، ومن أشهرهم ياقوت المستعصمي.

وتوزعت مراكز العناية بالخط العربي في العالم الإسلامي، فبرزت بغداد ومصر وبلاد الشام وتركيا والمغرب وإيران وغيرها.

وفي الدولة العثمانية بلغت العناية بالخط العربي منزلة رفيعة، وأصبح للخطاطين الأتراك أثر بارز في تطوير الخطوط العربية، ولا سيما خط النسخ الذي ارتبط بكتابة المصاحف.

وفي المقابل، نبغ الإيرانيون في فنون التذهيب والزخرفة، كما تطورت في بلاد المغرب والأندلس أنماط خاصة من الخط عُرفت بالخط المغربي.

وهكذا أصبح المصحف الشريف عبر القرون ميداناً واسعاً من ميادين الخط والزخرفة والتذهيب وفنون الكتابة.


✦ ثامناً: بدايات طباعة المصحف الشريف في أوروبا

مع اختراع الطباعة وانتشارها في أوروبا، بدأت تظهر طبعات للمصحف الشريف.

ومن أشهر الطبعات المبكرة التي يذكرها الباحثون:

  • طبعة البندقية في القرن السادس عشر الميلادي.

  • طبعة هامبورغ سنة 1694م.

  • طبعة بتافيا سنة 1698م.

وكانت طبعة البندقية من أكثر هذه الطبعات غموضاً من حيث ظروفها وتاريخها ومصيرها، وقد ذكرت المصادر أن النسخ منها تعرضت للإتلاف.

ثم ظهرت طبعات أخرى في أوروبا، وفي روسيا، وفي مدن مختلفة من العالم.

ومن أشهرها طبعة فلوجل في مدينة ليبزيغ سنة 1834م.

غير أن عدداً من هذه الطبعات لم يحظ بقبول العلماء المسلمين؛ بسبب عدم التزامه الدقيق بقواعد الرسم العثماني وضبط المصحف وفق ما استقر عليه علماء المسلمين.


✦ تاسعاً: طباعة المصحف في العالم الإسلامي

ظهرت طبعات للمصحف الشريف في عدد من البلاد الإسلامية، ومنها إيران والهند وتركيا وغيرها.

وكان من أبرز التطورات في هذا المجال ظهور مصحف المخللاتي الذي طبع في القاهرة سنة 1308هـ/1890م، والتزم بخصائص الرسم العثماني، واعتنى بعلامات الوقف.

ثم ظهرت طبعة أخرى أشرف عليها علماء الأزهر، وكتبها الشيخ محمد علي خلف الحسيني، وضُبطت على رواية حفص عن عاصم، وفق قواعد الرسم والضبط المتداولة عند علماء المصاحف.

وقد لقيت هذه الطبعة قبولاً واسعاً في العالم الإسلامي.

ومع تطور تقنيات الطباعة، أخذت المصاحف تنتشر في مختلف البلدان الإسلامية، وأصبح بالإمكان إنتاج أعداد كبيرة منها، مع المحافظة على قواعد الرسم والضبط.


✦ عاشراً: عناية المملكة العربية السعودية بطباعة المصحف الشريف

ارتبطت المملكة العربية السعودية منذ وقت مبكر بالعناية بطباعة المصحف الشريف ونشره.

ومن أبرز المحطات في هذا المجال ظهور مصحف مكة المكرمة سنة 1369هـ، والذي طبعته شركة مصحف مكة المكرمة، بعد سنوات من العمل في كتابته وتصحيحه.

وقد كتب المصحف الخطاط المعروف محمد طاهر الكردي، وصححته لجنة من علماء مكة، ثم أرسل إلى مشيخة الأزهر للمراجعة.

ولقي ظهور هذا المصحف صدى واسعاً، وحظي بالدعم والتقدير.

ثم ظهرت طبعات أخرى في المملكة، حتى جاءت النقلة الكبرى في تاريخ خدمة المصحف الشريف بإنشاء مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة.


✦ الحادي عشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف

في شهر المحرم سنة 1405هـ/1984م أُعلن افتتاح مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة.

وكان إنشاء هذا المجمع خطوة كبيرة في مجال خدمة كتاب الله تعالى، إذ أصبح مؤسسة متخصصة تجمع بين:

الكتابة، والمراجعة، والتدقيق، والطباعة، والترجمة، والتوزيع، والعناية بعلوم القرآن.

واختيرت المدينة المنورة مقراً لهذا الصرح العظيم، لما لها من مكانة خاصة في قلوب المسلمين، ولارتباطها بتاريخ الوحي والدولة الإسلامية الأولى.

وأطلق على المصحف الذي يطبعه المجمع اسم:

مصحف المدينة النبوية

وهو الاسم الذي أصبح معروفاً في أنحاء العالم الإسلامي.

وقد طُبع المصحف في المجمع وفق قواعد دقيقة في الرسم والضبط، وصدرت منه مصاحف بروايات مختلفة، منها:

رواية حفص عن عاصم، ورواية ورش عن نافع، ورواية الدوري عن أبي عمرو البصري، إضافة إلى إصدارات أخرى تلبي حاجات المسلمين في مناطق مختلفة.

كما طُبع مصحف نسخ تعليق برواية حفص عن عاصم، وفق ما جرى عليه العمل في بعض البلاد الإسلامية.


✦ الثاني عشر: خطاط مصحف المدينة النبوية

كتب مصحف المدينة النبوية الخطاط المعروف:

عثمان طه

وهو من أشهر خطاطي المصحف الشريف في العصر الحديث.

وقد تميزت كتابته بالوضوح والدقة، وأصبحت نموذجاً معروفاً في العالم الإسلامي، وانتشرت مصاحف المدينة التي كتبها في أقطار كثيرة.

ولم تكن عملية كتابة المصحف وطباعة نسخه عملاً فردياً؛ بل تشرف عليها لجان علمية متخصصة تضم علماء وباحثين في علوم القرآن والتجويد والقراءات والرسم والضبط وعد الآي والوقف والتفسير والفقه واللغة والنحو والصرف.


✦ الثالث عشر: ضوابط مراجعة المصحف الشريف في المجمع

تقوم مراجعة المصحف الشريف على جملة من الضوابط العلمية الدقيقة، من أبرزها:

1️⃣ الاحتكام إلى المصادر العلمية المعتبرة

والرجوع إلى كتب المتقدمين والمتأخرين عند وجود خلاف في مسائل الرسم أو الضبط أو القراءة.

2️⃣ تقديم الحجة والرواية

فالعبرة بما ثبت من الرواية وما قرره أئمة هذا العلم، بعيداً عن الرأي المجرد والاستحسان الشخصي.

3️⃣ الالتزام بقواعد الرسم العثماني

والعناية بالمصاحف وفق ما استقر عليه علماء الرسم والقراءات.

4️⃣ المحافظة على تمييز النص القرآني

بحيث لا تختلط ألفاظ القرآن بغيرها من التعليقات والعبارات التي يمكن أن يلتبس أمرها على القارئ.

5️⃣ إثبات ما تدعو الحاجة إليه من علامات الضبط والوقف

كعلامات الوقف، والنقط، والشكل، ونحو ذلك؛ لما لها من أهمية في مساعدة القارئ على القراءة الصحيحة.

وهذه الضوابط كلها تهدف إلى غاية واحدة:

خدمة كتاب الله تعالى، وصيانة تلاوته وكتابته من الخطأ والالتباس.


✦ الرابع عشر: من الكتابة اليدوية إلى الطباعة الحديثة

إن تاريخ المصحف الشريف يكشف عن مسيرة طويلة من العناية المتواصلة.

فقد بدأ القرآن الكريم محفوظاً في الصدور والسطور في عهد النبي ﷺ، ثم جُمع في عهد أبي بكر رضي الله عنه، ووُحِّدت المصاحف في عهد عثمان رضي الله عنه، ثم تطورت علامات النقط والضبط، وتفنن المسلمون في تحسين الخط، ثم انتقل المصحف إلى مرحلة الطباعة الحديثة.

ومع كل تطور تقني لم تتراجع عناية المسلمين بكتاب الله، وإنما استفادوا من الوسائل الجديدة في سبيل حفظه ونشره وتيسير قراءته.

وهذه الحقيقة جديرة بالتأمل:

فالتقنية تغيرت، أما العناية بكتاب الله فلم تتغير.


✦ الخامس عشر: رسالة مجمع الملك فهد

لم تقتصر عناية المملكة العربية السعودية على طباعة المصحف الشريف، بل امتدت إلى مجالات أخرى من خدمة القرآن الكريم، وفي مقدمتها:

📌 طباعة المصحف الشريف ونشره.
📌 ترجمة معاني القرآن الكريم إلى لغات متعددة.
📌 العناية بعلوم القرآن الكريم.
📌 العناية بالسنة النبوية والسيرة المطهرة.
📌 إيصال المصحف إلى المسلمين في مختلف أنحاء العالم.

وقد بلغ إنتاج المجمع، بحسب الأرقام الواردة في التقرير، حتى عام 1421هـ أكثر من 160 مليون نسخة من مختلف الإصدارات، ووزع منها أكثر من 139 مليون نسخة هدية للمسلمين في أنحاء العالم.

كما بلغت ترجمات معاني القرآن الكريم في ذلك الوقت أربعين لغة.

وهذه الأرقام تعكس اتساع مشروع خدمة القرآن الكريم، وتحوله إلى رسالة عالمية تتجاوز حدود المكان.


✦ خاتمة

إن تاريخ كتابة المصحف الشريف وطباعته هو في حقيقته تاريخ طويل من العناية بكتاب الله تعالى.

فمنذ اللحظة الأولى لنزول الوحي، كان القرآن موضع حفظ الصحابة وعنايتهم؛ فحفظوه في صدورهم، وكتبوه في السطور، ثم جاء جمع أبي بكر رضي الله عنه ليحفظ ما كتب في عهد رسول الله ﷺ، وجاء عثمان رضي الله عنه فوحّد الأمة على المصحف، وحسم أسباب الاختلاف التي ظهرت بين المسلمين.

ثم تطورت وسائل الكتابة والضبط، وظهر النقط والإعجام والشكل، وتطور الخط العربي، وتفنن المسلمون في كتابة المصاحف وتذهيبها وزخرفتها، حتى دخل العالم الإسلامي عصر الطباعة.

ومع ظهور الطباعة الحديثة، لم تتوقف عناية المسلمين بالمصحف، بل انتقلت هذه العناية إلى مستوى جديد من الدقة والتنظيم.

وفي العصر الحديث كان إنشاء مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة من أبرز صور هذه العناية، حيث اجتمعت فيه الخبرات العلمية والفنية والتقنية لخدمة كتاب الله تعالى ونشره في أنحاء العالم.

