الاثنين، 21 سبتمبر 2026

السلفية المدخلية هل تركوا المذاهب ليردموا الخلاف… فإذا بالخلاف يتّسع؟

 

هل تركوا المذاهب ليردموا الخلاف… فإذا بالخلاف يتّسع؟

كبار العلماء اختلفوا في «السنة والبدعة»… فمن أين جاء الاحتكار؟

من المتفق عليه أن التحليل والتحريم حقٌّ لله تعالى، ولا يجوز لأحد أن يجعل رأيه الشخصي تشريعًا ملزمًا للناس.

لكن هنا سؤال مهم:

إذا كان الحكم على فعلٍ ما بأنه «سنة» أو «بدعة» سيترتب عليه تبديع الناس وتخطئتهم وربما هجرهم، فهل أصبح هذا الحكم حكرًا على عدد محدود من العلماء، لا يُسمح بمخالفتهم؟

المشكلة تظهر بوضوح عندما نجد أن علماء الاتجاه نفسه قد اختلفوا في وصف بعض المسائل:

① تخصيص يوم الجمعة لزيارة القبور

نجد من العلماء من حكم عليه بالبدعة، بينما نُقل عن آخرين القول بمشروعيته.

② استعمال المسبحة في الذكر

فبينما شدّد بعض العلماء في إنكارها، أجازها آخرون، ومنهم من صرّح بأنها وسيلة مباحة للذكر.

③ افتتاح المحافل بقراءة القرآن

اختلفوا أيضًا في هذه المسألة؛ فمنهم من أنكر تخصيصها على هذه الهيئة، ومنهم من أجازها ولم ير فيها بدعة محرمة.

④ التمايل عند قراءة القرآن

لم يكن الحكم واحدًا عند الجميع؛ فهناك من أنكره وعدّه من المحدثات، بينما لم ير آخرون فيه ذلك الحكم المطلق.

⑤ احتفالات تكريم حفظة القرآن

حتى هذه الصورة من التكريم اختلفوا في وصفها؛ فبينما أنكرها بعضهم باعتبارها من المحدثات، أجازها آخرون باعتبارها من العادات ووسائل التشجيع على الخير.

⑥ تقبيل المصحف

اختلف العلماء في حكمه أيضًا؛ فمنهم من منعه لعدم ورود دليل خاص، ومنهم من أجازه باعتباره تعظيمًا للمصحف لا عبادة مستقلة.

⑦ اتخاذ المحاريب في المساجد

لم يكن الحكم فيها واحدًا؛ فمن العلماء من عدّها من المحدثات، بينما رأى آخرون أنها من الأمور الجائزة التي استقر عليها عمل المسلمين.

⑧ الخطوط الموجودة في فرش المساجد لضبط الصفوف

اختلفت عبارات العلماء في حكمها؛ فمنهم من أنكرها، ومنهم من أجازها باعتبارها وسيلة لتنظيم الصفوف وتحقيق مقصد شرعي.

⑨ التهنئة بالعام الهجري الجديد

كذلك اختلفت الفتاوى في هذه المسألة بين المنع والكراهة والجواز، مما يدل على أن المسألة ليست من القطعيات التي يصح جعل المخالف فيها مبتدعًا.

⑩ الحديث عن الهجرة في بداية العام

اختلفت طريقة العلماء في التعامل معها أيضًا: هل تُمنع باعتبار تخصيص وقت لم يخصصه الشرع، أم تُعد من باب التذكير بالسيرة والأحداث التاريخية؟


إذن… أين المشكلة؟

إذا كان الجميع يقول:

«نحن نرجع إلى الكتاب والسنة»

فهذا أمر حسن لا خلاف فيه.

لكن الرجوع إلى الكتاب والسنة لا يعني أن كل من قال: "هذا بدعة" قد امتلك حكمًا قطعيًا لا يجوز مخالفته.

فالاختلاف في فهم النصوص، وفي دلالاتها، وفي تحقيق المناط، وفي التفريق بين العبادة والعادة، وبين المقصد والوسيلة، وبين التخصيص التعبدي والتخصيص التنظيمي؛ كل ذلك من أسباب اختلاف العلماء.

