الثلاثاء، 2 مايو 2017

السؤال: هل يجوز شرعا تسيير المظاهرات السلمية ؟

السؤال: هل يجوز شرعا تسيير المظاهرات السلمية ؟


تلقَّى فضيلة العلامة الدكتور  -رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين- استفسارًا حول جواز تنظيم المظاهرات في الإسلام للتعبير عن معارضة قضايا ما في الشأن السياسي أو الاقتصادي مثلاً,... فهل تنظيمها حرام كما يرى بعض العلماء؛ انطلاقًا من أنها بدعة يرفضها الإسلام, وكما جاء على لسان السائل, ما رأي فضيلتكم فيما ذكره بعض العلماء من عدم مشروعية تسيير المسيرات والمظاهرات؛ تأييدًا لمطالب مشروعة, أو تعبيرًا عن رفض أشياء معينة في مجال السياسة, أو الاقتصاد, أو العلاقات الدولية, أو غيرها.


وقال هذا العالم: "إن تنظيم هذه المسيرات أو الدعوة إليها, أو المشاركة فيها حرام.
ودليله على ذلك: أن هذه بدعة لم يعرفها المسلمون, وليست من طرائق المسلمين, وإنما هي مستوردة من بلاد اليهود والنصارى والشيوعيين وغيرهم من الكفرة والملحدين.
وتحدَّى هذا العالم مَنْ يأتيه بواقعة واحدة, سارت فيها مظاهرة كبيرة أو صغيرة, في عهد الرسول أو الصحابة.

وإذا كانت هذه المسيرات تُعَبِّر عن الاحتجاج على الحكومة, فهذا خروج على المنهج الإسلامي في إسداء النصيحة للحكام, والمعروف: أن الأولى في هذه النصيحة أن تكون بين الناصح والحاكم, ولا تكون على الملأ.

على أن هذه المسيرات كثيرًا ما يستغلُّها المخرِّبون, ويقومون بتدمير الممتلكات, وتخريب المنشآت؛ ولذا وجب منعها سدًّا للذرائع".

فهل هذا الكلام مسلَّم من الوجهة الشرعية؟ وهل يسوغ للناس في أنحاء العالم أن يُسَيِّرُوا المظاهرات للتعبير عن مطالبهم الخاصة أو العامة, وأن يُؤَثِّروا في الرأي العام من حولهم, وبالتالي يؤثِّرون على الحُكَّام وأصحاب القرار, إلا المسلمين دون غيرهم, يحرم عليهم استعمال هذه الوسيلة التي أصبحت عالمية؟

نرجو أن نسمع منكم القول الفصل, الموَثَّق بأدلَّة الشرع, في هذه القضية الخطيرة, التي غدت تهم كل الناس في سائر الأقطار والقارات. وَفَّقكم الله وسَدَّدكم.

عدد من طلاب العلم الشرعي



وفي رده على السائل أفاد فضيلته بقوله[1]:


فمن حق المسلمين -كغيرهم من سائر البشر- أن يُسَيِّرُوا المسيرات ويُنْشِئُوا المظاهرات, تعبيرًا عن مطالبهم المشروعة, وتبليغًا بحاجاتهم إلى أُولِي الأمر, وصُنَّاع القرار, بصوت مسموع لا يمكن تجاهله؛ فإن صوت الفرد قد لا يُسمع, ولكن صوت المجموع أقوى من أن يُتجاهل, وكلما تكاثر المتظاهرون, وكان معهم شخصيات لها وزنها, كان صوتهم أكثر إسماعًا وأشد تأثيرًا؛ لأن إرادة الجماعة أقوى من إرادة الفرد, والمرء ضعيف بمفرده قوي بجماعته؛ ولهذا قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2], وقال رسول الله : "الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ, يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا". وشبَّك بين أصابعه.



ودليل مشروعية هذه المسيرات: أنها من أمور العادات وشئون الحياة المدنية, والأصل في هذه الأمور هو الإباحة.



وهذا ما قَرَّرتُه بأدلَّة –منذ ما يقرب من نصف قرن- في الباب الأول من كتاب: الحلال والحرام في الإسلام الذي بَيَّن في المبدأ الأول أن القاعدة الأولى من هذا الباب: أن الأصل في الأشياء الإباحة. وهذا هو القول الصحيح الذي اختاره جمهور الفقهاء والأصوليين.



فلا حرام إلا ما جاء بنصٍّ صحيح الثبوت, صريح الدلالة على التحريم, أمَّا ما كان ضعيفًا في مسنده أو كان صحيح الثبوت, ولكن ليس صريح الدلالة على التحريم, فيبقى على أصل الإباحة, حتى لا نُحَرِّم ما أحلَّ الله.



ومن هنا ضاقت دائرة المحرمات في شريعة الإسلام ضيقًا شديدًا, واتسعت دائرة الحلال اتساعًا بالغًا؛ ذلك أن النصوص الصحيحة الصريحة التي جاءت بالتحريم قليلة جدًّا, وما لم يجئ نصٌّ بحلِّه أو حُرْمته, فهو باقٍ على أصل الإباحة, وفي دائرة العفو الإلهي.



وفي هذا ورد الحديث: "مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ حَلاَلٌ, وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ, وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عفو, فَاقْبَلُوا مِنَ اللَّهِ عَافِيَتَهُ, فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيَنَسَى شَيْئًا"[2]. وتلا: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64].



وعن سلمان الفارسي: سئل رسول الله عن السمن والجبن والفراء فقال: "الْحَلالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ, وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ, وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ"[3].



فلم يشأ عليه الصلاة والسلام أن يُجيب السائلين عن هذه الجزئيات, بل أحالهم على قاعدة يرجعون إليها في معرفة الحلال والحرام, ويكفي أن يعرفوا ما حرم الله, فيكون كل ما عداه حلالاً طيبًا.



وقال : "إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلاَ تُضَيِّعُوهَا, وَحَدَّ حُدُودًا فَلاَ تَعْتَدُوهَا, وَنَهَى عَنْ أَشْيَاءَ فَلاَ تَنْتَهِكُوهَا, وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رُخْصَةً لَكُمْ لَيْسَ بِنِسْيَانٍ فَلاَ تَبْحَثُوا عَنْهَا"[4].



وأُحب أن أنبه هنا على أن أصل الإباحة لا يقتصر على الأشياء والأعيان, بل يشمل الأفعال والتصرفات التي ليست من أمور العبادة, وهي التي نسميها: العادات أو المعاملات, فالأصل فيها عدم التحريم وعدم التقييد, إلا ما حرَّمه الشارع وألزم به, وقوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 119] عامٌّ في الأشياء والأفعال.