وهكذا امتدت رحلة المصحف الشريف:

من الرقاع والعُسُب واللِّخاف…
إلى المصاحف المخطوطة…
ثم إلى المطابع…
ثم إلى ملايين النسخ التي تصل اليوم إلى المسلمين في مختلف أنحاء العالم.

وإن أعظم ما يكشفه هذا التاريخ كله أن المسلمين، على اختلاف عصورهم وبلدانهم، ظلوا يرون في القرآن الكريم كتاب هدايةٍ وحياة، فبذلوا في حفظه وكتابته وضبطه ونشره ما استطاعوا.

فبقي القرآن محفوظاً في الصدور، مصوناً في السطور، متداولاً بين الأجيال، تنتقل عنايتهم به من جيل إلى جيل.

والحمد لله رب العالمين.


أ. د. محمد سالم بن شديد العوفي
الأمين العام لمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
المدينة المنورة

تقرير حول "تطور كتابة المصحف الشريف وطباعته وعناية المملكة العربية السعودية بطبعة ونشره"

 

تقرير حول

"تطور كتابة المصحف الشريف وطباعته

وعناية المملكة العربية السعودية بطبعة ونشره"

 

                                     أ. د. محمد سالم بن شديد العوفي

                 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله   وبعد:

فقد عرفت العرب الكتابة في جاهليتها وعدَّتها شرطاً في كمال الرجل العربي، مثلَ معرفة السباحة والرماية وركوب الخيل، وتعود معرفتُهم بالكتابة إلى اتصالهم بالأمم المتحضرة في بلاد اليمن وتخوم الشام، عندما أنشؤوا ممالكهم على أطراف تلك البلاد، وكانت مملكة النَّبَط إحدى هذه الممالكِ التي قامت على أطراف بلاد الشام، في الناحية الشمالية الغربية من شبه الجزيرة العربية (169ق.م-106م)، واتخذت البتراء ((سلع)) عاصمة لها، وكانت لهم صِلاتٌ بالآراميين؛ فتأثروا بهم، وتحدَّثوا لغَتَـهم، واستنبطوا لأنفسهم خطّاً خاصاً بهم عُرف بالخط النَّبطي، اشتق منه عربُ الشَّمال خطهم الأولَ، فعرف الخط الأنباري، والخط الحيري، أو الخط المدوّر، والخط المثلث.

وفي الحجاز، حيث كان يحتكر أهل الكتاب معرفة الكتابةِ عُرف خط التِّئم؛ أو الجَزْم. وعندما ظهر الإسلامُ أصبحت الكتابةُ وسيلة هامة من وسائل نشر الدين، وضرورة من ضرورات الحكم.

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمة أميَّة، لا تكاد تعرف القراءة والكتابة إلا نزراً يسيراً. قال تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلالٍ مبين}.

فشجع صلى الله عليه وسلم أصحابَه على تعلُّم الكتابِة، وسلك في ذلك وسائلَ مختلفةً، حتى إنه اشترط لفكاك الأسير من قريش في بدرٍ تعليمَ عشْرة مِن صبيان المدينة الكتابةَ؛ فراجت الكتابةُ في عصره صلى الله عليه وسلم، حتى بلغ عدد كتاب الوحي أكثرَ من أربعين كاتباً.

وتعدُّ الحجاز أولَ بلاد العرب معرفةً للكتابة، وكانت قريشُ في مكةَ، وثقيف في الطائف أكثرَ القبائل شهرةً بها، ومن أبنائهما اختير كتابُ صحف أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه يقول، كما روى جابرُ بنُ سَمُرَةَ: لا يُمْلِيَن في مصاحفنا هذه إلا غِلمانُ ثقيف. وعندما جمع عثمانُ بن عفانَ رضي الله عنه مصاحفهُ قال: اجعلوا المُمْلِيَ من هذيلٍ، والكاتبَ من ثقيف.

كان القرآن الكريم يتنزل منجَّماً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيحفظُه ويبلِّغُه للناس، ويأمرُ بكتابته، فيقول: ضعوا هذه السورة بجانب تلك السورة، وضعوا هذه الآية بإزاء تلك الآية. فيُحفظ ما كُتب في منزله صلى الله عليه وسلم، بعد أن ينسخَ منه كتّابُ الوحيِ نسخاً لأنفسهم.

وكُتب القرآن الكريم في العسب واللخاف، والرّقاع، وقِطع الأديم، وعظام الأكتاف، والأضلاع.

ومن الصحابة من اكتفى بسماعه من فيه صلى الله عليه وسلم فحفظه كله، أو حفظ معظمه، أو بعضاً منه، ومنهم من كتب الآيات، ومنهم من كتب السورة، ومنهم من كتب السور، ومنهم من كتبه كلَّه. فحُفظ القرآن في عهده صلى الله عليه وسلم في الصدور وفي السطور.

وكُتب القرآن الكريم كاملاً في عهد النبوة إلا أنه لم يُجمع في مصحف واحدٍ لأسباب منها: ما كان يترقبه صلى الله عليه وسلم من زيادَةٍ فيه، أو نَسْخ مِنه، ولأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعتنون بحفظه واستظهاره أكثر من عنايتهم بكتابته.

وفي السنة الحاديةَ عشرةَ من الهجرة وقعت معركةُ اليمامةِ المشهورةُ بين المرتدين، والمسلمين، واستحرَّ القتل في المسلمين، واستشهد منهم سبعون من القرَّاء؛ فارتاع عمر بن الخطاب، وخاف ذهابَ القرآن، بذهابِ هؤلاء القرَّاء، ففزع إلى أبي بكر الصديق، وأشار عليه بجمع القرآن، فخاف أبو بكر أن يضع نفسه في منزلة من يزيدُ احتياطُه للدين على احتياط رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما زال متردداً حتى شرح الله صدره، واطمأن إلى أن عملَه مستمدٌ من تشريع رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابة القرآن.

وكان زيدُ بن ثابت مداوماً على كتابة الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهِد العرضةَ الأخيرةَ للقرآن، وكان ذا عقل راجح وعدالة ورويَّة، مشهوداً له بأنه أكثرُ الصحابة إتقاناً لحفظ القرآن، وأداءً لقراءته، وضبطاً لإعرابه ولغاته؛ فوقع عليه الاختيار رغم وجود من هو أكبر منه سناً، وأقدمُ إسلاماً، وأكثر فضلاً.

يقول زيد: ((فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقلَ عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن)). فشرح الله صدَر زيدٍ كما شرح صدر أبي بكر، ورغم حفظه وإتقانه، إلا أنه أخذ يتتبعُ القرآن، ويجمَعه من العسب واللخاف والرقاع وغيرها، مما كان مكتوباً بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن صدور الرجال، وكان لا يكتب شيئاً حتى يشهدَ شاهدان على كتابته وسماعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فرتبه على حسب العرضة الأخيرة التي شهدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبقيت هذه الصحفُ في رعاية أبي بكر، ثم في رعاية عمر، ثم عند أم المؤمنين حفصة، حتى أُحرقت بعد وفاتها رضي الله عنها.

اتسعت الفتوح، وانتشر الصحابة في الأمصار، وأصبح أهل كلِّ مِصرٍ يقرؤون بقراءة الصحابي الذي نزل في مصرهم؛ ففي الشام بقراءة أبي بن كعب، وفي الكوفة بقراءة عبد الله بن مسعود، وفي البصرة بقراءة أبي موسى الأشعري.

وكان مِن الصحابة الذين استقروا في البلاد المفتوحة مَن لم يشهدْ العرضة الأخيرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقفْ على ما نُسخ من أحرفٍ وقراءات في هذه العرضة، بينما وقف صحابة آخرون على ذلك، وكان كلُ صحابي يقرأ بما وقف عليه من القرآن، فتلقى الناسُ عنهم ذلك، فاختلفت قراءاتُهم، وخطَّأ بعضُهم بعضاً.

وفي فتح أذربيجانَ وأرمينيةَ، في السنة الخامسةِ والعشرين من الهجرة اجتمع أهلُ الشام والعراق، فتذاكروا القرآنَ، واختلفوا فيه، حتى كادت تقع الفتنةُ بينهم، فكان حذيفةُ بن اليمان مشاركاً في هذا الفتحِ؛ فَذُعِر ذُعْراً شديداً، وركِب إلى عثمان في المدينة، ولم يدخل دارهَ حتى أتى عثمان، فقال له: ((يا أميرَ المؤمنين أدرك الناسَ. قال: وما ذاك؟! قال: غزوت مَرْج أرمينيةَ، فإذا أهلُ الشام يقرؤون بقراءة أبي بن كعب، فيأتون بما لم يسمع أهلُ العراق، وإذا أهل العراق يقرؤون بقراءة عبد الله بن مسعود، فيأتون بما لم يسمع به أهلُ الشام، فيكفرُ بعضُهم بعضاً)).

وكان عثمانُ قد وقع له مثلُ ذلك، حتى إنه خطب في الناس، وقال لهم: أنتم عندي تختلفون فيه وتلحنون، فمن نأى عنى من أهل الأمصار أشدُ فيه اختلافاً، وأشدُ لحناً، اجتمعوا يا أصحابَ محمد، واكتبوا للناس إماماً.

وكتب عثمانُ إلى حفصةَ: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخُها في المصاحف، ثم نردُّها إليك، فأرسلت بها.

يقول زيد بن ثابت: فأمرني عثمان بن عفان أن أكتب مصحفاً، وقال: إني مُدخلٌ معك رجلاً لبيباً فصيحاً، فما اجتمعتما عليه فاكتباه، وما اختلفتما فيه فارفعاه إليّ.

وفي رواية عن مصعبِ بن سعدٍ: فقال عثمانُ: من أكتبُ الناس؟ قالوا: كاتبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدُ بن ثابت. قال: فأيُّ الناس أعربُ وفي رواية أفصحُ ـ؟ قالوا: سعيدُ بن العاص. قال: فليمل سعيدٌ، وليكتب زيدٌ.

اختلفت الروايات في عدد المصاحف التي كتبها عثمانُ، فالمشهور أنها خمسةٌ، وورد أنها أربعةٌ، وورد أنها سبعةٌ، بعث بها إلى مكةَ، والشامِ، واليمنِ، والبحرينِ، والبصرةِ، والكوفةِ، وأبقى واحداً بالمدينة سُمي ((المصحفَ الإمامَ)).

أمر عثمان بما سوى المصحف الذي كتبه والمصاحفِ التي استكتبها منه أن تحرق.

