الأربعاء، 2 أغسطس 2017

دراسة نقدية لأهم ما يميز تفسير" في ظلال القرآن " عن غيره من التفاسير

 دراسة نقدية لأهم ما يميز تفسير" في ظلال القرآن " عن غيره من التفاسير


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه .. أما بعد
فلا شك أن كتاب في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب رحمه الله قد أحدث في ساحة الفكر الجاد صدى واسعاً ، وأثار في أوساط المثقفين على اختلاف مشاربهم جدلاً كبيراً ، وأن ذلك كان بسبب ما أحدثه الكتاب من تأثير كبير في مجتمعات المسلمين ، وقد شهد المنصفون من الدارسين بأن الكتاب قد نجح في إحداث تلك الهزة الفكرية والإيمانية الواسعة في العالم الإسلامي بما امتاز به من الأصالة والجدية والصدق .
الأصالة التي يمثلها اعتماده على المصادر الموثوقة الأمينة وهي القرآن الكريم وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتجرده عند البحث من الانصياع لأي مقررات سابقة ، فلم يستلهم في دراساته القرآنية إلا نصوص الوحي المتمثلة في القرآن والسنة .
وأما الجدية فمعناها أن المؤلف لم ينظر إلى تفسير القرآن على أنه ترف فكري أو تسلية ثقافية أو لهو عقلي ، بل جعل من أهدافه في الظلال إبراز سمة الجدية ، فكان رحمه الله يشعر أنه في ميدان المعركة ، فواجه الجاهلية وسدنتها مواجهة المجاهد الشجاع الهاديء الواثق بربه وبالحق الذي ملأ جوانحه وامتلك عليه نفسه ، فلم يعبأ بالجاهلية ولم يخفه انتفاشها ، ولم يخدعه بريقها ، ولم ينطل عليه زيفها ، فمزق بعزم المؤمن الثابت قناعها الخادع ، فجاء كتابه جهاداً جاداً مباركاً يلمسه كل دارس جادّ .
وأما الصدق فيشهد به من عرف المؤلف ، وما أحاط به من ظروف زمن تأليفه للكتاب ، وما كان عليه رحمه الله من ثبات وصبر وعزم ، فلقد عاش المؤلف بروحه وفكره وشعوره وكيانه كل ما سطره في كتابه ، فلا يحتاج صدقه إلى دليل بعدما جاد بنفسه في سبيل الله فصدع بالحق ، ونصح لأمته أخلص النصح .. نحسبه كذلك والله حسيبه ولا نزكي على الله أحداً .
 يعد تفسير في ظلال القرآن نقلة جديدة واسعة رائدة في عالم التفسير ، فهو من كتب التفسير بالرأي المحمود ، حيث لم يخالف المؤلف رحمه الله معتقد أهل السنة والجماعة بل وافقه ونصره في تفسيره في جميع المواطن التي تناولت قضايا الإيمان ومباحث العقيدة ، فعقيدته في الصحابة موافقة لما عليه أهل السنة والجماعة من حب الصحابة رضي الله عنهم وتوقيرهم بل إنه يصرح بأن ذلك الجيل الفريد الذي تربى على القرآن وهدي النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يتكرر في التاريخ على هذا النحو من عمق الإيمان وإخلاص التوحيد وبذل النفس والمال تحت راية الإسلام
كما أنه رحمه الله عرض في كتابه عقيدة أهل السنة والجماعة في مسألة الإيمان وأنه قول وعمل بطريقة جديدة ، حيث فصّل القول بأقوى الحجج وأنصع البراهين على أن الإيمان إذا انفصل عن العمل لم يعد إيماناً ، بين ذلك بجلاء لا سيما في قضية الحكم والتشريع ، وهي القضية التي أصيبت الأمة بغيابها وانفصالها عن أصل الإيمان في شعور كثير من المسلمينإصابة بالغة .
فلم يكن سيد رحمه الله يعتمد في أمر العقيدة سوى القرآن والحديث ، كما كان موفقاً في الحذر من التأثر برواسب الثقافات البشرية والتي عكرت صفاء النبع الذي استقى منه الجيل الأول الذي تفرد بتمام النقاء في جانب التلقي والاعتقاد .
 ولقد ظل مخلصاً لهذا المنهج طوال كتابه مستلهماً الهداية من التنزيل الحكيم وهدي سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، ولهذا وصفه النقاد المنصفون بأنه كان سلفي المنهج ، وهذا حق لا ريب فيه ، ولقد أثرى بهذا المنهج في عرض القرآن الكريم الدراساتِ التربويةَ الإسلامية أيما إثراء .
بل إنه رحمه الله انتقد مناهج بعض المفسرين قبله في أنهم نظروا إلى العقيدة بمنظار الفلسفة والجدل فعقّدوها على المسلمين ، ولو أنهم أخذوا عقيدتهم من القرآن والسنة مباشرة لما وقع الجدل والخصام ، ولما فُتح على المسلمين في هذا الجانب باب الشقاق والفرقة .
ولا يحتاج الدارس لكتاب الظلال لكبير جهد ليقف على مجانبة المؤلف لمنهج المعتزلة في تضخيم دور العقل في منهج التلقي وتكوين العقيدة ،وخوضهم في مناهج كلامية جدلية عقيمة دوخت الدارسين وغبشت على المسلمين عقيدتهم السهلة الميسرة ، فقد كان قلمه حاسماً واضحاً في هذه القضية حيث بين رحمه الله أن دور العقل لا يتجاوز التلقي عن الوحي ، وأنه تابع للوحي وليس العكس ، وأن العقل إذا استقل في طلب الهداية وابتعد عن الوحي ضل وانحرف.
يقول رحمه الله في عبارة شفافة قاطعة : " والعقل بمصاحبة وحي الله وهداه بصير ، وبترك وحي الله وهداه أعمى " .
كما يقرر المؤلف رحمه الله عقيدة أهل السنة والجماعة في مسألة زيادة الإيمان بالطاعات فيقول ( الظلال 3/1475): " والقلب المؤمن يجد في آيات هذا القرآن ما يزيده إيماناً..".اهـ
كما أن المؤلف رحمه الله عبر عن منهجه في أسماء الله وصفاته فبين أنها توقيفية ؛ لا مجال للعقل في الوقوف عليها إلا من جهة نصوص الوحي فحسب ، هذا ، ولا ننكر أن بعض عبارات المؤلف في هذا الصدد كانت موهمة غير واضحة مما فتح الباب لانتقادات حادة وجهها البعض للكتاب ومؤلفه ، ولا شك أن سيداً رحمه الله قد غلب على عباراته وهو يعالج بعض مسائل العقيدة شيء من الاتساع  والتسامح لإخراج العبارة في صورتها الأدبية البليغة المعهودة غير أن ذلك أحياناً يكون على حساب الدقة والضبط اللازمين للتعبير عن مثل هذه القضايا الدقيقة .
فقد فسر قوله تعالى { ثم استوى على العرش } بعبارة غير صحيحة حيث قال : إنها كناية على الاستعلاء والسيطرة ، وقال : كناية عن الهيمنة ، والصحيح قول أهل السنة : استوى : علا وارتفع . وغفر الله للأستاذ سيد ما كان من كبوات قلمه ، وجزاه خير ما جازى به عالماً عاملاً .
وإن مما يؤسف له ما يقع فيه بعض طلبة العلم من الحدة عند النقد ، وإغفال الإشارة إلى مكانة هذا الكتاب النفيس بين كتب التفسير ، فعلى سبيل المثال نجد أن أحد المراجعين للظلال وهو الأستاذ عبد الله الدويش يقسو في عباراته وهو يراجع الأستاذ سيد في خطأه في تفسير الاستواء ، فيقول الدويش في كتابه " المورد الزلال في التنبيه على أخطاء تفسير الظلال " : هذا قول الجهمية الضلال المعطلين . 
وعلى كل حال  ، فإن مما تقرر عند المسلمين أن كل امريء يؤخذ منه ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن الكلام في موقف البعض الذين حمّلوا تلك العبارات أكثر مما تحتمل فبدلاً من أن يغتفر الخطأ اليسير للمؤلف بجانب الحسنات العظيمة التي يفصح عنها كتابه القيم ذهب البعض إلى إبراز هذه الهنات أو الأخطاء التي هي بمثابة قطرات من نهر كبير وإغفال ماء النهر كله ، ولو أنصفوا لخففوا من غلوائهم وحملوا أمره على مجمل ما في الكتاب من خير وعلم ومنهج سلفي واضح المعالم .
ومما أولاه المؤلف عنايته من البحث في الظلال مسألة دار الحرب ودار الإسلام ، حيث جاء توصيفه للدارين موافقاً لما ذهب إليه جمهورأهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة ، فقدد قرر سيد ما قرروه من أن دار الحرب هي الدار التي لا تحكم بشرع الله وإن كان غالب ساكنيها من المسلمين ، ودار الإسلام هي الدار التي يعلو فيها شرع الله وإن كان ساكنوها من المسلمين وغيرهم ، بيد أن نفراً من الكتاب الإسلاميين المعاصرين اختاروا أن يكون تقسيم الدور على أساس تاريخي أو جغرافي بحت ، فالبلاد التي يعيش فيها المسلمون دار إسلام ولو حكمت بغير شريعة الله ، وهو ما مال إليه أبو حنيفة رحمه الله حيث اشترط لسريان أحكام الكفر على دار الإسلام لتصبح دار حرب شرطين
1-              ألا تكون متصلة بدار الإسلام .
2-     ألا يبقى أحد من أهل الإسلام من أهل هذه المنطقة المغلوبة بأحكام الكفر آمناً بالأمان الأول الثابت قبل تبديل أحكام الإسلام .
       وقد وافق صاحبا أبي حنيفة محمد وأبو يوسف الجمهور ، وأيدهما ابن عابدين في حاشيته فقال : إن قول الصاحبين – المساند لقول الجمهور – هو الذي يقتضيه القياس ؛ لأن الشرطين الأخيرين لا يعرفان من النصوص الشرعية ولا من سلوك الصدر الأول " . 
والحق والصواب ما ذهب إليه الجمهور، وهو ما اختاره سيد رحمه الله  .
وقد حاول البعض اتهام المؤلف بأنه يحكم على الأفراد الذين يعيشون في هذه المجتمعات التي وصفها سيد بأنها جاهلية ، أو وصّف الدولة بأنها دار حرب أن هذا الوصف ينطبق على الناس الذين يعيشون في هذه المجتمعات ، وهو أمر قد نفاه المصنف في أكثر من موضع من كتابه ، فبين أن الوصف للمجتمع أو الدولة يخص أنظمتها وقوانينها ، وأنه لا يمكن أن ينطبق على الأفراد .
وعند كلامه على الجهاد في سبيل الله بين أنه " جهاد لتقرير ألوهية الله في الأرض ، وطرد الطواغيت المغتصبين لسلطان الله .. وأنه جهاد لتحرير الإنسان من العبودية لغير الله ، ومن الفتنة بالقوة عن الدينونة لله وحده والانطلاق من العبودية للعباد .. ومن ثم ينبغي له أن ينطلق في الأرض كلها لتحرير الإنسان كله بلا تفرقة بين ما هو داخل في حدود الإسلام ، وبين ما هو خارج عنها .اهـ

 إثراء ميدان الدعوة إلى الله :
وقد أثرى الظلال ميدان الدعوة إلى الله تعالى بأبحاث قيمة استقاها المؤلف من توجيهات القرآن وهداياته ، وكانت هذه الأبحاث القيمة سمة بارزة ميزت الظلال عن غيره من التفاسير التي لم تعن في تفاسيرها بمثل هذه الأبحاث التفصيلية .
كشف عداوة اليهود للدعوة الإسلامية
 قال رحمه الله في الظلال (1/30) : لقد كان اليهود هم أول من اصطدم بالدعوة في المدينة ؛ وكان لهذا الاصطدام أسبابه الكثيرة .. . اهـ
فبين رحمه الله أن أول هذه الأسباب : ما انطوت عليه نفوسهم الشريرة من بغض وحسد وكيد للنبي صلى الله عليه وسلم فاستقبلوه بهذه العداوة ودأبوا على ذلك حتى أجلاهم.
قال رحمه الله : قد كان اليهود يزعمون أنهم شعب الله المختار ، وأن فيهم الرسالة والكتاب . فكانوا يتطلعون أن يكون الرسول الأخير فيهم كما توقعوا دائما . فلما أن جاء من العرب ظلوا يتوقعون أن يعتبرهم خارج نطاق دعوته ، وأن يقصر الدعوة على الأميين من العرب فلما وجدوه يدعوهم - أول من يدعو - إلى كتاب الله ، بحكم أنهم أعرف به من المشركين ، وأجدر بالاستجابة له من المشركين .. أخذتهم العزة بالإثم ، وعدوا توجيه الدعوة إليهم إهانة واستطالة !
 ثم إنهم حسدوا النبي  حسدا شديدا . حسدوه مرتين : مرة لأن الله اختاره وأنزل عليه الكتاب - وهم لم يكونوا يشكون في صحته - وحسدوه لما لقيه من نجاح سريع شامل في محيط المدينة . على أنه كان هناك سبب آخر لحنقهم ولموقفهم من الإسلام موقف العداء والهجوم منذ الأيام الأولى : ذلك هو شعورهم بالخطر من عزلهم عن المجتمع المديني الذي كانوا يزاولون فيه القيادة العقلية والتجارة الرابحة والربا المضعف ! هذا أو يستجيبوا للدعوة الجديدة . ويذوبوا في المجتمع الإسلامي . وهما أمران - في تقديرهم - أحلاهما مر !
 لهذا كله وقف اليهود من الدعوة الإسلامية هذا الموقف .
وهكذا يمضي رحمه الله مع الآيات وهي تصف اليهود وصفاً دقيقاً وتبين جحودهم لنعم الله عليهم ، وفسوقهم عن كتابهم وشريعتهم .. ونكثهم لعهد الله معهم: ( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون . وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم . ولا تكونوا أول كافر به ، ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ، وإياي فاتقون . ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون . وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين . أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ؟ وأنتم تتلون الكتاب ؟ أفلا تعقلون ؟ )  ..  ( أفتطعمون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ؟ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا : آمنا ، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا : أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم ؟ أفلا تعقلون ؟ )  ..   ( وقالوا : لن تمسنا النار إلا أياما معدودة . قال : أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده ؟ أم تقولون على الله ما لا تعلمون ؟ )  ..   ( ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ، فلعنة الله على الكافرين )  ...   ( وإذا قيل لهم : آمنوا بما أنزل الله . قالوا : نؤمن بما أنزل الله علينا ، ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم )  ...  
ويقول رحمه الله :  وكانت معجزة القرآن الخالدة أن صفتهم التي دمغهم بها هي الصفة الملازمة لهم في كل أجيالهم من قبل الإسلام ومن بعده إلى يومنا هذا . مما جعل القرآن يخاطبهم - في عهد النبي  كما لو كانوا هم أنفسهم الذين كانوا على عهد موسى - عليه السلام - وعلى عهود خلفائه من أنبيائهم باعتبارهم جبلة واحدة . سماتهم هي هي ، ودورهم هو هو ، وموقفهم من الحق والخلق موقفهم على مدار الزمان ! ومن ثم يكثر الالتفات في السياق من خطاب قوم موسى ، إلى خطاب اليهود في المدينة ، إلى خطاب أجيال بين هذين الجيلين . ومن ثم تبقى كلمات القرآن حية كأنما تواجه موقف الأمة المسلمة اليوم وموقف اليهود منها . وتتحدث عن استقبال يهود لهذه العقيدة ولهذه الدعوة اليوم وغدا كما استقبلتها بالأمس تماما ! وكأن هذه الكلمات الخالدة هي التنبيه الحاضر والتحذير الدائم للأمة المسلمة ، تجاه أعدائها الذين واجهوا أسلافها بما يواجهونها اليوم به من دس وكيد ، وحرب منوعة المظاهر ، متحدة الحقيقة !