وهذا بخلاف العبادة فإنها من أمر الدين المحض, الذي لا يؤخذ إلا عن طريق الوحي, وفيها جاء الحديث الصحيح: "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ"[5].



وذلك أن حقيقة الدين تتمثل في أمرين: ألا يُعبد إلا الله, وألا يُعبد إلا بما شرع, فمن ابتدع عبادة من عنده –كائنًا مَنْ كان- فهي ضلالة تُرَدُّ عليه؛ لأن الشارع وحده هو صاحب الحقِّ في إنشاء العبادات التي يُتَقَرَّب بها إليه.



وأما العادات أو المعاملات فليس الشارع مُنْشِئًا لها, بل الناس هم الذين أنشئوها وتعاملوا بها, والشارع جاء مُصَحِّحًا لها ومعدِّلاً ومهذِّبًا, ومُقِرًّا في بعض الأحيان ما خلا عن الفساد والضرر منها.



قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم, وعادات يحتاجون إليها في دنياهم. فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع.



وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه, والأصل فيها عدم الحظر, فلا يحظر منها إلا ما حظره الله I؛ وذلك لأن الأمر والنهي هما شرع الله, والعبادة لا بُدَّ أن يكون مأمورًا بها, فما لم يثبت أنه مأمور به -أي من العادات– كيف يُحْكَم عليه بأنه محظور؟



ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف, فلا يُشرع منها إلا ما شرعه الله, وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21].



والعادات الأصل فيها العفو, فلا يحظر منها إلا ما حرَّمه الله, وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً} [يونس: 59]. وهذه قاعدة عظيمة نافعة, وإذا كان كذلك فنقول:



البيع, والهبة, والإجارة, وغيرها من العادات التي يحتاج الناس إليها في معاشهم -كالأكل والشرب واللباس- فإن الشريعة قد جاءت في هذه العادات بالآداب الحسنة, فحرَّمت منها ما فيه فساد, وأوجبت ما لا بُدَّ منه, وكرهت ما لا ينبغي, واستحبَّت ما فيه مصلحة راجحة في أنواع هذه العادات ومقاديرها وصفاتها.



وإذا كان كذلك, فالناس يتبايعون ويستأجرون كيف يشاءون, ما لم تُحَرِّم الشريعة, كما يأكلون ويشربون كيف شاءوا ما لم تُحَرِّم الشريعة –وإن كان بعض ذلك قد يُسْتَحَبُّ, أو يكون مكروهًا- وما لم تحدّ الشريعة في ذلك حدًّا, فيبقون فيه على الإطلاق الأصلي". انتهى.



ومما يدلُّ على هذا الأصل المذكور ما جاء في الصحيح عن جابر بن عبد الله قال: "كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ, فَلَوْ كَانَ شَيْئًا يُنْهَى عَنْهُ لَنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ"[6].



فدلَّ على أن ما سكت عنه الوحي غير محظور ولا منهي عنه, وأنهم في حلٍّ من فعله حتى يَرِدَ نصٌّ بالنهي والمنع, وهذا من كمال فقه الصحابة , وبهذا تَقَرَّرَتْ هذه القاعدة الجليلة, ألا تُشرع عبادة إلا بشرع الله, ولا تُحَرَّم عادة إلا بتحريم الله.



والقول بأن هذه المسيرات بدعة لم تحدث في عهد رسول الله ولا أصحابه, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار: قول مرفوض؛ لأن هذا إنما يتحقَّق في أمر العبادة وفي الشأن الديني الخالص, فالأصل في أمور الدين الاتباع وفي أمور الدنيا الابتداع.



ولهذا ابتكر الصحابة والتابعون لهم بإحسان أمورًا كثيرة لم تكن في عهد النبي , ومن ذلك ما يُعْرَف بـ أوليات عمر, وهي الأشياء التي ابتدأها عمر , غير مسبوق إليها؛ مثل: إنشاء تاريخ خاص للمسلمين, وتمصير الأمصار, وتدوين الدواوين, واتخاذ دار للسجن, وغيرها.



وبعد الصحابة أنشأ التابعون وتلاميذهم أمورًا كثيرة؛ مثل: ضرب النقود الإسلامية, بدل اعتمادهم على دراهم الفرس, ودنانير الروم, وإنشاء نظام البريد, وتدوين العلوم وإنشاء علوم جديدة مثل: علم أصول الفقه, وعلوم النحو والصرف, وعلوم البلاغة, وعلم اللغة, وغيرها.



وأنشأ المسلمون نظام الحسبة ووضعوا له قواعد وأحكامًا وآدابًا, وألَّفوا فيه كتبا شتَّى.



ولهذا كان من الخطأ المنهجي: أن يُطْلَب دليل خاصٌّ على شرعية كل شأن من شئون العادات, فحسبنا أنه لا يوجد نصٌّ مانع من الشرع.



ودعوى أن هذه المسيرات مقتبسة أو مستوردة من عند غير المسلمين, لا يُثْبِت تحريمًا لهذا الأمر, ما دام هو في نفسه مباحًا, ويراه المسلمون نافعًا لهم, فالحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق الناس بها.



وقد اقتبس المسلمون في عصر النبوة طريقة حفر الخندق حول المدينة, لتحصينها من غزو المشركين, وهي من طرق الفرس.



واتخذ الرسول خاتمًا, حيث أُشير عليه أن يفعل ذلك, فإن الملوك والأمراء في العالم, لا يقبلون كتابًا إلا مختومًا.



واقتبس الصحابة نظام الخراج من دولة الفرس العريقة في المدنية والتنظيم.



واقتبسوا كذلك تدوين الدواوين, من دولة الروم, لما لها من عراقة في ذلك.



وترجم المسلمون الكتب التي تتضمن علوم الأوائل أي الأمم المتقدمة, التي طَوَّرها المسلمون وهَذَّبُوها وأضافوا إليها, وابتكروا فيها؛ مثل: علم الجبر بشهادة المنصفين من مؤرخي العلم.



ولم يعترضوا إلا على الجانب الإلهي في التراث اليوناني؛ لأن الله تعالى أغناهم بعقيدة الإسلام عن وثنية اليونان وما فيها من أساطير وأباطيل.



ومن نظر إلى حياتنا المعاصرة في شتى المجالات, وجد فيها كثيرًا جدًّا مما اقتبسناه من بلاد الغرب في التعليم والإعلام والاقتصاد والإدارة والسياسة, وغيرها.



ففكرة الدستور, والانتخابات بالصورة المعاصرة, وفصل السلطات, وإنشاء الصحافة والإذاعة والتلفزة, بوصفها أدوات للتعبير والتوجيه والترفيه, وإنجاز الشبكة الجبارة للمعلومات الإنترنت.