وهكذا كان الجمعُ الثاني للقرآن الكريم في عهد عثمانَ رضي الله عنه، أشرف عليه بنفسه، بمشاركة كبارِ الصحابة رضوانُ الله عليهم، وموافقِتهم وإجماعهم. فجمع بهذا العمل الجليل كلمة المسلمين، وحسم ما ظهر بينهم من خلاف.

كُتبت مصاحف عثمانَ خالية من النقط والشكل؛ حتى تحتملَ قراءتُها الأحرفَ السبعةَ التي نزل بها القرآنُ الكريم، وعندما أرسلها إلى الأمصار رضي بها الجميعُ، ونسخوا على غرارها مصاحفَ كثيرةً خاليةً من النقط والشكل. واستمروا على ذلك أكثر من أربعين سنة.

وخلال هذه الفترة توسعت الفتوح، ودخلت أممٌ كثيرة لا تتكلم العربيةَ في الإسلام؛ فتفشت العجمةُ بين الناس، وكثرُ اللحنُ، حتى بين العرب أنفسهم؛ بسبب كثرة اختلاطهم ومصاهرتهم للعجم، ولما كان المصحف الشريف غيرَ منقوط خشي ولاةُ أمر المسلمين عليه أن يتطرق إليه اللحنُ والتحريف.

وكان أولَ من التفت إلى نقط المصحف الشريف زيادُ بن أبيه؛ الذي طلب من أبي الأسود الدؤلي أن يضع شيئاً يصلح به كلامَهم ويعربون به كتابَ الله فاختار أبو الأسودِ رجلاً من عبد القيس، وقال له: ((خذِ المصحفَ، وصبغاً يخالف لونَ المداد، فإذا رأيتَني فتحت شفتي بالحرف فانقط واحدة فوقه، وإذا كسرتُها فانقط واحدة أسفَلهَ، وإذا ضَمَمْتُها فاجعل النقطةَ إلى جانب الحرف (أي أمامه)، فإذا أتبعت شيئاً من هذه الحركات غنة (أيْ تنويناً)، فانقط نقطتين)). فأخذ أبو الأسودِ يقرأُ المصحفَ بالتأني، والكاتبُ يضع النقْطَ، واستمر على ذلك حتى أعرب المصحفَ كلَّه، وكان كلما أتم الكاتبُ صحيفةً، أعاد أبو الأسودِ نَظرةَ فيها.

وجاء تلاميذُ أبي الأسود بعده، وتفننوا في شكل النقطة؛ فمنهم مَن جعلها مربعةً، ومنهم من جعلها مدورةً مطموسة الوسطِ، ومنهم من جعلها مدورة خاليةَ الوسط.

وقد تطور هذا النقطُ فيما بعدُ على يد إمام اللغة في عصره الخليلِ بن أحمدَ الفراهيديِّ على هيئةٍ تميزت بالوضوحِ وسهولة الفهمِ، وكان هذا النقط يُسمى شكلاً، أو ضبطاً؛ لأنه يدل على شكل الحرف وصورتهِ، وما يعرض له من حركة، أو سكون، أو شد، أو مد، ونحو ذلك.

أما نقط الإعجام، فهو ما يدل على ذات الحرف، ويميز المتشابهَ منه؛ لمنع العجمةِ، أو اللبسِ. كحروف الباء والتاء والثاء والياء، والجيم والحاء والخاء والراء والزاي، والسين والشين، والعين والغين، والفاء والقاف، ونحوها مما يتفق في الرسمِ ويختلف في المعنى، فقد دعت الحاجةُ إليه عندما كَثرُ الداخلون في الإسلام من الأعاجمٍ، وكثرُ التصحيفُ في لغة العرب، وخيف على القرآن أن تمتدَ له يدُ العبث.

واختلفت الآراءُ في أولِ من أخذ بهذا النقط، وأرجَحُها في ذلك ما ذَهَب إلى أن أولَ من قام به هما: نصرُ بن عاصم، ويحيى بن يَعْمَر؛ بأمر من الحجاج بن يوسف الثقفي (75-95هـ) والي العراق في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان حيث كانا أعرفَ أهلِ عصرهما بعلوم العربية وأسرارها، وفنون القراءات وتوجيهها.

تجويد الخط:

جاء في الفهرست: أنَّ أول مَن كتب المصاحف في الصدر الأول، ووصف بحسن الخط ((خالدُ بن أبي الهياج))، وكان كاتباً للوليد بن عبد الملك (86-89هـ/705-715م)، كتب له المصاحفَ والأشعارَ والأخبار، وكان عمرُ بن عبد العزيز مِمن اطّلع على خطّه وأعجب به، وطلب منه أن يكتب له مصحفاً تفنن في خطه، فقلَّبه عمر واستحسنه إلا أنه استكثر ثمنه فرده عليه.

وممن اشتهر بتجويد الخط في العصر الأموي ((قطبةُ المحرِّر)) وهو من كتاب الدولة، يقول عنه ابنُ النديم: ((استخرج الأقلامَ الأربعةَ، واشتق بعضَها من بعض، وكان قطبةُ من أكتبِ الناس على الأرض بالعربية)). وإليه ينسب تحويلُ الخط العربيِّ من الكوفيِّ إلى الخط الذي هو عليه الآن.

أما في العصر العباسي، وفي خلافة أبي العباس السفاح (132-136هـ/749-754م) فقد انتهت جودة الخط إلى ((الضحاك بن عجلان)) يقول ابن النديم: ((فزاد على قطبةَ، فكان بعده أكتبَ الخلق)).

وظل الخطُ العربيُّ يترقَّى ويتنوعُ حتى وصل إلى عشرين نوعاً على رأس المائة الثالثة من الهجرة عندما انتهت رئاسةُ الخط إلى الوزير أبي علي محمدِ بن عليِ بن مقلةَ، وأخيه أبي عبد الله الحسنِ بن علي.

ومع نهاية القرن الرابع الهجري، وبداية القرن الخامس الهجري انتقلت رِئاسة الخط العربي إلى أبي الحسن علي بن هلال الكاتب البَغْدادي المعروفِ بابن البواب، أو بابن السَّتَري.

وفي القرن السابع الهجري انتهت رئاسة الخط إلى عدد من الخطاطين منهم: ياقـــوتُ بن عبد الله الموصلي أمينُ الدين الملكي، المتوفى سنة 618هـ.

ومنهم ياقوتُ بن عبد الله الرومي الحموي، شهاب الدين، المتوفى سنة 626هـ.

ومنهم ياقوتُ بن عبد الله الرومي المُستَعْصِمي، المتوفى ببغداد سنة 698هـ.

وكان ياقوت المستعصمي يمثل نهاية الاحتكار العراقي للخط المجوَّد المنسوب، حيث أخذت المراكزُ الثقافيةُ الأخرى في العالم الإسلامي تنافس بغداد في الاهتمام بالخط وتجويده.

وفي مصر عُرف تجويدُ الخط منذ عصر الدولة الطولونية (254-292هـ/868-905م)، وفي العصر الفاطميِّ (358-567هـ/968-1171م) وصلت إلى مستوى المنافسة مع بغدادَ عاصمةِ العباسيين، واستمرت كذلك في عصر الأيوبيين (569-650هـ/1174-1252م) إلى أن جاء العصرُ المملوكيُّ (648-932هـ/1220-1517م)، حيث بلغت مركزَ الصدارة.

وفي شمال الشام تطور فنُّ الخط منذ أواخر القرن الخامس الهجري، وأجاد السوريون الشماليون خطَّ النسخ، وخطَّ الطومار ومشتقاته.

وفي تركيا، حيث قامت الدولةُ العثمانيةُ (699-1341هـ/1299-1922م) بلغت العنايةُ بتجويد الخط حداً بعيداً، وأنشئت في الآستانة سنة 1326هـ أولُ مدرسة خاصةٍ لتعليم الخط والنقش والتذهيب.

ولم يزل الأتراك ممسكين بزمام التفوق في تطور الخط العربي حتى سنةِ 1342هـ عندما استبدلوا بالحرف العربي الحرفَ اللاتيني، حيث انتقل قيادُ التفوقِ الخطّي إلى مصر مرة أخرى.

وفي منتصف شهر أكتوبر سنة 1922م فُتحت في مصر مدرسةٌ لتعليم الخطوط العربية، وبعد فترة ألحق بها قسمٌ في فن الزخرفة والتذهيب.

واستقطبت مصرُ عدداً من الخطاطين الأتراك الذين تخرج على أيديهم عدد من الخطاطين المصريين، وغيرِهم من مختلف البلاد الإسلامية.

وفي إيران لم تكن العناية بالخط العربي، وكتابة المصاحف أقلَ منها في تركيا، ونبغ الإيرانيون في مجال التذهيب، حتى تفوقوا على الأتراك في هذا الفن.

أما شمالُ إفريقيةَ فقد انتقل الخط إليها عن طريق المدينة، ثم الشام، فعُرف الخط المغربي وانتشر في شمال إفريقيةَ ووسطها وغربِها وفي الأندلس.

وفي الجناح الشرقي من البلاد الإسلامية كان الغزنويون والسلاجقةُ العظامُ، لا يقلون اهتماماً بالخط عن نظرائهم في البلاد الإسلاميةِ الأخرى، ومثلُهم في ذلك الأيلخانيون، والتيموريون، والجلائريون في القرنين السابعِ والثامنِ الهجريين.

الطَبَعات المبكرة للمصحف الشريف:

في أوربا:

تحدث الدكتور يحيى محمود جنيد عن طبعات ثلاث للمصحف الشريف في أوربا في القرنين السادسَ عشرَ والسابعَ عشرَ الميلاديين، هي:

طبعةُ البندقيةِ عامَ 1537م أو 1538م، وطبعةُ هامبورج عام 1694م، وطبعةُ بتافيا عام 1698م.

وكانت الطبعةُ الأولى يلفها الغُمُوض في تحديد تاريخها، ومكانها والجهة المشرفة عليها ومصيرها.

أما مكان الطبع فاختلف فيه أيضاً؛ فقيل في البندقية، وقيل في روما، وكذلك المشرفُ على طبعه، ورغم ما يتردد من شك حول اكتشاف نسخة من هذه الطبعةِ في مكتبة الدَّيْر الفرنسسكاني القديس ميخائيل بالبندقية على يد أنجيلا نيوفو Angela Novo، إلا أن هناك اتفاقاً على أن هذه الطبعةَ أتلفت بأمر من البابا، وإذا كان هناك من الباحثين من يرجع سببَ إتلافها إلى رداءة طباعتها، وعدمِ تقيدِها بالرسم الصحيح للمصحف، حسب ما اتفق عليه علماءُ المسلمين مما جعل المسلمين يحجمون عن اقتنائها، إلا أن تدخلَ البابا، وأمرَه بإتلافها يوحي بأن هناك دافعاً دينياً أيضاً وراء إتلاف هذه الطبعة.