ولهذا وُجدت المذاهب الفقهية، وتعددت اجتهادات العلماء، ولم يكن اختلافهم في كل مسألة دليلًا على أن أحدهم ترك الكتاب والسنة.

بل السؤال الأهم:

إذا كان كبار العلماء أنفسهم قد اختلفوا في وصف أفعال معينة بأنها سنة أو بدعة

فكيف تحوّل بعض أتباع المدرسة المعاصرة هذا الوصف إلى معيار لتصنيف المسلمين وتبديعهم، وكأن الحكم في المسألة لا يحتمل إلا قولًا واحدًا؟

ثم إن الأخطر من الخلاف الفقهي هو تحويل الخلاف الاجتهادي إلى معركة تصنيف:

هذا مبتدع لأنه فعل ما أراه بدعة.
وهذا ضال لأنه لم يوافقني.
وهذا ليس من أهل السنة لأنه لم يأخذ بحكمي في المسألة.

وهنا يتحول الخلاف من خلاف فقهي قابل للنقاش إلى سلطة تصنيفية تملك مفاتيح «السنة» و«البدعة»!


السنة والبدعة ليستا بطاقة حزبية

ليس كل فعل لم يفعله النبي ﷺ يكون حرامًا لمجرد أنه لم يفعله، كما أن وصف الفعل بالبدعة يحتاج إلى تحرير دقيق لنوع الفعل، وقصده، وصفته، ودليله، وهل هو عبادة مقصودة لذاتها أم وسيلة أو عادة أو تنظيمًا.

ولهذا كان العلماء يختلفون، ويتناقشون، ويرد بعضهم على بعض، من غير أن يجعلوا كل مخالف في مسائل الاجتهاد مبتدعًا خارجًا عن السنة.

فإذا كان الهدف من ترك المذاهب هو تقليل الخلاف والعودة إلى الدليل، فإن النتيجة ينبغي أن تكون:

مزيدًا من الإنصاف، وفهمًا أوسع للخلاف، واحترامًا للاجتهاد.

لا أن يتحول الأمر إلى:

مذهب غير معلن… ومجموعة محدودة من الأقوال التي يصبح مخالفتها سببًا للتبديع!

والخلاصة:

الرجوع إلى الكتاب والسنة لا يلغي الاجتهاد، والاحتكام إلى الدليل لا يعني احتكار فهم الدليل، والاختلاف في مسائل السنة والبدعة لا يجعل أحد الطرفين بالضرورة مبتدعًا.

فإذا كان كبار العلماء قد اختلفوا في مسائل عديدة من هذا الباب، فالأولى أن نتعلم منهم أدب الخلاف وسعة الاجتهاد، لا أن نجعل الخلاف نفسه سببًا لتبديع المسلمين وتصنيفهم.

قصة وعبرة - يُحكى أن رجلاً لم يعرف من الحيوانات، والهوام، ودواب الأرض سوى "الفأر"، ثم كُفَّ بصره!

  






«حين يصبح "الفأر" مقياساً لكل شيء!» 🐁📖

 يُحكى أن رجلاً لم يعرف من الحيوانات، والهوام، ودواب الأرض سوى "الفأر"، ثم كُفَّ بصره!

فصار كلما تحدث الناس عن الجمل سألهم: ألا يشبه الفأر؟

وإذا تحدثوا عن الغزال قال: أليس له ذيل طويل كالفأر؟

وإذا ذكروا النحل سأل: أليس له أذنان صغيرتان كالفأر؟

باختصار.. الرجل بات لا يرى من عالمه الواسع سوى الفأر!

💡 ولله درّ الأمثال؛ فهذا حال بعض المتتطوعين للإفتاء والفكر اليوم:

لا يكاد الواحد منهم يعرف من بحور التراث الإسلامي الواسعة سوى أسماء محدودة (كابن باز، ابن عثيمين، الألباني، والفوزان -رحمهم الله جميعاً-)، فيقيس عليها كل شيء، وينكر ما سواها، كأن الدين اختزل في زاوية ضيقة!

