هل تركوا المذاهب ليردموا الخلاف… فإذا بالخلاف يتّسع؟
كبار العلماء اختلفوا في «السنة والبدعة»… فمن أين جاء الاحتكار؟
من المتفق عليه أن التحليل والتحريم حقٌّ لله تعالى، ولا يجوز لأحد أن يجعل رأيه الشخصي تشريعًا ملزمًا للناس.
لكن هنا سؤال مهم:
إذا كان الحكم على فعلٍ ما بأنه «سنة» أو «بدعة» سيترتب عليه تبديع الناس وتخطئتهم وربما هجرهم، فهل أصبح هذا الحكم حكرًا على عدد محدود من العلماء، لا يُسمح بمخالفتهم؟
المشكلة تظهر بوضوح عندما نجد أن علماء الاتجاه نفسه قد اختلفوا في وصف بعض المسائل:
① تخصيص يوم الجمعة لزيارة القبور
نجد من العلماء من حكم عليه بالبدعة، بينما نُقل عن آخرين القول بمشروعيته.
② استعمال المسبحة في الذكر
فبينما شدّد بعض العلماء في إنكارها، أجازها آخرون، ومنهم من صرّح بأنها وسيلة مباحة للذكر.
③ افتتاح المحافل بقراءة القرآن
اختلفوا أيضًا في هذه المسألة؛ فمنهم من أنكر تخصيصها على هذه الهيئة، ومنهم من أجازها ولم ير فيها بدعة محرمة.
④ التمايل عند قراءة القرآن
لم يكن الحكم واحدًا عند الجميع؛ فهناك من أنكره وعدّه من المحدثات، بينما لم ير آخرون فيه ذلك الحكم المطلق.
⑤ احتفالات تكريم حفظة القرآن
حتى هذه الصورة من التكريم اختلفوا في وصفها؛ فبينما أنكرها بعضهم باعتبارها من المحدثات، أجازها آخرون باعتبارها من العادات ووسائل التشجيع على الخير.
⑥ تقبيل المصحف
اختلف العلماء في حكمه أيضًا؛ فمنهم من منعه لعدم ورود دليل خاص، ومنهم من أجازه باعتباره تعظيمًا للمصحف لا عبادة مستقلة.
⑦ اتخاذ المحاريب في المساجد
لم يكن الحكم فيها واحدًا؛ فمن العلماء من عدّها من المحدثات، بينما رأى آخرون أنها من الأمور الجائزة التي استقر عليها عمل المسلمين.
⑧ الخطوط الموجودة في فرش المساجد لضبط الصفوف
اختلفت عبارات العلماء في حكمها؛ فمنهم من أنكرها، ومنهم من أجازها باعتبارها وسيلة لتنظيم الصفوف وتحقيق مقصد شرعي.
⑨ التهنئة بالعام الهجري الجديد
كذلك اختلفت الفتاوى في هذه المسألة بين المنع والكراهة والجواز، مما يدل على أن المسألة ليست من القطعيات التي يصح جعل المخالف فيها مبتدعًا.
⑩ الحديث عن الهجرة في بداية العام
اختلفت طريقة العلماء في التعامل معها أيضًا: هل تُمنع باعتبار تخصيص وقت لم يخصصه الشرع، أم تُعد من باب التذكير بالسيرة والأحداث التاريخية؟
إذن… أين المشكلة؟
إذا كان الجميع يقول:
«نحن نرجع إلى الكتاب والسنة»
فهذا أمر حسن لا خلاف فيه.
لكن الرجوع إلى الكتاب والسنة لا يعني أن كل من قال: "هذا بدعة" قد امتلك حكمًا قطعيًا لا يجوز مخالفته.
فالاختلاف في فهم النصوص، وفي دلالاتها، وفي تحقيق المناط، وفي التفريق بين العبادة والعادة، وبين المقصد والوسيلة، وبين التخصيص التعبدي والتخصيص التنظيمي؛ كل ذلك من أسباب اختلاف العلماء.
ولهذا وُجدت المذاهب الفقهية، وتعددت اجتهادات العلماء، ولم يكن اختلافهم في كل مسألة دليلًا على أن أحدهم ترك الكتاب والسنة.
بل السؤال الأهم:
إذا كان كبار العلماء أنفسهم قد اختلفوا في وصف أفعال معينة بأنها سنة أو بدعة…
فكيف تحوّل بعض أتباع المدرسة المعاصرة هذا الوصف إلى معيار لتصنيف المسلمين وتبديعهم، وكأن الحكم في المسألة لا يحتمل إلا قولًا واحدًا؟
ثم إن الأخطر من الخلاف الفقهي هو تحويل الخلاف الاجتهادي إلى معركة تصنيف:
هذا مبتدع لأنه فعل ما أراه بدعة.
وهذا ضال لأنه لم يوافقني.
وهذا ليس من أهل السنة لأنه لم يأخذ بحكمي في المسألة.
وهنا يتحول الخلاف من خلاف فقهي قابل للنقاش إلى سلطة تصنيفية تملك مفاتيح «السنة» و«البدعة»!
السنة والبدعة ليستا بطاقة حزبية
ليس كل فعل لم يفعله النبي ﷺ يكون حرامًا لمجرد أنه لم يفعله، كما أن وصف الفعل بالبدعة يحتاج إلى تحرير دقيق لنوع الفعل، وقصده، وصفته، ودليله، وهل هو عبادة مقصودة لذاتها أم وسيلة أو عادة أو تنظيمًا.
ولهذا كان العلماء يختلفون، ويتناقشون، ويرد بعضهم على بعض، من غير أن يجعلوا كل مخالف في مسائل الاجتهاد مبتدعًا خارجًا عن السنة.
فإذا كان الهدف من ترك المذاهب هو تقليل الخلاف والعودة إلى الدليل، فإن النتيجة ينبغي أن تكون:
مزيدًا من الإنصاف، وفهمًا أوسع للخلاف، واحترامًا للاجتهاد.
لا أن يتحول الأمر إلى:
مذهب غير معلن… ومجموعة محدودة من الأقوال التي يصبح مخالفتها سببًا للتبديع!
والخلاصة:
الرجوع إلى الكتاب والسنة لا يلغي الاجتهاد، والاحتكام إلى الدليل لا يعني احتكار فهم الدليل، والاختلاف في مسائل السنة والبدعة لا يجعل أحد الطرفين بالضرورة مبتدعًا.
فإذا كان كبار العلماء قد اختلفوا في مسائل عديدة من هذا الباب، فالأولى أن نتعلم منهم أدب الخلاف وسعة الاجتهاد، لا أن نجعل الخلاف نفسه سببًا لتبديع المسلمين وتصنيفهم.