أما طبعةُ هامبورج Hamburgh في عام 1125هـ (1694م)، فقد قام بها مستشرقٌ ألمانيٌّ ينتمي إلى الطائفة البروتستنتية، هو إبراهام هنكلمان Ebrahami Hincklmani، وقد حدد أن أهدافه من هذه الطبعة ليس نشر الإسلام بين البروتستانت وإنما التعرفُ على العربية والإسلام.

طبعة بتافيا: صدرت هذه الطبعةُ من مطبعة السمناريين عام 1698م.

وفي روسيا طبع المصحفُ الشريفُ في ((سانت بتر سبورغ)) عام 1787م، وأشرف على هذه الطبعة مولاي عثمانُ، وفي عام 1848م ظهرت طبعة أخرى في ((قازان)) أشرف عليها محمد شاكر مرتضى أوغلي.

وفي عام 1834م ظهرت طبعة للمصحف الشريف في مدينة ((ليبزيغ)) أشرف عليها ((فلوجل)) Flugel، ورغم اهتمام الأوربيين بها، وإقبالهم عليها، إلا أنها لم تحظ بعناية المسلمين؛ لمخالفتها قواعدَ الرسمِ العثمانيَّ الصحيحِ.

وفي إيران طبع المصحف طبعتين حجريتين في كل من طهرانَ عام 1244هـ (1828م)، وتبريز عام 1248هـ (1833م).

كما ظهرت طبعات أخرى في الهند، وفي الآستانة بدءاً بالعام 1887م.

إلا أن الملاحظَ على جميع تلك الطبعاتِ عدمُ التزامها بقواعد الرسم العثماني، الذي حظي بإجماع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجرت على قواعد الرسم الإملائيِّ الحديثِ، إلا في نزرٍ يسير من الكلمات كتبت بالرسم العثماني.

واستمر الوضعُ على ذلك حتى عامِ 1308هـ (1890م) عندما قامت المطبعةُ البهيةُ بالقاهرة، لصاحبها ((محمد أبو زيد )) بطبع المصحف الذي كتبه الشيخُ المحقق ُ ((رضوانُ بنُ محمد)) الشهيرُ بالمخللاتي، والتزم فيه بخصائصِ الرسمِ العثماني، واعتنى بأماكنِ الوقوف مميزاً كلَّ وقف بعلامة دالةٍ عليه.

عُرف هذا المصحفُ بمصحف المخللاتي، وكان المقدمَ على غيره من المصاحفِ، إلا أن رداءةَ ورقه، وسوءَ طباعته الحجريةِ، دفع مشيخةَ الأزهر إلى تكوين لجنة؛ للنظر فيه، وفي ما ظهر من هَنَاتٍ في رسمه وضبطهِ، فكُتب مصحفٌ بخط الشيخ محمدِ علي خلفِ الحسيني، على قواعد الرسم العثماني، وضُبط على ما يوافق روايةَ حفصٍ عن عاصمٍ، على حسب ما ورد في كتاب ((الطراز على ضبط الخراز)) للتَّنَسي، مع إبدال علاماتِ الخليل بن أحمدَ وتلاميذهِ من المشارقة بعلامات الأندلسيين والمغاربة، وظهرت الطبعةُ الأولى منه عام 1342هـ (1923م)، فتلقاها العالم الإسلاميُّ بالرضا والقبولِ.

ثم توالت طبعاتُ المصحفِ الشريف في مدنٍ مختلفة من العالم الإسلاميِّ مع تطور آلات الطباعة وانتشارها، بما فيها المغربُ العربيُّ، الذي لم يتأخر كثيراً في طباعة المصحف الشريف عن المشرق، وإن لم يُعرف على وجه الدقة تاريخُ بدء الطباعة فيها، إلا أنها التزمت في علامات الضبط بما جاء عند الخراز.

عناية المملكة العربية السعودية بطباعة المصحف الشريف:

وفي المملكة العربية السعودية، تعودُ بدايةُ طباعةِ المصحف الشريف إلى عامِ 1369هـ عندما ظهر المصحفُ المعروفُ بمصحفِ مكةَ المكرمةِ، والذي طبعته شركةُ مصحفِ مكة المكرمةِ بعد خمس سنوات استغرقها العملُ بين الكتابة والتصحيح، وقد كتب هذا المصحفَ الخطاطُ الشهير محمد طاهر الكردي وصححته لجنة من علماء مكة ثم أرسل إلى مشيخة الأزهر فوافقت على التصحيح.

وكان صدى ظهورِ هذا المصحفِ واسعاً داخل المملكة وخارجها، وكانت فرحةُ الملك عبد العزيز رحمه الله بظهوره كبيرةً، وقدم للقائمين عليه دعماً مادياً ومعنوياً سخياً، وكذلك أصحابُ السموِّ الأمراءُ والمعالي الوزراءُ وكبارُ موظفي الدولة، كما لاقى استحسانَ المسلمين وثناءَهم خارجَ المملكة، وأشادت به الصحف الصادرةُ في بعض تلك البلاد.

وبعد ثلاثين عاماً من ظهور مصحف مكةَ، ظهر مصحفٌ آخر في مدينة جدة، وذلك في عام 1399هـ، بمطابع الروضة، بعد مراجعته والموافقة عليه من الجهة المخولة بذلك في الملكة العربية السعودية.

وفي شهر المحرم من عام 1405هـ، (1984م) أُعلن عن افتتاح أعظم منشأة في العالم تقوم على خدمة القرآن الكريم وهو مجمعُ الملك فهدٍ لطباعة المصحف الشريف، وهو أول عمل حكوميِّ رسميِّ لطباعة القرآن الكريم، وفتح عظيمٌ نفع الله به ملايين المسلمين في مختلف بقاع الأرض.

ووقع الاختيارُ على مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم، لتكون مقراً لهذه المنشأةِ العظيمةِ؛ لمكانتها في نفوسِ المسلمين، ولأنها عاصمةُ الإسلام الأولى التي تنزل فيها الوحيُ على خير الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، وشع منها نورُ القرآنِ فأضاءَ أنحاءَ المعمورةِ.

واتفق على تسمية المصحف الذي يتم طبعهُ في هذا المجمعِ بمصحف المدينة النبوية؛ تيمناً بهذه البقعة المباركة.

كان حدثاً عظيماً أثلج صدورَ المسلمين، عندما أزاح خادمُ الحرمين الشريفين الملكُ فهدُ بن عبد العزيز الستار إيذاناً بتشغيل المجمع، بعد أن اكتمل بناؤه وتجهيزاتهُ الفنيةُ، والبشريةُ.

طُبع المصحفُ الشريفُ  في المجمع برواية حفص عن عاصم، وهي الرواية التي يُقرأ بها في معظمِ بلاد العالم الإسلاميِّ، وكتب هذا المصحفُ على قواعدِ الرسم العثماني، وضُبط على ما قرره علماءُ الضبط مع الأخذ بعلامات الخليل بن أحمدَ وأتباعه من المشارقة.

كما طُبع برواية ورش عن نافعٍ المدني، وهي الروايةُ التي يُقرأ بها في معظم دولِ المغرب العربي (المغرب، والجزائر، وتونس، وموريتانيا) إضافة إلى السنغال، وتشاد، ونيجيريا، وكتب هذا المصحف بالخط المشرقيِّ على حسب قواعد الرسم العثماني، وضُبط بالضبط المغربي.

كما طبع برواية الدوري عن أبي عمرو البصري، وكتب بالخط المشرقي على حسب قواعد الرسم العثماني، وضبط على ما قرره علماءُ الضبط مع الأخذ بعلامات الخليل بن أحمدَ وأتباعِه من المشارقة، ما عدا بعضاً يسيراً، فقد روعي في ضبطه مذهبُ أكثرِ المغاربةِ، وما جرى العملُ به في السودان.

كما طبع مصحف نسخ تعليق برواية حفص عن عاصم، على حسب قواعد الرسم والضبط المتعارف عليها في باكستان وما جاورها.

كتبت مصاحفُ المجمع بيد خطاطٍ متمرسٍ، مشهودٍ له بالتفوق في كتابة المصاحفِ، هو الخطاطُ عثمان طه.

وتشرف على كتابتها وطبعها لجنةٌ علميةٌ مختارة بعناية من المختصين في علوم التجويد، والقراءات، والرسم، والضبط، وعد الآي، والوقوف، والتفسير، والفقه، واللغة، والنحو والصرف.

وتتلخص الضوابطُ التي تسير عليها اللجنةُ في مراجعتها للمصحف الشريف فيما يلي:

          1.     اشتراطُ الإجماع في كل خطوة، والمصادرُ الأساسيةُ من كتب المتقدمين وكتبِ المتأخرين هي المرجعُ في حسم أي خلاف.

          2.     التمسكُ بالحجة إن ظهرت، وإسقاط ما عداها، والحجة مبنية على الرواية وكلامِ الأئمة المتقدمين، ولا دخل للرأي والاستحسانِ فيها.

          3.     اتباعُ قواعد الرسم العثماني، الذي حظي بإجماع الصحابة والتابعين.

          4.     تجريدُ المصحف مما عدا القرآنَ الكريمَ لقوله صلى الله عليه وسلم كما جاء في صحيح مسلم: ((لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غيرَ القرآن فَلْيَمْحه))، وذلك خَشية اختلاطِ نص القرآن بغيره والتباسِ ذلك على الناس، مما قد يكون مدخلاً وسبباً للتحريف والزيادة، متأسيةً في ذلك بما سار عليه الصحابةُ رضي الله عنهم في تجريد المصاحفِ العثمانيةِ مما سوى القرآن الكريم، مما لم يحظ بالتواتر والقطع واليقين، كترقيم السور، وعدد آياتِها وبيان المكيِّ والمدنّي منها، مما هو داخل في نطاق النص القرآنيِّ، حيث يمكن تفصيلُ الأقوال فيه، وبيانِ الراجِح مِن المرجوح في كتب التفسير، وعلوم القرآن الكريم.

          5.     أما أسماءُ السور، ورموزُ الوقوف، والنقْطُ والشكلُ، فقد دعت الحاجةُ إلى إثباتها؛ لالتصاقها بالنص القرآني. أما ما هو خارجُ نطاق النص القرآني في حواشي الصفحات، كاسم السورة، ورقمِ الجزء، أو في جانب الصفحات، كرموز الأجزاء، والأحزاب، والأرباع، والأعشار، والأخماس، ورموز السجدات، والسكتات، فلقلّة المحذور فيها؛ لبعدها عن مجال النص القرآني أُثبتت بإخراج طباعي يختلف عن النص القرآني.