  • حين يتحدث الناس عن عمالقة #التفسير (ابن عباس، مجاهد، الطبري، ابن كثير، القرطبي، الشعراوي، وغيرهم...)

    يأتي ليسأل: ألا يشبه هؤلاء ابن باز وابن عثيمين؟

  • حين يتحدث الناس عن أعلام #العقيدة والكلام (أبو الحسن الأشعري، القاضي عياض، الغزالي، النووي، العز بن عبد السلام، السيوطي...)

    يسأل بجهل: ألا يشبه هؤلاء فلان وفلان؟

  • حين يتحدث الناس عن حفاظ #الحديث الشريف (أبو هريرة، البخاري، مسلم، الترمذي، النسائي، الحافظ ابن حجر...)

    يعود ليسأل نفس السؤال التعسفي!

  • حين يتحدث الناس عن أساطين #الفقه والمذاهب (الأوزاعي، الليث بن سعد، سفيان الثوري، الإمام مالك، الشافعي، ابن حزم...)

    يُصرّ على قياسهم بمكياله الصغير!

  • حين يتحدث الناس عن أقطاب #اللغة والأدب (سيبويه، الزمخشري، الفراهيدي، الجرجاني...)

    يُخضعهم لنفس المعيار الأعور!

  • حين يتحدث الناس عن الفلاسفة والمفكرين والمصلحين المعاصرين (ابن رشد، ابن النفيس، محمد الغزالي، القرضاوي، البوطي، الددو، وغيرهم كثر...)

    يبقى سجين تلك الدائرة المغلقة، لا يرى أفقاً أوسع، ولا يعترف بغنى الأمة وتنوع مدارسها!

🌟 الخلاصة:

اتساع المعرفة ورحابة الفكر هما سمة العقل الحي. إن حصر الميراث الإسلامي الضخم في قالب واحد وفردي هو أشبه بصاحب القصة الذي أعمى بصره وبصيرته، فصارت الدنيا في عينه "فأراً" واحداً لا يُرى سواه!

فلا تكن كصاحب الفأر؛ فبساتين الفكر الإسلامي أرحب وأوسع بكثير مما تتخيل. 🌍📚

«حين يصبح "الفأر" مقياساً لكل شيء!» 🐁📖

 




«حين يصبح "الفأر" مقياساً لكل شيء!» 🐁📖

 يُحكى أن رجلاً لم يعرف من الحيوانات، والهوام، ودواب الأرض سوى "الفأر"، ثم كُفَّ بصره!

فصار كلما تحدث الناس عن الجمل سألهم: ألا يشبه الفأر؟

وإذا تحدثوا عن الغزال قال: أليس له ذيل طويل كالفأر؟

وإذا ذكروا النحل سأل: أليس له أذنان صغيرتان كالفأر؟

باختصار.. الرجل بات لا يرى من عالمه الواسع سوى الفأر!

💡 ولله درّ الأمثال؛ فهذا حال بعض المتتطوعين للإفتاء والفكر اليوم:

لا يكاد الواحد منهم يعرف من بحور التراث الإسلامي الواسعة سوى أسماء محدودة (كابن باز، ابن عثيمين، الألباني، والفوزان -رحمهم الله جميعاً-)، فيقيس عليها كل شيء، وينكر ما سواها، كأن الدين اختزل في زاوية ضيقة!

  • حين يتحدث الناس عن عمالقة #التفسير (ابن عباس، مجاهد، الطبري، ابن كثير، القرطبي، الشعراوي، وغيرهم...)

    يأتي ليسأل: ألا يشبه هؤلاء ابن باز وابن عثيمين؟

  • حين يتحدث الناس عن أعلام #العقيدة والكلام (أبو الحسن الأشعري، القاضي عياض، الغزالي، النووي، العز بن عبد السلام، السيوطي...)