والتعليم بمؤسساته وتقسيماته وترتيباته ومراحله وآلياته المعاصرة, مقتبس في معظمه من الغرب.



والشيخ رفاعة الطهطاوي حين ذهب إلى باريس إمامًا للبعثة المصرية, ورأى من ألوان المدنية ما رأى, بهرته الحضارة الحديثة, وعاد ليُنَبِّهَ قومه إلى ضرورة الاقتباس مما سبق به الأوربيون؛ حتى لا يظلُّوا يتقدَّمُون ونحن نتأخَّر.



ومن يومها بدأ المصريون, وبدأ معهم كثير من العرب, وقبلهم بدأ العثمانيون في اقتباس ما عند الغربيين.



كل هذه مقتبسات من الغرب, الذي تفوَّق علينا وسبقنا بها, ولم نجد بُدًّا من أن نأخذها عنه, ولم تجد نكيرًا من أحد من علماء الشرع ولا من غيرهم, فأقرَّها العرف العام, وقد أخذ الغرب عنا من قبلُ واقتبس منا, وانتفع بعلومنا أوائل نهضته {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140].



المهم أن نأخذ ما يلائم عقائدنا وقيمنا وشرائعنا, دون ما يناقضها أو ينقضها؛ فالناقل هو الذي يأخذ من غيره ما ينفعه لا ما يضرُّه, وأهم ما يأخذه المسلم من غيره ما كان متعلقًا بشئون الحياة المتطورة, وجعله يتصل بالوسائل والآليات التي طابعها المرونة والتغير, لا بالأهداف والمبادئ التي طابعها الثبات والبقاء.



على أن ما ذكره السائل أو السائلون, من نسبة هذه المظاهرات أو المسيرات إلى الشيوعيين الملحدين غير صحيح؛ فالأنظمة الشيوعية لا تسمح بهذه المسيرات إطلاقًا؛ لأن هذه الأنظمة الشمولية القاهِرة تقوم على كبت الحريات, وتكميم الأفواه, والخضوع المطلق لسلطان الحكم وجبروته.



قاعدتان مهمتان:



وأود أن أقرر هنا قاعدتين في غاية الأهمية:



1- قاعدة المصلحة المرسلة :

الأولى هي: قاعدة المصلحة المرسلة, فهذه الممارسات التي لم تَرِدْ في العهد النبوي, ولم تُعرف في العهد الراشدي, ولم يعرفها المسلمون في عصورهم الأولى, وإنما هي من مستحدثات هذا العصر: إنما تدخل في دائرة المصلحة المرسلة, وهي التي لم يَرِدْ من الشرع دليل باعتبارها ولا بإلغائها.



وشرطها: أن لا تكون من أمور العبادات؛ حتى لا تدخل في البدعة, وأن تكون من جنس المصالح التي أَقَرَّها الشرع, والتي إذا عُرِضَتْ على العقول, تَلَقَّتْها بالقبول, وألا تُعارِض نصًّا شرعيًّا, ولا قاعدة شرعية.



وجمهور فقهاء المسلمين يعتبرون المصلحة دليلاً شرعيًّا يبنى عليها التشريع أو الفتوى أو القضاء, ومن قرأ كتب الفقه وجد مئات الأمثلة من الأحكام التي لا تُعَلَّل إلا بمطلق مصلحة تُجْلَب, أو ضرر يُدْفَع.



وكان الصحابة -وهم أفقه الناس لهذه الشريعة- أكثر الناس استعمالاً للمصلحة واستنادًا إليها.



وقد شاع أن الاستدلال بالمصلحة المرسلة خاص بمذهب المالكية, ولكن الإمام شهاب الدين القرافي المالكي 684هـ يقول –ردًّا على مَنْ نقلوا اختصاصها بالمالكي:



"وإذا افتقدت المذاهب وجدتهم إذا قاسوا أو جمعوا أو فَرَّقوا بين المسألتين, لا يطلبون شاهدًا بالاعتبار لذلك المعنى الذي جمعوا أو فَرَّقوا, بل يكتفون بمطلق المناسبة, وهذا هو المصلحة المرسلة, فهي حينئذ في جميع المذاهب".



2- للوسائل حكم المقاصد :

والقاعدة الثانية: هي أن للوسائل في شئون العادات حكم المقاصد, فإذا كان المقصد مشروعًا في هذه الأمور, فإن الوسائل إليه تأخذ حكمه, ولم تكن الوسيلة محرمة في ذاتها.



ولهذا حين ظهرت الوسائل الإعلامية الجديدة؛ مثل التلفزيون كثر سؤال الناس عنها: أهي حلال أم حرام؟



وكان جواب أهل العلم: أن هذه الأشياء لا حكم لها في نفسها, وإنما حكمها بحسب ما تُسْتَعْمَل له من غايات ومقاصد؛ فإذا سألتَ عن حكم البندقية قلنا: إنها في يد المجاهد عون على الجهاد ونصرة الحق ومقاومة الباطل, وهي في يد قاطع الطريق عون على الجريمة والإفساد في الأرض, وترويع الخلق.



وكذلك التلفزيون: مَنْ يستخدمه في معرفة الأخبار, ومتابعة البرامج النافعة ثقافيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا, بل والبرامج الترفيهية بشروط وضوابط معينة, فهذا لا شَكَّ في إباحته ومشروعيته, بل قد يتحوَّل إلى قُربة وعبادة بالنية الصالحة, بخلاف مَنْ يستخدمه للبحث عن الخلاعة والمجون, وغيرها من الضلالات في الفكر والسلوك.



وكذلك هذه المسيرات والتظاهرات, إن كان خروجها لتحقيق مقصد مشروع, كأن تُنَادي بتحكيم الشريعة, أو بإطلاق سراح المعتقلين بغير تهمة حقيقية, أو بإيقاف المحاكمات العسكرية للمدنيين, أو بإلغاء حالة الطوارئ التي تُعطي للحكام سلطات مطلقة, أو بتحقيق مطالب عامة للناس؛ مثل: توفير الخبز, أو الزيت, أو السكر, أو الدواء, أو البنزين, أو غير ذلك من الأهداف التي لا شَكَّ في شرعيتها, فمثل هذا لا يرتاب فقيه في جوازه.