وبعد:

فقد كان القرآن الكريم موضعَ اهتمام المسلمين من أول يوم تنزل فيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوعاه الصحابةُ وحفظوه، وكتبوه، وطبقوا ما فيه، وكان ما قام به أبو بكر الصديقُ بمشورة عمرَ رضي الله عنهما من جمع القرآن مما هو مكتوبُ، ومحفوظٌ في عهده صلى الله عليه وسلم عملاً عظيماً حُفظ به القرآنُ، وسار على نهجه عثمانُ بنُ عفانَ رضي الله عنه، عندما جمع الناسَ على مصحف واحد، ومنعَ الاختلاف بين المسلمين، وقد نال زيد بن ثابت رضي الله عنه شرف تحمل مسؤوليةِ جمعِ القرآن في عهد أبي بكرٍ، وكتابتهِ في عهد عثمان.

وكان حرصُ المسلمين على تَعَلُّم الكتابةِ، وتطوير الخطِ مرتبطاً بحرصهم على قراءة القرآن الكريم وتدبره وحفظه، والعناية بكتابته ونشره.

وقد تفنن المسلمون في العصور اللاحقة في تجويد كتابة مصاحفهم وزخرفتها وتذهيبها والعناية بها، وفي كل عصر، بل وفي كل قُطر برز خطاطون بلغوا الكمالَ في حسن الخط وتجويده، فجاؤوا بما يُبْهر من الخطوط المنسوبة، التي خلَّدت ذكرَهم على مرّ العصور.

لم يؤثر ظهورُ المطابع الحديثة في اهتمام المسلمين بجودة الخط، والتفنن في كتابة مصاحفهم، واستمروا على ذلك حتى وقتنا الحاضر، رغم ما يشهده من زَحَمِ في وسائلِ التقنية الحديثة التي تعنى بالكتابة وزخرفتها وتطويرها.

تنامى اهتمام المسلمين بكتابة وطباعة المصحف الشريف، واستخدام وسائلِ الطبعِ الحديثة في بعض البلاد الإسلامية، والعملِ على نشر القرآن الكريم بوسائلَ مختلفةٍ، وكان أعظمُ عنايةٍ بالقرآن الكريم في الوقت الحاضر هو ما قامت به المملكة العربية السعودية من إنشاء مجمع لخدمة القرآن الكريم والسنة والسيرة النبوية المطهرة تشرف عليه وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد وهو مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.

سدَّ المجمع حاجة ماسة عند المسلمين لمصاحفَ متقنةٍ سليمةٍ في رسمها وضبطها من أي خطأ أو تحريف، سار في كتابتها على ما ارتضاه وأجمع عليه الصحابةُ والتابعونَ، وقد بلغ إنتاجُه حتى عامِ 1421هـ أكثر من مائة وستين مليون نسخة من مختلف الإصدارات، وزع منه على المسلمين في مختلف أنحاء العالم أكثرُ من مائة وتسعة وثلاثين مليون نسخة هديةً من حكومة المملكة العربية السعودية؛ إيماناً منها برسالتها، وإدراكاً لمسؤوليتها تُجاه كتابِ الله وسنةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، وخدمةً للدين ونشره في أرجاء الأرض.

لم تقتصر عنايةُ المملكة العربية السعودية على طبع المصحف الشريف ونشره، بل امتدت إلى ترجمة معانيه إلى لغات العالم التي بلغت حتى عامِ 1421هـ أربعين لغةً، وكذلك العنايةُ بتفسيره وعلومهِ المختلفةِ، والعنايةُ بالسنة والسيرة النبوية المطهرة.

 

                                     أ. د. محمد سالم بن شديد العوفي

                          الأمين العام لمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف

                                                       بالمدينة المنورة

 

الشورى والمشاورة في السنة النبوية من بناء السلطة إلى صناعة القرار

 

الشورى والمشاورة في السنة النبوية

من بناء السلطة إلى صناعة القرار

 


تمهيد

إن من رحمة الله تعالى بعباده أن بعث إليهم رسلًا مبشرين ومنذرين، يبلغونهم رسالة الله، ويجسدونها أمامهم في نموذج بشري حي؛ فكانوا بشرًا حتى يكون الاقتداء بهم ممكنًا، وتقوم الحجة على الناس.

قال تعالى:

﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾
[النساء: 165]

ومن أهم المبادئ التي تكشفها السنة النبوية في بناء المجتمع والدولة الإسلامية: مبدأ الشورى والمشاورة.

وقد ورد أصل الشورى في القرآن الكريم في قوله تعالى:

﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾
[الشورى: 38]

كما ورد الأمر بالمشاورة في خطاب النبي ﷺ:

﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾
[آل عمران: 159]

وقد جاء القرآن الكريم بالأصل المجمل، ثم جاءت السنة النبوية لتقدم لنا نماذج عملية متعددة، تكشف كيف مارس النبي ﷺ المشاورة في السلم والحرب، وفي القضايا العامة والخاصة، وكيف راعى اختلاف الظروف والأشخاص والموضوعات.

ومن هنا تأتي أهمية النظر في السنة السياسية النبوية؛ فهي لا تقدم لنا مجرد مواقف تاريخية، وإنما تكشف عن جملة من المبادئ المتعلقة ببناء السلطة وأدائها، والمشاركة في صناعة القرار، والاستفادة من أهل العلم والخبرة، ومراعاة أصحاب الشأن، وإشراك المرأة، والنظر في رأي الأكثرية.


أولًا: بين الشورى والمشاورة

من المفيد منهجيًا التمييز بين الشورى والمشاورة.

فالشورى يمكن أن تتصل بالقضايا الكبرى المتعلقة ببناء السلطة وشرعيتها واختيار القيادة، بينما تتصل المشاورة بصورة أكبر بأداء السلطة وإدارة شؤون المجتمع واتخاذ القرارات العملية.

وقد ورد لفظ الشورى في وصف المؤمنين:

﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾

بينما جاء الأمر للنبي ﷺ:

﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

والنبي ﷺ لم يكن يستمد نبوته أو أصل قيادته من اختيار الناس، وإنما كانت نبوته ووظيفته الرسالية بتكليف من الله تعالى.

قال سبحانه:

﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾
[النساء: 80]

وقال:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾
[الفتح: 10]

ومن هنا ينبغي التفريق بين القيادة النبوية القائمة على الوحي والرسالة، وبين السلطة السياسية البشرية بعد عصر النبوة، التي تقوم على رضا الأمة واختيارها وشروط الشرعية السياسية المعروفة في الفقه الإسلامي.

وهذا التفريق بالغ الأهمية؛ لأن أحد أخطر الأخطاء هو نقل خصائص القيادة النبوية إلى الحكام بعد النبي ﷺ، وكأن الحاكم يستمد سلطته مباشرة من الله تعالى.

فالأنبياء يتلقون الوحي والتكليف من الله، أما الحكام بعدهم فهم بشر، ولا يملكون أن يجعلوا إرادتهم السياسية إرادة إلهية، ولا أن يرفعوا قراراتهم البشرية إلى مرتبة التشريع الملزم.


ثانيًا: النبي ﷺ كان كثير المشاورة

كان النبي ﷺ، مع كونه مؤيدًا بالوحي، أكثر الناس مشاورة لأصحابه.

وقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه:

«ما رأيت أحدًا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله ﷺ».

وهذه الحقيقة وحدها كافية لإسقاط التصور الذي يجعل المشاورة علامة ضعف في القيادة.

فالنبي ﷺ لم يكن يشاور لأنه عاجز عن اتخاذ القرار، وإنما كان يمارس المشاورة تربيةً للأمة، وإشراكًا لأصحاب الشأن، واستثمارًا للخبرات، وإظهارًا لقيمة الرأي الجماعي.

ومن أبرز نماذج ذلك:

1. مشاورته أصحابه في غزوة بدر

لما سار النبي ﷺ إلى بدر استشار المسلمين، ثم استمع إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ثم طلب رأي الأنصار، لأن الموقف كان يتجاوز حدود الترتيبات السابقة، وكان من المهم معرفة موقفهم واستعدادهم.

فقال سعد بن معاذ رضي الله عنه:

«والذي بعثك بالحق، لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتبعناك».

وهكذا تحولت المشاورة إلى التزام عملي واستعداد جماعي لتحمل نتائج القرار.


2. مشاورته في أسرى بدر

استشار النبي ﷺ أصحابه في شأن الأسرى:

«ما ترون في هؤلاء الأسارى؟»

وجاءت الروايات بما يدل على أنه استشار عددًا من كبار الصحابة، كما وردت روايات تدل على استشارة عموم الحاضرين.

وهذا النموذج يكشف أن المشاورة قد تكون عامة، وقد تكون خاصة بحسب طبيعة القضية وأصحاب المصلحة فيها.


3. مشاورته في غزوة أحد

كان رأي النبي ﷺ أن يبقى المسلمون داخل المدينة ويقاتلوا من خلالها، بينما رأى عدد من أصحابه الخروج إلى أحد.

فلما استقر رأي الجماعة على الخروج أخذ النبي ﷺ بهذا الرأي، وخرج معهم.

وهنا تظهر قاعدة مهمة:

المشاورة تسبق العزم، فإذا عزم القائد بعد اكتمالها، وجب الانتقال من مرحلة النقاش إلى مرحلة التنفيذ.


4. مشاورته قادة الأنصار في أمر غطفان

لما عرض الحارث الغطفاني على النبي ﷺ أن يعطيه نصف تمر المدينة مقابل انسحاب قومه من الأحزاب، لم يتخذ النبي ﷺ القرار منفردًا، وإنما استشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وغيرهما من قادة الأنصار.

ولما عبّروا عن رفضهم، أخذ النبي ﷺ برأيهم.

وهذا نموذج مهم في استشارة أصحاب الشأن المباشر؛ لأن الأنصار هم أصحاب الأرض والنخيل، وهم الذين سيتحملون تبعات ذلك القرار.


5. مشاورته في الحديبية

ولما ظهرت مشكلة تتعلق بحلفاء قريش، قال النبي ﷺ:

«أشيروا عليَّ أيها الناس».

فاستمع إلى أبي بكر رضي الله عنه، ثم اتخذ القرار المناسب.

وهذا يوضح أن المشاورة النبوية لم تكن مجرد سؤال شكلي، وإنما كانت جزءًا من عملية صناعة القرار.