    يسأل بجهل: ألا يشبه هؤلاء فلان وفلان؟

  • حين يتحدث الناس عن حفاظ #الحديث الشريف (أبو هريرة، البخاري، مسلم، الترمذي، النسائي، الحافظ ابن حجر...)

    يعود ليسأل نفس السؤال التعسفي!

  • حين يتحدث الناس عن أساطين #الفقه والمذاهب (الأوزاعي، الليث بن سعد، سفيان الثوري، الإمام مالك، الشافعي، ابن حزم...)

    يُصرّ على قياسهم بمكياله الصغير!

  • حين يتحدث الناس عن أقطاب #اللغة والأدب (سيبويه، الزمخشري، الفراهيدي، الجرجاني...)

    يُخضعهم لنفس المعيار الأعور!

  • حين يتحدث الناس عن الفلاسفة والمفكرين والمصلحين المعاصرين (ابن رشد، ابن النفيس، محمد الغزالي، القرضاوي، البوطي، الددو، وغيرهم كثر...)

    يبقى سجين تلك الدائرة المغلقة، لا يرى أفقاً أوسع، ولا يعترف بغنى الأمة وتنوع مدارسها!

🌟 الخلاصة:

اتساع المعرفة ورحابة الفكر هما سمة العقل الحي. إن حصر الميراث الإسلامي الضخم في قالب واحد وفردي هو أشبه بصاحب القصة الذي أعمى بصره وبصيرته، فصارت الدنيا في عينه "فأراً" واحداً لا يُرى سواه!

فلا تكن كصاحب الفأر؛ فبساتين الفكر الإسلامي أرحب وأوسع بكثير مما تتخيل. 🌍📚

غلاة التجريح والشيعة الروافض - حين يتحول الولاء إلى امتحان… والجرح إلى منهج!

 

غلاة التجريح والشيعة الروافض

حين يتحول الولاء إلى امتحان… والجرح إلى منهج!

ليس المقصود من هذه المقارنة القولَ بأن غلاة التجريح والشيعة متماثلون في العقائد والأحكام؛ فهذا غير صحيح.

وإنما المقصود التنبيه إلى تشابه بعض الأساليب والمنطلقات في التعامل مع المخالف؛ حين يتحول الولاء لشخص أو جماعة إلى اختبارٍ دائم، وحين يصبح الطعن في الآخرين معيارًا للانتماء، وحين يُحمَل الكلام المحتمل على أسوأ الوجوه، ثم تُبنى عليه أحكام قاسية.

ومن أبرز أوجه الشبه:


01 | البداية من الطعن في أهل الفضل

اشتهر الغلاة من الشيعة بالطعن في عدد كبير من الصحابة رضي الله عنهم، حتى صار الطعن في السابقين من أعلام الأمة جزءًا من منظومتهم العقدية عند طوائف منهم.

وفي المقابل، نجد عند بعض غلاة التجريح انتقالًا من الطعن في المتقدمين إلى الطعن في العلماء والدعاة المعاصرين، حتى أصبح الاشتغال بتتبع الأخطاء والتصنيف والتبديع شغلًا دائمًا.

فالاختلاف في الأشخاص لا ينبغي أن يتحول إلى منهج قائم على إسقاط أهل العلم والدعوة.


02 | حمل الكلام المحتمل على أسوأ المحامل

من الأساليب التي تُنتقد عند الغلاة: أخذ نص أو عبارة محتملة، ثم حملها على أسوأ معنى ممكن، وإغفال السياق والقرائن وبقية كلام المتكلم.

وهذا الأسلوب قد يظهر كذلك عند بعض غلاة التجريح؛ فتجد العبارة التي تحتمل أكثر من معنى تُفسَّر بالمعنى الذي يحقق الإدانة، ثم تُبنى عليها أحكام كبيرة.

والعدل يقتضي أن يُفسَّر كلام المسلم بأحسن ما يحتمل ما دام السياق يسمح بذلك، وألا يتحول الاشتباه إلى يقين، ولا الاحتمال إلى حكم.


03 | «كان صالحًا… لكن تلاميذه انحرفوا!»