وأذكر أني كنتُ في سنة 1989م في الجزائر, وقد شكا إليَّ بعض الأخوات من طالبات الجامعة من الملتزمات والمتدينات, من مجموعة من النساء العلمانيات أقمن مسيرة من نحو خمسمائة امرأة, سارت في شوارع العاصمة, تطالب بمجموعة من المطالب تتعلق بالأسرة, أو ما يُسَمَّى قانون الأحوال الشخصية؛ مثل: منع الطلاق, أو تعدُّد الزوجات, أو طلب التسوية بين الذكر والأنثى في الميراث, أو إباحة تزوُّج المسلمة من غير المسلم, ونحو ذلك.



فقلتُ للطالبات اللائي سألنني عن ذلك: الردُّ على هذه المسيرة العلمانية أن تقود المسلمات الملتزمات مسيرة مضادَّة, من خمسمائة ألف امرأة! أي ضعف المسيرة الأولى ألف مرة! تنادي باحترام قواطع الشريعة الإسلامية.



وفعلاً بعد أشهر قليلة أُقيمت مسيرة مليونية عامَّتُها من النساء تُؤَيِّد الشريعة, وإن شارك فيها عدد محدود من الرجال.



فهذه المسيرة -بحسب مقصدها- لا شَكَّ في شرعيتها, بخلاف المسيرة الأخرى المعارضة لأحكام الشريعة القطعية, لا يستطيع فقيه أن يفتي بجوازها.



سد الذرائع :

أما ما قيل من منع المسيرات والتظاهرات السلمية, خشية أن يَتَّخذها بعض المخرِّبِينَ أداة لتدمير الممتلكات والمنشآت, وتعكير الأمن, وإثارة القلاقل.



فمن المعروف: أن قاعدة سدِّ الذرائع لا يجوز التوسُّع فيها, حتى تكون وسيلة للحرمان من كثير من المصالح المعتبرة.



ويكفي أن نقول بجواز تسيير المسيرات إذا توافرت شروط معينة, يترجح معها ضمان ألا تحدث التخريبات التي تحدث في بعض الأحيان؛ كأن تكون في حراسة الشرطة, أو أن يتعهد منظِّمُوها بأن يتوَلَّوْا ضبطها, بحيث لا يقع اضطراب أو إخلال بالأمن فيها, وأن يتحملوا المسئولية عن ذلك, وهذا المعمول به في البلاد المتقدمة ماديًّا.



في السنة دليل على شرعية المسيرات:



أعتقد أن فيما سقناه من الأدلة والاعتبارات الشرعية, ما يكفي لإجازة المسيرات السلمية؛ إذا كانت تُعَبِّر عن مطالب فئوية أو جماهيرية مشروعة.



وليس من الضروري أن يُطْلَب دليل شرعي خاصٌّ على ذلك, مثل نصٍّ قرآني أو نبوي, أو واقعة حدثت في عهد النبوة أو الخلافة الراشدة.



ومع هذا, نتبرَّع بذكر واقعة دالَّة, حدثت في عهد النبوة, وذلك عندما أسلم عمر بن الخطاب , فبعد أن يسرد عمر قصة إسلامه, ولنستمع إلى عمر نفسه, وهو يقصُّ علينا نبأ هذه المسيرة, حتى إذا دخل دار الأرقم بن أبي الأرقم معلنًا الشهادتين, يقول: "فقلت: يا رسول الله, ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟ قال: "بَلَى, وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, إِنَّكُمْ عَلَى الْحَقِّ إِنْ مِتُّمْ وَإِنْ حَيِيتُمْ". قال: فقلت: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحقِّ لتخرجن. فأخرجناه في صَفَّيْنِ: حمزة في أحدهما, وأنا في الآخر, له كديد ككديد الطحين, حتى دخلنا المسجد, قال: فنظرت إليَّ قريش وإلى حمزة, فأصابتهم كآبة لم يُصبهم مثلها, فسمَّاني رسول الله يومئذ الفاروق".



ومن تتبَّع السيرة النبوية, والسُنَّة المحمدية, لا يعدم أن يجد فيها أمثلة أخرى.



والحمد لله رب العالمين.










--------------------------------------------------------------------------------


[1] موقع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين, الرابط: http://www.iumsonline.net/ar/default.asp?contentID=2.


[2] الحاكم 3419, والبيهقي: السنن الكبرى 20216, وصححه الألباني, انظر: السلسلة الصحيحة 2256.


[3] الترمذي: كتاب اللباس, باب ما جاء في لبس الفراء 1726, وابن ماجه 3367, والحاكم 7115, وصححه الألباني: انظر: صحيح الجامع 3195.


[4] الحاكم 7114, وأبو يعلى 2458, والبيهقي: السنن الكبرى 20217, والطبراني: المعجم الكبير 18441, وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير, وهو هكذا في هذه الرواية, وكأن بعض الرواة ظنَّ أن هذا معنى وسكت, فرواها كذلك, والله أعلم, ورجاله رجال الصحيح. انظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 1/209.


[5] البخاري: كتاب الصلح, باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود 2550, ومسلم: كتاب الأقضية, باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور 1718 ,


[6] مسلم: كتاب النكاح, باب حكم العزل 1440, بلفظ: "كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ". زَادَ إِسْحَاقُ: قَالَ سُفْيَانُ: "لَوْ كَانَ شَيْئًا يُنْهَى عَنْهُ لَنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ".
الشيخ يوسف القرضاوي


الإسلام والخروج على الحاكم ؟

الإسلام والخروج على الحاكم

بسم الله الرحمن الرحيم

تدور هذه الأيام حوارات ساخنة في الأوساط الإسلامية حول مدى شرعية الخروج على الحكام في عصرنا هذا... بعض الذين يتصدّرون العمل الإسلامي نلاحظ عليهم حماساً مُضاداً لكلِّ فكرة تؤيّد الخروج على الحكام، أكثر من ذلك فهم قد غلوا في موقفهم واتهموا كل من لا يرى رأيهم بالغباء وقلّة الفقه والخروج عن الملّة في كتابات لبعضهم، ونحن ننصحهم - والدين النصيحة - بالابتعاد عن هذا الغلو ونُطالبهم - كإخوة في الله - أن يتقوا الله ويحذروه وألا يحسنوا الظن كثيراً بأنفسهم ويُسيئوا الظن كثيراً بإيمان غيرهم، وإذا اختلفنا في هذه القضية فليكن الخلاف رفيعاً.

نحن نقف في هذه القضية مع الذين يقولون بالخروج على الأنظمة الحاكمة في أرض الإسلام اليوم، ونقف هذا الموقف استناداً إلى دليلين:

1-الدليل الشرعي.

2-والدليل العقلي.

الدليل الشرعي

يقول جلّ القائل في كتابه الكريم:

1) { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأول-ئك هم الكافرون} [المائدة : 45].

2) { فاحكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة : 48].