6. مشاورته في حادثة الإفك

استشار النبي ﷺ أسامة بن زيد وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما في شأن عائشة رضي الله عنها، ثم خطب الناس واستشارهم في كيفية التعامل مع من خاض في عرضها.

وهنا نرى بوضوح الفرق بين:

المشاورة الخاصة في القضية الخاصة، والمشاورة العامة في الجانب العام من القضية.


ثالثًا: المشاورة ليست دائمًا عامة

تدل هذه النماذج على أن المشاورة لا تسير على صورة واحدة.

فقد تكون:

مشاورة عامة عندما يتعلق الأمر بالمجتمع كله.

وقد تكون:

مشاورة خاصة عندما يتعلق الأمر بفئة معينة أو بأصحاب خبرة محددة.

وقد تجمع بين الأمرين.

ففي قضية أسرى بدر، كان هناك مجال للمشاورة العامة، مع الاستفادة من رأي بعض الصحابة بصورة خاصة.

وفي قضية تمر المدينة، كان من الطبيعي أن يستشار أهلها وأصحاب المصلحة المباشرة فيها.

ومن هنا يمكن وضع ضابط مهم:

كل من كان معنيًا بالأمر، ومتأثرًا بنتائج القرار، أو صاحب اختصاص وخبرة فيه، فهو أولى بأن يكون حاضرًا في دائرة المشاورة، أصالةً أو نيابةً.

وهذا يفتح الباب أمام مفهوم التمثيل والنيابة في الشورى، وهو معنى تؤيده تطبيقات من السنة، مثل العرفاء الذين يمثلون أقوامهم وينقلون آراءهم.


رابعًا: أهل العلم والخبرة لهم مكانة خاصة

لم تكن المشاورة النبوية قائمة على جمع أكبر عدد من الآراء فحسب، وإنما كان لأهل العلم والخبرة والثقة مكانة متميزة.

وقد أكثر النبي ﷺ من استشارة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

كما كان عمر رضي الله عنه يستشير أهل العلم، وخاصة القراء وأهل الفقه.

قال البخاري:

«كان القراء أصحاب مشورة عمر، كهولًا كانوا أو شبانًا».

وهذا يدل على أن الشورى الرشيدة لا تعني إلغاء التخصص.

فليس كل رأي مساويًا لغيره في القضايا التي تحتاج إلى علم أو خبرة.

والحكمة السياسية تقتضي الجمع بين أمرين:

حق المجتمع في المشاركة، وحق أهل الاختصاص في أن يكون لهم وزنهم العلمي والمهني.

ولهذا فإن الاستشارة العامة لا تتعارض مع الاستشارة الخاصة، بل يمكن أن يكمل بعضها بعضًا.


خامسًا: المرأة شريكة في المشاورة

ومن أهم الدلالات التي تكشفها السنة أن المشاورة ليست حكرًا على الرجال.

فالمرأة داخلة في عموم المجتمع المسلم، وإذا كان الأمر متعلقًا بالشأن العام الذي يشملها ويؤثر فيها، فلا يصح إخراجها من دائرة الرأي والمشاركة دون دليل.

ومن أشهر النماذج النبوية في ذلك مشورة أم سلمة رضي الله عنها في الحديبية.

فلما أمر النبي ﷺ أصحابه أن ينحروا ويحلقوا، تأخروا عن تنفيذ الأمر بسبب ما كان في نفوسهم من الحزن والصدمة، فدخل النبي ﷺ على أم سلمة رضي الله عنها، وذكر لها ما لقي من الناس.

فأشارت عليه أن يخرج وينحر ويحلق دون أن يكلم أحدًا، ففعل النبي ﷺ، فلما رأى الصحابة ذلك بادروا إلى الاقتداء به.

لقد كان رأي أم سلمة رضي الله عنها ناضجًا، عمليًا، ومؤثرًا في حل أزمة جماعية.

وهذا يؤكد أن قيمة الرأي لا تتحدد بجنس صاحبه، وإنما بما يحمله من علم وخبرة وحكمة وحسن تقدير.


سادسًا: الشورى بين الإلزام والإعلام

من أكثر القضايا إثارة للنقاش: هل رأي أهل الشورى ملزم للحاكم، أم أن المشاورة مجرد إعلام واستئناس بالآراء؟

والجواب يحتاج إلى التفريق بين الشورى المتعلقة ببناء السلطة، وبين المشاورة المتعلقة بإدارة السلطة.

الشورى في بناء السلطة

تدل نصوص كثيرة على أن اختيار القيادة لا ينبغي أن يكون مجرد قرار فردي مفروض على الأمة.

وقد جاء عن النبي ﷺ:

«لو كنت مستخلفًا أحدًا دون مشورة لاستخلفت ابن أم عبد».

كما قال عمر رضي الله عنه:

«لا خلافة إلا عن مشورة».

وقال أيضًا في التحذير من البيعة المنفردة:

«من بايع رجلًا دون مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه».

وهذه النصوص تؤكد أن الشرعية السياسية بعد عصر النبوة ليست حقًا شخصيًا للحاكم، ولا ميراثًا عائليًا، ولا تفويضًا إلهيًا مباشرًا لأحد من الناس.


سابعًا: هل يشترط الإجماع؟

لا يبدو أن اشتراط إجماع جميع أفراد الأمة في اختيار الحاكم أمر عملي يمكن تحقيقه في كل زمان.

ولهذا جرى عمل الصحابة على اعتبار الاختيار العام الذي يتحقق به الرضا والقبول السياسي، مع وجود مخالفين في بعض الوقائع.

فقد وقع اختلاف في بيعة أبي بكر رضي الله عنه، ثم استقرت له الخلافة.

وكذلك وقع الخلاف في خلافة علي رضي الله عنه، ومع ذلك استقرت له الخلافة في زمانه.

ومن هنا يمكن القول إن تحقيق الإجماع الكامل ليس شرطًا واقعيًا دائمًا لصحة العملية السياسية، وأن وجود المخالفين لا يعني بالضرورة سقوط شرعية القرار إذا استقرت الجماعة على اختيار معين وفق الأصول المعتبرة.


ثامنًا: متى تكون نتيجة المشاورة ملزمة؟

أما المشاورة المتعلقة بأداء السلطة وإدارة شؤون المجتمع، فليست نتيجتها على درجة واحدة في جميع القضايا.

ويمكن التفريق بين ثلاث حالات:

1. قضايا عامة عظيمة الأثر

مثل القضايا المصيرية التي تمس الأمة بأسرها، والتي لا يصح أن تنفرد بها إرادة فرد واحد.

فهنا تكون المشاورة ذات وزن قوي، ويكون لرأي الجماعة وأهل الاختصاص أثر حقيقي في القرار.

2. الأمور الداخلة في صلاحيات الحاكم

مثل بعض التعيينات والإدارات والتنظيمات التنفيذية.

فهذه قد تكون المشاورة فيها واجبة أو مستحبة بحسب طبيعة القضية، لكن القرار النهائي قد يبقى ضمن صلاحيات القيادة، مع بقاء حق الأمة في الرقابة والنصح والتصحيح.

3. الأمور الشخصية

فهذه لا تكون المشاورة فيها واجبة، لكنها قد تكون مستحبة؛ تأسّيًا بالنبي ﷺ واستفادة من تجارب الآخرين.

وهكذا يتبين أن المشاورة ليست قالبًا واحدًا، وإنما تتغير بحسب طبيعة القضية، وأهميتها، وأصحاب المصلحة فيها، ودرجة تأثيرها على المجتمع.


تاسعًا: المشاورة قبل العزم، لا بعده

من أهم القواعد التي يمكن استخلاصها من السنة:

المشاورة قبل اتخاذ القرار، فإذا عزم المسؤول وانتقل إلى مرحلة التنفيذ، فلا ينبغي أن يتحول النقاش إلى تردد دائم.

قال تعالى:

﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾
[آل عمران: 159]

وقد تجلت هذه القاعدة بوضوح في غزوة أحد.

فقد كان رأي النبي ﷺ البقاء في المدينة، ثم أخذ برأي أصحابه في الخروج.

لكن بعد أن لبس لأمته وعزم على الخروج، لم يرجع عندما ندم بعض أصحابه وطلبوا منه العودة.

وقال ﷺ:

«ما ينبغي لنبي أن يضع لأمته بعد أن لبسها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه».

وهذا لا يعني إلغاء رأي الأغلبية، وإنما يعني أن مرحلة التشاور لها وقت، ومرحلة القرار لها وقت، ومرحلة التنفيذ لها وقت.

والقيادة التي تعيد فتح النقاش بعد كل قرار، أو تتراجع عند أول ضغط، قد تفقد قدرتها على الحسم والثبات.


عاشرًا: إذا جاء النص فلا شورى في مخالفة الوحي

وهذه قاعدة أساسية في المنهج الإسلامي:

الشورى تكون في مجال الاجتهاد البشري، لا في مخالفة النص الشرعي القطعي.

وقد كان النبي ﷺ يستشير أصحابه، فإذا جاءه الوحي لم يكن لأحد أن يقدم رأيه على الوحي.

وهذا ما يظهر بوضوح في صلح الحديبية، فقد كان النبي ﷺ موقنًا بما أمره الله به، فلم تكن المشورة وسيلة لتغيير حكم الوحي.

ومن هنا فإن الشورى في الإسلام ليست نظامًا يجعل رأي الأكثرية فوق النص الشرعي، بل هي آلية للاجتهاد واتخاذ القرار في دائرة المباح والمصالح المتغيرة والقضايا التي تحتمل النظر.

وهذا هو الفهم الذي ينسجم مع ما قرره الإمام البخاري في باب الشورى، حين جعل المشاورة قبل العزم والتبين، فإذا ظهر حكم الله ورسوله لم يكن لأحد أن يتقدم عليه.


الحادي عشر: الشورى ليست تطييبًا للخواطر

إن اختزال الشورى في كونها وسيلة لتطييب خواطر الناس يفرغها من مضمونها.

فالشورى في السنة النبوية كانت:

مشاركة في صناعة القرار.

وكانت:

استفادة من الخبرة.

وكانت:

استماعًا إلى أصحاب المصلحة.

وكانت:

تربية للأمة على تحمل المسؤولية.

وكانت:

وسيلة لمنع الاستبداد بالرأي.

ولهذا لم يكن النبي ﷺ محتاجًا إلى مشورة أصحابه من الناحية المعرفية في الأمور التي يأتي فيها الوحي، لكنه مع ذلك شاورهم في الأمور الاجتهادية والسياسية والعسكرية والاجتماعية؛ ليعلم الأمة عمليًا أن القائد لا يستغني عن عقل الجماعة وخبرة المجتمع.