من المقولات المشهورة في بعض الخطابات الطائفية تصورٌ مفاده أن الأصل كان صالحًا، ثم إن معظم من حوله انحرفوا بعده.

وهذا المعنى يمكن أن يظهر عند بعض غلاة التجريح في صورة أخرى:

الشيخ الكبير صالح وعالم جليل،
لكن معظم تلاميذه ومن أخذوا عنه قد انحرفوا،
ولم يبقَ على الطريق الصحيح إلا قلة قليلة!

وهنا ينبغي أن نتساءل:

هل يُقاس الحق بعدد الأشخاص الذين بقوا مع الشيخ أو فارقوه؟

أم أن الحق يُعرف بالدليل، ويُنظر في كل عالم أو داعية بما يقول ويفعل، دون تحويل الأشخاص إلى معسكرات مغلقة؟


04 | احتكار فهم القرآن والسنة

من أخطر مظاهر الغلو أن تتحول جماعة أو مدرسة أو مجموعة من الأشخاص إلى المرجع الوحيد لفهم الكتاب والسنة.

وهذا المعنى لا يختص بطائفة بعينها؛ فقد يقع فيه أي تيار إذا أصبح يقول ضمنيًا:

نحن الذين نفهم النصوص،
ونحن الذين نفهم العلماء،
ومن خالف فهمنا فقد خالف السنة!

ثم يتطور الأمر إلى مرحلة أخطر:

لا يكفي أن تقرأ كلام العالم بنفسك، بل لا بد أن تعرف أولًا ماذا قال «أئمتنا» في كلامه!

وهنا يتحول الاتباع من اتباع الدليل إلى اتباع قراءة الجماعة للدليل.


05 | الحكم على النيات وشق الصدور

وهذه من أخطر النقاط.

فالحكم على قول الإنسان أو فعله شيء، والحكم على نيته الباطنة شيء آخر.

قد يقول شخص قولًا خاطئًا، فنناقشه ونرد عليه.

وقد يقع في خطأ، فنبيّن خطأه.

لكن أن نقول:

  • قال ذلك لأنه يريد كذا.

  • فعل ذلك لأنه يخفي كذا.

  • أظهر السلفية وهو في الحقيقة صاحب بدعة.

  • لبس كذا ليعطي الناس انطباعًا معينًا.

  • استضاف فلانًا لأنه يريد تمرير فكرته.

فهنا ننتقل من نقد الظاهر إلى ادعاء معرفة الباطن.

وهذا باب خطير؛ لأن النيات لا يعلمها إلا الله، وما في القلوب ليس مجالًا للتخمينات والاتهامات.

ومن الأمثلة على ذلك أن يُحمَل كلام أحد المشايخ على معنى لم يقله، ثم يُحكم عليه بأنه قصد معنى معينًا، أو أن تُنقل عنه عبارة مبتورة، ثم يُبنى عليها حكم شديد.

والأشد من ذلك أن يصل الأمر إلى الجزم بما كان في قلب المتكلم أو السائل:

«لم يخطر بباله كذا…»

فمن أين عُرف ما خطر بباله وما لم يخطر؟

هل أصبحت القلوب كتابًا مفتوحًا لمن يريد إصدار الأحكام؟


06 | الحب لا يكفي… لا بد من البراءة من «الآخر»

في بعض الخطابات الطائفية لا يكفي أن تقول:

أنا أحب النبي ﷺ، وأحب عليًا رضي الله عنه.

بل يُطلب منك أن تثبت ولاءك أكثر:

تبرأ من أبي بكر وعمر!

وهذا الأسلوب يمكن أن يتكرر بصورة أخرى عند بعض غلاة التجريح:

قد تقول:

أنا أحب الشيخ الألباني رحمه الله، وأحترم علمه، وأنتفع بكلامه.

فيأتيك السؤال:

وماذا تقول في فلان وفلان من تلاميذه؟

فإن لم توافق على إسقاطهم أو تبديعهم أو الطعن فيهم، أصبحت أنت نفسك موضع اتهام.