3) { فلا وربك لا يُؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم} [النساء : 65].

4) { واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} [الجاثية : 18].

5) { أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حُكماً} [المائدة : 50].

6) { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله} [النساء : 105].

1) وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( سيليكم أمراء من بعدي يعرّفونكم ما تنكرون، ويُنكرون عليكم ما تعرفون، فمن أدرك ذلك منكم فلا طاعة لمن عصى الله ) [1].

2) وعن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( سيكون عليكم أُمراء يُؤخّرون الصلاة عن مواقيتها ويحُدِثون البدع. قلت: فكيف أصنع؟ قال: تسألني يابْنَ أُمِّ عَبْدٍ كيف تصنعُ؟ لا طاعةَ لمن عصَى الله ) [2].

3) وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ليأتين عليكم أُمراء يُقرّبون شرار النّاس، ويُؤخِّرُون الصَّلاة عن مواقيتها، فمن أدركَ ذلك منهم فلا يكُونن عرِيفاً، ولا شُرْطياً، ولا جَابِيا،ً ولا خَازِناً ) [3].

4) وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً فكان من خطبته أن قال: ( ألا إني أُوشك أَنْ أُدعَى فأُجِيب... فَيلِيكم عُمّال من بعدي يقولون ما يعلمون ويعملون بما يعرفون، وطاعة أولئك طاعة، فتلبثون كذلك دهراً ثم يليكم عمّال من بعدهم يقولون ما لا يعلمون ويعملون ما لا يعرفون، فمن ناصحهم ووازرهم وشدّ على أعضادهم فأولئك قد هلكوا وأهلكوا، خالطوهم بأجسادكم وزايلوهم بأعمالكم، واشهدوا على المحسن بأنه محسن وعلى المسيء بأنه مسيء ) [4].هذه مجموعة من أشهر النصوص التي وردت حول قضية الخروج على الحاكم ولأهل العلم فيها وجوه كثيرة، لكن قبل استعراض آراء الأئمة حول هذه القضية يجب علينا أن نوضح بعض النقاط الضرورية:

1) هذه النصوص التي ذكرنا إنما جاءت لتخاطب الواقع المسلم القائم آنذاك.

2) اجتهادات الأئمة حولها إنما بُنيت على أساس أنها - أي النصوص - إنما جاءت لتخاطب الواقع المسلم القائم آنذاك.

3) أن الحكّام الذين كانوا يُعاصرون الأئمة كانوا يحكمون بما أنزل الله.

4) أن أصحاب الآراء التي كانت توصف بالتطرّف والتي كانت تُنادي - آنذاك - بالخروج على حكام ذلك الزمان كانوا من خارج أهل السنة والجماعة كالمعتزلة والخوارج.

فلم يكن يتصوّر الفقهاء - أيامها - وجود حاكم لا يحكم بما أنزل الله بالصورة الكلية والشمولية التي نعيشها اليوم، لم يكن يتصور الفقهاء وجود حاكم يتنكر لشرع الله ويتآمر على الإسلام ويُنكلّ بالمسلمين ويُوالي أعداء الله كما هو حال حكام اليوم...

يقول ابن كثير - رحمه الله تعالى - في معرض تفسير قوله: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقومٍ يُوقنون} [المائدة : 50] : ( يُنكر الله تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كلّ خيرٍ الناهي عن كلّ شرٍّ، وعَدَل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من الشريعة... كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات... فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل أو كثير ) [5].

يُعلق محمد حامد الفقي على كلام ابن كثير هذا في كتاب "فتح المجيد" صفحة 406 فيقول: ( ومثل هذا وشرٌّ منه من اتخذ من كلام الفرنجة قوانين يتحاكم إليها في الدماء والفروج والأموال، ويقدمها على ما عَلِمَ وتبيّن له من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فهو بلا شك كافر مرتد إذا أصرَّ عليها ولم يرجع إلى الحكم بما أنزل الله، ولا ينفعه أي اسم تسمّى به ولا أي عملٍ من ظواهر أعمال الصلاة والصيام ونحوها ).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - لما سُئل عن قتال التتار مع تمسكهم بالشهادتين ولمِا زعموا من اتباع أصل الإسلام، قال: ( كلّ طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم و غيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر الصديق والصحابة رضي الله عنهم مانِعي الزكاة. وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم...
فأيما طائفة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، والأموال، والخمر، والزنا، و الميسر، أو عن نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدين - ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها و تركها - التي يكفر الجاحد لوجوبها. فإن الطائفة الممتنعة تُقاتل عليها وإن كانت مقرّة بها. وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء...
وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام، أو الخارجين عن طاعته ) [6].

قال القاضي عياض - رحمه الله -: فلو طرأ عليه (أي الخليفة) كفر أو تغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل.

وهكذا نرى أنه ليس هناك أي تناقض بين آراء العلماء حول مسألة الخروج على النظام الحاكم في حالة كفره وإعراضه عن شرع الله، فالكلُّ مجمعٌ على ذلك كما نقل ابن تيمية هذا الإجماع وأشار إليه عندما قال: ( وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء ).

هناك بعض الناس يُسيئون فهْمَ بعض الأحاديث لرسول اللهز فمثلاً قوله صلى الله عليه وسلم: ( من قال لا إله إلا الله وكفر بما يُعبد من دون الله، حرّم مالُه ودمُه وحسابه على الله ) [7].

قال القاضي عياض - رحمه الله تعالى - حول ذلك: ( اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال لا إله إلا الله تعبير عن الإجابة إلى الإيمان وأنّ المراد بهذا مشركُو العرب وأهل الأوثان... فأما غيرهم ممن يقرّ بالتوحيد فلا يكتفي في عصمته بقوله لا إله إلا الله إذ كان يقولها في كفره ) [8].

لقد أجمع العلماء على أنّ من قال لا إله إلا الله ولم يعتقد معناها، أو اعتقد معناها ولم يعمل بمقتضاها يجب أن يقاتل حتى يعمل بما دلّت عليه من النفي والإثبات.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أُمرتُ أن أُقاتلَ النّاس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويُقيموا الصلاة ويُؤتوا الزكاة فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله ) [9].

قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى - في تعليقه على الحديث: ( فيه وجوب قتال مانعي الزكاة أو الصلاة أو غيرهما من واجبات الإسلام قليلاً أو كثيراً ) [10].

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - : ( إنما اختلف العلماء في الطائفة الممتنعة إذا أصرّت على ترك بعض السنن كركعتي الفجر، والأذان والإقامة - عند من لا يقول بوجوبها - ونحو ذلك من الشعائر. فهل تُقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا؟ فأما الواجبات والمحرمات المذكورة ونحوها فلا خلاف في القتال عليها ) [11].

وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بما استقر عليه إجماع الصحابة من قتال الصديق لمانعي الزكاة وقتال علي للخوارج.

ويقول ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: ( وكذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من عشرة أوجه الحديث عن الخوارج، وأخبر أنهم شرّ الخلق والخليقة، مع قوله: ( تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم ) فعلم أن مجرّد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه ليس بمُسقط للقتال. فالقتال واجب حتى يكون الدين كلّه لله وحتى لا تكون فتنة. فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب ) [12].

والذين يَرون عدم الخروج على الأنظمة الحاكمة اليوم يستدلون خطأ ببعض الأحاديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فمثلاً هناك حديث يقول: ( من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات فميتته جاهلية ) [13].

هذا الحديث يطرح أمامنا عدة أسئلة:

1) من هو الأمير المقصود في هذا الحديث؟

2) ما هي نوعية الكره؟

3) ما هي حدود الصبر؟

4) وأي جماعة تلك المقصودة في الحديث؟

5) أهي الجماعة الكبرى أم الصغرى؟

من البديهي أن الأمير الذي ذكره الحديث هو الأمير المسلم، فهذا هو المعنى الذي يتماشى مع طبيعة الشرع، فمن ثم يجب على المسلم أن يطيعه لأنه - أي الأمير - متقيّد بالشرع خاضع لأمره، لكن قد يرى المسلم منه ما يكره؛ أي بعض السلوكيات الخاطئة من قبل الأمير كحال الأمراء الأمويين والعباسيين... لكن ليس هذا مبرراً شرعياً للخروج عليه، ومن هنا فإن الصبر المَعنيّ بالحديث هو الوسيلة لمحاصرة هذا الكره الذي ذكرنا مواصفاته... الكره الذي لا تتجاوز حدوده الفرد إلى حدود الجماعة. وعلى ضوء هذا الفهم يتبين لنا خطأ الذين يُحاولون تطبيق هذا الحديث اليوم على الأنظمة التي تجثم فوق صدور المسلمين.

والذين يَرون عدم الخروج على الأنظمة الحاكمة اليوم يستدلّون بحديث لست مُطمئناً لصحته يقول: ( شرارُ أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم قلنا: يا رسول الله أفلا نُنابذهم؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة ).

وحتى لو كان الحديث صحيحاً [14] فلا نفهمه بالصورة التي يُحاولون من خلالها عرضه... يقولون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما أقاموا الصلاة ) ويعتقدون أن المقصود هو أنه مادام الحاكم يُصلي ولا يمنع الناس من الصلاة فلا يجوز الخروج عليه، وهذا فهمٌ قاصرٌ وغير صحيح ولا يلتقي مع أقوال جمهور العلماء وبالأخص ابن تيمية في أقواله التي دوّناها في الصفحات السابقة؛ فالتتار كانوا يُقيمون الصلاة بل منهم من كان فقيهاً مُتعبداً ومع ذلك جعل قِتالهم واجباً لإيمانهم بالياسق [15].

والمقصود بالمنابَذة - التي ورد ذكرها في الحديث - هو نقض البيعة التي أعطاها الناس لهؤلاء الحكام والخروج عليهم. يقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {وإمَّا تخافنّ من قومٍ خيانةً فانبذ إليهم على سواء} أي أعلمهم بنقض العهد الذي بينك وبينهم.

وفي الحديث إشارة واضحة إلى أن هناك بيعة أُعطيت لهؤلاء الأمراء كي يقوموا بأمر المسلمين حسب كتاب الله وسنة رسوله، فالبيعة - ويجب أن تكون عن رضا واختيار لا عن إكراه وإجبار - هي الوسيلة الشرعية في الإسلام لتولي السلطة السياسية، وما دامت هناك بيعة بين الحاكم والمحكوم فمعنى ذلك أن الحاكم يجب أن يُطاع؛ لأن البيعة إلزام للحاكم بالتقيّد بشرع الله وإلزام للمحكوم بطاعة هذا الحاكم في حدود هذا الشرع. ومن هنا فإن الأمراء الذين طلب الصحابة منابذتهم والخروج عليهم كانوا يحكمون بما أنزل الله لكن سلوكهم الشخصي لا يُرضي المحكومين وأفعالهم تُبيح لعنهم من قِبل الناس، ومن ثَمَّ هم يلعنون الناس كما يلعنونهم.
على ضوء هذا الفهم يتبيّن لنا أن المقصود بقول الرسول صلى الله عليه وسلم (ما أقاموا الصلاة) ليس هو مجرّد إقامة الصلاة في حد ذاتها، وإنما لأن الواجب على الأمير المسلم أن يُقيم في الناس الصلاة ويخطب فيهم الجمعة، هذا العمل صورة من صور الممارسة الشرعية لمسؤولياته في الإسلام ومادام يقوم بهذا العمل... وهذا يعني أيضاً تقيّده وإلتزامه بشرع الله... لأجل ذلك لا تجوز منابذته، وليس المقصود - كما يفهم البعض - أنه مادام الحاكم يُصلي ولا يمنع الناس من الصلاة فلا يجوز الخروج عليه وإن لم يكن يلتزم شرع الله، فهذا الفهم يُخالف مخالفة صريحة ما كان عليه الصحابة وأجمعوا عليه وكذلك ما أجمع عليه الفقهاء.

وهل يُعقل أن يكون المقصود بالحديث هو الحاكم الذي يُقيم الصلاة فقط دون بقيّة أحكام الشرع؟! إن محاولة تطبيق هذا الحديث على حكّام اليوم هي محاولة لدعم الباطل على حساب الإسلام، فحكّام اليوم وأنظمة هذا العالم المترامي المسمّى مجازاً بالإسلامي لم يصلوا إلى الحكم بالطريق الشرعي (البيعة)، بل فرضوا أنفسهم على المسلمين بقوة الحديد والمال ودعم القوى الكافرة المتربّصة بالإسلام ودُعاته الحقيقيين، ومن هنا ينقطع الطريق أمام دعاة الضلالة الذين يحاولون ترقيع الجاهلية بأحكام الإسلام وإلباس هذه الأنظمة الكافرة ثوب الإمامة العادلة!!.