ومن أهم ما يميز تفسير في ظلال القرآن عن غيره من التفاسير :
مراعاته إبراز ذلك الترابط العجيب بين مواكب الإيمان على طول التاريخ الإنساني ، وتحديد أواصر تلكم الروابط الإيمانية متمثلة في أجلى معانيها في حياة الرسل الكرام ، وذلك من شأنه أن يعطي السائر في ظلال القرآن طاقة دافعة للثبات والمضي دونما استيحاش أو تردد ، وفيم الاستيحاش ولم التردد والرفقة كريمة رفيعة ؟ ، إنه الشعور العميق بالدفء والأنس والكرامة . 
يقول صاحب الظلال عليه رحمة الله تعالى : والمؤمن ذو نسب عريق ، ضارب في شعاب الزمان . إنه واحد من ذاك الموكب الكريم ، الذي يقود خطاه ذلك الرهط الكريم : نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ، ويعقوب ويوسف ، وموسى وعيسى ، ومحمد .. عليهم الصلاة والسلام ..   ( وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون )  ..
 كان صاحب الظلال موفقاً غاية التوفيق في إلقائه الأضواء الباهرة على سجل الدعوة إلى الله متمثلاً في مسيرة الرسل الكرام وما لاقوه من عنت ومعاناة وإيذاء ، وما كانوا عليه من صبر جميل ، ونبل كبير ، ورغبة صادقة في هداية أقوامهم ، وثقة لا حدود لها في نصر الله وتأييده ، واحتساب يهون عليهم كل مشقة ، ويملأ نفوسهم الكبيرة بالروح والاطمئنان ، وهو درس كبير للدعاة على مر الأجيال ، ومعالم ساطعة على الطريق .
يقول رحمه الله : هذا الموكب الكريم ، الممتد في شعاب الزمان من قديم ، يواجه - كما يتجلى في ظلال القرآن - مواقف متشابهة ، وأزمات متشابهة ، وتجارب متشابهة على تطاول العصور وكر الدهور ، وتغير المكان ، وتعدد الأقوام . يواجه الضلال والعمى والطغيان والهوى ، والاضطهاد والبغي ، والتهديد والتشريد .. ولكنه يمضي في طريقه ثابت الخطو ، مطمئن الضمير ، واثقا من نصر الله ، متعلقا بالرجاء فيه ، متوقعا في كل لحظة وعد الله الصادق الأكيد :   ( وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا . فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ، ولنسكننكم الأرض من بعدهم . ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد )  .. موقف واحد وتجربة واحدة . وتهديد واحد . ويقين واحد . ووعد واحد للموكب الكريم .. وعاقبة واحدة ينتظرها المؤمنون في نهاية المطاف . وهم يتلقون الاضطهاد والتهديد والوعيد .
 وإن من الخطوط العريضة التي ما فتئ صاحب الظلال يبرزها ويجليها في كتابه : الحكمةُ البالغة التي صبغت الكون كله معلنة أن الخالق العظيم حكيم خبير ، وأنه لا مجال لتصور العبث في الخلق ، كما لا مجال لتصور المصادفة العمياء أو الاتفاق العارض . إنه القصد الحكيم والإرادة المبصرة . فالكتاب يدعو إلى فتح العيون وإنفاذ البصائر لاستجلاء جوانب الحكمة الإلهية ،  والاستسلام لأمره والتسليم لحكمته في رضى ويقين . 
يقول رحمه الله : وفي ظلال القرآن تعلمت أنه لا مكان في هذا الوجود للمصادفة العمياء ، ولا للفلتة العارضة :   ( إنا كل شيء خلقناه بقدر )  ..   ( وخلق كل شيء فقدره تقديرا )  .. وكل أمر لحكمة . ولكن حكمة الغيب العميقة قد لا تتكشف للنظرة الإنسانية القصيرة :   ( فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل ) .
 كما أن من أهم ما يميز هذا التفسير هو ذلك الإلحاح الصبور على ترسيخ قضية (توحيد الله في الحكم والتشريع ) في عقل القارئ وقلبه ، وإزالة كل غبش عنها ، ونفض كل غبار تراكم على مفهومها عبر قرون من الجهل والغفلة والتراجع والانهزامية .. إن المؤلف رحمه الله لم يغفل هذه القضية في أي مرحلة من رحلته الطويلة في ظلال القرآن عن التنبيه على الترابط المتين بين توحيد الله تعالى والتسليم لأمره ، والإيمان بصفات الكمال والجلال لله الخالق والانقياد لشرعه .. وأن ذلك الإيمان المبصر هو الواحة الصالحة الرفيعة المباركة التي تفعم نفس المؤمن بالسكينة والراحة ، وتحرره من أغلال الشح والجبن ، وتطهره من أوضار الشهوات والأطماع ، وترتقي به في مراقي الفلاح ، ليعمر الأرض من خلال منهج الله الذي أراده لعباده .
يقول رحمه الله : وانتهيت من فترة الحياة - في ظلال القرآن - إلى يقين جازم حاسم .. إنه لا صلاح لهذه الأرض ، ولا راحة لهذه البشرية ، ولا طمأنينة لهذا الإنسان ، ولا رفعة ولا بركة ولا طهارة ، ولا تناسق مع سنن الكون وفطرة الحياة .. إلا بالرجوع إلى الله ..
 والرجوع إلى الله - كما يتجلى في ظلال القرآن - له صورة واحدة وطريق واحد .. واحد لا سواه .. إنه العودة بالحياة كلها إلى منهج الله الذي رسمه للبشرية في كتابه الكريم .. إنه تحكيم هذا الكتاب وحده في حياتها . والتحاكم إليه وحده في شؤونها . وإلا فهو الفساد في الأرض ، والشقاوة للناس ، والارتكاس في الحماة ، والجاهلية التي تعبد الهوى من دون الله :   ( فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم . ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ؟ إن الله لا يهدي القوم الظالمين )  ..
 ويضيف : إن الاحتكام إلى منهج الله في كتابه ليس نافلة ولا تطوعا ولا موضع اختيار ، إنما هو الإيمان .. أو .. فلا إيمان ..   ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم )  ..   ( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون . إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا ، وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض ، والله ولي المتقين )  ..
 والأمر إذن جد .. إنه أمر العقيدة من أساسها .. ثم هو أمر سعادة هذه البشرية أو شقائها ..
 إن هذه البشرية - وهي من صنع الله - لا تفتح مغاليق فطرتها إلا بمفاتيح من صنع الله ؛ ولا تعالج أمراضها وعللها إلا بالدواء الذي يخرج من يده - سبحانه - وقد جعل في منهجه وحده مفاتيح كل مغلق ، وشفاء كل داء :   ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين )
 ولقد كانت تنحية الإسلام عن قيادة البشرية حدثا هائلا في تاريخها ، ونكبة قاصمة في حياتها ، نكبة لم تعرف لها البشرية نظيرا في كل ما ألم بها من نكبات .. لقد كان الإسلام قد تسلم القيادة بعدما فسدت الأرض ، وأسنت الحياة ، وتعفنت القيادات ، وذاقت البشرية الويلات من القيادات المتعفنة ؛ و   ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي )
ثم يزيد الأمر وضوحاً وحسماً يقطع كل شك في تلكم القضية الخطيرة فيقول عند تفسيره لقول الله تعالى ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) : بهذا الحسم الصارم الجازم . وبهذا التعميم الذي تحمله  ( مَن )  الشرطية وجملة الجواب . بحيث يخرج من حدود الملابسة والزمان والمكان ، وينطلق حكما عاما ، على كل من لم يحكم بما أنزل الله ، في أي جيل ، ومن أي قبيل ..
 والعلة هي التي أسلفنا .. هي أن الذي لا يحكم بما أنزل الله ، إنما يرفض ألوهية الله . فالألوهية من خصائصها ومن مقتضاها الحاكمية التشريعية . ومن يحكم بغير ما أنزل الله ، يرفض ألوهية الله وخصائصها في جانب ، ويدعي لنفسه هو حق الألوهية وخصائصها في جانب آخر .. وماذا يكون الكفر إن لم يكن هو هذا وذاك ؟ وما قيمة دعوى الإيمان أو الإسلام باللسان ، والعمل - وهو أقوى تعبيرا من الكلام - ينطق بالكفر أفصح من اللسان ؟!
 إن المماحكة في هذا الحكم الصارم الجازم العام الشامل ، لا تعني إلا محاولة التهرب من مواجهة الحقيقة . والتأويل والتأول في مثل هذا الحكم لا يعني إلا محاولة تحريف الكم عن مواضعه .. وليس لهذه المماحكة من قيمة ولا أثر في صرف حكم الله عمن ينطبق عليهم بالنص الصريح الواضح الأكيد .
ثم وقعت تلك النكبة القاصمة ، ونحي الإسلام عن القيادة . نحي عنها لتتولاها الجاهلية مرة أخرى ، في صورة من صورها الكثيرة . صورة التفكير المادي الذي تتعاجب به البشرية اليوم ، كما يتعاجب الأطفال بالثوب المبرقش واللعبة الزاهية الألوان !
 وإن مما يميز كتاب الظلال هو الاسترسال غير المتكلف عبر المعاني التي تتعلق بالآية أو الآيات ، والإشارة إلى صور من الواقع داخلة في معنى الآيات ، موسعاً بذلك أرجاء الرؤية ، وكان المفسرون يقتصرون على تجلية المعنى بأوجز عبارة دون الإشارة إلى الصور المتعددة للباطل التي تشير الآية إليها ، فلما كان هذا الزمان ، وعم الجهل بالقرآن ولغة القرآن ، وشرد الناس بعيداً عن أخلاق القرآن وهداياته ، وتعطل شرعه ، فما عاد يسود ويعلو كما أمر الله ، كانت حاجة الناس ماسة إلى معالجة التفسير على نحو جديد يتمثل في التفهيم والشرح والإسهاب، وتقليب الصور المتعددة للباطل على ضوء القرآن لتنكشف الحقائق وتنجلي ، فاحتاج المفسر الموفق في هذا الزمان أن يعرض لألوان الباطل الخادعة فيكشف خداعها ، ولهذا كان كتاب الظلال متميزاً بطريقته في التفصيل والتعيين والقصد الواضح دونما مواربة أو مجاملة .. كان صريحاً في ندائه للأمة النائمة أن تصحو ، وأن تعود مرة أخرى إلى جادة الطريق .. إلى المنهج الإلهي .. ليعود إليها عزها الذي كان .
                 يقول رحمه الله - وكأنه يشير بوضوح إلى العلمانيين ؛ ذلك النبت الضار الذي نما في ديار المسلمين وتخلل كالمرض الخطير أعضاء الأمة وحناياها ، وتمكن من مواطن التأثير في المجتمعات المسلمة - :
يقول : إن هناك عصابة من المضللين الخادعين أعداء البشرية . يضعون لها المنهج الإلهي في كفة والإبداع الإنساني في عالم المادة في الكفة الأخرى ؛ ثم يقولون لها : اختاري !!! اختاري إما المنهج الإلهي في الحياة والتخلي عن كل ما أبدعته يد الإنسان في عالم المادة ، وإما الأخذ بثمار المعرفة الإنسانية والتخلي عن منهج الله !!! وهذا خداع لئيم خبيث . فوضع المسألة ليس هكذا أبدا .. إن المنهج الإلهي ليس عدوا للإبداع الإنساني . إنما هو منشئ لهذا الإبداع وموجه له الوجهة الصحيحة .. ذاك كي ينهض الإنسان بمقام الخلافة في الأرض . هذا المقام الذي منحه الله له ، وأقدره عليه ، ووهبه من الطاقات المكنونة ما يكافئ الواجب المفروض عليه فيه ؛ وسخر له من القوانين الكونية ما يعينه على تحقيقه ؛ ونسق بين تكوينه وتكوين هذا الكون ليملك الحياة والعمل والإبداع .. على أن يكون الإبداع نفسه عبادة لله ، ووسيلة من وسائل شكره على آلائه العظام ، والتقيد بشرطه في عقد الخلافة ؛ وهو أن يعمل ويتحرك في نطاق ما يرضي الله . فأما أولئك الذين يضعون المنهج الإلهي في كفة ، والإبداع الإنساني في عالم المادة في الكفة الأخرى .. فهم سيئو النية ، شريرون ، يطاردون البشرية المتعبة الحائرة كلما تعبت من التيه والحيرة والضلال ، وهمت أن تسمع لصوت الحادي الناصح ، وأن تؤوب من المتاهة المهلكة . وأن تطمئن إلى كنف الله ...
 وهنالك آخرون لا ينقصهم حسن النية ؛ ولكن ينقصهم الوعي الشامل ، والإدراك العميق .. هؤلاء يبهرهم ما كشفه الإنسان من القوى والقوانين الطبيعية ، وتروعهم انتصارات الإنسان في عالم المادة . فيفصل ذاك البهر وهذه الروعة في شعورهم بين القوى الطبيعية والقيم الإيمانية ، وعملها وأثرها الواقعي في الكون وفي واقع الحياة ؛ ويجعلون للقوانين الطبيعية مجالا ، وللقيم الإيمانية مجالا آخر ؛ ويحسبون أن القوانين الطبيعية تسير في طريقها غبر متأثرة بالقيم الإيمانية ، وتعطي نتائجها سواء آمن الناس أم كفروا . اتبعوا منهج الله أم خالفوا عنه . حكموا بشريعة الله أم بأهواء الناس ! .
    حرمة موالاة الكفار   :
ومن القضايا التي أخذت مساحة كبيرة في اهتمام المؤلف رحمه الله ، وتكررت في مواطن عديدة من الظلال قضية الولاء والبراء ، والتي فقه الأستاذ المفسر أنها من أخطر قضايا العقيدة وأهمها ، وأشدها لصوقاً بمنهج التربية الضروري للجماعة المسلمة في مرحلة التكوين والإعداد ، وقد بين رحمه الله أنه لا يجتمع في قلب مسلم حقيقة الإيمان بالله وموالاة أعدائه .. وأن أي خلخلة في بنيان هذا المفهوم في وجدان المسلم لابد أن يحدث زلزالاً في كيانه يفقده توازنه ، ويفقده صدقه ، بل إنه يزيغ قدمه عن الطريق ، ليتعطل هناك على جنباته ، فلا هو مضى لهدفه ولا هو نجا من السقوط .
يقول رحمه الله عند تفسير قوله تعالى { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين . ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء - إلا أن تتقوا منهم تقاة - ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير . قل إن تخفوا ما في صدروكم أو تبدوه يعلمه الله ، ويعلم ما في السماوات وما في الأرض ، والله على كل شيء قدير . يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا ، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا . ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد } :  لقد استجاش السياق القرآني في الفقرة الماضية الشعور بأن الأمر كله لله ، والقوة كلها لله ، والتدبير كله لله ، والرزق كله بيد الله .. فما ولاء المؤمن إذن لأعداء الله ؟ إنه لا يجتمع في قلب واحد حقيقة الإيمان بالله وموالاة أعدائه الذين يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم فيتولون ويعرضون .. ومن ثم جاء هذا التحذير الشديد ، وهذا التقرير الحاسم بخروج المسلم من إسلامه إذا هو والى من لا يرتضي أن يحكم كتاب الله في الحياة ، سواء كانت الموالاة بمودة القلب ، أو بنصره ، أو باستنصاره سواء :
   ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين . ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء )  ..
ومن خصائص هذا التفسير : تميزه بأبحاث تربوية إيمانية موضوعية يستخلصها المؤلف الموفق رحمه الله من الآيات ويعرضها بعبارة أدبية شيقة ، وحرارة إيمانية صادقة ، وعمق في نظرته التربوية ، وجدية في عرض موضوعاته ، وتحليل دقيق للحدث الذي تتناوله الآيات في واقعية مقنعة ، ودونما تعسف أو تكلف .
لقد أدرك المؤلف رحمه الله أن منهج القرآن في تعبيد الناس لله ، وإقامة الجماعة المسلمة التي تقوم بتكاليف هذا الدين منهج قائم على الواقعية والصدق والجدية ، فلم يشغل القارئ بمباحث جدلية سواء كان ذلك عند تقريره للعقيدة في النفوس ، أو كانت في شرح أحكام فقهية ، فلا تجده يُدخل القارئ في جدل علم الكلام ، ولا الخلافات الفقهية الفرعية .بل نجده يعيش مع القارئ في جو الآيات وما تسكبه في النفس من إيمان وما تستجيشه فيها من التقوى ، ثم ما يترتب على ذلك من التسليم لأحكام الدين وشريعته دونما تلكؤ أو ترخص ، أو طلب للمتعة العقلية أو الترف الفكري ، أو التسلية الثقافية .
يقول المؤلف رحمه الله ( الظلال 2/987) :
 لقد جاء هذا القرآن لا ليقرر عقيدة فحسب ، ولا ليشرع شريعة فحسب . ولكن كذلك ليربي أمة ، وينشىء  مجتمعا ، وليكون الأفراد وينشئهم على منهج عقلي وخلقي من صنعه .. وهو هنا يعلمهم أدب السؤال ، وحدود البحث ، ومنهج المعرفة .. وما دام الله - سبحانه - هو الذي ينزل هذه الشريعة ، ويخبر بالغيب ، فمن الأدب أن يترك العبيد لحكمته تفصيل تلك الشريعة أو إجمالها ؛ وأن يتركوا له كذلك كشف هذا الغيب أو ستره . وأن يقفوا هم في هذه الأمور عند الحدود التي أرادها العليم الخبير . لا ليشددوا على أنفسهم بتنصيص النصوص ، والجري وراء الاحتمالات والفروض . كذلك لا يجرون وراء الغيب يحاولون الكشف عما لم يكشف الله منه وما هم ببالغيه . والله أعلم بطاقة البشر واحتمالهم ، فهو يشرع لهم في حدود طاقتهم ، ويكشف لهم من الغيب ما تدركه طبيعتهم . وهناك أمور تركها الله مجملة أو مجهلة ؛ ولا ضير على الناس في تركها هكذا كما أرادها الله . ولكن السؤال - في عهد النبوة وفترة تنزل القرآن - قد يجعل الإجابة عنها متعينة فتسوء بعضهم ، وتشق عليهم كلهم وعلى من يجيء بعدهم .
 لذلك نهى الله الذين آمنوا أن يسألوا عن أشياء يسوؤهم الكشف عنها ؛ وأنذرهم بأنهم سيجابون عنها إذا سألوا في فترة الوحي في حياة رسول الله  وستترتب عليهم تكاليف عفا الله عنها فتركها ولم يفرضها :
   ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم . وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم .. عفا الله عنها .. )  .
 أي لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها وترك فرضها أو تفصيلها ليكون في الإجمال سعة .. كأمره بالحج مثلا .. أو تركه ذكرها أصلا ..
 ثم ضرب لهم المثل بمن كانوا قبلهم - من أهل الكتاب - ممن كانوا يشددون على أنفسهم بالسؤال عن التكاليف والأحكام . فلما كتبها الله عليهم كفروا بها ولم يؤدوها . ولو سكتوا وأخذوا الأمور باليسر الذي شاءه الله لعبادة ما شدد عليهم ، وما احتملوا تبعة التقصير والكفران .
 ولقد رأينا في سورة البقرة كيف أن بني إسرائيل حينما أمرهم الله أن يذبحوا بقرة ، بلا شروط ولا قيود ، كانت تجزيهم فيها بقرة أية بقرة .. أخذوا يسألون عن أوصافها ويدققون في تفصيلات هذه الأوصاف . وفي كل مرة كان يشدد عليهم . ولو تركوا السؤال ليسروا على أنفسهم .
 وكذلك كان شأنهم في السبت الذي طلبوه ثم لم يطيقوه ! ..
 ولقد كان هذا شأنهم دائما حتى حرم الله عليهم أشياء كثيرة تربية لهم وعقوبة !
 وفي الصحيح عن رسول الله  أنه قال :  ذروني ما تركتكم . فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم ، واختلافهم على أنبيائهم  . 
 وفي الصحيح أيضا :  إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها . وسكت عن أشياء رحمة بكم - غير نسيان - فلا تسألوا عنها  .. 
 وفي صحيح مسلم عن عامر بن سعد عن أبيه قال : قال رسول الله إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما ، من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم عليهم من أجل مسألته  ..
ولعل مجموعة هذه الأحاديث - إلى جانب النصوص القرآنية - ترسم منهج الإسلام في المعرفة ..
 إن المعرفة في الإسلام إنما تطلب لمواجهة حاجة واقعة وفي حدود هذه الحاجة الواقعة .. فالغيب وما وراءه تصان الطاقة البشرية أن تنفق في استجلائه واستكناهه ، لأن معرفته لا تواجه حاجة واقعية في حياة البشرية . وحسب القلب البشري أن يؤمن بهذا الغيب كما وصفه العليم به . فأما حين يتجاوز الإيمان به إلى البحث عن كنهه ؛ فإنه لا يصل إلى شيء أبدا ، لأنه ليس مزودا بالمقدرة على استكناهه إلا في الحدود التي كشف الله عنها . فهو جهد ضائع . فوق أنه ضرب في التيه بلا دليل ، يؤدي إلى الضلال البعيد .
 وأما الأحكام الشرعية فتطلب ويسأل عنها عند وقوع الأقضية التي تتطلب هذه الأحكام .. وهذا هو منهج الإسلام ..
ووعى الصدر الأول هذا المنهج واتجاهه ؛ فلم يكونوا يفتون في مسألة إلا إذا كانت قد وقعت بالفعل ؛ وفي حدود القضية المعروضه دون تفصيص للنصوص ، ليكون للسؤال والفتوى جديتهما وتمشيهما كذلك مع ذلك المنهج التربوي الرباني :
 كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يلعن من سأل عما لم يكن .. ذكره الدارمي في مسنده .. وذكر عن الزهري قال : بلغنا أن زيد بن ثابت الأنصاري كان يقول إذا سئل عن الأمر : أكان هذا ؟ فإن قالوا : نعم قد كان ، حدث فيه بالذي يعلم . وإن قالوا : لم يكن ، قال : فذروه حتى يكون . وأسند عن عمار بن ياسر - وقد سئل عن مسألة - فقال : هل كان هذا بعد ؟ قالوا : لا . قال دعونا حتى يكون ، فإذا كان تجشمناها لكم . 
 وقال الدرامي : حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة ، قال : حدثنا ابن فضيل ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، قال : ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله  ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض ، كلهن في القرآن ، منهن :   ( يسألونك عن الشهر الحرام )  ..   ( ويسألونك عن المحيض )  .. وشبهه .. ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم . 
 وقال مالك : أدركت هذا البلد  [ يعني المدينة ]  وما عندهم علم غير الكتاب والسنة . فإذا نزلت نازلة ، جمع الأمير لها من حضر من العلماء ، فما اتفقوا عليه أنفذه . وأنتم تكثرون المسائل وقد كرهها رسول الله  !
 وقال القرطبي في سياق تفسيره للآية : روى مسلم عن المغيرة بن شعبة عن رسول الله  قال :  إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ، ووأد البنات ، ومنعاً وهات . وكره لكم ثلاثا : قيل وقال ؛ وكثرة السؤال ، وإضاعة المال  ..  قال كثير من العلماء : المراد بقوله : "وكثرة السؤال" : التكثير من السؤال في المسائل الفقهية تنطعا ، وتكلفا فيما لم ينزل ، والأغلوطات ، وتشقيق المولَّدات . وقد كان السلف يكرهون ذلك ويرونه من التكلف . ويقولون : إذا نزلت النازلة وفِّق المسؤول لها ..
 إنه منهج واقعي جاد . يواجه وقائع الحياة بالأحكام ، المشتقة لها من أصول شريعة الله ، مواجهة عملية واقعية .. مواجهة تقدر المشكلة بحجمها وشكلها وظروفها كاملة وملابساتها ، ثم تقضي فيها بالحكم الذي يقابلها ويغطيها ويشملها وينطبق عليها انطباقا كاملا دقيقا ..
 فأما الاستفتاء عن مسائل لم تقع ، فهو استفتاء عن فرض غير محدد . وما دام غير واقع فإن تحديده غير مستطاع . والفتوى عليه حينئذ لا تطابقه لأنه فرض غير محدد . والسؤال والجواب عندئذ يحملان معنى الاستهتار بجدية الشريعة ؛ كما يحملان مخالفة للمنهج الإسلامي القويم .
وقد قسم العلماء التفاسير تقسيمات توضح مزايا كل تفسير ، فقالوا : التفسير بالمأثور أي الذي اعتمد على المأثور من حديث رسول الله r في تفسير ما يتناوله من آيات ، وكذا أقوال الصحابة رضي الله عنهم ، وكذا أقوال التابعين الذين اشتهروا بالتفسير كمجاهد بن جبر وهو من التابعين الذين تلقوا جميع التفسير عن الصحابة . قال مجاهد : عرضت المصحف على ابن عباس أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها .
وقال سفيان الثوري : إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به .
ولهذا اعتمد الشافعي وأحمد والبخاري  وغيرهم من أهل العلم على تفسيره .
فنجد أن صاحب الظلال رحمه الله يذكر مثلاً قول مجاهد أو يضمنه بيانه للآية  ، غير أنه يستلهم النص معاني أوسع تكافئ ما استجد في أزماننا من تنوع صور الباطل ، وتفنُّن أهلِه في تلوين أباطيلهم بألوان خادعة تصرف عوام المسلمين عن حقيقة الإيمان ، فإذا بجموع المسلمين بسبب هذا الخداع ينحرفون عن الإسلام ، ويقعون في ألوان من الشرك وهم يحسبون أنهم على الجادة ، فاحتاج المفسر الموفق إلى أن يضع تفسيره على هذا النحو من التفصيل والتحديد والتفريع لمعاني الإيمان ليكشف النفاق وأهله ويعري الباطل وأهله وليقف الناس بعد هذا الوضوح أمام مفرق الطريق ليختاروا أن يكونوا عبيداً لله أو يكونوا عبيداً لأهوائهم أو أصنامهم الخفية التي صنعوها في وجدانهم حين بهت الإيمان واندرست في واقعهم معالمه .
وقد قسم العلماء التفسير بالرأي إلى تفسير بالرأي المحمود ، وتفسير بالرأي المذموم ويعنون بالأخير تفاسير المبتدعة .
والباحث في ظلال القرآن يجد أنه في جانب منه تفسير بالرأي المحمود بجانب كونه تفسيراً بالمأثور . فكان رحمه الله يفسر القرآن بالقرآن ، ثم بالحديث النبوي ، ثم بأقوال الصحابة أو سيرتهم وأحوالهم ، يحرص في ذلك على إيراد الروايات المأثورة عن السلف الصالح .
 ولقد راق لبعض الدارسين أن يسميه التفسير الحركي ، ويعني به التفسير الذي اعتمد التأصيل والتوضيح والتفصيل ليرسم للجماعة المسلمة الطريق الذي تمضي عليه وهي تنبعث في دعوتها وجهادها ، ويكشف لها المعاني الدقيقة لتفهم الواقع حولها لتبصر المزالق المخوفة ، يفعل ذلك لتتضح الجادة ويمضي السائرون الجادون الصادقون في طريق الإيمان لا يكتنفهم غبش ولا إبهام ولا إيهام . وهي اصطلاحات حادثة ولا مُشاحة في الاصطلاح ، وإن شئت قلت : التفسير التربوي ، أو التفسير الموضوعي الذي يعتني ببحث المواضيع عند ورود مناسبتها في الآيات ، فالمؤلف رحمه يستطرد كثيراً ويتوسع في بحث المواضيع التي انتفع بها الباحثون والدعاة والمربون أيما انتفاع ، ولا ريب أن كتاب الظلال تتضح منه هذه السمات ، لكنه لا ينحصر في تلك المعاني الحركية والتربوية بل يفسر كل آية بما تتضح به ؛ شأنه في ذلك شأن المفسرين السابقين الذين التزموا تعظيم السنة ، وتقديم التفسير بالمأثور ، وبيان المراد من الآية أو الآيات وعدم معارضة المأثور برأيه المجرد بحال  .
وهاك نموذجاً من التفسير بالمأثور في الظلال : -
يقول رحمه الله : وهذا القرآن يتنزل عليهم غضا ؛ وتشربه نفوسهم ؛ وتعيش به وله ؛ وتتعامل به وتتعايش بمدلولاته وإيحاءاته ومقتضياته ، في جد وفي وعي وفي التزام عجيب ، تأخذنا روعته وتبهرنا جديته ؛ وندرك منه كيف كان هذا الرهط الفريد من الناس ، وكيف صنع الله بهذا الرهط ما صنع من الخوارق ، في ربع قرن من الزمان :
 روى ابن جرير - بإسناده - عن عبد الله بن إدريس ، قال : "لما نزلت هذه الآية :    {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم }  ، شق ذلك على أصحاب رسول الله  وقالوا : أينا لم يظلم نفسه ؟ قال : فقال رسول الله   ليس كما تظنون . وإنما هو ما قال لقمان لابنه :   { لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم }  .. 
 وروى كذلك - بإسناده - عن ابن المسيب ، أن عمر بن الخطاب قرأ :   { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } فلما قرأها فزع . فأتى أبى بن كعب . فقال : يا أبا المنذر ، قرأت آية من كتاب الله . من يسلم ؟ فقال : ما هي ؟ .. فقرأها عليه .. فأينا لا يظلم نفسه ؟ فقال : غفر الله لك ! أما سمعت الله تعالى ذكره يقول :   { إن الشرك لظلم عظيم }  ؟ إنما هو : ولم يلبسوا إيمانهم بشرك . 
 وروى بإسناده عن أبى الأشعر العبدي عن أبيه ، أن زيد بن صوحان سأل سلمان ، فقال : يا أبا عبد الله ، آية من كتاب الله قد بلغت مني كل مبلغ ..   { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم }  ! فقال سلمان : هو الشرك بالله تعالى ذكره . فقال زيد : ما يسرني بها أني لم أسمعها منك ، وأن لي مثل كل شيء أمسيت أملكه .
 فهذه الآثار الثلاثة تصور لنا كيف كان حس هذا الرهط الكريم بهذا القرآن الكريم . كيف كانت جدية وقعه في نفوسهم . كيف كانوا يتلقونه وهم يشعرون أنه أوامر مباشرة للتنفيذ وتقريرات حاسمة للطاعة ، وأحكام نهائية للنفاذ . وكيف كانوا يفزعون حين يظنون أن هناك مفارقة بين طاقتهم المحدودة ومستوى التكليف المطلوب . وكيف كانوا يجزعون أن يؤاخذوا بأي درجة من درجات التقصير ، والتفاوت بين عملهم وبين مستوى التكليف . حتى يأتيهم من الله ورسوله التيسير .
 إنه مشهد كذلك رائع باهر .. مشهد هذه النفوس التي حملت هذا الدين .. وكانت ستارا لقدر الله ؛ ومنفذا لمشيئته في واقع الحياة .. .اهـ
لقد كان المؤلف رحمه الله من أهل البيان ، ولا ريب في أنه أخذ من علوم العربية قسطاً كبيراً أعانه على فهم مراد الله تعالى في كتابه الكريم ، وأنه اطلع على التفاسير الموجودة ، وأنه كان واسع الأدب حلو العبارة ، دقيق النظر ، مرهف الحس ، عارفاً بكثير من علوم الآلة ، وعلم الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول ، يظهر كل ذلك لمن طالع كتابه بإنصاف وتجرد ، ولهذا حصل من كتابه النفع الكثير للمسلمين .
كان رحمه الله يتأمل النص تأملاً عميقاً ، ويدرسه دراسة جادة ، ويسجل ما يلمحه من الدروس والعبر والدلالات ثم يوجه القارئ إلى الفهم الذي يراه أصوب وأدق ، وكان مهتماً على الدوام بربط جزئيات التوجيه القرآني سواء في عالم الأخلاق والسلوك أو ما يتعلق بإقامة المجتمع المسلم أو ما يتعلق بفهم طبيعة الصراع بين الإسلام والكفر ، وما يقتضيه ذلك من الولاء والبراء .. كان حريصاً في كل ذلك على الربط بين هذه التوجيهات وأصل الإيمان ، وأنه لا ينفك الإيمان مطلقاً عن مقتضياته من العمل ، سواء كان العمل في صورة قلبية كالحب في الله والبغض فيه وما يترتب عليه عملياً من الولاء والبراء ، أو كان في ميدان العمل المتمثل في الخضوع لله في كل أمره ، واقفاً في هذا كله تحت راية السلف الصالح في عقيدتهم الراسخة بأن الإيمان قول وتصديق وعمل ، ولئن كانت جموع غفيرة من المسلمين قد تنكبت الطريق ، وحادت عن الجادة ، فإن عقيدة الإرجاء التي سرت في ديار المسلمين وترسخت في وجدان كثير من المسلمين ، وأحدثت هذا الخلل الهائل في مسيرتها ، هي العامل الأساس في انفصال العمل عن الاعتقاد ، وهي السبب الرئيس في ترك الأمة العمل اكتفاء بشعورها بالانتماء إلى أمة الإسلام ، واقتناعاً بما تحس به من إيمان وإن كان باهتاً ضعيفاً لا يحرك نفوسهم إلى عمل . وكأن الأستاذ المفسر رحمه الله قد أدرك بدقيق فهمه أن مكمن المرض هنا ، وأن موطن الخلل هنا ، وأن عند هذه النقطة يجب أن يقف الدارسون والمعنيون بالعمل على إرجاع الأمة إلى جادة الطريق .
أدرك رحمه الله أنه لابد من العمل ، وأن العمل هو مقتضى الإيمان ، وأن إيماناً بلا عمل بمقتضاه إنما هو إيمان ناقص ضعيف لا ينفع صاحبه في الدنيا حق النفع ، وقد لا ينجيه في الآخرة ، وإن صرخ مدعوه بأعلى أصواتهم بدعواهم الكاذبة .
دور العقل عند سيد في فهم العقيدة : لقد كان رحمه الله سلفياً في تلقيه النصوص القرآنية وتعامله معها ، وكان يصرح بأن القرآن والسنة هما المصدران اللذان يكَوِّن المسلم عقيدته وفهمه على ضوئهما ، وأنه لا يقبل في التصور الإيماني أن يؤمن إنسان بالله العليم الخبير ، الكبير المتعال ، ثم يذهب يطلب الهداية بعيداً عنه ، أو يعتقد أن جهة أخرى يمكن أن يكون عندها الحق والهداية ، وما يحتاج إليه الإنسان في صلاح أمره في الدنيا والآخرة ، إن المؤلف رحمه الله يجلي هذه المسألة ويحسمها مهتدياً بطريقة القرآن { فماذا بعد الحق إلا الضلال } ثم يوضح أن العقيدة لا تؤخذ إلا من الكتاب والسنة وفهم الصحابة والتابعين لهذين الأصلين العظيمين .
وأما العقل فمجاله الفهم عن الله ورسوله ، أما أن يستقل بإنشاء الأحكام وتقرير العقيدة فهذا ما لا يقبله عقل سليم ، فضلاً عما يواجهه العقل إذا اندفع خارج الحدود التي رسمها له خالقه .. إنه يضل ويتحير ويدمر صاحبه . لقد كان منهجه في تقرير العقيدة مؤسساً على هذين المصدرين اليقينيين ، وكثيراً ما نجده يحذر من الوقوع في التأثر برواسب الثقافات البشرية التي تؤثر بصورة سلبية على صفاء العقيدة ، ويعني الفلسفات والتصورات المبنية على التخمينات والتوهمات والمجازفات ، والتي لا تستند على أرض صلبة من الحقائق .
كما أن من القضايا التي أولاها المؤلف رحمه الله عناية خاصة في بحثها وجودة عرضها مسألة المقررات السابقة التي يسلم بها المرء دونما أساس واضح من المنهجية العلمية في البحث والنظر ، وإنما هي مقررات استقرت عنده بناء على اعتبارات بعيدة عن العلم والتحقيق ، ثم يذهب يطلب لها الدليل والاعتراف من القرآن ، فيقع عنذاك في التعسف في فهم الآيات أو ليّ عنق النصوص لتوافق مقرراته السابقة التي يصعب عليه مخالفتها.
ولقد كان سيد نفسه صورة حية صادقة لهذا التجرد حيث كانت الثقافة السابقة التي تضلع منها ونشأ عليها في بيئته الأدبية التي ترعرع في جوها ، كان لهذه الثقافة ثقلها في نفسه ولصوقها في فكره ، لكنه لما آمن وصدق وفقه وأيقن أن القرآن هو الأصل الذي يجب أن يخضع له العقل ، وأن تنطوي عليه حنايا القلب ، وأن ينطبع به السلوك والواقع ، حينذاك طلب من القرآن ومن السنة الهداية فصفت له عقيدته ، وصفى له منهجه .
يقول رحمه الله :
 وإذا كان المصدر الذي يزعم الكهان أنهم يستقون منه معلوماتهم عن الغيب ، يقرر أنه هو لا يدري عن ذلك شيئا ، فقد انقطع كل قول ، وبطل كل زعم ، وانتهى أمر الكهانة والعرافة . وتمحض الغيب لله ، لا يجترئ أحد على القول بمعرفته ، ولا على التنبؤ به . وأعلن القرآن تحرير العقل البشري من كل وهم وكل زعم من هذا القبيل ! وأعلن رشد البشرية منذ ذلك اليوم وتحررها من الخرافات والأساطير !
 أما أين يقف ذلك الحرس ؟ ومن هو ؟ وكيف يرجم الشياطين بالشهب ؟ فهذا كله مما لم يقل لنا عنه القرآن ولا الأثر شيئا ، وليس لنا مصدر سواهما نستقي منه عن هذا الغيب شيئا ؛ ولو علم الله أن في تفصيله خيرا لنا لفعل . وإذ لم يفعل فمحاولتنا نحن في هذا الاتجاه عبث ؛ لا يضيف إلى حياتنا ولا إلى معرفتنا المثمرة شيئا !
 ولا مجال كذلك للاعتراض أو الجدل حول الشهب ، وأنها تسير وفق نظام كوني ، قبل البعثة وبعدها ووفق ناموس يحاول علماء الفلك تفسيره ، بنظريات تخطئ وتصيب . وحتى على فرض صحة هذه النظريات فإن هذا لا يدخل في موضوعنا ، ولا يمنع أن ترجم الشياطين بهذه الشهب عند انطلاقها . وأن تنطلق هذه الشهب رجوما وغير رجوم وفق مشيئة الله الذي يجري عليها القانون !
 فأما الذين يرون في هذا كله مجرد تمثيل وتصوير لحفظ الله للذكر من الالتباس بأي باطل ؛ وأنه لا يجوز أن يؤخذ على ظاهره .. فسبب هذا عندهم أنهم يجيئون إلى القرآن بتصورات مقررة سابقة في أذهانهم ، أخذوها من مصادر أخرى غير القرآن . ثم يحاولون أن يفسروا القرآن وفق تلك التصورات السابقة المقررة في أذهانهم من قبل .. ومن ثم يرون الملائكة تمثيلا لقوة الخير والطاعة . والشياطين تمثيلا لقوة الشر والمعصية . والرجوم تمثيلا للحفظ والصيانة ... الخ لأن في مقرراتهم السابقة - قبل أن يواجهوا القرآن - أن هذه المسميات : الملائكة والشياطين أو الجن ، لا يمكن أن يكون لها وجود مجسم على هذا النحو ، وأن تكون لها هذه التحركات الحسية ، والتأثيرات الواقعية !!!
 من أين جاءوا بهذا ؟ من أين جاءوا بهذه المقررات التي يحاكمون إليها نصوص القرآن والحديث ؟
 إن الطريق الأمثل في فهم القرآن وتفسيره ، وفي التصور الإسلامي وتكوينه .. أن ينفض الإنسان من ذهنه كل تصور سابق ، وأن يواجه القرآن بغير مقررات تصورية أو عقلية أو شعورية سابقة ، وأن يبني مقرراته كلها حسبما يصور القرآن والحديث حقائق هذا الوجود . ومن ثم لا يحاكم القرآن والحديث لغير القرآن . ولا ينفي شيئا يثبته القرآن ولا يؤوله ! ولا يثبت شيئا ينفيه القرآن أو يبطله . وما عدا المثبت والمنفي في القرآن ، فله أن يقول فيه ما يهديه إليه عقله وتجربته ..
وهكذا نقف على معالم سلفية الظلال بالمعنى الصحيح للسلفية بما لا يدع مجالاً للشك .
كان رحمه الله معنياً بوضع الأسس لبناء الجماعة المسلمة وإعدادها للخلافة :
وحمل أمانة العقيدة في الأرض بعد نكول بني إسرائيل عن حملها قديما ، ووقوفهم في وجهها هذه الوقفة أخيرا ..
 لم يفوت رحمه الله أي فرصة يجدها مناسبة ليوضح أن دور الجماعة المسلمة هو القيام بالخلافة في الأرض بمنهج الله وشريعته . وتمييزها بتصورها الخاص للوجود ، وارتباطها بربها الذي اختارها لحمل هذه الأمانة الكبرى .
التنبيه إلى تناسق المعاني بين افتتاح السورة وختامها وإبراز الوحدة الموضوعية للقرآن الكريم ، والتناسب الموضوعي في دروسه ومقاطعه ، وقد كان ذلك ظاهراً في تعريفه بكل سورة في مطلع تفسيره لها ، وعرض موضوعها الأساسي وموضوعاتها الفرعية وذلك قبل الشروع في تفسيرها التفصيلي ، فيقف القاريء بذلك على شخصية السورة وملامحها جملة واحدة ، وهذا من شأنه أن يساعد القاريء على ربط موضوعات السورة الفرعية بموضوعها الأساسي . ففي سورة البقرة على سبيل المثال نجد أنها افتتحت بالحديث عن الإيمان بالغيب ، واختتمت بالحديث عن الإيمان بالأنبياء كلهم ، وبالكتب كلها وبالغيب وما وراءه ، مع السمع والطاعة :   ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ، كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ، لا نفرق بين أحد من رسله ، وقالوا : سمعنا وأطعنا ، غفرانك ربنا وإليك المصير . لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ، ربنا لا تؤاخذنا أن نسينا أو أخطأنا ، ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ، وأعف عنا واغفر لنا ، وارحمنا ، أنت مولانا ، فانصرنا على القوم الكافرين )  .. وفي النهاية نرى ختام السورة ينعطف على افتتاحها ، فيبين طبيعة التصور الإيماني .
 ومن ثم يتناسق البدء والختام ، وتتجمع موضوعات السورة بين صفتين من صفات المؤمنين وخصائص الإيمان.