وهنا يتحول الولاء من محبة واحترام إلى اختبار براءة واصطفاف.


07 | «من لم يطعن فيهم فهو منهم»

وهذه من أخطر صور الغلو.

في بعض البيئات الطائفية:

من لم يتبرأ من الشخص الذي نطعن فيه، فهو على ضلال.

وعند بعض غلاة التجريح تظهر صورة قريبة:

من لم يبدّع فلانًا، أو لم يحذر منه، أو لم يوافقنا في إسقاطه، فهو مبتدع أو متعاطف مع أهل البدع.

وهنا يصبح الإنسان مطالبًا لا بمجرد بيان موقفه العلمي، وإنما بالاشتراك في إسقاط الآخرين.

فتتحول المسألة من:

ما الدليل على خطأ فلان؟

إلى:

لماذا لم تطعن في فلان مثلنا؟!

وهذا فرق كبير.


08 | الاعتقاد أولًا… ثم البحث عن الأدلة

من أخطر الأخطاء المنهجية أن يبدأ الإنسان بالحكم، ثم يبحث بعد ذلك عن الأدلة التي تؤيده.

فيقرر أولًا:

فلان مبتدع.
فلان إخواني.
فلان متستر.
فلان منحرف.

ثم يبدأ في جمع المقاطع والعبارات والأخطاء التي يمكن توظيفها لإثبات الحكم السابق.

والمنهج العلمي الصحيح ينبغي أن يكون بالعكس:

ننظر في الأدلة أولًا، ونفهم الكلام في سياقه، ونجمع القرائن، ثم نصل إلى الحكم.

وقد نبّه ابن القيم رحمه الله إلى خطر أن يعتقد الإنسان الحكم أولًا ثم يستدل له؛ لأن ذلك من مسالك الهوى.


الخلاصة

المشكلة ليست في أن نختلف مع عالم أو داعية.

وليست المشكلة في أن نرد على خطأ أو نحذر من منهج نراه منحرفًا.

إنما المشكلة حين يتحول النقد إلى صناعة، والتجريح إلى هوية، والتبديع إلى معيار للولاء، والاختلاف العلمي إلى امتحان للأشخاص.

عندها يصبح المطلوب من المسلم ليس أن يعرف الدليل، وإنما أن يعرف:

من نطعن فيه؟
ومن نمدحه؟
ومن يجب أن نحذر منه؟
ومن يجب أن نتبرأ منه؟

وهنا يفقد النقد وظيفته العلمية، ويتحول إلى منظومة للفرز والإقصاء.

والواجب على طالب العلم أن يتعلم العدل مع الموافق والمخالف، وأن يفرق بين الخطأ والانحراف، وبين نقد القول والحكم على صاحبه، وبين الحكم على الظاهر والدخول في النيات.

فليس كل من أخطأ مبتدعًا،
وليس كل من خالفنا ضالًا،
وليس كل من لم يوافقنا في الحكم على شخص صار من أتباعه.

والحق لا يحتاج إلى شق الصدور، ولا إلى تصفية الحسابات، ولا إلى امتحان الناس في الأشخاص؛ وإنما يحتاج إلى علمٍ ودليلٍ وعدل.

نسأل الله أن يهدي من اغتر بالغلو في التجريح، وأن يرزقنا جميعًا الإنصاف، والعدل، وحسن الظن، واتباع الحق حيث كان.

تسوية الصفوف ليست بإلصاق الكعوب!

 


تسوية الصفوف ليست بإلصاق الكعوب!

الشيخ بكر أبو زيد يردّ على التكلّف في تطبيق السنة

من المسائل التي كثر فيها التكلّف في تطبيق سنة تسوية الصفوف: ما يفعله بعض المصلين من ملاحقة من بجانبه، وإلصاق الكعب بالكعب بصورة متكررة، حتى يلتوي بقدمه ويغيّر موضع وقوفه، ظنًّا منه أن هذا هو المقصود من السنة.