لقد استحلت هذه الأنظمة ما حرّم الله في كلّ قرار تصدره وكلّ خطوة تخطوها، فهي - كما نلاحظ - لا تقوم على بيعة وقد عطلّت حق الأمة في الشورى ومراقبة الحاكم وتسديده وترشيده وعزله، وأخذت تتوسع في إباحة المحظورات الشرعية بل تيسّر السبل والوسائل كي تنتشر هذه المحظورات وتسود الواقع، والاستحلال كفر بإجماع الأمة لا يُخالف في ذلك أحد وبالإضافة إلى ذلك استباحت دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، فهل هناك براهين على الكفر الصريح أكثر من ذلك.

إن حكّام اليوم كفروا بما أنزل الله وأعرضوا عنه مهما لبسوا من أزياء الإسلام، وهم يُوالون أعداء الله وينصرونهم على جماهير الإسلام والمسلمين، وينشرون الفساد في الأرض، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط والعدل بين الناس... والجماهير - لَهْفِي عليها - استسلمت لهذه الأوضاع المنحرفة ودانت لها حتى صبغت تصوراتها وسلوكها وأخلاقها بصبغة الكفر، فأصبحت تُوالي الحكام وتهتف لهم وتتقرب منهم وتنصرهم وتدعمهم على حساب الإسلام، وهي أولاً وآخراً لا تدري ماذا يُراد بها؟ وأصبحت لا تحمل من الإسلام سوى اسمه.

فهل هناك كفرٌ أكثر بواحاً من هذا؟.

--------------------------------------------------------------------------------
الدليل العقلي

إن المتأمل في واقع هذه الأنظمة الحاكمة اليوم في أرض الإسلام تتكشف له حقيقة هامّة وهي: أن هذه الأنظمة لم تتسلّم زمام الأمور في بلاد المسلمين اعتباطاً، هذه الأنظمة هي امتداد طبيعي للاستعمار الغربي الكافر، وإذا كان من الواجب الشرعي علينا أن نُقاتل القوى الاستعمارية الغربية الكافرة حتى يكون الدين كلّه لله، فمن البديهي أن نُقاتل هذه الأنظمة التي تُعتبر الجبهة الأمامية لهذه القوى الغربية الاستعمارية الكافرة. ومن المؤسف أن تتخوّف بعض الأوساط الإسلامية من الأساليب ((الثورية)) في التغيير.

وإذا كانت ((الثورة)) - كمصطلح - هي العِلم الذي يُوضع في الممارسة والتطبيق من أجل تغيير المجتمع تغييراً جذرياً شاملاً - كالتغيير الذي أسسه وكرسه رسول الله صلى الله عليه وسلم - والانتقال بالمجتمع من مرحلة معيّنة إلى أخرى متقدمة على صعيد تحقيق العدالة الإجتماعية؛ إذا كانت ((الثورة)) - كمصطلح - تعني ذلك وهي كما نعلم تعنيه، فليست الثورة إذاً غريبة علينا كمسلمين... ولسنا كمسلمين - أيضاً - غرباء على الثورة. وإذا كانت الثورة تقف مع مجموع الأمة، وإذا كان مجموع الأمة يقف مع الثورة، فإنها لا شك ثورة حق؛ لأن المصطفى صلى الله عليه وسلم أكّد أن الأمة لا تجتمع على ضلالة.

وإذا كانت الثورة تنحاز انحيازاً تاماً لمصالح الأمة، ومطالبها، وللمستضعفين فيها، والجائعين المعذَّبين، فإنها لا شك ثورة حق، لأن الهدف الأساسي من رسالات السماء إلى الأرض كان وما زال: تحقيق العدل والقسط وتحطيم الظلم والظالمين، يقول جلّ القائل: {لقد أرسلنا رُسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} [الحديد : 25].

ولم تكن هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم فراراً وهروباً، بل كانت فعلاً ايجابياً عن طريق الثورة على المجتمع الظالم والقرية الظالمة، والتحضير لها والتحريض عليها. والذين لا يهجرون المجتمع الظالم لتغييره، والذين يأتلفون مع الظلمة هم ظالمون لأنفسهم... وهو أشد أنواع الظلم: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيمَ كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتُهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً}.

ذلك أن كونهم مستضعفين في الأرض لا يُعفيهم من مسؤولية التغيير للظلم، لأن منطقهم الاستسلامي هذا يُعاكس إرادة الله سبحانه، تلك الإرادة التي صاغها القرآن الكريم في آية واحدة: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهمُ الوارثين} [القصص : 5]. فإرادة الله أن تكون القيادة والإمامة للمستضعفين في الأرض من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن تكون لهم وراثة ما في حوزة أوطانهم من ثروات وعلوم وإمكانيات. وأن الدعوة إلى الله وتوحيده ليست ولم تكن في أي يوم من أيامها منفصلة عن قضايا الأمة وأوضاعها وهمومها وتطلعاتها إلى العدل والكرامة والحرية والارتفاع... لقد كان الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين يدعون أممهم إلى العقيدة (التوحيد) لكن ينبغي التأكيد هنا أنهم كانوا يربطون هذه الدعوة بالمسائل والقضايا التي تهم أممهم.
فدعوة شعيب عليه السلام ارتبطت بمشكلة اقتصادية:
{وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخيرٍ} [هود : 84].

ودعوة موسى عليه السلام ارتبطت بمشكلة سياسية:
{ فأتِيا فرعون فقولا إنّا رسول رب العالمين * أنْ أرسِلْ معنا بنِي إسرائيل} [الشعراء : 16،17].

ودعوة لوط عليه السلام ارتبطت بمشكلة اجتماعية:
{كذّبت قوم لوطٍ المرسلينَ * إذْ قال لهم أخُوهُم لوطٌ ألا تتَّقون * إنِّي لكم رسولٌ أمينٌ * فَاتَّقواْ اللهَ وأطيعُونِ * ومَا أسألُكُمْ عليه مِنْ أجرٍ إِنْ أَجْرِيَ إلاَّ على ربِّ العالمينَ * أتأتونَ الذُّكْرانَ من العالمينَ * وتَذَرونَ ما خلَق لكم ربُّكُم مِنْ أزواج-كم بل أنتم ق-ومٌ عادونَ * قالواْ لئن لم تَنْتَهِ يا لوطُ لتكوننَّ منَ المخْرَجِينَ} [الشعراء : 160،167].

نلاحظ أن دعوة شعيب كانت موجّهة ضد جشع التجار وضد أشكال الدناءة التجارية التي كانت شائعة فيهم ومازالت شائعة في كثير من المجتمعات العصرية التجارية... نقص في المكيال والميزان. {ويلٌ للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يُخسرون}. كان هذا أمراً شائعاً في مدين - قوم شعيب - رغم أنهم - أي هذه الطبقة من التجار - كانوا دوماً في ازدهار {إني أراكم بخير} يعني بثروة وسعة في الرزق تُغنيكم عن الدناءة وبخس حقوق الناس وأكل أموالهم بالباطل، فدعوة شعيب - إذن - لم تكن دعوة مجردة إنما جاءت باسم الله لتُحارب واقعاً اقتصادياً يقوم على الاستغلال والدناءة والابتزاز.