وإن مما أولاه رحمه الله أكبر الأهمية في تفسيره موضوع الأسرة المسلمة كنواة للمجتمع المسلم المنشود الذي دندن في طول كتابه حوله ، واستخلص من ثنايا الآيات الكريمة ما يلزم إقامته في مرحلة التأسيس ، ثم ما يحتاجه من صيانة وحماية حتى يشتد وينضج ويقوى على الآفات وينجح في تحدي الأعاصير ، فإذا به زرع أخضر طيب يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار .
يقول رحمه الله في الظلال  : تنظيم مؤسسة الأسرة ..  ، هو تنظيم مؤسسة الأسرة ؛ وضبط الأمور فيها ؛ وتوزيع الاختصاصات ، وتحديد الواجبات ؛ وبيان الإجراءات التي تتخذ لضبط أمور هذه المؤسسة ؛ والمحافظة عليها من زعازع الأهواء والخلافات ؛ واتقاء عناصر التهديم فيها والتدمير ، جهد المستطاع :
   ( الرجال قوامون على النساء ، بما فضل الله بعضهم على بعض ، وبما أنفقوا من أموالهم ، فالصالحات قانتات ، حافظات للغيب بما حفظ الله . واللاتي تخافون نشوزهن ، فعظوهن ، واهجروهن في المضاجع ، واضربوهن . فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا . إن الله كان عليًا كبيرًا . وإن خفتم شقاق بينهما ، فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها ، إن يريدا إصلاحًا يرفق الله بينهما . إن الله كان عليمًا خبيرًا ) 
 ولا بد - قبل الدخول في تفسير هذه النصوص القرآنية ، وبيان أهدافها النفسية والاجتماعية - من بيان مجمل لنظرة الإسلام إلى مؤسسة الأسرة ، ومنهجه في بنائها والمحافظة عليها ، وأهدافه منها .. بيان مجمل بقدر الإمكان ، إذ أن التفصيل فيه يحتاج إلى بحث مطول خاص  :
 إن الذي خلق هذا الإنسان جعل من فطرته "الزوجية " شأنه شأن كل شيء خلقه في هذا الوجود :   ( ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون )  ..
 ثم شاء أن يجعل الزوجين في الإنسان شطرين للنفس الواحدة :   ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ، وخلق منها زوجها )  ..
 وأراد بالتقاء شطري النفس الواحدة - بعد ذلك - فيما أراد ، أن يكون هذا اللقاء سكنًا للنفس ، وهدوءًا للعصب ، وطمأنينة للروح ، وراحة للجسد .. ثم سترًا وإحصانًا وصيانة .. ثم مزرعة للنسل وامتداد الحياة ، مع ترقيها المستمر ، في رعاية المحضن الساكن الهاديء المطمئن المستور المصون :
   ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة )  ..
   ( هن لباس لكم وأنتم لباس لهن )  ..
   ( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ، وقدموا لأنفسكم ، واتقوا الله )  ..
   ( يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة ) .
ومن الخصائص التي ميزت كتاب الظلال أنه أبرز دور الصحابة الكرام رضي الله عنهم في القيام بأمر هذا الدين وتمثله في واقع الحياة على أرفع صورة وأصدق نموذج ، في عالم التصديق واليقين ، وفي ميدان البذل والعطاء والتضحية بالنفس والمال مع الرضى التام ، وقد نقل للقارئ صوراً من هذا المستوى السامق ليبين أن القرآن بمستواه الرفيع إنما جاء للإنسان الذي يعلم خالقُه أن في مقدوره أن يقوم به إن هو صدق ، { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } .وقد أوضح رحمه الله أن الإسلام دين الواقعية ، وأنه ليس مبادئ خيالية فوق مستوى البشر .
يقول عند تفسير قوله تعالى { ومن يغلل يأت بما غلّ يوم القيامة . ثم توفى كل نفس ما كسبت ، وهم لا يظلمون }  (ص 504-505) :
يهدد الذين يغلون ، ويخفون شيئا من المال العام أو من الغنائم ، ذلك التهديد المخيف :
روى الإمام أحمد . حدثنا سفيان عن الزهري ، سمع عروة يقول : حدثنا أبو حميد الساعدي قال : استعمل رسول الله  رجلا من الأزد يقال له ابن اللتيبة . على الصدقة . فجاء فقال : هذا لكم وهذا أهدي إلي . فقام رسول الله  على المنبر فقال :  ما بال العامل نبعثه على عمل فيقول : هذا لكم وهذا أهدي إلي . أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا ؟ والذي نفس محمد بيده ، لا يأتي أحدكم منها بشيء إلا جاء به يوم القيامة على رقبته ، وإن بعيرا له رغاء ، أو بقرة لها خوار ، أو شاة تيعر  .. ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه . ثم قال :  اللهم هل بلغت ؟  - ثلاثا - ..  [ وأخرجه الشيخان ]   وروى الإمام أحمد بإسناده ، عن أبي هريرة قال : قام فينا رسول الله  يوما فذكر الغلول ، فعظمه وعظم أمره . ثم قال :  لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء ، فيقول : يا رسول الله أغثني . فأقول : لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك . لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة ، فيقول : يا رسول الله أغثني ، فأقول : لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك . لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت . فيقول : يا رسول الله أغثني . فأقول : لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك  ..  [ وأخرجه الشيخان من حديث أبي حيان ]  .. 
 وروى الإمام أحمد - بإسناده - عن عدي بن عميرة الكندي . قال : قال رسول الله  : يا أيها الناس . من عمل لنا منكم عملا ، فكتمنا منه مخيطا  فما فوقه ، فهو غل يأتي به يوم القيامة  .. قال : فقام رجل من الأنصار أسود - قال مجاهد : هو سعد بن عبادة كأني أنظر إليه - فقال : يا رسول الله ، أقبل مني عملك . قال :  وما ذاك ؟  قال : سمعتك تقول : كذا وكذا . قال :  وأنا أقول ذلك الآن . من استعملناه على عمل فليجيء بقليله وكثيره . فما أوتي منه أخذه ؛ وما نهي عنه انتهى  ..  [ ورواه مسلم وأبو داود من طرق عن إسماعيل بن أبي رافع ]  .. 
 وقد عملت هذه الآية القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة عملها في تربية الجماعة المسلمة ؛ حتى أتت بالعجب العجاب ؛ وحتى أنشأت مجموعة من الناس تتمثل فيهم الأمانة والورع والتحرج من الغلول في أية صورة من صوره ، كما لم تتمثل قط في مجموعة بشرية . وقد كان الرجل من أفناء الناس من المسلمين يقع في يده الثمين من الغنيمة ، لا يراه أحد ، فيأتي به إلى أميره ، لا تحدثه نفسه بشيء منه ، خشية أن ينطبق عليه النص القرآني المرهوب ، وخشية أن يلقى نبيه على الصورة المفزعة المخجلة التي حذره أن يلقاه عليها يوم القيامة ! فقد كان المسلم يعيش هذه الحقيقة فعلا . وكانت الآخرة في حسه واقعا ، وكان يرى صورته تلك أمام نبيه وأمام ربه ، فيتوقاها ويفزع أن يكون فيها . وكان هذا هو سر تقواه وخشيته وتحرجه . فالآخرة كانت حقيقة يعيشها ، لا وعدا بعيدا ! وكان على يقين لا يخالجه الشك من أن كل نفس ستوفى ما كسبت ، وهم لا يظلمون ..
 روى ابن جرير الطبري في تاريخه قال : لما هبط المسلمون المدائن ، وجمعوا الأقباض ، أقبل رجل بحق معه ، فدفعه إلى صاحب الأقباض . فقال والذين معه : ما رأينا مثل هذا قط ، ما يعدله ما عندنا ولا يقاربه . فقالوا : هل أخذت منه شيئا ؟ فقال : أما والله لولا الله ما آتيتكم به . فعرفوا أن للرجل شأنا . فقالوا : من أنت ؟ فقال : لا والله لا أخبركم لتحمدوني ، ولا غيركم ليقرظوني ! ولكني أحمد الله وأرضى بثوابه . فأتبعوه رجلا حتى انتهى إلى أصحابه ، فسأل عنه فإذا عامر بن عبد قيس 
 وقد حملت الغنائم إلى عمر - رضي الله عنه - بعد القادسية ، وفيها تاج كسرى وإيوانه لا يقومان بثمن .. فنظر - رضي الله عنه - إلى ما أداه الجند في غبطة وقال : " إن قوما أدوا هذا لأميرهم لأمناء " ..
 وهكذا ربى الإسلام المسلمين تلك التربية العجيبة التي تكاد أخبارها تحسب في الأساطير .
 ثم يستطرد السياق - في معرض الحديث عن الغنائم والغلول - يوازن بين القيم .. القيم الحقيقية التي يليق أن يلتفت إليها القلب المؤمن ، وأن يشغل بها :
   ( أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ، ومأواه جهنم وبئس المصير ؟ هم درجات عند الله ، والله بصير بما يعملون )  ..
 إنها النقلة التي تصغر في ظلها الغنائم ، ويصغر في ظلها التفكير في هذه الأعراض . وهي لمسة من لمسات المنهج القرآني العجيب في تربية القلوب ، ورفع اهتماماتها ، وتوسيع آفاقها وشغلها بالسباق الحقيقي في الميدان الأصيل .
   ( أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير )  ..
لا يكاد الباحث المهتم بدراسة الظلال يخطئ الوقوف على سمة هامة من سمات هذا التفسير ، ألا وهي الاهتمام البالغ بأمر الدعوة إلى الله ، والحركة التربوية كمعلم بارز من معالم الكتاب ، ولهذا تراه يقف بالقارئ وقفات هامة ويشير له إلى دلالات عميقة ترسخ في عقله ونفسه درساً من دروس القرآن ، يضع به لبنة جديدة في بناء الشخصية المسلمة الصالحة للقيام بأعباء الإسلام من دعوة وجهاد .
ولهذا نجده يقول :(ص 3482).. ومنهج القرآن الإلهي في علاج القلوب جدير بأن يقف الدعاة إلى الله أمامه طويلا ؛ ليتدبروه ويحاولوا أن يقلدوه !
ويقول رحمه الله عند تفسيره لقول الله تعالى   {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } ..
وإذن يكشف لهم عن حكمة اختيار القبلة التي كانوا عليها ، بمناسبة تحويلهم الآن عنها :
ومن هذا النص تتضح خطة التربية الربانية التي يأخذ الله بها هذه الجماعة الناشئة ، التي يريد لها أن تكون الوارثة للعقيدة ، المستخلفة في الأرض تحت راية العقيدة . إنه يريد لها أن تخلص له ؛ وأن تتخلص من كل رواسب الجاهلية ووشائجها ؛ وأن تتجرد من كل سماتها القديمة ومن كل رغائبها الدفينة ؛ وأن تتعرى من كل رداء لبسته في الجاهلية ، ومن كل شعار اتخذته ، وأن ينفرد في حسها شعار الإسلام وحده لا يتلبس به شعار آخر ، وأن يتوحد المصدر الذي تتلقى منه لا يشاركه مصدر آخر .
 ولما كان الاتجاه إلى البيت الحرام قد تلبست به في نفوس العرب فكرة أخرى غير فكرة العقيدة ؛ وشابت عقيدة جدهم إبراهيم شوائب من الشرك ، ومن عصبية الجنس ، إذ كان البيت يعتبر في ذلك الحين بيت العرب المقدس .. والله يريده أن يكون بيت الله المقدس ، لا يضاف إليه شعار آخر غير شعاره ، ولا يتلبس بسمة أخرى غير سمته .
 لما كان الاتجاه إلى البيت الحرام قد تلبست به هذه السمة الأخرى ، فقد صرف الله المسلمين عنه فترة ، ووجههم إلى بيت المقدس ، ليخلص مشاعرهم من ذلك التلبس القديم أولا ؛ ثم ليختبر طاعتهم وتسليمهم للرسول  ثانيا ، ويفرز الذين يتبعونه لأنه رسول الله ، والذين يتبعونه لأنه أبقى على البيت الحرام قبلة ، فاستراحت نفوسهم إلى هذا الإبقاء تحت تأثير شعورهم بجنسهم وقومهم ومقدساتهم القديمة .
 إنها لفتة دقيقة شديدة الدقة .. إن العقيدة الإسلامية لا تطيق لها في القلب شريكا ؛ ولا تقبل شعارا غير شعارها المفرد الصريح ؛ إنها لا تقبل راسبا من رواسب الجاهلية في أية صورة من الصور . جل أم صغر . وهذا هو إيحاء ذلك النص القرآني :   ( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه )  .. والله - سبحانه - يعلم كل ما يكون قبل أن يكون . ولكنه يريد أن يظهر المكنون من الناس ، حتى يحاسبهم عليه ، ويأخذهم به . فهو - لرحمته بهم - لا يحاسبهم على ما يعلمه من أمرهم ، بل على ما يصدر عنهم ويقع بالفعل منهم .
 ولقد علم الله أن الانسلاخ من الرواسب الشعورية ، والتجرد من كل سمة وكل شعار له بالنفس علقة .. أمر شاق ، ومحاولة عسيرة .. إلا أن يبلغ الإيمان من القلب مبلغ الاستيلاء المطلق ، وإلا أن يعين الله هذا القلب في محاولته فيصله به ويهديه إليه . اهـ
التزم سيد رحمه الله بالاستشهاد بما صح من الحديث النبوي في الغالب ، وأما ما وقع في كتابه من الأحاديث الضعيفة فكان عن غير قصد منه ، وربما كان عذره أنه قضى فترة طويلة في سجون الظالمين فلم تتهيأ له المراجع ، لكن الملاحظ في كتابه أنه اجتنب الاستدلال بالإسرائيليات وما تبعها من الخرافات ، ، فلم يوردها في تفسيره ، بينما لا نكاد نجد تفسيراً من التفاسير إلا وشابه من غبارها شائبة ، كما أنه لم يشغل القاريء بالبحث عن مبهمات القرآن والتي لا سبيل للوقوف عليها عن طريق الظن والتخمين أو الخرص والمجازفة ، فنجده قد أعرض عن كل ذلك ، مصفياً كتابه منها ، وهذا مما يسجل لكتابه رحمه الله .
ومما اتُهم به سيد رحمه الله أيضاً أنه حاول القضاء على الفقه الإسلامي ، وهي تهمة باطلة ينكشف زيفها لمن يدرس " في ظلال القرآن " على وجه الخصوص ، بالإضافة إلى كتب أخرى له . كما يقول الأستاذ محمد توفيق بركات ، حيث بين أن سيد إنما يعتبر الفقه ثمرة طبيعية لحياة المجتمع الإسلامي في ظل الإسلام ، ويعتبره استجابة طبيعية للمشكلات الواقعية في ذلك المجتمع .
        يقول سيد في الظلال : لقد نشأ الفقه الإسلامي في مجتمع مسلم ، ونشأ من خلال حركة هذا المجتمع في مواجهة حاجات الحياة الإسلامية الواقعية . اهـ
ثم يصرح سيد بنفي أي اتهام بأنه يدعو لإهمال الفقه الإسلامي فيقول : إن هذه ليست دعوة لإهمال الفقه الإسلامي ، وإهدار الجهود الضخمة العظيمة التي بذلها الأئمة الكبار ، والتي تحوي من أصول الصناعة التشريعية ومن نتاج الأحكام الأصيلة ما يفوق - في نواح كثيرة – كل ما أنتجه المشرعون في أنحاء العالم . اهـ
إنه لابد لمن يتصدى لتقويم التفاسير بالنقد والتحليل أن يتجرد عند البحث من كل هوى أو    تعصب ، وأن يدرس التفسير الذي يقبل على نقده دراسة شرعية متأنية هادئة واعية .
     ويضيف الأستاذ صلاح الخالدي في بحثه القيم " في ظلال القرآن في الميزان " إلى أن من ضوابط النقد لكتب التفسير الوقوف على أهداف المفسر من تفسيره ، وضرورة استخراجها من تفسيره ، لأن الأصل في المفسر أن تكون له أهداف يريد تحقيقها من تفسيره ، والهدف يحدد المنهج ، والمنهج يوضح الطريقة ، والطرق تعرض الأفكار والآراء والمسائل ، وإغفال الهدف من قبل الدارس يوقعه في أخطاء في البحث والتقويم.اهـ
ولنا على كلام الأستاذ الخالدي ملاحظة هي أن المعيار الصحيح في تقييم التفاسير هو ضوابط الشرع ، وقواعد العلم الشرعي ، وما عرف من معتقد أهل السنة والجماعة ، وبالجملة ما كان عليه السلف الصالح في العقيدة والشريعة ، فمن خالف ذلك فقد أخطأ سواء كان هدفه من تفسيره واضحاً أو مبهما ، وسواء كان له هدف مقبول في الجملة أم لا ، وسواء كان تفسيره في الجملة من تفاسير أهل السنة أم من تفاسير المبتدعة ، فالميزان هو الشرع وقواعده وضوابطه ، وإلا فالمبتدعة كانت لهم أهداف واضحة من تفاسيرهم ، وقد راعوا في تفاسيرهم تحقيق أهدافهم ، فالقول بأن معرفة هدف المفسر ضرورية في تقويم كتابه ، قول غير مسلم ، وإنما يمكن أن يعتذر عن المؤلف في كون كتابه جاء على غير النمط المعهود من كتب التفسير ، وتوسعه في البحوث بأن ظروف عصره ، وما أحاط به شخصياً من أجواء اقتضى منه هذا التوسع ، واستلزم ذاك التفصيل.
وممن أسرفوا في الهجوم على خط سيد في الظلال وغيره الشيخ ربيع المدخلي ، فقد أفرد سلسلة من المؤلفات صب فيها ما توهمه من انحراف سيد ، وقد قرأت كتبه بعناية فوجدته في معظم وقفاته مجانباً للاتزان والإنصاف والتجرد ، وقد لمست أنه كوّن فكرة مشوهة عن سيد ومن سماهم جماعته ، ثم استصحب هذه الفكرة بمزاج معتل ، ونفس متوترة ، ودراسة متعجلة ، وتصيد للعبارات ، وتعسف في الفهم فأخرج بهذه التوليفة التي لا تمت للبحث العلمي بصلة كتبه التي سماها نقداً ،
ففي كتاب " أضواء إسلامية على عقيدة سيد قطب وفكره " يقول : سيد يجوز للبشر أن يشرعوا قوانين لتحقيق حياة إسلامية صحيحة . اهـ
يقول الشيخ ربيع ذلك مع أنه نقل من كلام سيد ما يوضح أنه إنما قصد ما يندرج ضمن قاعدتي المصالح المرسلة ، وسد الذرائع ، وأن ذلك يكون عند عدم تعارض تلك التشريعات والنظم مع أصول الإسلام ، وألا تصطدم بفكرته عن الحياة والناس .
ولا أدري كيف تصور الشيخ ربيع أن الشيخ سيد قطب رحمه الله يجوِّز للبشر أن يشرعوا ، مع أن هذه القضية من أهم القضايا التي دأب سيد على تجليتها وتوضيحها في الظلال وغيره من مؤلفاته ، وهي التي أفزعت الطغاة ، وهيجتهم عليه ، ودفع رحمه الله حياته وهو يدافع عنها في ثبات ووضوح وإصرار ، فهل قصر فهم الشيخ المدخلي عن قراءة الظلال قراءة صحيحة منصفة ؟ أم ماذا ؟ الله أعلم .
ولقد أحسن الشيخ بكر أبو زيد " أحد أكابر أهل العلم في السعودية الرد على الشيخ ربيع ، وكان مما قال : لقد اقشعرّ جلدي حينما قرأت في كتابكم قولكم " يجوِّز لغير الله أن يشرع " فهُرعتُ إليها قبل كل شيء ، .. فرأيت كلامه لا يفيد هذا العنوان الاستفزازي ، ولنفرض أن فيه عبارة موهمة أو مطلقة ، فكيف نحولها إلى مؤاخذة مكَفِّرة ، تنسف ما بنى عليه سيد رحمه الله حياته ، ووظف له قلمه من الدعوة إلى توحيد الله تعالى في الحكم والتشريع ورفض سنّ القوانين الوضعية ، والوقوف في وجوه الفعلة لذلك . إن الله يحب العدل والإنصاف . اهـ