واللافت أن الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد، عضو هيئة كبار العلماء سابقًا، تناول هذه المسألة بوضوح في رسالته:

«لا جديد في أحكام الصلاة»

وبيّن أن هذه الهيئة الزائدة في إلصاق الكعب بالكعب ليست هي المقصودة من تسوية الصفوف، فقال:

«وهذه هيئة زائدة على الوارد، فيها إيغال في تطبيق السنة... وتكلّف ظاهر، وفهم مستحدث فيه غلو في تطبيق السنة، وتضييق ومضايقة، واشتغال بما لم يُشرع».

ثم يوضح الشيخ أن المطلوب في الصف هو:

تقويم الصف، وسد الفُرج، والتراص، والمحاذاة، وإتمام الصف الأول فالأول.

أما أن يلاحق المصلي جاره بقدمه، ويلوي عقبه حتى يلتصق كعبه بكعبه، فهذا – كما يقرر الشيخ – ليس هو المقصود من السنة.


فماذا تعني المحاذاة إذن؟

يقول الشيخ بكر أبو زيد إن النبي ﷺ لما أمر بالمحاذاة بين المناكب والأكعب، ورد كذلك الأمر بالمحاذاة بين الأعناق.

فهل المقصود أن تتحول هذه النصوص إلى إلصاق حرفي دائم بين كل جزء من أجزاء الجسم؟

يجيب الشيخ بوضوح:

لا.

فإلصاق العنق بالعنق مستحيل، وإلصاق الركبة بالركبة متعذر، وإلصاق الكعب بالكعب على الصورة التي يتكلفها بعض الناس يؤدي إلى الحركة والمضايقة والانشغال عن مقصود الصلاة.

والمقصود من هذه الألفاظ – كما يقرر – هو:

إقامة الصف، والموازاة، والمسامتة، وسد الخلل، واستقامة الصف من غير عوج ولا فُرج.

وهذا هو المقصود الذي تتحقق به سنة تسوية الصفوف.


وهذا تؤيده عبارة الحافظ ابن حجر

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في بيان معنى تسوية الصفوف:

«والمراد بتسوية الصفوف: اعتدال القائمين فيها على سمت واحد، أو يراد بها سد الخلل الذي في الصف».

وهذا المعنى تؤيده الأحاديث الواردة في تسوية الصفوف.

فقد قال النعمان بن بشير رضي الله عنه:

«كان النبي ﷺ يسوينا في الصفوف كما يُقوَّم القدح، حتى إذا ظن أن قد أخذنا ذلك عنه وفقهنا، أقبل ذات يوم بوجهه، فإذا رجل مُنتبذ بصدره، فقال: لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم».

فتأمل التعبير:

«يسوينا في الصفوف»

ثم قال:

«لتسون صفوفكم»

فالحديث يتحدث عن استقامة الصف وانتظامه وسد خلله، لا عن تحويل إلصاق الكعوب إلى مقصود مستقل بذاته.


لكن ماذا عن قول البخاري: «إلصاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم»؟

قد يقول قائل:

إذا كان البخاري رحمه الله قد بوّب:

«باب إلزاق المنكب بالمنكب، والقدم بالقدم في الصف»

فكيف يقال إن الإلصاق ليس مقصودًا؟

الجواب أن الحافظ ابن حجر نفسه حمل ذلك على المبالغة في تعديل الصف وسد خلله، لا على أن يبقى المصلون في كل قيام يبحث كل واحد منهم عن كعب جاره ليلصقه بكعبه.

ويؤكد ذلك ما جاء في رواية النعمان بن بشير رضي الله عنه:

«فرأيت الرجل يُلزق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه».

فإذا أخذنا اللفظ على ظاهره الحرفي في كل موضع، للزم إلصاق الركبة بالركبة على نحو دائم، وهذا متعذر عمليًا.

فدلّ ذلك على أن المقصود هو:

المبالغة في تسوية الصف، وسد الخلل، وتحقيق المحاذاة والاستقامة.


السنة لا تحتاج إلى تكلّف

المشكلة ليست في الحرص على السنة؛ فالحرص على السنة أمر محمود.