ودعوة موسى كانت موجّهة ضد الطاغوت والتسلّط والعجرفة التاريخية التي كان يمثلها فرعون... وما أكثر فراعنة عصرنا هذا!! كان فرعون يستبيح كلّ الناس وكلّ الأرواح وكلّ النساء وكلّ الأطفال حتى قال يوماً: {أنا ربكمُ الأعلى} ويأتي إليه موسى - رسولاً من الله - ويقول له: أرسِل معنا بني اسرائيل لأن بني اسرائيل، كانوا ضحايا طغيان وجبروت فرعون... طلب منه موسى - باسم الله - أن يرفع يده عن بني اسرائيل ويخلي سبيلهم بأمرٍ من الله. الموقف فيه مُواجهة للطاغية وكل أشكال الطغيان السياسي.

ودعوة لوط كانت مرتبطة بواقع اجتماعي مُنحل سقط سقوطاً ذريعاً، جاء لوط باسم الله ليهاجمه ويُعلن المفاصلَة معه.

وهكذا يقف أنبياء الله ورسله صفّاً مُعارضاً للجشع التجاري والطُغيان السياسي والتحلُّل الاجتماعي، وهي كما نلاحظ أخطر قضايا عصرنا هذا... وبالأخص في العالم الإسلامي ( إن الله أرسل رُسُلَه وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقِسط، وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض، فإذا ظهرت أمارات الحق، وقامت أدلة العقل، وأسْفَرَ صُبحه بأيِّ طريق كان؛ فثَمَّ شرع الله ودينه ورضاه وأمره، والله تعالى لم يحصر طُرق العدل وأدلته وأماراته في نوع واحد وأبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه وأدلُّ وأظهر، بل بيَّن بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة الحق والعدل وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها الحق ومعرفة العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها، والطرق أسباب ووسائل لا تُراد لذواتها، وإنما المراد غاياتها التي هي المقاصد، ولكن نبّه بما شرعه من الطرق على أسبابها وأمثالها، ولن تجد طريقاً من الطرق المثبتة للحق إلا وهي شِرْعَة وسبيل للدلالة عليها، وهل يُظن بالشريعة الكاملة خلاف ذلك؟ ) [16] اهـ.

وآخر دعوانا أنِ الحمد لله رب العالمين
د. عبدالله النفيسي

Iلهوامش:

[1] رواه الحاكم والطبراني وهو حديث صحيح.
[2] رواه الطبراني في الكبير وهو حديث صحيح.
[3] رواه ابن ماجة وسنده صحيح، وأخرجه ابن حبان في صحيحه، وأحمد في مسنده، والطبراني في المعجم الصغير، والخطيب في تاريخ بغداد.
[4] رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في الزهد الكبير وهو حديث صحيح.
[5] تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/225.
[6] مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية 28/502،503.
[7] رواه مسلم.
[8] نقلاً عن الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم 1/206-207 .
[9] رواه مسلم.
[10] رواه مسلم.
[11] مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية 28/503 .
[12] المصدر السابق 28/502-503 .
[13] رواه البخاري ومسلم وغيرهما من رواية ابن عباس رضي الله عنه.
[14] قلت (أي الناشر): الحديث صحيح أخرجه مسلم 6/24، والدارمي 2/324، وأحمد 6/24-28. من حديث عوف بن مالك.
(خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويُصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويُبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قيل: يا رسول الله أفلا نُنابذهم بالسيف؟ فقال: لا؛ ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من وُلاتكم شيئاً تكرهونه، فأكرهوا عمله، ولا تنزعوا يداً من طاعة).
[15] عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها "جنكز خان" عن شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملّة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه... كما يصنع الحكام المرتدين في عصرنا هذا.
[16] اعلام الموقعين، ابن القيم الجوزية 4/373 .

_______
مسالة خارج النص في تخريج حديث حذيفة
قال الدارقطني في الإلزامات والتتبع (ص 181) - فيما انتقده على مسلم- و: وأخرج مسلم حديث معاوية بن سلام عن زيد (ابن سلام) عن أبي سلام قال : قال حذيفة : فذكر الحديث ثم قال (وهذا عندي مرسل، أبوسلام لم يسمع من حذيفة ولا من نظرائه الذين نزلوا بالعراق لأن حذيفة توفي بعد قتل عثمان بليال وقد قال فيه حذيفة فيدل على إرساله).
وقال النووي في شرح مسلم: (هو كما قال الدارقطني)، وقال المزي في ترجمة أبي سلام ( روى عن حذيفة ويقال مرسل)، وقال ابن حجر: أرسل (أبو سلام) عن حذيفة وأبي ذر وغيرهما، وأيد ذلك العلائي في جامع التحصيل في الرواة (المحكوم على روايتهم بالإرسال)!
وقال الشيخ مقبل الوادعي في تحقيقه للإلزامات والتتبع (ص182) : (وفي حديث حذيفة هذا زيادة ليست في حديث حذيفة المتفق عليه وهي قوله (وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك)! فهذه الزيادة ضعيفة لأنها من هذه الطريق المنقطعة)
----------
وأوضح الشيخ يوسف القرضاوي - في تعقيبه - " أن استدلالهم بقول الله تعالى " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " في غير محله ".
وأكد " أن طاعة ولي الأمر تجب إذا ما تحقق بطاعة الله ورسوله وقام بتنفيذ شرعه وما تم الإتفاق عليه بينه وبين شعبه ".

وشدد القرضاوي على أن " الخروج الذي يُنكر هو الخروج بالسلاح لقتاله ، وهذا لم يحدث بل هو الذي يقاتل ويسيل الدماء ، لقد نسي هؤلاء العلماء الكثير من الحقائق والمسلمات في دفاعهم عن حكام مستبدين بالسلطة منذ 33 او 40 عاماً ، كما نسوا أن الدستور والقوانين تبيح الخروج في مظاهرات سلمية ، ولا يجوز للحاكم ولا لغيره أن يعتدي عليها ".

وأضاف " كان على العلماء أن ينصحوا الحاكم بالإستجابة لمطالب شعبه في إختيار حاكمهم بإرادتهم ليقوم بمسؤوليته ، لا أن يفرض نفسه عليهم ويراوغ للإستمرار في حكمهم وإذلالهم وقتلهم بالحديد والنار ".