وفي النهاية نقول : لقد ظُلم صاحبُ الظلال من الطغاة الذين أفزعهم جهاده الذي تمثل في إصراره على الصدع بالحق ، وإيقاظ الأمة النائمة ، وتسليط الأضواء الباهرة على الحقائق ، وكشف الباطل والمبطلين ، وكان من المفهوم أن يفزع الطغاة ، وكان من طبيعة الصراع أن يبطشوا بالمصلح ويحاولوا كسر المصباح .

وظلمه كذلك أمته حين أسلمته وخذلته .
 وظَلَم فكرَه ودعوته ومنهجه كذلك من أساؤوا الفهم عنه وأخطأوا في التطبيق أو وقعوا في تكفير المسلمين ونسبوا أنفسهم إلى فكر صاحب الظلال وهو من هذا الغلو براء ، وظلمه أناس نسبوا إلى العلم والدعوة فملئوا ساحة الدعوة ضجيجاً على أخطاء لا ينفك عنها إنسان بله عالم من العلماء ، وأغمضوا أعينهم عن بحار زاخرة من العلم والنصح والصدق .
لكن سيد أفضي إلى ربه الكريم العدل الذي لا يظلم الناس شيئاً ، ولا يضيع عنده جهاد المجاهدين أو صدق الصادقين .
هذا ما يسَّر الله تعالى تسجيله من نظرات في كتاب " في ظلال القرآن للشيخ سيد قطب رحمه الله " والحمد لله رب العالمين .
بحث أعده / صفاء الضوي أحمد العدوي


المراجع :
1-                          سيد قطب / في ظلال القرآن – طبعة دار الشروق .
2-                          صلاح عبد الفتاح الخالدي / في ظلال القرآن في الميزان –– دار المنارة – جدة .
3-         محمد توفيق بركات / " سيد قطب خلاصة حياته – منهجه في الحركة – النقد الموجه إليه " ، مكتبة المنارة – مكة المكرمة .
4-                          رسالة الشيخ بكر بن عبد الله بن أبو زيد في الرد على المتحاملين على كتابات سيد .
5-         أبو عائش عبد المنعم إبراهيم – أبو حذيفة محمد إبراهيم / فتح الجلال في تخريج أحاديث الظلال / مكتبة نزار مصطفى الباز – مكة المكرمة – الرياض .
6-         ربيع بن هادي المدخلي /أضواء إسلامية على عقيدة سيد قطب وفكره - مكتبة الفرقان - عجمان
7-         ربيع بن هادي المدخلي العواصم مما في كتب سيد قطب من القواصم - مكتبة الفرقان – عجمان .
8-         عبد الله بن محمد الدويش / المورد الزلال في التنبيه على أخطاء تفسير الظلال / مطابع دار السياسة – الكويت .