وإنما المشكلة حين يتحول الحرص على السنة إلى هيئة لم يقصدها الشارع، فينشغل المصلي بقدم جاره أكثر من انشغاله باستقامة صلاته، ويتحول الوقوف في الصف إلى ملاحقة للأقدام والكعاب.

فالسنة في تسوية الصفوف هي:

الاستقامة، والمحاذاة، والتراص، وسد الفُرج، وإتمام الصفوف، وعدم ترك الخلل بينها.

أما التكلف، والملاحقة، وليّ القدم، ومضايقة المصلين بحجة تحقيق الإلصاق الحرفي، فليس هو المقصود من السنة.

الخلاصة

تسوية الصفوف عبادة، لكن فهم العبادة لا يكون بالتكلف، وإنما بفهم النصوص كما فهمها أهل العلم.

فالغاية هي صف مستقيم متراص متصل بلا خلل ولا فرج، وليس أن يتحول الكعب إلى محور الحركة في كل قيام.

السنة: أن تستقيم في صفك… لا أن تنشغل بكعب جارك!

فقه تسوية الصفوف: الفرق بين السنة الثابتة والتكلف المحدث

 


  • فقه تسوية الصفوف: الفرق بين السنة الثابتة والتكلف المحدث


  • 📌 حقيقة "إلصاق الكعب بالكعب" في الصلاة.. تحقيق علمي دقيق للعلامة بكر أبو زيد

    كثيرًا ما نرى في صلاة الجماعة من يبالغ في إلصاق قدمه بقدم جاره وليّ عقبه بشدة، فما هو الحكم الشرعي والفهم الصحيح لتسوية الصفوف؟

    في رسالته القيمة "لا جديد في أحكام الصلاة"، يوضّح عضو هيئة كبار العلماء الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد (رحمه الله) حقيقة هذه المسألة بأسلوب علمي رصين:

    🔹 ما هي الهيئة المحدثة؟ ما يفعله بعض المصلين من ملاحقة من على يمينه أو يساره، وليّ العقبين ليلصق كعبَه بكعب جاره، فهذه هيئة زائدة فيها إيغال وتكلف ظاهر وفهم مستحدث لم يشرعه النبي ﷺ.

    🔹 الوجه الأول للبطلان (فقه المصافة):

    • المصافة الحقيقية تبدأ من الإمام؛ فيتراص المصلون ذات اليسار (أو اليمين حسب الصف) على سمت واحد في تقويم الصف وسد الفُرَج بالمحاذاة العامة للعنق، والمنكب، والكعب.

    • أما ملاحقة الجار بالقدم وليّ القدم حتى يتم الإلصاق، فهو غلط بيّن، وتضييق على المصلين، وتفويت لتوجيه رؤوس الأقدام إلى القبلة، واقتطاع لمحل قدم الغير بغير حق.

    🔹 الوجه الثاني (دلالة ألفاظ السنة):

    • أمر النبي ﷺ بالمحاذاة بين (المناكب والأكعب والأعناق)، والمقصود بذلك هو المسامتة وسد الخلل واستقامة الصف بلا عوج، وليس حقيقة "الإلصاق المادي المستحيل" (كإلصاق العنق بالعنق أو الركبة بالركبة في كل قيام).

    • نقل الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله أن المراد بالترجمة في صحيح البخاري هو المبالغة في تعديل الصف وسد خلله لا التكلف الدائم.

    • قال الخطابي رحمه الله في صفة لين المناكب: (معناه لزوم السكينة والطمأنينة في الصلاة، لا يلتفت ولا يُحاشر منكبُه منكبَ صاحبه).

    💡 خلاصة الفهم النبوي: تسوية الصفوف تعني الاستقامة، واعتدال القائمين على سمت واحد، وسد الفرج والخلل، تماماً كما كان النبي ﷺ يسوي الصفوف كقوم القِدْح، بعيداً عن التعذر والتكلف والمعاناة والاشتغال بما لم يُشرع.

    #فقه_الصلاة #تسوية_الصفوف #السنة_النبوية #فوائد_فقهية