الثاني عشر: الشورى منهاج سياسي وتربوي

إن المتأمل في السنة النبوية يجد أن الشورى ليست مجرد إجراء سياسي، بل هي منهج تربوي كامل.

فهي تعلم الناس:

  • احترام الرأي المخالف.

  • الاستماع قبل إصدار الأحكام.

  • تقدير أهل الاختصاص.

  • إشراك أصحاب المصلحة.

  • تحمل المسؤولية الجماعية.

  • عدم الاستبداد بالرأي.

  • التفريق بين مرحلة النقاش ومرحلة القرار.

  • الالتزام بالقرار بعد صدوره.

  • تقديم النص الشرعي على الرأي البشري عند وجوده.

وبذلك تتحول الشورى من مجرد نص سياسي إلى ثقافة اجتماعية وأخلاقية.


خاتمة

لقد قدمت السنة النبوية نموذجًا غنيًا للشورى والمشاورة، لا باعتبارهما شعارين سياسيين، وإنما باعتبارهما منهجًا عمليًا في إدارة المجتمع وصناعة القرار.

فالنبي ﷺ شاور أصحابه في بدر، وأحد، والحديبية، والأسرى، وفي قضايا اجتماعية وأسرية، واستشار الرجال والنساء، وأهل الخبرة، وأصحاب المصلحة المباشرة، وجمع أحيانًا بين المشاورة العامة والمشاورة الخاصة.

ومن مجموع هذه التطبيقات تتضح لنا مجموعة من القواعد:

الشورى في بناء السلطة ليست ترفًا سياسيًا، بل أصل من أصول انتظام الجماعة.

والمشاورة في إدارة شؤون الأمة ليست مجرد تطييب للخواطر، بل وسيلة لاكتشاف الصواب وتحقيق المصلحة.

وأهل العلم والخبرة أحق بمكانة خاصة في المشورة، دون أن يعني ذلك إلغاء حق المجتمع في المشاركة.

والمرأة المسلمة ليست خارج دائرة الرأي والمشاركة، وقد قدمت أم سلمة رضي الله عنها نموذجًا خالدًا في ذلك.

والأمور العامة الأصل فيها توسيع دائرة المشاورة، بينما تضيق الدائرة كلما اقتضت طبيعة القضية ذلك.

والشورى لا تعني الفوضى؛ فبعد التشاور يأتي العزم، وبعد العزم يأتي التنفيذ.

ولا شورى في مخالفة نص شرعي قطعي، لأن الاجتهاد البشري لا يقدم على الوحي.

إن أمة الإسلام عانت عبر تاريخها الطويل من صور متعددة من الشقاق والاقتتال والاستبداد بالرأي، ولا يمكن تجاوز هذه الأزمات بمجرد الشعارات، وإنما بالعودة إلى المبادئ التي أقام عليها الإسلام حياة الجماعة: العدل، والشورى، والمساءلة، والنصيحة، واحترام الإنسان، وتحمل المسؤولية.

لقد كانت الشورى في عهد النبي ﷺ سلوكًا يمارس، لا شعارًا يرفع؛ ولذلك فإن استحضار هذا النموذج اليوم ليس ترفًا فكريًا، وإنما هو محاولة لفهم جانب مهم من الهدي النبوي في بناء المجتمع وإدارة شؤونه.

والله الموفق لكل خير.


المراجع والتنبيهات

اعتمد المقال في مادته الأصلية على عدد كبير من مصادر السنة وشروحها، وفي مقدمتها:

صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن الترمذي، سنن النسائي، مسند أحمد، السنن الكبرى للبيهقي، مصنف عبد الرزاق، ابن حبان، الطبراني، أبو يعلى، الحاكم، ابن أبي شيبة، وفتح الباري لابن حجر، وأحكام القرآن لابن العربي، وشرح النووي على صحيح مسلم، وغيرها.

وقد وردت في النص الأصلي إحالات تفصيلية بلغت 64 إحالة، ويمكن إبقاؤها كاملة في النسخة البحثية أو في ملف مستقل، بينما يفضّل في منشور فيسبوك طويل عدم إثقال المتن بعشرات الإحالات المتتابعة حتى لا ينقطع تسلسل القراءة.

القيم الإسلامية أساس بناء الإنسان وصلاح المجتمع مفهومها • أهميتها • مصادرها • خصائصها

 

القيم الإسلامية

أساس بناء الإنسان وصلاح المجتمع

مفهومها • أهميتها • مصادرها • خصائصها

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد

ليست القيم الإسلامية مجرد مجموعة من المواعظ والأخلاق النظرية، وإنما هي منظومة متكاملة توجه الإنسان في عقيدته وعبادته وسلوكه وعلاقاته، وتضبط علاقته بنفسه وأسرته ومجتمعه والحياة من حوله.

فبالقيم يعرف الإنسان ما ينبغي أن يفعله، وما ينبغي أن يتجنبه، ويميز بين الخير والشر، والحق والباطل، والجميل والقبيح، ويصبح السلوك الأخلاقي عنده نابعًا من قناعة وإيمان، لا مجرد استجابة مؤقتة للظروف أو للرقابة الخارجية.

ومن هنا كانت القيم الإسلامية أساسًا مهمًا في بناء الإنسان الصالح، والمجتمع المتماسك، والحياة المتوازنة.


أولًا: مفهوم القيم الإسلامية

يمكن تعريف القيم الإسلامية بأنها:

مجموعة من المبادئ والمعايير الإنسانية والأخلاقية والسلوكية التي تضبط حياة الإنسان وفق هدي الإسلام، وتوجهه نحو الخير والصلاح، وتمكنه من التمييز بين الصواب والخطأ، والحق والباطل، والفضيلة والرذيلة.

وتشمل هذه القيم مختلف جوانب الحياة؛ فهي لا تقتصر على الجانب التعبدي، بل تمتد إلى العقيدة والأخلاق والمعاملات والعلاقات الاجتماعية والعمل والعلم والاقتصاد والأسرة وسائر شؤون الحياة.

ولهذا فإن القيم في الإسلام ليست جانبًا هامشيًا من جوانب الدين، بل هي جزء أصيل من رسالته ومقاصده.


ثانيًا: أهمية القيم الإسلامية

تؤدي القيم دورًا أساسيًا في حياة الفرد والمجتمع، ويمكن النظر إلى أهميتها من خلال ثلاثة مستويات:

1. أهميتها على المستوى الفردي

أولًا: تساعد الإنسان على اختيار السلوك المناسب، وتشارك في بناء شخصيته وتحديد أهدافه وفق معايير صحيحة.

ثانيًا: تمنحه القدرة على التكيف الإيجابي مع ظروف الحياة، ومواجهة مشكلاتها وتحدياتها.

ثالثًا: تمنحه قدرًا من الطمأنينة والأمان النفسي؛ لأنه يستند إلى مبادئ واضحة في تعامله مع نفسه والآخرين.

رابعًا: تساعده على التعبير عن ذاته بصورة إيجابية، وتعزز إحساسه بالمسؤولية.

خامسًا: تنمي وعيه وإدراكه، وتساعده على فهم الحياة والعلاقات الإنسانية فهمًا أكثر اتزانًا.

سادسًا: تسهم في إصلاحه نفسيًا وأخلاقيًا، وتدفعه إلى الإحسان والخير وأداء الواجب.

سابعًا: تضبط شهواته ونزواته، فلا تتحول الرغبات إلى قوة تسيطر على العقل والضمير.


2. أهميتها على المستوى الاجتماعي

لا تتوقف آثار القيم عند الفرد، بل تمتد إلى المجتمع كله.

فالقيم:

• تحافظ على تماسك المجتمع من خلال تحديد المبادئ والأهداف والمثل العليا المشتركة.

• تساعد المجتمع على مواجهة التغيرات من خلال توفير معايير تساعد أفراده على اختيار ما يناسبهم ويحفظ استقرارهم.

• تحقق الانسجام بين عناصر الثقافة، وتمنح النظم الاجتماعية أساسًا من المبادئ التي يتفق عليها أفراد المجتمع.

• تحد من الأنانية والنزوات الفردية، وتربط مصالح الفرد بالمصلحة العامة.

• تحدد طريقة تعامل المجتمع مع المتغيرات المحيطة به، وتمنح أفراده إطارًا واضحًا للسلوك والتعامل.

ومن هنا فإن المجتمع الذي يفقد منظومته القيمية يصبح أكثر عرضة للاضطراب والتفكك؛ لأن القيم تمثل نوعًا من البوصلة الأخلاقية التي توجه حركة الأفراد والجماعات.


3. أهمية القيم في حماية المجتمع وهويته

تكتسب القيم أهمية إضافية في عصر تتسارع فيه وسائل الاتصال والتأثير الثقافي.

فالمجتمعات لا تحتاج إلى حماية أمنها ومصالحها المادية فحسب، وإنما تحتاج كذلك إلى حماية هويتها الثقافية والأخلاقية والفكرية.

ولهذا أصبحت التربية على القيم ضرورة متزايدة، ولا سيما في حياة الشباب، في ظل الانفتاح الإعلامي والثقافي الكبير.

والمطلوب هنا ليس الانغلاق عن العالم، وإنما الانفتاح الواعي الذي يسمح بالاستفادة من العلوم والخبرات والتجارب الإنسانية، مع المحافظة على الثوابت والقيم التي تمنح المجتمع هويته وتماسكه.


ثالثًا: مصادر القيم الإسلامية

ترتبط القيم الإسلامية بمصادر الإسلام وأصوله التشريعية، وفي مقدمتها:

1. القرآن الكريم

القرآن الكريم هو المصدر الأول للقيم الإسلامية، وقد اشتمل على منظومة واسعة من القيم الاعتقادية والأخلاقية والعملية.

ومن أبرزها:

• القيم الاعتقادية

وتتعلق بما يجب الإيمان به من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وسائر أصول الاعتقاد.

• القيم الأخلاقية

وتتعلق بما ينبغي أن يتحلى به الإنسان من الصدق والأمانة والعدل والرحمة والعفو والإحسان، وما ينبغي أن يتخلى عنه من الكذب والخيانة والظلم وسائر الرذائل.

• القيم العملية

وتتعلق بأعمال الإنسان وأقواله وتصرفاته، وتشمل العبادات والمعاملات ومختلف شؤون الحياة.


2. السنة النبوية

السنة النبوية شارحة للقرآن ومبينة لأحكام الإسلام، وهي مصدر أساسي لفهم القيم الإسلامية وتطبيقها.

وقد جسّد النبي ﷺ القيم الإسلامية في حياته وسلوكه، فكان الصدق والأمانة والرحمة والعدل والعفو والإحسان واقعًا عمليًا في سيرته.