======
الدكتور صفاء الضوي أحمد العدوي


- رأي ربيع المدخلي في الأناشيد والرد عليه ؟

- رأي ربيع المدخلي في الأناشيد والرد عليه 
________________________________
يرى الشيخ ربيع تحريم استعمال التمثيل والأناشيد في البرامج الدعوية التي يمارسها الشباب، وينكرها أشد الإنكار، فيقول: (لكن الرقص والتمثيل والأناشيد هذه يقولون أنها وسائل دعوة، فهل كان الصحابة يرقصون ويمثلون؟ هذه الوسائل فاسدة، لنقل باطله وما تجوز) اهـ([195]). 
قلت: أما الرقص فلا أدري لأي غرض ذكره؟ وهل يقصد لمز شباب ودعاة الصحوة بأنهم يرون مشروعية الرقص في البرامج الدعوية؟ فهذا لا يقول به أحد من طلبة العلم فيما أعلم! ويتنـزه شباب الصحوة المستقيمون المهتدون عن القول به فضلا عن فعله وممارسته.
وأما الأناشيد الإسلامية الحماسية، الخالية من المعازف، كالتي تحث على النشاط والعمل والجهاد، فنعم، فقد كان الصحابة ينشدون الأشعار الطيبة، ويرتجزون بها على صفة جماعية، فقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس ، أن النبي وأصحابه رضي الله عنهم كانوا ينقلون الصخر عند بناء المسجد، وهم يرتجزون ورسول الله معهم وهم يقولون:
اللهم لا خير إلا خير الآخره فانصر الأنصار والمهاجره ([196])
وعن أنس قال: كان رسول الله في بعض أسفاره، وغلام أسود يقال له أنجشة يحدو، فقال له رسول الله : (يا أنجشة رويدك سوقا بالقوارير) متفق عليه واللفظ لمسلم ([197]).
فللأناشيد الإسلامية أصل يدل على جوازها، وإذا كان الشيخ مصرا على القطع بأن الأناشيد باطلة ولا تجوز مطلقا، فهذا رأيه واجتهاده، وليس له أن يلزم الناس بما ذهب إليه، ولا أن ينكر عليهم إذا خالفوه، فضلا عن أن يذمهم أو يبدعهم.
وإذا كانت المخالفة في مسألة الأناشيد تقتضي الإنكار على من خالف فيها أو ذمه، فهو به أولى، لأنه حرم ما دل الدليل على جوازه، وخالف ما أفتى به كبار العلماء الذين نصبهم ولاة الأمر للفتوى:
فقد سئل مفتى المملكة العربية السعودية الشيخ الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله في الجامع الكبير بالرياض هذا السؤال:
اختلفت أقوال العلماء في هذا البلد في حكم استماع الأناشيد الإسلامية، فمنهم من يقول بمنعها وعدم استماعها لأنها تشبه السماع الصوفي، ومنهم من يقول بجواز استماعها وأنه لا بأس بذلك، فما وجه الحق والصواب في هذه المسألة لأنها انتشرت عند الشباب المستقيم الصالح المهتدي، وكذلك التمثيليات والمسرحيات الإسلامية هل هي جائزة أم لا؟ نرجو إفادتنا والتفضل بالحكم مع بيان الأدلة وجزاكم الله خيرا.
فأجاب الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله بجواب طويل مفصل، جاء فيه قوله:
(الأناشيد الإسلامية مثل الأشعار، إن كانت سليمة فهي سليمة، وإن كانت فيها منكر فهي [منكر]([198])... فالشعر فيه الطيب والخبيث،... وهكذا الأناشيد، إذا كان الأناشيد فيها الدعوة إلى الخير، والتشجيع على الخير، والالتزام بالإسلام، وحماية الأوطان من شر الأعداء، ونحو ذلك، فلا بأس بها، وإن كانت أناشيد فيها دعوة إلى الباطل، أو تحبيذ الباطل، أو تحبيذ الأخلاق الرذيلة، منعت مثل بقية الشعر الممنوع، فالحاصل أن البت فيها مطلقا ليس بسديد، ينظر فيها فالأناشيد السليمة لا بأس بها، والأناشيد التي فيها منكر، أو دعوة إلى منكر منكرة...) اهـ ([199]).
وقال في حكم التمثيل: (أما التمثيل فالذي يظهر لنا أن التمثيل من باب الكذب، تمثيل أنه يمثل عمر، أو يمثل أبو جهل، أو يمثل فرعون، أو يمثل النبي، كلها، كلها فيما نعلم، وفيما نفتي به أنها من الكذب) اهـ ([200]).
وقال في حكم المسرحيات:
(المسرحيات إن كان مجرد اجتماع على أشعار، أو على كلمات أدبية، أو على مقابلات بين شخص وآخر، هذا يقول كذا، وهذا يقول كذا، فإن كان ما يقولونه طيبا فهو طيب، وإن كان ما يقولونه رديء فهو رديء، فالمسرحيات مجملة، لا نعرف ما تحتها، فإن كان المقصود بالمسرحيات التمثيل، فالتمثيل مثل ما تقدم: كذب، فإن كانت المسرحيات أنهم جماعة، هذا يقول كلمة، وهذا يقول كلمة، أو هذا يقول أبيات، وهذا يقول أبيات، أو هذا يدعو إلى كذا، وهذا يدعوا إلى كذا، يتعاونون، هذا له حكمه، إن كان ما يفعلونه فيما يرضي الله، وفيما أباح الله فلا بأس، فإن كان فيما يسخط الله فهي منكر ومحرم) اهـ ([201]).
قلت: ينبغي ملاحظة تفريق الشيخ في فتواه بين التمثيل والمسرحيات، فالتمثيل أن ينتحل الممثل شخصا بعينه ويتكلم بلسانه، وهذا حرام لأنه كذب، وربما نسب إليه ما لم يقل، كما بين الشيخ رحمه الله، أما المسرحيات الهادفة التي لا يكون فيها انتحال أشخاص معينين، وإنما يكون فيها حوار مفيد في أمور مباحة، ولا يكون فيها منكر، فلا بأس بها.
أما الشيخ ابن عثيمين رحمه الله -وهو من أعضاء هيئة كبار العلماء بالمملكة- فقد أفتى بأن الأناشيد الإسلامية جائزة إذا خلت من الدفوف، والأصوات الجميلة الفاتنة، ولم تكن على صفة الأغاني الهابطة المحرمة، ولا ديدنا لسامعها ([202]) .
ولم يزل طلبة العلم والدعاة والقضاة والعلماء -وعلى رأسهم الشيخان عبد العزيز بن باز، ومحمد بن عثيمين -رحمهما الله- يحضرون احتفالات شباب الصحوة في المدارس والمعاهد والجامعات والمراكز الصيفية، ولا يجد الشباب منهم إلا التأييد والتشجيع والدعاء الصالح، ولذا لم يلتفت أولئك الشباب الصالحون إلى رأي من خالفهما!
وإذا كان قد توسع بعض الشباب في هذا الباب توسعا غير مرضي فيجب مناصحتهم بالحكمة والموعظة الحسنة، والإنكار عليهم باعتدال، ولا يجوز أن يحكم عليهم بحكم الشيخ ربيع لما فيه من الغلو الظاهر.

______________________________

([195]) شريط: (المخيم الربيعي بالكويت - الجلسة الثانية).
([196]) البخاري 428، مسلم 524.
([197]) البخاري 6149، مسلم 3232.
([198]) كلمة غير واضحة، ولعلها كما أثبتنا، ومراد الشيخ رحمه الله واضح.
([199]) شريط: أسئلة وأجوبة الجامع الكبير بالرياض رقم 5.
([200]) شريط: أسئلة وأجوبة الجامع الكبير بالرياض رقم 5.
([201]) شريط: أسئلة وأجوبة الجامع الكبير بالرياض رقم 5.
([202]) انظر: اللقاء الشهري س 246، والصحوة الإسلامية ص 132

حكم المظاهرات والاعتصامات ( مختصر البحث )

حكم المظاهرات والاعتصامات     ( مختصر البحث )
إعداد الدكتور صفاء الضوي أحمد العدوي
عضو اللجنة العلمية لرابطة علماء المسلمين

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد
بيان معنى مفردات البحث :
المظاهرات : من المظاهرة ومعناها في اللغة : التعاون على أمر، ودليل ذلك في التنزيل: تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } البقرة 85
واصطلاحا هي صورة من صور ممارسة الأمة لحقها في إبداء عدم الرضا بسياسة الحاكم كليا أو جزئيا ، كإنكار الناس تعطيل الحكم بالشريعة ، أو تعطيل شعيرة من شعائرها ، أو تقنين منكرات وكبائر كإباحة الربا والترخيص لمصارف ربوية ، أو إباحة تصنيع الخمور وترويجها ، أو استئثار ثلة من أولياء الحاكم والمقربين منه بمعظم ثروات البلاد والتضييق على بقية الشعب، أو الشكوى من المظالم المتفشية . 
فهي وسيلة من وسائل تقييد السلطة وترشيدها ، والرقابة عليها ومحاسبتها ، وثمرتها ماثلة للعيان حيث كانت وسيلة لجلب مصالح جمة ودرء مفاسد عظيمة، وذلك حين كفّت يد السلطة في عدد من البلاد الإسلامية عن كثير من المفاسد والمظالم ، فتحقق من العدل وصلاح الأحوال ما لا يخفى .
فالمظاهرات السلمية مباحة بناء على القاعدة المشهورة أن الأصل في الأشياء الإباحة .
وهي من مسائل النوازل .
فتتطلب تصورها على حقيقتها وتجريدَها مما ليس من جوهرها وأصلها .
فالمظاهرات السلمية فيها من معاني الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والنصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ، وفيها من معاني دفع الظلم وأطر الحاكم المستبد على الحق أطراً ، والمطالبة بالعدل ، هذا هو وصفها الأصلي .
فالحكم أن المظاهرات والاعتصامات المعبرة عن الاحتجاج على مظالم واقعة ، أمر مشروع قد يرقى في بعض صوره إلى الاستحباب أو الوجوب .
 وقد يدخل على هذا الأصل أنواع من المنكرات تتضمنها بعض المظاهرات كاختلاط الرجال بالنساء ، أو تخريب المرافق العامة والممتلكات الخاصة ، أو استعمال السلاح في المواجهة مع الشرطة والأمن .
فالحكم حالئذ يختلف حيث تغير مناطه ، فيكون الحكم بالمنع مستنداً إلى  تلك المفاسد التي دخلت على أصل المسألة .
فاحتشاد الناس واجتماعهم للتعبير عن رأي أو المطالبة بحقوق مهضومة دينية كالمطالبة بتحكيم الشريعة ومنع المنكرات الظاهرة كوجود الخمور أو أماكن للفساد الأخلاقي كالسينما أو الشواطئ التي ترتكب عندها المنكرات  ، أو المطالبة بحقوق مدنية دنيوية كالعدالة في توزيع الثروات ، وتوفير الوظائف ، أو حق الشعب في الرقابة على بيت المال وسائر شئون الدولة ، ومساءلة ولاة الأمر عما يقع في المجتمع من مظالم ، هذا الخروج لأجل تلك المطالب لا يوجد في الشرع ما يمنعه ، بل هو حق للناس ، وهو من التعاون على البر والتقوى ، وهو محمود في الشرع ، وهو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الذي هو من أوجب واجبات الدين كما يقرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، فإن تضمن هذا الاجتماع والتظاهر إتلاف مرافق الدولة أو الإضرار بمصالح الناس كأن يصحبه إضراب عن العمل تتعطل فيه مصالح الناس فقد اشتمل على الإثم والعدوان وهو محرم فلا يجوز التعاون عليه ، فإن خلا من ذلك فلا بأس به.
وليس مع من حرمها في أصلها دليل من الكتاب أو السنة أو فعل سلف الأمة .
فقد صدرت فتاوى لعلماء أجلاء ، يقطعون بتحريم المظاهرات ، ولم أجد معهم من الأدلة النقلية أو العقلية ما يقنع ، فمن أقوال بعضهم أنها سلوك وافد من دول الغرب الكافر ، والجواب أنه ليس كل ما يفد من الغرب مرفوض فقد يكون حسنا ، والواقع أن حياتنا مملوءةٌ بوسائلَ ونظمٍ وترتيباتٍ إدارية وتقنيات يسرت الحياة ووفرت الأوقات والجهود وأعانت على تحصيل المقصود في جوانب كثيرة من شئوننا ولم يعترض على كل هذه الأمور أحد من أهل العلم ، بل أهل العلم بأنفسهم يسارعون للاستفادة مما يفد إلينا من منتجات غربية كشبكة المعلومات العنكبوتية ( إنتر نت) وغيرها .
وقال بعضهم: إنهم يثيرون الفتنة والفوضى ويجرئون الناس على أولياء الأمور ويفتحون باب التمرد وشق العصا ، أو التسبب في إراقة الدماء ونحو ذلك من الأقوال، ونقول : إن كل ما يتسبب في مفسدة تضر المسلمين في دينهم أو دنياهم مرفوض مستنكر ، يجب أن يمنع ، فإذا كان التظاهر للمطالبة بالحقوق ورفع الظلم يترتب عليه إراقة الدماء فننظر ، من يريق الدماء ؟ فإذا كان الجماهير تهتف : يسقط الظالم ، نطالب بتحكيم الشريعة ، أوقفوا المفاسد الأخلاقية في وسائل الإعلام ، أين ثروات البلاد ونحن فقراء لا نجد ما يكفينا ، نرفض فساد القضاء ، أو يتساءلون : ما جريمة عشرات الآلاف من شبابنا حتى يقضوا جل أعمارهم في السجون ، وهم شبان صالحون  متعلمون يطالبون بالإصلاح وتطبيق الشريعة ، فإذا كانت المظاهرات على هذا النحو الموصوف فلا ينبغي أن تمنع ،بل يؤازر القائمون بها ويعاونون ،  فليس من العدل تجريمُها ، فهي مشروعة مباحة .

فإذا أطلق الجنود النار على المتظاهرين بأوامر الحاكم فقُتل ناسٌ ، فمن الذي فتح أبواب الفتنة ؟ المقتول المظلوم المسالم الذي كان يهتف بالمطالبة بحقوقه أم القاتل الظالم ؟
فإذا خرج المتظاهرون يعلنون أن تظاهرهم سلمي ، ولا يوجد مع أحد منهم سلاح ، فقط يهتفون وينددون بالظلم والقهر ، فتجمعهم لهذا الغرض مشروع ووسيلتهم مباحة ، وأما وصفهم بالانحراف والفساد والفوضى وإحداث الفتن فخطأ ،لأنه اتهام قد ثبت بطلانه ، وإنما يُهوِّل به أبواق الإعلام والدعاية الكاذبة التي تعودناها من تلك الأنظمة الجائرة .
يقول أحد العلماء الذين يجرمون المظاهرات : أن في هذه المظاهرة الخروجَ على ولي الأمروهو من كبائر الذنوب .اهـ
 ونقول : إن الاحتشاد والتجمع والتظاهر السلمي للإنكار على منكرات ومظالم ، بدون سلاح ، لا يعد خروجا ، بل هو مطالبة بالإصلاح والتغيير وتولية من يُصلِح ، وتشجيع عموم الشعب على مظاهرتهم والتعاون معهم للضغط على الحكام العملاء الفاسدين .
                     
على أنه ينبغي التنبه لأمر هو أن هؤلاء العلماء ربما استحضروا في فتواهم المشار إليها آنفا بيئة خاصة وبلدا معينا ، ولاحظوا أن المطالبين بالسماح لهم بالمظاهرات والاعتصامات أسوة بالدول المتحضرة حسب وصفهم لها في كتاباتهم ، هم ثلة من الجهلة بأحكام الشريعة والمفتونين بثقافة الغرب والداعين لتنفيذ برامج التغريب والانفتاح ، والمطالبين بمزيد من الحرية للرجال والنساء ، ويقصدون بالحرية الانفلات من أحكام  الشريعة وإلزاماتها،
وهي دعوات خبيثة مرذولة يجب أن يعاقب من يتجرأ بالمطالبة بها لقطع دابر الفتنة وحماية المجتمع من تلك الشرور ، وهذا واجب على العلماء والأمراء .

وقال أحد العلماء في معرض تجريمه للمظاهرات : هذا من الإلحاد الخميني في بلاد الحرمين .. يشير إلى ما وقع من الروافض في الحرم المكي قبل ربع قرن من الزمان ، واستدعى المواجهة بحزم وصرامة لقطع دابر فتنتهم ، ثم تابع هذا العالم فقال: فلا يجيز المظاهرات إلا الهمج الرعاع !! .
ولا شك أن بحثنا حول المظاهرات كوسيلة لتحقيق مقصود شرعي من المطالبة بالإصلاح والحقوق ورفع الظلم ، مع رفض كل صور الباطل التي قد تدخل على هذا الأصل ، فالمظاهرات التي تمجد أئمة المبتدعة ورؤوس الزندقة وأهل العداوة الظاهرة مع أهل السنة والجماعة ، والمبغضين للصحابة رضي الله عنهم ، هي مظاهرات مجرمة آثمة يجب أن تواجه بكل قوة لقطع دابر الفتنة ، ودرء خطر البدعة .
وعالم آخر يحمل على المظاهرات لأجل ما يكون فيها أحيانا من اختلاط النساء مع الرجال
 فنقول: فإن لم يقع اختلاط أو تلاصق حيث كان النساء في جانب والرجال في جانب ، والنساء محجبات يحملن لوحات كُتب عليها عبارات حول ما يطالبن به كما شاهدنا تلك الصورة الوضيئة للنساء الصالحات في اليمن ، فما وجه المنع ؟ ثم إن الاختلاط الذي قد يقع في المظاهرات تابع غير مقصود ويمكن أن يعالج بالتنبيه والتوجيه ، وإلا فمثله قد يقع في الحج ولم يقل أحد بمنع حج النساء مع الرجال لوقوع الاختلاط في الطواف ، وإنما يقوم أهل الحسبة والعلماء بمنع الاختلاط والنصح ومنع دخول النساء في الزحام مع الرجال لتخفيف المفسدة ، ثم نسأل المانعين من المظاهرات ما حكم المظاهرات إن خلت من الاختلاط ؟ هل يقولون بجوازها ؟ ، بل نسأل: ما حكم المظاهرات إن كانت للمطالبة بمنع الاختلاط الحاصل في المدارس والجامعات والمستشفيات والأسواق والنوادي والحدائق والمواصلات العامة ودواوين الوظائف في الحكومة والشركات الخاصة .
ويقول الدكتور عطية العدلان : ولقد تناول البعض هذه المسألة تناولاً تجاهل الواقع فيه وتغافل عن السنن الإلهية، وضم إلى ذلك التجاهل والتغافل دواهي كباراً متعلقة بأسلوب البحث العلمي وقواعده، كان منها النظرة الجـزئية والتناول الناقص من خـلال إعمـال بعض النصوص وإهمـال بعضـها الآخـر، وكـان منهـا التعميـم الـذي لا يفرق بين وضع وآخر من الأوضاع المتباينة والمتباعدة زماناً أو مكاناً أو حالاً، وكان منها وضع النص في غير موضعه وحمله على غير ما يُحمَل عليه، إضافة إلى تهمة المجاملة من بعضهم لبعض الأنظمة دلت عليها قرائن إن اجتمعت ارتقت إلى مرتبة القطعيات؛ كل هذا نتج عنه فتاوى اصطدمت بشكل مباشر وصريح مع بدهيات آمنت بها الشعوب إيماناً يُعَد من العبث محاولة زحزحتها عنها؛ أعني تلك الفتاوى التي حرَّمت الثورات واعتبرتها من قبيل الخروج على الحكام "

فوقفتنا مع هذه الفتوى تتعلق بتعميمها على كل الأحوال وفي كل البلدان .
طرائق ووسائل للتعبير عن الرأي لدى شعوب العالم :
( الاعتصام السلمي والمظاهرات -  الإضراب عن الطعام – الإضراب عن العمل وهو ما يسمى العصيان المدني )
ومن صور الاحتجاج الإضراب عن الطعام للضغط على جهة وقع منها الظلم على المضرب ولم تفلح المطالبة برفع الظلم وإعطاء الحق كما يحدث في سجون الظالمين أو في سجون اليهود في فلسطين المحتلة .
حكم هذه الوسيلة :
لم يختلف العلماء في منع الإضراب عن الطعام إذا كان يؤدي إلى الهلاك لقول الله تعالى   {وَلا تَقْتُلُوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً} [النساء من الآية 29]، ولقوله تعالى : ( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) البقرة/ 195 ، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم "لا ضرر ولا ضرار" (أخرجه أحمد وابن ماجة بسند صحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما)، والحديث ينهى المسلم عن إلحاق الضرر بالنفس أو إلحاق الضرر بالغير.
وقد أجاز الإضراب عن الطعام للحاجة بعضُ أهل العلم إذا لم يفض إلى الهلاك وغلب على الظن حصول المقصود منه وهو استجابة السجانين لبعض المطالب المشروعة للسجين على سبيل المثال.

حكم الإضراب عن العمل لتحقيق بعض المطالب للعامل أو تحسين بعض الأوضاع ؟
ومن صور التعبير الجماعي عن الرأي والاحتجاج على الظلم الإضراب عن العمل أي الامتناع عن أداء العمل المكلف به في العقد من غير داع لذلك فهذا إخلال بعقد العمل بين العامل من جهة وصاحب العمل من جهة أخرى ، ولقد أمر الله عز وجل المكلف في كتابه الكريم بالوفاء بالعقود أي بالعهود التي عقدها مع الغير ، ولا يحل له أن ينكث في عهده ويمتنع عن أداء ما عليه بمقتضى العقد  لقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) المائدة /1
أما إذا أخلّ صاحب العمل بشروط العقد كأن أنقص أجره المتفق عليه بينهما أو أخّر إعطاءه الأجر فللعامل أن يمتنع عن العمل حتى يوفَّى حقَّه لحديث        ( أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقُه ) رواه ابن ماجه في كتاب الأحكام من سننه وصححه الألباني.

الأدلة النقلية والعقلية على جواز المظاهرات السلمية المطالبة بالحق والعدل:
نصوص الوحيين وافرة في النهي عن الظلم وذمه وتقبيحه والسعي في دفعه واجتنابه ، والأمر بالعدل والحض عليه.
فمن الأدلة على تحريم الظلم في الكتاب العزيز:
{ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ }
{تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}البقرة229
{قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ }الأنعام47
{إنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ }الأنعام135
فعاقبة الظلم مبينة في آيات الكتاب العزيز وفيها الوعيد بالإهلاك والخذلان والعذاب وسخط الله واللعنة والخسار .
الأدلة من الحديث:
قال تعالى في الحديث القدسي:(( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا )) رواه مسلم من حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل .
روى مسلم في صحيحه حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : "اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .." 
وروى البخاري في صحيحه من حديث أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ قَالَ ثُمَّ قَرَأَ {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان ) رواه مسلم
وروى أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي بكر الصديق أَنَّهُ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : "إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ"
روى البخاري من حديث مَعقِل بن يَسارقال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ "مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ إِلَّا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ " .
فالظلم محرم بالكتاب والسنة والإجماع والعقل .
وقال الشوكاني في السيل الجرار (4/586) والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما العمادان العظيمان من أعمدة هذا الدين والركنان الكبيران من أركانه .أهـ
والله يحب من عباده الإصلاح والطاعة ويكره الفساد والمعصية ، فالإصلاح والطاعة علامة على أن العباد شكروا نعمته سبحانه فيباركها لهم ويزيدهم من فضله ، وأما المعصية فعلامة على الجحود والنكران فيسلبهم الله نعمه ويمحق بركتها ،وينزع هيبتهم من صدور أعدائهم فيتسلطون على المسلمين كما هو واقع الآن ،  فالمتظاهرون المطالبون بالعدل والإصلاح هم سبب بقاء الخيرية في أمة الإسلام وسبب بقاء النعم ، فبهم تدفع النقم ، فكيف يكون احتشادهم للمطالبة بالعدل والإصلاح فساداً وانحرافا؟!
فهؤلاء الحكام المسرفون قد أهلكوا رعيتهم بالجور ، فقد استعانوا على تدبير الملك وتسيير شئون الأمة بمن ليسوا أهل ثقة وديانة ، فقل الخير وزاد الشر وضج الناس بالشكوى لمصابهم في الدين والدنيا .

وربما يعترض أحد على إطلاق القول بجواز المظاهرات السلمية بأن المبادرة بالاحتشاد والتظاهر قبل المناصحة الهادئة لأولياء الأمور مخالفة لما كان عليه السلف من المناصحة سرا قبل أن يتكلم به على المنابر وفي دروس العلم ومنتديات الناس ، فنقول: أولا قد سئم المصلحون من تكرار النصح وتجرع الغصص بعدم الاكتراث ، بل في كثير من الحالات يصيب الناصحَ الأذى والعنت والسجن لتجرؤه على توجيه النصح لولي الأمر، فلم يبق أمام الناصحين المطالبين بالتغيير والإصلاح إلا هذه الوسيلة المشروعة الناجحة .
وأيا ما كان الأمر فقد أجاز بعض أهل العلم أن يكون الإنكار معلنا إن غلب على الظن أن الحاكم قد يتسلط على من ينكر عليه فيؤذيه أو يسجنه ، فيجوز عند غلبة الظن بذلك المبادرة بالإنكار العلني وهو ما ذهب إليه الجصاص في أحكام القرآن عند تفسيره لقول الله تعالى { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}
آل عمران 104
 قضية استئذان الحاكم  في تغيير المنكر باليد لآحاد الرعية :
ذهب قوم من أهل العلم إلى اشتراط إذن الإمام أو الوالي للقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وذهب جمهور فقهاء المذاهب إلى عدم اشتراط إذن الإمام وولي الأمر للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وردوا على الفريق الأول: بأن الآيات والأخبار الواردة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تدل على أن كل من رأى منكراً فسكت عليه عصى إذ يجب نهيه أينما رآه وكيفما رآه على العموم فالتخصيص بشرط التفويض من الإمام تحكم لا أصل له.
وقال الشيخ الدكتور عبد الآخر حماد الغنيمي في كتابه حكم تغيير المنكر باليد لآحاد الرعية
يثير البعض قضية استئذان الحاكم في التغيير، بمعنى أنهم يقولون: نعم لآحاد الرعية أن يغيروا ولكن لا بد من إذن الحاكم في ذلك.
والحق أن النصوص التي أوردناها كما أنها تدل على أن التغيير باليد ليس خاصاً بالحكام فإنها أيضاً تدل على عدم اشتراط استئذانه في التغيير، وهذا الشرط تحكمٌ لا دليل عليه، فهو شرط باطل ولا شك.

يقول الغزالي رحمه الله: ((هذا الاشتراط فاسد؛ فإن الآيات والأخبار التي أوردناها تدل على أن كل من رأى منكراً فسكت عليه عصى، إذ يجب نهيه أينما رآه وكيفما رآه على العموم فالتخصيص بشرط التفويض من الإمام تحكم لا أصل له)) .
وقال: ((بل أفضل الدرجات كلمة حق عند سلطان جائر، كما ورد في الحديث فإذا جاز الحكم على الإمام على مراغمته فكيف يحتاج إلى إذنه؟)).
وقال: ((واستمرار عادات السلف على الحسبة على الولاة قاطع بإجماعهم على الاستغناء عن التفويض، بل كل من أمر بمعروف، فإن كان الوالي راضياً فذاك وإن كان ساخطاً له فسخطه له منكر يجب الإنكار عليه، فكيف يُحتاج إلى إذنه في الإنكار عليه؟)).
فإذا كانت المظاهرات من قبيل تغيير المنكر فقد نقل النووي الإجماع على عدم اشتراط إذن الولاة في التغيير .
الدليل الرابع :
قصة حلف الفضول والتي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:(لقد حضرت حلفاً في دار ابن جدعان ما أود أن لي بها حمر النعم,ولو دعيت لمثله في الإسلام لأجبت)
وجه الدلالة :
وقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم في حلف الفضول وهو حلف كان في الجاهلية أقامه جماعة من أهل مكة تعاهدوا فيه أن ينصروا المظلوم ويعينوه حتى يستوفي حقه من ظالمه ، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري : فَاجْتَمَعَ بَعْض مَنْ كَانَ يَكْرَه الظُّلْم وَيَسْتَقْبِحهُ إِلَى أَنْ عَقَدُوا الْحِلْف , وَظَهَرَ الْإِسْلَام وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ .
واتفقوا في هذا الحلف على نصرة المظلوم ، وتعاهدوا على ذلك ، ثم قاموا لفورهم لتصديق ما تعاهدوا عليه ، فانطلقوا مجتمعين في تظاهرة حاشدة وفيهم النبي صلى الله عليه وسلم قاصدين الرجل الذي ظلم اليماني ، فلما رآهم الرجل الظالم دخله الخوف منهم وأذعن لأمرهم برد الحق لصاحبه.
وصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم شاركهم في ذلك وهو صغير مع بعض أعمامه ، لكنه صلى الله عليه وسلم أثنى على الحلف بعد البعثة كما في الحديث وقال فيه: " لو دعيت لمثله في الإسلام لأجبت" لما فيه من المروءة والنجدة ونصرة المظلوم وهي قيم أخلاقية أعلى الإسلام مقامها ورفع شأنها .
وهل الاعتصام والمظاهرات السلمية إلا من هذا الباب لإرغام الحكام الظلمة على كف الظلم ورد الحقوق .
وثمة معنى دقيق وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم يثني على حلف قام لنصرة المظلوم وقد كان المظلوم آنذاك كافرًا ، فكيف لو كان الاجتماع من أجل التعاون على رفع الظلم عن جماعة المسلمين ، فإنه يكون آكد وأشدَّ وجوبا .
وقد سجل تاريخ الإصلاح وإنكار المنكرات في تاريخنا صفحات مشرقة سجلها ابن الجوزي في كتابه المنتظم : ذكر فيه قيام عدد من كبار العلماء الشافعية والحنابلة بالاجتماع والاعتصام لإنكار المنكرات التي فشت في بغداد آنذاك من بيع النبيذ وظهور المواخير وشيوع الفحش ، والبيوع المحرمة ، وارتفعت أصواتهم مستغيثين بأمير المؤمنين مطالبين بتتبع مواطن الفساد ، فتقدم أمير المؤمنين فهرب المفسدات واختفت الأنبذة وكبست الدور ، فنجحت المظاهرة ، واستحسنها العلماء لما آلت إليه الأمور من زوال المنكرات وارتداع المفسدين والمفسدات .
ومما ذكره ابن الجوزي في كتابه المنتظم أيضا ما قام به جموع المشايخ ومعهم كثير من الناس من الاحتشاد لإنكار بدعة شتم الصحابة حين فشت في أهل الكرخ ، وقصدت المظاهرة قصر الخليفة والناس في حال غضب ، فأرسل إليهم الخليفة يقول لهم:  : قد أنكرنا ما أنكرتم ، فانصرفت الجموع .
وثبت أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله خرج مع جمع كبير من الناس ليغيروا منكرا ، وبقي معهم في هذه المظاهرة السلمية حتى غيروا ذاك المنكر.
فهؤلاء أئمة مشهود لهم بالرسوخ في العلم والأمانة والديانة ، احتشدوا وتجمهروا مع الناس لإظهار النكير على الظلم ، فكانوا أعوانا على الإصلاح ودفع الظلم ، لا أعوانا للظلمة على ظلمهم وفسادهم .
 رسالة بعنوان ناحية من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية تحقيق محبّ الدين الخطيب
وقد فعل ذلك الإمام البربهاري ومعه جموع غفيرة من طلابه ومن عامة الناس ، يخرجون في مظاهرة حاشدة ينكرون المنكرات .
فدعاة الإصلاح حين يتواعدون إلى ساحة كبيرة في موعد محدد ليجتمع الناس لينذروا السلطة برفضهم للمنكرات الموجودة والمظالم المتفشية في المجتمع ، ويطالبونهم بالإصلاح ، حين يفعلون ذلك إنما هم متبعون سنن السابقين من أئمة الدين ، ولا ريب أن الإنكار الجماعي أبلغ تأثيرًا وأقرب لتحقيق المقصود من الإنكار الفردي .
وروى الخلال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص 50 ، عن محمد بن أبي حرب قال : ( سألت أبا عبدالله – يعني أحمد بن حنبل - عن الرجل يسمع المنكر فـي دار بعض جيرانه ، قال : يأمره , قلت : فإن لم يقبل ؟ قال : تجمع عليه الجيران ، وتهوِّل عليه ) ، قال الشيخ حامد العلي : وقوله تجمع عليه الجيران ، وتهـوّل عليه أي ليكون ذلك أردع ، عندما يرى تظاهر الجيران كلُِّهم في الإنكـار .
قال العلماء المانعون من المظاهرات السلمية : هذا فساد وانحراف .
والحق أن الفساد في استمرار السكوت ، والانحراف هو تسويغ هذا السكوت.
الدليل الخامس
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( انصر أخالك ظالماً أو مظلوماً )) ثم بيّن صلى الله عليه وسلم أن نصرة الظالم بمنعه عن الظلم ، أما نصرة المظلوم فإنها واضحة متجلية لا ريب فيها ويكون بالوقوف معه وشد أزره والمطالبة برفع الظلم عنه.
ومن محاسن هذه الوسيلة في إنكار المنكرات والمطالبة برفع المظالم أنها تعرف الشعوب المغيبة تحت تخدير وسائل الإعلام المملوكة لهذه الأنظمة تعرفها بحقوقها ، فالدولة هي التي ترسم للإعلام السياسة التي تحقق مآربها وتغيب الشعوب عن إدراك مصالحها .
فلا يخفى ما تقوم به وسائل الإعلام في معظم الأنظمة العربية من الغش وكتمان الحقائق وتزييف الوعي ، وتضليل العامة بتحسين القبيح وتقبيح الحسن ، فتأتي المظاهرات السلمية التي تساهم في رفع سقف وعي الناس وتعريفهم بحقوقهم ، وفضح الممارسات الإجرامية في نهب الثروات والتواطؤ مع أعداء الدين والشريعة.
 فعلى العلماء الذين سارعوا بالفتاوى بتجريم المظاهرات أن يبينوا للشعوب المسلمة أن التحريم والتجريم ليس على إطلاقه وأن المظاهرات السلمية المطالبة بالحقوق والإصلاح مشروعة ومستحبة عند اقتضائها .
الدليل الثامن :
ومما يلاحظ أن هذه الأنظمة الظالمة المسرفة في طغيانها وخياناتها تعمل ألف حساب لصورتها أمام دول العالم ، فنجدها تخفي جرائمها وتتظاهر بالعدل ومراعاة حقوق الإنسان ، فإذا سكتت الشعوب بسبب الخوف والقهر وبسبب التضليل الذي يمارسه الإعلام وبسبب الفتاوى المضلة التي يتقرب بها بعض من ينسب للعلم والوعظ إلى الحكام ، إذا سكتت الشعوب ظن العالم أن ما يقوله الإعلام الرسمي صحيح ، فتأتي المظاهرات السلمية لتُسمَع أصواتُ المظلومين ويفضح الظالمون القساة .
ولو كانت الشعوب واعية لما أوقفت مظاهراتها السلمية حتى يرتدع الظلمة ويكفوا أيديهم عن ظلم الناس في دينهم ودنياهم .
الدليل السادس عشر:
قال الله تعالى (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض )البقرة الآية 251 ومن أوضح مظاهر سنة التدافع المظاهرات والاعتصامات السلمية
الدليل الحادي والعشرون
ومن أقوى الأدلة على جواز المظاهرات السلمية للتنديد بالظلم والمطالبة بالحقوق ، الواقع الذي شاهدناه حيث سقط عدد من الطغاة المتجبرين ورفع الظلم عن الناس ونالوا الحرية في أن يظهروا شعائر الدين دون خوف من الأجهزة الأمنية والاستخباراتية ، وشفيت صدور المؤمنين برؤية الظالمين أذلة منكسرين أو صرعى في دمائهم مضرجين .
وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .

مناقشة هادئة في حكم المظاهرات عند الجامية والمداخلة

مناقشة هادئة في حكم المظاهرات عند الجامية والمداخلة 
من العجيب أن يعتقد الجامية والمداخلة أن حكم المظاهرات مجمع على تحريمها وأنها ليست نازلة وأنه أمر من صميم الدين أجمع عليه سلف الأمة بعدم جوازه .
ثم يبدعون عليه ويوالون فيه ويعادون فيه 
وكما ذكرنا من قبل أن الجامية لا يرون إلا رأيهم فقط فمن وافقهم وافق الكتاب والسنة والإجماع ومن خالفهم صار محترقاً كلباً من كلاب النار ثم خصصوا له منزلة بين الخوارج والحزبيين والقطبيين وإلى غيرها من المسميات .
عموماً ليس الهدف من الكلام الأن هو أثبات حرمة المظاهرات أو إباحتهاعلى القدر من إثبات أن المظاهرات نازلة مختلف فيها بين العلماء وأن حكمها ليس فيه إجماع كما هو متخيل .
يقول تعالى ( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ [النحل : 116]
ويقول تعالى _( وقد فصل لكم ماحرم عليكم ) ، {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ...[32]} [سورة الأعراف]
وقال الشيخ السعدي:
وَالأَصْلُ فِي عَادَاتِنَا الإِبَاحَة *** حَتَّى يَجِيءَ صَارِفُ الإِبَاحَة
وقال أيضًا:
وَسَائِلُ الأُمُورِ كَالْمَقَاصِدِ*** وَاحْكُمْ بِهَذَا الْحُكْمِ لِلزَّوَائِدِ
رسالة القواعد [ص/30]
والمناقش لأدلة المحرمين للمظاهرات يجد أنهم اعتمدوا على رؤياهم ونظرتهم لنتائجها ولم يستدلوا بدليل مقبول في تحريمها ولا يصرف المباح للمحرم إلا بدليل جازم من السنة الطاهرة.
كما أنهم خلطوا بين وسائل الدين ووسائل الدنيا ولم يظهر لهم أن المظاهرات يغلب عليها أنها من أمور العادات .
وبعضهم يقول أنها محرمة لإنها لم تغير شيئاً !!!!!!
وبعضهم يقول أنها محرمة لطاعة ولاة الأمور والعجيب أن ولاة الامور يسمحون بها أصلاً من خلال الدستور ، وهل كل شئ يحرمه الحاكم صار حراماً
فلو افترضنا أن ولاة الأمور منعوا مناصحتهم هل تصير المناصحة لهم حرام ؟!!!
عموماً دعونا نفهم أن المظاهرات من الوسائل والوسائل لها أحكام المقاصد كما أنها من أمور الدنيا وليست من أمور الأخرة .
أما قياسها على التشبه بالكفار فهذا قياس باطل فليس كل تشبه بالكفار يصير محرم ، فلو كان كذلك فإن الكفار يركبون سيارات ويصنوع الطائرات والإنترنت والكمبيوتر فهم من وضعوا مقايس كل هذا فلا تتشبهوا بهم من باب أولى .
ولكن التشبه بالكفار يكون محرم في امور العبادات وأما أمور الدنيا فهي ليست كذلك .
وأما قولهم (هل تظاهر السلف رحمهم الله؟ هل حملوا اللوافت والهتافات ) فإن هذا أيضاً قياس باطل لإن هذا من باب الوسائل والوسائل تتغير من حين لأخر
نقول هل استخدم السلف المذياع لإعلاء الصوت وهل استخدموا الشرائط والأقراص ( سي دي) في دعوة الناس والمطويات وغيرها وغيرها ؟!!!!!
إن المظاهرات من باب المصالح المرسلة ويرجع فيها للمصالح والمفاسد فيختلف حكمها من وقت لأخر ومن مكان إلى مكان ومن مطالب إلى مطالب .
ويسعني أن أنقل هنا كلاماً طيباً للشيخ حامد العلي في هذا الباب
كره ابن الجوزي في المنتظم قال في حوادث سنة 464هـ ، قال : ( وفي جمادى الآخرة لقي أبو سعد بن أبي عمامة مغنية قد خرجت من عند تركي بنهر طابق فقبض على عودها وقطع أوتاره ، فعادت إلى التركي فأخبرته ، فبعث التركي إليه من كبس داره وأفلت ، وعبر إلى الحريم إلى بن أبي موسى الهاشمي شاكياً ما لقي ، واجتمع الحنابلة في جامع القصر من الغد فأقاموا فيه مستغيثين ، وأدخلوا معهم الشيخ أبا إسحاق الشيرازي وأصحابه ، وطلبوا قلع المواخير وتتبع المفسدات ومن يبيع النبيذ وضرب دراهم المعاملة بها عوض القراضة ، فتقدم أمير المؤمنين بذلك ، فهرب المفسدات ، وكبست الدور ، وارتفعت الأنبذة ، ووعد بقلع المواخير ومكاتبة عضد الدولة برفعها ، والتقدم بضرب دراهم يتعامل بها ، فلم يقتنع أقوام منهم بالوعد ، وأظهر أبو إسحاق الخروج من البلد فروسل برسالة سكتتــــه ) (16/139) .

وأن الإمام أحمد رحمه الله كان يفتي بأن يجتمع الناس لإنكار المنكر للتهويل والتشهير بالمنكر وأهله ، فقــد روى الخلال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن محمد بن أبي حرب قال : سألت أبا عبد الله عن الرجل يسمع المنكر في دار بعض جيرانه ، قال : يأمره , قلت : فإن لم يقبل ؟ قال : تجمع عليه الجيران وتهول عليه . ص50 .

وروي عن جعفر بن محمد النسائي قال : سمعت أبا عبد الله سئل عن الرجل يمر بالقوم يغنون ؟ قال : إذا ظهر له ، هــم داخل ، قلت : لكن يسمع الصوت يسمع في الطريق ، قال : هذا ظهر عليه أن ينهاهم ، ورأى أن ينكر الطبل يعني إذا سمع حسه ، قيل : مررنا بقوم وقد أشرفوا من علية لهم ، وهم يغنون فجئنا إلى صاحب الخبر فأخبرناه ، فقال : ( لم تكلموا في الموضع الذي سمعتم ؟ فقيل : لا ، قال : كان يعجبني أن تكلموا ، لعل الناس كانوا يجتمعون وكانوا يشهرون ) ص 50/51 .