ولهذا فإن السنة لا تقدم القيم في صورة نظرية فقط، بل تقدم النموذج التطبيقي الحي لها.


3. الإجماع

إذا ثبت الإجماع في مسألة شرعية، فإنه يمثل حكمًا معتبرًا في المنظومة الإسلامية، ويكون لما ثبت به أثر في توجيه سلوك الجماعة المسلمة.


4. المصلحة المرسلة

تأتي المصلحة المرسلة ضمن الأدلة التي اعتبرها جمهور من الأصوليين في مواضعها وشروطها، وهي ترتبط بتحقيق المصالح ودفع المفاسد بما ينسجم مع مقاصد الشريعة.

ومن ثم يمكن أن يكون لما يحقق المصالح المعتبرة أثر في بناء بعض القيم والممارسات الاجتماعية، ما دام منضبطًا بأصول الشريعة ومقاصدها.


5. العرف

للعرف أثر في حياة الناس، وقد اعتبره الفقهاء في مواضع متعددة، بشرط ألا يخالف نصًا شرعيًا أو أصلًا معتبرًا.

ولهذا فليس كل عرف صالحًا لمجرد شيوعه، وإنما العبرة بالعرف الصحيح الذي لا يصادم الشريعة.


6. الموروث الثقافي والأدبي

ما وصل إلى المسلمين من الحكم والأمثال والخطب والأشعار والقصص يمكن الانتفاع به في مجال التربية والقيم، ولكن بعد عرضه على أصول الإسلام؛ فما وافق الحق قبل، وما خالفه رد.


7. المجتمع وأهدافه

لكل مجتمع ظروفه واحتياجاته وأهدافه، ولذلك تسهم البيئة الاجتماعية في تحديد بعض الوسائل والممارسات التي تساعد على ترسيخ القيم، بشرط ألا تتعارض مع المبادئ الإسلامية.


8. وسائل الإعلام والاتصال

تلعب وسائل الإعلام والتعليم والتواصل الاجتماعي دورًا هائلًا في تشكيل الوعي والقيم، فهي تستطيع أن تنشر الخير كما تستطيع أن تروج للسلوكيات السلبية.

ومن هنا تقع على المربين والمؤسسات التعليمية والإعلامية مسؤولية كبيرة في تعزيز القيم الإيجابية ومواجهة القيم الهدامة.


9. متغيرات العصر وحاجاته

تتغير وسائل الحياة وأدواتها وأساليب التواصل والعمل، ولذلك تحتاج التربية الإسلامية إلى استثمار الوسائل الحديثة في نشر القيم، دون التفريط في ثوابتها.

فالرسالة ثابتة، لكن وسائل إيصالها قابلة للتجدد.


رابعًا: خصائص القيم الإسلامية

تتميز القيم الإسلامية بمجموعة من الخصائص التي تمنحها قدرتها على بناء الإنسان وتوجيه المجتمع.

1. الربانية

من أبرز خصائص القيم الإسلامية أنها تستند إلى الوحي، ولذلك لا تكون خاضعة للأهواء البشرية المتقلبة.

قال تعالى:

﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾
(الواقعة: 80)

والربانية هنا تشمل المصدر والغاية والمنهج؛ فالقيم الإسلامية تهدف في نهاية المطاف إلى تحقيق مرضاة الله، مع تحقيق الخير والصلاح للإنسان في دنياه وآخرته.

ومن آثار ربانية القيم:

• العدل: لأنها لا تقوم على الأهواء والمصالح الفردية.

• القدسية: لأن المؤمن يتعامل معها باعتبارها جزءًا من دينه.

• الثقة: لأنها تستند إلى الوحي ومصادر التشريع.

• ارتباطها بالمسؤولية والجزاء: فالعمل الأخلاقي في الإسلام ليس منفصلًا عن المسؤولية أمام الله.

قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾
(النساء: 58)


2. الوضوح

تتميز القيم الإسلامية بالوضوح في أصولها ومقاصدها الكبرى، فالقرآن الكريم يصف نفسه بأنه كتاب مبين وهدى ونور وفرقان.

قال تعالى:

﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾
(المائدة: 15)

وهذا الوضوح يساعد الإنسان على معرفة المبادئ التي ينبغي أن يهتدي بها في حياته.


3. الوسطية والتوازن

لا تقوم القيم الإسلامية على الغلو ولا على التفريط، وإنما تجمع بين جوانب الحياة المختلفة في توازن وانسجام.

قال تعالى:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾
(القصص: 77)

ومن صور هذا التوازن: التوازن بين الروح والجسد، وبين حق الفرد وحق المجتمع، وبين العمل للدنيا والاستعداد للآخرة، وبين الإنفاق والإمساك، وبين الحزم والرحمة.


4. الواقعية

القيم الإسلامية قابلة للتطبيق؛ لأنها تراعي طبيعة الإنسان وقدراته وحدوده.

قال تعالى:

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾
(البقرة: 286)

فالعدل قيمة ثابتة، لكن تطبيقه يتم بحسب الاستطاعة والظروف والوسائل المتاحة، والحب قيمة عظيمة، لكن الإنسان لا يملك دائمًا مشاعره، وإنما يملك أفعاله وتصرفاته التي يستطيع ضبطها.

وهذه الواقعية تجعل القيم الإسلامية قابلة للتحول من مبادئ نظرية إلى سلوك عملي في حياة الإنسان.


5. العالمية والإنسانية

القيم الإسلامية ليست محصورة في قوم أو جنس أو مكان، بل تحمل في كثير من مبادئها بعدًا إنسانيًا عامًا؛ كالعدل والرحمة والصدق والأمانة والإحسان وحفظ الحقوق.

وقد جاء الإسلام مؤكدًا لمعاني مكارم الأخلاق، وفي الحديث:

«إنما بُعثت لأتمم صالح الأخلاق».

فالخير الأخلاقي قيمة إنسانية، والإسلام جاء ليهذبها ويكملها ويربطها بالإيمان والمسؤولية.


6. الشمول والتكامل

من خصائص القيم الإسلامية أنها لا تعالج جانبًا واحدًا من حياة الإنسان، وإنما تشمل مختلف جوانبها.

ففي الإسلام:

قيم إيمانية، وقيم أخلاقية، وقيم علمية، وقيم اجتماعية، وقيم وجدانية، وقيم اقتصادية، وقيم جمالية.

كما أنها تجمع بين النظرية والتطبيق، وبين إصلاح الفرد وإصلاح المجتمع، وبين العمل للدنيا والاستعداد للآخرة.

فالعبادة في الإسلام لا تنفصل عن الأخلاق، والأخلاق لا تنفصل عن المعاملات، والمعاملات لا تنفصل عن المسؤولية الاجتماعية.

وهكذا تتكامل المنظومة القيمية في صورة واحدة متناسقة.


7. الثبات والاستمرارية

تتميز القيم الإسلامية الكبرى بالثبات؛ لأنها تستند إلى مصادر ثابتة، وفي الوقت نفسه فإن ممارسة هذه القيم تتطلب الاستمرار حتى تتحول من أفعال متفرقة إلى صفات راسخة.

قال النبي ﷺ:

«ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يُكتب عند الله صديقًا».

فالصدق لا يكون قيمة راسخة في شخصية الإنسان لمجرد أنه صدق مرة أو مرات، وإنما حين يصبح الصدق منهجًا مستمرًا وسلوكًا متكررًا.


8. الإيجابية

لا يكتفي الإسلام بأن يكون الإنسان صالحًا في نفسه، وإنما يدفعه إلى أن يكون صالحًا ومصلحًا.

قال تعالى:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾.

فمن آثار القيم الإسلامية أن تجعل الإنسان عنصرًا إيجابيًا في أسرته ومجتمعه؛ يعلم، وينصح، ويساعد، ويعمر الأرض، وينشر الخير بحسب استطاعته.


9. المرونة والتكيف

ومن أهم خصائص القيم الإسلامية أنها تجمع بين ثبات المبادئ ومرونة الوسائل.

فالعدل ثابت، لكن طرق تحقيقه يمكن أن تتغير بحسب الزمان والمكان والظروف.

والشورى مبدأ ثابت، أما آليات ممارستها فقد تتعدد.

وأداء الأمانة واجب ثابت، أما الوسائل التي تحفظ بها الأمانات فتتغير بتغير الحياة.

والتكافل الاجتماعي مقصد معتبر، أما الوسائل التي يتحقق بها فتتطور بحسب حاجات المجتمع.

وهنا تظهر عظمة المنظومة الإسلامية: الثوابت لا تتبدل، لكن الوسائل تتجدد.

كما أن وسائل نشر القيم نفسها قابلة للتطور؛ فمن الوعظ والخطابة والكتابة والتعليم، إلى الإذاعة والتلفاز، ثم إلى الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية.

والمهم أن تظل الوسيلة خادمة للرسالة، لا أن تتحول الوسيلة إلى بديل عن القيم نفسها.


خاتمة

القيم الإسلامية ليست مجموعة شعارات تُرفع، ولا كلمات جميلة تُقال، وإنما هي منظومة متكاملة لبناء الإنسان وتوجيه المجتمع.

فهي تبدأ من العقيدة، وتظهر في الأخلاق، وتترجم في السلوك، وتنعكس على الأسرة والمجتمع والعمل والعلاقات الإنسانية.

وإذا كانت المجتمعات الحديثة تمتلك من الوسائل العلمية والتقنية ما لم يكن متاحًا للأجيال السابقة، فإن حاجتها إلى منظومة أخلاقية تضبط استخدام هذه الوسائل أصبحت أشد من أي وقت مضى.

ولهذا فإن التربية الحقيقية لا تقتصر على أن نملأ عقول أبنائنا بالمعلومات، بل أن نغرس فيهم الضمير الحي، والخلق الكريم، والشعور بالمسؤولية، واحترام الإنسان، وحب الخير، والقدرة على التمييز بين ما ينفع وما يضر.

فالعلم بلا قيم قد يتحول إلى أداة، والقوة بلا أخلاق قد تتحول إلى ظلم، والتقدم بلا ضمير قد يتحول إلى خطر.

أما حين يجتمع العلم والإيمان، والمعرفة والأخلاق، والحرية والمسؤولية، فإن الإنسان يصبح قادرًا على بناء حياة أكثر صلاحًا واتزانًا.

فالقيم الإسلامية ليست ترفًا تربويًا، بل هي أساس في بناء الإنسان، وصمام أمان للمجتمع، وطريق إلى صلاح الحياة في الدنيا والفوز في الآخرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إعداد: أ. عصام شريفي
مكتب غراس للاستشارات التربوية والتعليمية

مع إعادة الصياغة والتحرير والتنسيق للنشر.