ومما يدل على أن هذه الوسيلة كانت معروفة في عصور الإسلام ـ وليس كما يُظن أنها من اختراع غير المسلمين ـ ما ذكره ابن الجوزي في المنتظم قال : ( واجتمع في يوم الخميس رابع عشر المحرم خلق كثير مــــن الحربية ، والنصرية ، وشارع دار الرقيق ، وباب البصرة ، والقلائين ، ونهر طابق ، بعد أن أغلقوا دكاكينهم ، وقصـدوا دار الخلافة وبين أيديهم الدعاة والقراء وهم يلعنون أهل الكرخ – أي منكرين لبدعة إظهار شتم الصحابة التي وقعت من أهل الكرخ – واجتمعوا وازدحموا على باب الغربة ، وتكلموا من غير تحفظ في القول فراسلهم الخليفة ببعض الخدم أننا قد أنكرنا ما أنكرتم ، وتقدمنا بأن لا يقع معاودة , فانصرفوا ) 16/94 .
وأما ما وقع من شيخ الإسلام ابن تيمية فكثير جداً ، فمن ذلك :
ما ذكره خادم الشيخ إبراهيم الغياني قال : ( فبلغ الشيخ أن جميع ما ذكر من البدع يتعمدها الناس عند العمود المخلق الذي داخل ( الباب الصغير ) الذي عند ( درب النافدانيين ) فشد عليه وقام واستخار الله في الخروج إلى كسره ، فحدثني أخوه الشيخ الإمام القدوة شرف الدين عبد الله بن تيمية قال : فخرجنا لكسره , فسمع الناس أن الشيخ يخرج لكسر العمود المخلق ، فاجتمع معنا خلق كثير ) ص 10 رسالة بعنوان ناحية من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية تحقيق محب الدين الخطيب ." اهـ
سيرة السلف الصالح رضي الله عنهم:

1- في سنة إحدى وثلاثين ومائتين قتل الواثقُ الخليفةُ العباسيُ الإمامَ أحمدَ بن نصر الخزاعي.
و كان أحمد بن نصر هذا من أهل العلم والديانة والعمل الصالح والاجتهاد في الخير، وكان من أئمة السنة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وكان الواثق من أشد الناس في القول بخلق القرآن، يدعو إليه ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً. فقام أحمد بن نصر هذا يدعو إلى الله و إلى الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر والقول بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، في أشياء كثيرة دعا الناس إليها. فاجتمع عليه من الخلائق ألوف كثيرة، وجماعات غزيرة، فلما كان شهر شعبان من هذه السنة انتظمت البيعة لأحمد بن نصر الخزاعي في السِّر على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والخروج على السلطان لبدعته ودعوته إلى القول بخلق القرآن، ولما هو عليه وأمراؤه و حاشيته من المعاصي والفواحش وغيرها، فتواعدوا على أنهم في الليلة الثالثة من شعبان وهي ليلة الجمعة يضرب طبل في الليل فيجتمع الذين بايعوا في مكان اتفقوا عليه، ولكن لخطأ بعض أتباعه انكشف أمرهم جميعا، وقطعت رأس أحمد بن نصر .
وأحمد بن نصر هذا إمام من أئمة أهل السنة والجماعة، وكان من أهل العلم والعمل، وهو تلميذ: الإمام مالك، وحماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، وهشيم، ومن تلامذته: أحمد بن إبراهيم الدورقي، وأخوه يعقوب، ويحيى بن معين، ومحمد بن يوسف الطباع.
ولما ضربت عنقه قالت رأسه: ( لا إله إلا الله ) كما قرأت رأسه وهي معلقة: " الم* أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون " .
ذكره الإمام أحمد بن حنبل يوما فقال: رحمه الله، ما كان أسخاه بنفسه لله، لقد جاد بنفسه له. كما أحسن يحيى بن معين عليه الثناء جدا.
وفي قصة أحمد بن نصر هذه مسألتان:
الأولى: جواز العمل السري والبيعة عليه لأجل إزالة المنكر والتصدي لبدع وظلم الإمام ولو كان خليفة المسلمين. وقد تم منه ذلك دون إنكار أحد من الأئمة الأعلام الذين بايعوه أو عاصروه كأحمد بن حنبل ويحيى بن معين، بل أثنوا عليه وبجلوه، وتُرجم له في كتب الرجال والتاريخ بإمام أهل السنة.
الثانية: جواز التجمع والتواعد عليه لمحاربة المنكر وإزالته والتصدي للظلم، دون إذن الإمام أو الحاكم.
وخبر اتفاقه للخروج والتظاهر ضد الظلم والفساد أورده العلماء في مناقبه رضي الله عنه وأرضاه.

2- ومن ذلك ما ذكره ابن الجوزي في المنتظم قال في حوادث سنة 464هـ؛ حيث اجتمع الحنابلة في جامع القصر، فأقاموا فيه مستغيثين، وأدخلوا معهم الشيخ أبا إسحاق الشيرازي وأصحابه، وطلبوا قلع المواخير وتتبع المفسدات ومن يبيع النبيذ، وضرب عملة جديدة للتعامل فيما بينهم، حتى استجاب لهم أمير المؤمنين، ووعد بقلع المواخير ومكاتبة عضد الدولة برفعها، والتقدم بضرب دراهم يتعامل بها، فلم يقتنع أقوام منهم بالوعد، وأظهر أبو إسحاق الخروج من البلد فروسل برسالة سكتته .

3- ومنه ما ذكره ابن الجوزي في المنتظم من اجتماع الناس في يوم الخميس رابع عشر المحرم من سنة ( ) خلق كثير، بعد أن أغلقوا دكاكينهم – يعني: إضراب - وقصـدوا دار الخلافة، وبين أيديهم الدعاة والقراء وهم يلعنون أهل الكرخ – أي منكرين لبدعة إظهار شتم الصحابة التي وقعت من أهل الكرخ – واجتمعوا وازدحموا على باب الغربة، وتكلموا من غير تحفظ في القول فراسلهم الخليفة ببعض الخدم أننا قد أنكرنا ما أنكرتم ، وتقدمنا بأن لا يقع معاودة، فانصرفوا .

4- عن محمد بن أبي حرب قال : سألت أبا عبد الله – أحمد بن حنبل - عن الرجل يسمع المنكر في دار بعض جيرانه، قال: يأمره، قلت: فإن لم يقبل؟ قال: تجمع عليه الجيران وتهول عليه .

5- قال الإمامان أحمد وابن المبارك رحمهما الله " إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ماذا عليه أهل الثغور فإن الحق معهم لأن الله يقول " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين " .

ومن الأدلة الأخرى في هذا الباب من تجميع غيري وقمت بعزو الأحاديث
من كتاب سليمان نور الله _(مشروعية المظاهرات )

. جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكا إليه جارا له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم – ثلاث مرات – " اصبر " ثم قال له في الرابعة أوالثالثة: " اطرح متاعك في الطريق " ففعل؛ قال: فجعل الناس يمرون به ويقولون: مالك؟ فيقول: آذاه جاره فجعلوا يقولون: لعنه الله، فجاءه جاره فقال: رد متاعك، لا والله لا أوذيك أبدا .
وفي رواية فجاء – الذي آذى جاره - إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! مالقيت من الناس؟ فقال: " وما لقيت منهم؟ " قال: يلعنونني،فقال: " لقد لعنك الله قبل الناس " قال: إني لا أعود، فجاء الذي شكاه إلى النبي صلىالله عليه وسلم، فقال: " ارفع متاعك فقد كُفْيت " .أخرجه الحاكم وأبو داود والتذرمذي وأقره الذهبي وصححه الألباني .

2. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإنلم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان " أخرجه مسلم .

3. وقد خرج الرجال والنساء والأطفال يوم الهجرة في مظاهرة حاشدة لاستقبال النبي صلى الله عليه وسلم ...قال ابن كثير: وفي الصحيحين بسندهما عن أبي بكرفي حديث الهجرة قال: وخرج الناس حين قدمنا المدينة في الطريق وعلى البيوت، والغلمان والخدم يقولون: الله أكبر جاء رسول الله، الله أكبر جاء محمد ...
4. لما أشيع أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قد قتلته قريش يوم الحديبية، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة .
فكانت تلك البيعة تشبه التظاهرة لنصرة عثمان رضي الله عنه، مع أنهم لم يخرجوا للجهاد ولامستعدين له، وإنما خرجوا للطواف بالبيت الحرام.
فإن قيل كانت تلك بيعة للجهاد ضدالكفار الذين أشيع أنهم غدروا بعثمان، قلنا وتلك لنصرةالمسلمين في فلسطين أوالعراق أو غيرهما ممن تحقق وتيقن أن العدو من الكفار قدغدر ونكل بهم
5. في قصة إسلام عمر رضي الله عنه وفيها: فقلت: يا رسول الله ! ألسنا على الحق، إن متنا أو حيينا؟ قال: " بلى " فقلت: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لنخرجن ، فخرجنا فيصفين: حمزة في صف، وأنا في صف - له كديد ككديد الطحن - حتى دخلنا المسجد، فلما نظرت إلينا قريش أصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها قط. فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم: الفاروق.
وقال صهيب: لما أسلم عمر رضي الله عنه جلسنا حول البيت حلقاً، فطفنا واستنصفنا ممن غلظ علينا.

- في قصة إسلام عمر رضي الله عنه وفيها: فقلت: يا رسول الله ! ألسنا على الحق، إن متنا أو حيينا؟ قال: " بلى " فقلت: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لنخرجن ، فخرجنا في صفين: حمزة في صف، وأنا في صف - له كديد ككديد الطحن - حتى دخلنا المسجد، فلما نظرت إلينا قريش أصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها قط. فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم: الفاروق.
وقال صهيب: لما أسلم عمر رضي الله عنه جلسنا حول البيت حلقاً، فطفنا واستنصفنا ممن غلظ علينا.
وهو معنى قول ابن مسعود: " ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر " .
وهو قوله: " كان إسلام عمر عزا، وهجرته نصرا، وإمارته رحمة. والله ما استطعنا أن نصلي حول البيت ظاهرين حتى أسلم عمر " .

وأثر إسلام عمر هذا قد رواه:
1- أبو جعفر بن أبي شيبة في تاريخه بسند فيه إسحاق بن أبي فروة عن ابن عباس كما في الإصابة لابن حجر ( 2 / 512 ) وفتح الباري ( 7 / 55 ) .
2- مسدد من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن علي نحوا منه؛ كما في فتح الباري لابن حجر ( 7 / 56 ) و( 7 / 48 ) .
3- والبزار من طريق أسلم مولى عمر عن عمر مطولا، كما في الفتح ( 7 / 55 ).
4- وأبو نعيم في الدلائل ( 1 / 89 ، 80 ).
5- وأبو نعيم في حلية الأولياء ( 1 / 40 ).
6- وابن عساكر في تاريخه ( 52 / 25 ).
7- وأخرجه ابن الجوزي بسنده في كشف المشكل على صحيح البخاري (3 / 83 ) من طريق أبي نعيم الأصبهاني وفيه أيضا إسحاق بن أبي فروة.
8- كما أن هذا الأثر أورده مُسلِّما به كل من:
أ‌- ابن الجوزي في تاريخ عمر بن الخطاب ( ص 13 ).
ب‌- وابن الجوزي أيضا في صفة الصفوة ( 1 / 272 ، 273 ).
ت‌- والسيوطي في تاريخ الخلفاء.
ث‌- وبدء سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم لمحمد بن عبد الوهاب.
ج‌- والمباركفوري في الرحيق المختوم ( ص 126 ) .

أما عن صحة هذا الأثر:

1- فقد ضعف الذهبي رواية ابن عباس كما في تاريخ الإسلام ( 2 / 45 ) دون أن يبين سبب ضعف، فلعل تضعيفه لوجود إسحاق ابن أبي فروة فقد قال فيه: ( لم أجد من مشاه ) .
2- وأما إسحاق بن أبي فروة الذي في رواية تاريخ ابن أبي شيبة:
فهو إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة المدني مولى عثمان ( ت: 144هـ )؛ فقد قال فيه البخاري: تركوه، وقال أحمد: لا يكتب حديثه ولا تحل الرواية عنه ونفض يده وضعفه وأنكره.
ومع هذا فليس متفق على تركه؛ فقد روى له الإمام الترمذي وقال: تركه بعض أهل العلم. كما روى له أبو داود في سننه، وهو القائل في رسالته إلى أهل مكة: ( ليس في "كتاب السنن" الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء، وإذا كان فيه حديث منكر بينت أنه منكر) .
3- بينما قال ابن حجر عن رواية مسدد: وسنده صحيح، وهو شاهد جيد لحديث ابن عباس لكون مخرجه عن آل علي رضي الله عنهم .

وبتصحيح ابن حجر لهذا الأثر تكون المظاهرات سنة فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم لإعلاء الحق ومواجهة الباطل.

وصلى الله وسلم على النبي محمد وعلى أله وصحبه وسلم .

إثبات أن مسألة الخروج على الحاكم مسألة خلافية يسوغ فيها الخلاف ، وبطلان ادعاء الجامية للإجماع..!

إثبات أن مسألة الخروج على الحاكم مسألة خلافية يسوغ فيها الخلاف ، وبطلان ادعاء الجامية للإجماع
***************************************

أخذت طاعة ولاة الأمور لدى المداخلة منحنى القدسية فأصبح ولي الأمر حتى ولو كان كافراً يستحق الطاعة المطلقة ولا يجب الخروج عليه إن القول بعدم جواز عزل الحاكم قد تجاوز مرحلة فسق الحاكم ومعصيته إلى القول بعدم جواز عزله مهما فجر وطغى، ومهما أباح وحرم، ومهما أظهر من ألوان
 الكفر الاعتقادي والقولي والعملي، وهذا القول -بحمد الله- لم يقل به أحد من علماء الإسلام المعتمدين، وإنما قال به جماعة من أدعياء العلم والفقه وسماسرة الكلمة الذين يبيعون ذممهم بحفنة من الدراهم، أو ينافقون مع الحكام الكفرة خوفًا من ظلمات السجن وأعواد المشانق، فيهرولون إلى عتبات الحكام الكافرين بالفتاوى المعلبة الجاهزة التي يعلمون مسبقًا أنها تنال رضى الحاكم وتبرق لها أسارير وجهه..
حتى لو باع البلاد لليهود والمشركين فهو ولي الأمر ، وهذا بسبب أن بعض دعاة هذا الفكر نشر بعض أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وغفل عن البقية " أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض " .
ويظن طلابهم أن هذه الأحاديث هم من وصلوا إليها ولا أحد قبلهم ، وأن مشايخنا لا يعرفوها .

ليست القضية في إثبات جواز الخروج على الحاكم أو لا بقدر إثبات أن المسألة خلاف سائغ بين العلماء قديماً وحديثاً وهي
" متى يجوز الخروج على الحاكم "
عموماً سيتم إيراد أدلة الجامية وهي أدلة لنا كذلك ولكن نحن نعترض على تطبيقها وفهمها وأسباب نزولها .

وشببههم محصورة في هذه الأحاديث التي سأوردها لهم إثباتاً أننا نعلمها وأن لدينا الفهم الصحيح لها
_______________________________


سأقوم الأن بعرض الأدلة التي ستغير بلاشك مفهوم القول الواحد في طاعة ولاة الأمر وأن هناك فرق بين ولي الأمر الشرعي المسلم وبين ولي الأمر الكافر والمبتدع والضال والفاسق.

وهي كالتالي
_____________________

1_ قول الله تعالى (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) . سورة البقرة 124.
حيث يقول أبو بكر الجصاص مفسرا لهذه الآية (فلا يجوز أن يكون الظالم نبيا و لا خليفة لبنى و لا قاضيا و لا من يلزم الناس قبول قوله فى أمور الدين ، فثبت بدلالة هذه الآية بطلان إمامة الفاسق و أنه لا يكون خليفة و ان من نصب نفسه فى هذا المنصب و هو فاسق لم يلزم الناس اتباعه و لا طاعته" .

الأيات التي تأمر باتباع شرع الحاكم الأعظم وهو الله تعالى ، والنهي عن التحاكم إلى غيره
2_ قول الله تعالى "اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم و لا تتبعوا من دونه أولياء". الأعراف 3

3_قول الله تعالى"و لئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم مالك من الله من ولى ولا واق" الرعد37

4_قول الله تعالى"ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها و لا تتبع أهواء الذين لا يعلمون" الجاثية 18

5_قول الله تعالى" و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون – الظالمون – الفاسقون" المائدة44–45–.47

6_قول الله تعالى(و لا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون فى الأرض و لا يصلحون) الشعراء 151 – 152

7_قول الله تعالى(و لا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل الله لكم قياما) .البقرة

8_قول الله تعالى "فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ [الزخرف : 54].

9_ قول الله تعالى(فاحكم بينهم بما أنزل الله و لا تتبع أهواءهم) المائدة 48.

10_ قول الله تعالى( و الذين استجابوا لربهم و أقاموا الصلاة و أمرهم شورى بينهم و مما رزقناهم ينفقون ) الشورى38



من السنة
_________


_عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه تلا قوله تعالى ( يا أيها الناس عليكم أنفسكم لايضركم من ضل إذا اهتديتم ) فقال : أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية فتضعونها في غير موضعها وإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه ، أوشك أن يعمهم بعقابه ) وقد ورد ( إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه ) خرجه احمد وأبو داود والنسائي

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم : ( ما من نبي بعثه الله قبلي إلا كان له من أمته حواريون ، وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف ، يقولون مالا يفعلون ، ويفعلون مالا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ) رواه مسلم

قال ابن رجب : ( وهذا يدل على جهاد الأمراء باليد ) جامع العلوم 304

قالوا : وما كان النبي صلى الله عليه وسلم ليتخوف على أمته الأئمة المضلين ، ثم لاتكون شريعته داعية إلى إزالة ما يخاف على أمته منه !

ذلك أنه صلى الله عليه وسلم قال ( إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين ) خرجه الترمذي ،وقال ( وإنما أتخوف على أمتي أئمة مضلين ) خرجه أحمد أبو داود وابن ماجـــة ، وقال ( أشد الناس عذابا يوم القيامة : رجل قتله نبي ، أو قتل نبينا ، وإمام ضلاله .. الحديث ) خرج أحمد

قالوا : ولهذا قال الصديق رضي الله عنه ـ كما في السير ـ في أول خطبة سياسية في الإسلام مبيّنا سنة هذه الأمة في تحقيق العدل ، ومحاربة الظلم : ( إن أحسنت فأعينوني ، وإن أسأت فقوموني ) ..قال ابن كثير : إسناده صحيح

ولهذا قال عمر رضي الله عنه لكعب رضي الله عنه : إني سائلك عن أمر فلا تكتمني ، قال : والله لا أكتمك شيئا أعلمه ، قال ، أخوف شيء تخوفه على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ؟ قال : أئمة مضلين ، قال عمر : صدقت ، قد أسر ذلك إلي ، وأعلمنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم . خرجه أحمد


- وعن عبادة بن الصامت قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
(سيلي أموركم من بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تعرفون فن أدرك ذلك منكم فلا طاعة لمن عصى الله عز وجل)
رواه الحاكم وصححه الألباني.


- وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
(سيكون عليكم امراء يؤخرون الصلاة عن مواقيتها ويحدثون البدع قال ابن مسعود:
فكيف أصنع؟ قال: تسألني يا ابن أم عبد كيف تصنع؟ لا طاعة لمن عصى الله)
رواه ابن ماجة وصححه الألباني.


- وعن ابن عباس رضي الله عنه مرفوعاً:
(سيكون أمراء تعرفون وتنكرون فمن نابذهم نجا, ومن اعتزلهم سلم, ومن خالطهم هلك)
رواه الطبراني وصححه الألباني.


- وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
(يهلك أمتي هذا الحي من قريش, قالوا: فما تأمرنا, قال: لو أن الناس اعتزلوهم)
متفق عليه.
والشاهد فيه أنه صلى الله عليه وآله وسلم أرشد الأمة إلى اعتزالهم وتركهم ولم يأمرهم بالسمع والطاعة والصبر كما في الأحاديث الأخرى التي تأمر بذلك ولذلك قال الإمام أحمد لابنه عبدالله في مرضه الذي مات فيه: اضرب على هذا الحديث فإنه خلاف الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعني قوله: اسمعوا وأطيعوا واصبروا.
قوله صلى الله عليه وسلم « إن أمر عليكم عبد مجدع يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا » رواه مسلم قيد الطاعة والسمع عندما يحكم بكتاب الله .


_ استقيموا لقريش ما استقاموا لكم فإذا لم تفعلوا فضعوا سيوفكم على عواتقكم فأبيدوا خضراءهم فإن لم تفعلوا فكونوا حينئذ زارعين أشقياء تأكلون من كد أيديكم
الراوي: ثوبان المحدث: الهيثمي - المصدر: مجمع الزوائد - الصفحة أو الرقم: 5/198
خلاصة الدرجة: رجاله ثقات

_ستكون أئمة من بعدي ، يقولون ، فلا يرد عليهم قولهم ، يتقاحمون في النار كما تقاحم القردةالراوي: معاوية بن أبي سفيان المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 3615
خلاصة الدرجة: صحيح


_كنا قعودا على باب النبي صلى الله عليه وسلم فخرج علينا فقال اسمعوا قلنا قد سمعنا قال اسمعوا قلنا قد سمعنا قال إنه سيكون بعدي أمراء فلا تصدقوهم بكذبهم ولا تعينوهم على ظلمهم فإن من صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم لم يرد على الحوض

الراوي: خباب بن الأرت المحدث: المنذري - المصدر: الترغيب والترهيب - الصفحة أو الرقم: 3/205
خلاصة الدرجة: [إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما]




_ يا كعب بن عجرة أعاذك الله من إمارة السفهاء قال وما إمارة السفهاء ؟ قال أمراء يكونون بعدي يهدون بغير هداي ويستنون بغير سنتي فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فأولئك ليسوا مني ولست منهم ولا يردون علي حوضي ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فأولئك مني وأنا منهم وسيردون علي الحوض يا كعب بن عجرة الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة والصلاة برهان يا كعب بن عجرة الناس غاديان فمبتاع نفسه فمعتقها وبائع نفسه فموبقها

الراوي: جابر بن عبدالله المحدث: ابن حجر العسقلاني - المصدر: الأمالي المطلقة - الصفحة أو الرقم: 213
خلاصة الدرجة: صحيح



_ سيكون بعدي خلفاء يعلمون بما يعملون ، ويفعلون ما يؤمرون ، وسيكون بعدي خلفاء يعملون بما لا يعلمون ، ويفعلون ما لا يؤمرون ، فمن أنكر عليهم برئ ، ومن أمسك بيده سلم ، ولكن من رضي وتابع

الراوي: أبو هريرة المحدث: الألباني - المصدر: السلسلة الصحيحة - الصفحة أو الرقم: 3007
خلاصة الدرجة: إسناده صحيح رجاله ثقات


_ عن أبي سعيد الخدري قال صلى الله عليه وسلم ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) رواه مسلم



قالوا : وهذا مذهب سيد الفقهاء أبي حنيفة النعمان رحمه الله ، قال أبو بكر الجصاص رحمه الله في أحكام القرآن : ( وكان مذهبه رحمه الله مشهورا في قتال الظلمة وأئمة الجور) وقال ( وقضيته في أمر زيد بن علي مشهورة ، وفي حمله المال إليه ، وفتياه الناس سرا في وجوب نصرته ، والقتال معه ، وكذلك أمره محمد وإبراهيم ابني عبدالله بن حسن ) .

قالوا : وهذا نجم العلماء مالك بن أنس رحمه الله ، قد أفتى الناس بمبايعة محمد بن عبدالله بن حسن عندما خلــع الخليفة المنصور ، حتى قال الناس لمالك : في أعناقنا بيعة للمنصور ، قال : إنما كنتم مكرهين ، وليس لمكره بيعة ، فبايع الناس محمد بن عبدالله بن حسن عملا بفتوى الإمام مالك .. ذكــره ابن كثير في البداية والنهاية 10/84

وقد قالت المالكية : ( إنما يقاتل مع الإمام العدل ، سواء كان الأول ، أو الخارج عليه ، فإن لم يكونا عدلين ، فأمسك عنهما إلا أن تراد بنفسك ، أو مالك ، أو ظلم المسلمين فادفع ذلك ) أحكام القرآن لابن العربي .

وقال ابن العربي : ( وقد روى ابن القاسم عن مالك : إذا خرج على الإمام العدل ، خارج وجب الدفع عنه ، مثل عمر بن عبد العزيز ، فأما غيره فدعه ، ينتقم الله من ظالم بمثله ، ثم ينتقم الله من كليهما ، قال الله تعالى " فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد ، فجاسوا خلال الديار ، وكان وعدا مفعولا " ، قال مالك : إذا بويع للإمام فقام عليه إخوانه ، قوتلوا إن كان الأول عدلا ، فأما هؤلاء فلا بيعة لهم ، إذا كان بويع لهم على الخوف ) أحكم القرآن

قالوا وهذا مذهب الإمام أحمد بن حنبل في رواية ، فقد ذكر أبن أبي يعلى في ذيل بقات الحنابلة عنه ( من دعا منهم إلى بدعة فلا تجيبوه ولا كرامــه ، وإن قدرتم على خلعه فافعلوا ) طبقات الحنابلة 2/305

قالوا : وإن كان المشهور من مذهبه ، تحريم خلع الإمام الجائر ، غير أنه يمكن التوفيق بأن قوله بالتحريم يحمل على عدم القدرة لأنه حينئذ فتترجح المفسدة ويبقى الظلم بل قد يزداد .

ولهذا ذهب بعض محققي الحنابلة إلى القول بخلع الجائر ، منهم ابن رزين ، وابن عقيل ، وابن الجوزي ، رحمهم الله ، كما ذكر ذلك المرداوي في الإنصاف 10/311

قالوا : والعجب ممن يحرمون خلع السلطة الجائرة ، فيكونون سببا لبقاء الظلم الذي كتب الله تعالى تعجيل عقوبته ، وتستفيد السلطة الظالمة المستبدة من توقيعاتهم على جورها ، ليبقى ويزداد كما وكيفا ، ويتخـذ أشكالا وألوانا ،

قالوا : ثم العجب منهم والله كل العجب ، أنهم يدندنون على دوران الشريعة على حفظ الضروريات الخمس ، حفظ الدين ، والعقل ، والعرض ، والمال ، والنفس ، ثم يٌقِرّون بقاء سلطة تنقض هذه الضروريات نقضا ،

فيعطّلون أعظم مقاصد الشريعة العادلة التي ما أنزل الله تعالى إلا لبسط العدل على الناس ، وإزالة الظلم ، وحفظ الحياة من الفساد ،

قالوا : فأي تناقض تأتي به شريعة قـط ، أعظم من هذا التناقض ، أن لو كان إقرار السلطة الجائرة ، وتركها تنشر الظلم ،بلا نكير ، ولا تغيير ، من أصولها !!

وقائل قائلهم : وأيَّ معنى ـ ليت شعري ـ لشريعة قط إن خلت من تحقيق العدل ، وإزالة الظلم ؟!

قالوا : وإنها لجناية على دين الإسلام أعظم جناية ، وتشويه يصدّ عن سبيله أيّ تشويه ، أن يقال في هذا الزمان الذي تثور فيه الشعوب مطالبة بحقوقها فتحصل عليها ، وتكف يد الظالمين عن الأموال ، والأعراض ، والدماء ، وعن العبث بمقدرات الأمة ،

أن يقال : إن شريعة الله تعالى تأمر المسلمين أن يكونوا عونا للظلم بسكوتهم عليه ، وإقرارهــم له .

قالوا : وكيف يحقّ لكم ـ أيها المحرمون خلع السلطات الجائرة بالقوة ـ لــوم الشعوب أن تطلب الخَلاَصات السياسية ، في غير هذه الشريعة ، إن كنتم تقولون لهم إنّ فقهها السياسي قائم على إقرار الظلم ، بل تشريع أسباب بقاءه بتحريم تغييره ؟!!

قالوا : وإذا تبيّن أن القول بتحريم خلع السلطة الجائرة ، معارض لمقاصد الشريعة ، وهو ذريعة لصدّ الناس عن اتباعها فيما هو من أعظم حاجاتهم الحياتية ، علم بطلان هذا المذهب وفساده ، وتناقضه ، والحمد لله

بعض من يروا الخروج أو قاموا به من أئمة السلف من أهل السنة على ولي الأمر المسلم الفاسق أو الجائر



قال العلائي في ( المجموع المُذْهَب في قواعد المذهب ) :

( الإمام الأعظم إذا طرأ فسقُه , فيه ثلاثة أوجُهٍ :
أحدها : أنه ينعزل , وصححه في البيان .
الثاني : لا ينعزل , وصححه كثيرون , لما في إبطال ولايتِه من اضطراب الأحوال .
الثالث : إنْ أمكنَ استتابَتُه أو تقويمُ أَوَدِهِ , لَم يُخلع , وإنْ لَم يمكن ذلك , خُلِعَ . ) انتهى


وقال القاضي عياض : ( لو طَرَأَ عليه كفرٌ , أو تغييرٌ للشرع , أو بدعةٌ , خرج عن حكم الولاية , وسقطت طاعتُه , ووجب على المسلمين القيامُ عليه , ونصبُ إمامٍ عادلٍ إِنْ أمكنهم ذلك , فإنْ لَم يقع ذلك إلا لطائفة , وجب عليهم القيامُ بخلع الكافر , ولا يجبُ على المبتدعِ القيامُ إلا إذا ظنوا القدرةَ عليه , فإنْ تحققوا العجزَ , لَم يجبِ القيامُ , وَلْيُهَاجِرِ المسلمُ عن أرضه إلى غيرها , ويفر بدينه .. وقال بعضهم : يجب خلعُه إلا أن يترتب عليه فتنتةٌ وحربٌ . انتهى

وقال ابنُ بطال : الفقهاء مجمعون أن المتغلب طاعتُه لازمة ما أقام الجمعات والأعياد والجهاد , وأنصف المظلوم غالباً , وأنَّ طاعته خيرٌ من الخروج عليه لِمَا في ذلك من تسكين الدهماء وحقن الدماء ...
وفي كلام ابن بطال ما يدل بمفهومه على جواز الخروج وعدمه , لأنه قال : إن طاعته خيرٌ من الخروج عليه .. ولو كان الخروجُ حراماً قطعاً والطاعةُ واجبةً قطعاً , لَم يقل : إن الطاعة خيرٌ من الخروج .

قال ابنُ عبدِ البَرِّ رحمه الله في ( الاستيعاب ) : واختلفَ الناسُ في معنى قوله : وأن لا ننازعَ الأمرَ أهلَه .
فقال قومٌ : هم أهلُ العدلِ والفضلِ والدِّينِ , وهؤلاء لا ينازَعُون , لأنهم أهلُ الأمرِ على الحقيقة .
وقال أهلُ الفقهِ : إنما يكون الاختيارُ في بدءِ الأمر , ولكنَّ الجائرَ منَ الأئمةِ إذا أقامَ الجهادَ والجمعةَ والأعيادَ , سكنت له الدَّهماءُ , وأنصف بعضَها من بعضٍ في تظالُمها , لَم تجب منازعتُه , ولا الخروجُ عليه , لأنَّ في الخروجِ عليه استبدالَ الأمنِ بالخوف , وإراقةَ الدماء , وشنَّ الغاراتِ , والفسادَ في الأرض , وهذا أعظمُ من الصبر على جَوْرِهِ وفسقه , والنظرُ يشهدُ أن أعظم المكروهَيْن أولاهما بالترك , وأجمعَ العلماءُ على أن مَن أمرَ بمنكرٍ , فلا يطاعُ , قال النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم : ( لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالق ) , قال اللهُ تعالى : ( وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) سورة المائدة 2 . انتهى


فإذا عرفتَ هذا , تبيّن لك أنهم لا يَعيبون على مَن خرجَ على الظلمةِ , لأنَّ جوازَه منصوصٌ عليه في كتبِ فقههم , ولو كان محرماً عندهم قطعاً , لَم يختلفوا فيه , ويجعلوه أحدَ الوجوه في مذهبهمُ الذي يحلّ للمفتي أن يفتيَ به , وللمستفتي أن يعملَ به , كما أنه ليسَ لهم وجهٌ في جوازِ شيٍ من الكبائر , ولا شكَّ أن كلَّ مسألةٍ لهم فيها قولانِ أو وجهانِ أنهم لا يُحَرِّمُونَ فعلَ أحدِهما , ولا يجرحون مَن فعلَه مستحلاً له , ولا يُفسِّقونه بذلك , وهذا يعرفه المبتدئُ في العلم , كيف المنتهي ؟!

فصلٌ في بيانِ أنَّ مَنْ منعَ الخروجَ على الظَّلَمةِ استثنى مِنْ ذلك مَنْ فَحُشَ ظُلْمُه, وعَظُمَتِ المفسدةُ بولايته

مثل يزيد والحجَّاج , فلم يقل أحدٌ ممن يعتد به بإمامةِ مَن هذا حالُه , وإن ظنَّ ذلك مَن لَم يبحث من ظواهر بعض إطلاقهم , فقد نصوا على بيان مرادهم , وخصوا عمومَ الفاظهم , ويظهر ذلك بذكر ما أمكن من نصوصهم .


قال إمامُ مذهب الشافعية الجوينيُّ - وقد ذكر أنَّ الإمامَ لا ينعزل بالفسق - ما لفظه : وهذا في نادرِ الفسقِ , فأما إذا تواصلَ منه العصيانُ , وفشا منه العدوانُ , وظهرَ الفسادُ , وزالَ السدادُ , وتعطلتِ الحقوقُ , وارتفعتِ الصيانةُ , ووضُحَتِ الخيانةُ , فلا بدَّ من استدراك هذا الأمر المتفاقم , فإنْ أمكنَ كفُّ يدِه , وتوليةِ غيرِه بالصفاتِ المعتبَرَةِ , فالبِدارَ البِدارَ , وإن لَم يُمكن ذلك لاستظهارِه بالشوكةِ إلا بإراقةِ الدماءِ , ومصادمةِ الأهوالِ , فالوجهُ أن يقاسَ ما الناسُ مندفعون إليه , مُبْتَلُونَ به بما يعرضُ وقوعُه , فإنْ كانَ الواقعُ الناجزُ أكثرَ مما يُتَوقَّعُ , فيجبُ احتمالُ المتوقَّعِ , وإلا فلا يَسُوغُ التشاغلُ بالدّفع , بل يتعيَّنُ الصبرُ والابتهالُ إلى الله تعالى . انتهى

قال ابنُ حزمٍ في ( الإجماع ) : ورأيتُ لبعضِ مَن نصَبَ نفسَه للإمامة والكلام في الدين , فصولاً , ذكر فيها الإجماع , فأتى فيها بكلام , لو سكت عنه , لكان أسلمَ له في أخراه , بل الخرسُ كانَ أسلمَ له , وهو ابنُ مجاهد البصري المتكلم الطائي , لا المقرئ , فإنه ادَّعى فيه الإجماعَ أنهم أجمعوا على أنه لا يُخرَجُ على أئمة الجَوْرِ , فاستعظمتُ ذلك , ولعمري إنه لعظيمٌ أن يكون قد عَلِمَ أنَّ مخالِفَ الإجماع كافرٌ , فيُلقي هذا إلى الناس , وقد عَلِمَ أنَّ أفاضلَ الصحابة وبقيَّة السلف يومَ الحرَّةِ خرجوا على يزيد بن معاوية , وأن ابن الزبير ومَن تابعه من خيار الناس خرجوا عليه , وأن الحسينَ بنَ عليٍّ ومَن تابعه من خيار المسلمين خرجوا عليه أيضاً , رضي الله عن الخارجين عليه , ولعن قَتَلَتَهم , وأن الحسن البصري وأكابرَ التابعين خرجوا على الحجاج بسيوفهم , أترى هؤلاء كفروا ؟ بل واللهِ مَن كفَّرهم , فهو أحقُّ بالكفرِ منهم , ولعمري لو كان اختلافاً - يخفى - لعذرناه , ولكنه مشهورٌ يعرفه أكثرُ مَن في الأسواق , والمخدَّراتُ في خُدورِهِنَّ لاشتهاره , ولكن يحقُّ على المرء أن يَخطِمَ كلامَه ويَزُمَّه إلا بعد تحقيق ومَيْزٍ , ويعلم أن الله تعالى بالمرصاد , وأن كلام المرءِ محسوبٌ مكتوبٌ مسؤول عنه يومَ القيامة مُقَلَّداً أجرَ مَنِ اتبعه عليه أو وزرَه . انتهى

وممن أنكر على ابنِ المجاهدِ دعوى الإجماعِ في هذه المسألةِ : القاضي عياضُ المالكي , فقال : وردَّ عليه بعضُهم هذا بقيام الحسين بن علي رضي الله عنه , وابنِ الزبير , وأهلِ المدينة على بني أُميَّة , وقيامِ جماعةٍ عظيمةٍ من التابعين , والصدرِ الأول على الحجاج مع ابنِ الأشعث .. وتأول هذا القائلُ قولَه : ( ألا ننازع الأمرَ أهلَه ) على أئمة العدل .. وحجة الجمهور أن قيامهم على الحجّاج ليس بمجرد الفِسقِ , بل لِمَا غيَّرَ منَ الشرعِ , وأظهرَ منَ الكفرِ . انتهى

احتج البعضُ على جواز الخروج على الظَّلَمة مطلقاً , وقصره الآخرون على مَن فَحُشَ ظلمُه وغيَّرَ الشرعَ , ولَم يقلْ أحدٌ منهم : إن يزيدَ مصيبٌ , والحسينَ باغٍ .. ولا أعلمُ لأحدٍ من المسلمين كلاماً في تحسين ِقتلِ الحسين رضي الله عنه , ومَن ادّعى ذلك على مسلم , لَم يصدق , ومَن صح ذلك عنه , فليس من الإسلام في شيءٍ .


ملخصاً من كتاب ( العواصم والقواصم في الذَّبِّ عن سنَّةِ أبي القاسم 8 / 12 وما بعده , ط3 مؤسسة الرسالة 1415 ) للعلامة محمد بن إبراهيم الوزير اليماني رحمه اللهُ تعالى .





وممن ورد عنه الخروج من الصحابة
____________________________
طلحة والزبير وعائشة ومن معهم
ومعاوية وعمرو والنعمان بن بشير ومن معهم
والحسين بن علي ومن معه من خيرة أهل البيت
والصحابة وأبناء الصحابة والتابعين
وأغلب أهل المدينة
وعبد الله بن مطيع
وبن الزبير ومن معه من الصحابة والتابعين
وسعيد بن جبير
والشعبي
وزيد بن علي ومن معه
وبن الاشعث والالاف المؤلفة الذين كانوا معه
بما فيهم خيار التابعين وكتيبة القراء والفقهاء من التابعين الذين معه

وكذلك تابعي التابعين ومن تبعهم

كنجم العلماء وإمام الدارين الامام مالك
والامام أبو حنيفة
والإمام الشافعي
ومحمد بن عبدالله بن حسن ( النفس الزكية ) ومن معه
وهاشم بن بشر
ومطر الوراق
و إبراهيم بن عبدالله ومن خرج معه
وعبدالله بن عبدالعزيز بن عبدالله بن عمر
وأحمد بن نصر الخزاعي ومن معه
ومحمد بن عجلان
والحسن بن حي
وشريك
والشافعي
وداود وأصحابهم
وابن حزم
والقاضي عياض
ابن رزين
وابن عقيل
وابن الجوزي
والجويني ومن معه من الشافعية

من هو ولي أمر المسلمين الذي يجب طاعته ..؟!

طاعة ولاة الأمر في ميزان الاعتدال_
من هو ولي أمر المسلمين الذي يجب طاعته _
______________________________________
ولي أمـــــر المسلمين الذي تجب طاعته هو الذي يتولى أمر دين المسلمين لأن هذا هو أمر المسلمين ، فليس لهم أمر غير دينهم ، فبه صاروا أمة ، وبه تحققت شخصية أمتهم الحضارية ، وبه وُجــد كيانهم السياسي ، أما من يتولى أمرا آخر ، كالذي يحكم بالنظام الدستوري العلماني أيا كا
ن ، أو بالنظام الديمقراطي الليبرالي الغربي ، أو الفكر القومي الإشتراكي ، أو غير ذلك مما هو سوى النظام الإسلامي المحتكم إلى شريعة الله تعالى ، فهو ولي أمــر ما تولاه ، ليس هو ولي أمر المسلمين ، وهو يدخل في قوله تعالى {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا } ـ
فكيف يُولى أمر أمة الإسلام ، وقد تولى أمر غيرها ؟!!ـ
--------
ولهذا وردت النصوص الآمرة بطاعة ولاة الأمر بقيد إقامة الدين كما في حديث «إن أمر عليكم عبد مجدع يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا » رواه مسلم ،والحديث الثاني «إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبه الله في النار على وجهه، ما أقاموا الدين » رواه البخاري ، فذكر أن الحكم بكتاب الله ، اي تحكيم الشريعة ، وإقامة الدين كذلك ، شرط في صحة ولايتهم التي توجب طاعتهم


وقد اتفق العلماء على شروط في ولي أمر المسلمين
****************************************

- الإسلام: فلا تصح ولاية الكافر، قال تعالى: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) [النساء:141]. والإمامة كما يقول ابن حزم: (أعظم السبيل) فهي أولى بالنفي، وعدم الجواز.
- التكليف: ويشمل العقل والبلوغ، فلا تصح إمامة الصبي والمجنون، لأنهما في ولاية غيرهما، فلا يوليان على المسلمين.
- الذكورة: فلا تصح إمارة النساء، لحديث: "لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة" رواه البخاري من حديث أبي بكرة. ولأن هذا المنصب تناط به الأعمال الخطيرة، والأعباء الجسيمة مما يتنافى مع طبيعة المرأة وأنوثتها، فاقتضت حكمة الشرع صرفها عنه، وعدم تكليفها به رحمة بها، وشفقة عليها أولاً، وصوناً له هو ثانياً من أن يوكل إلى من لا يستطيع القيام به فيضيع.
- الكفاية ولو بغيره: والكفاية هي الجرأة والشجاعة والنجدة، بحيث يكون قيما بأمر الحرب والسياسة، والذبِّ عن الأمة، أو مستعيناً بأهل الكفاية في ذلك.
- الحرية: فلا يصح عقد الإمامة لمن فيه رق، لأنه مشغول بخدمة سيده. وهذا القدر من الشروط متفق عليه.


أما المختلف فيه من الشروط فهو:
**************************

- العدالة والاجتهاد: ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن العدالة والاجتهاد شرطا صحةٍ، فلا يجوز تقليد الإمامة لفاسق، أو مقلدٍ، إلا عند فقد العدل والمجتهد، وذهب الأحناف إلى أن كلا منهما شرط أولوية، فيصح تقليد الفاسق والعاصي، ولو عند وجود العدل والمجتهد، وإن كان الأولى والأفضل تقديم العدل المجتهد.
- سلامة اليدين والرجلين والسمع والبصر: فذهب جمهور الفقهاء إلى أنها شروط انعقاد، فلا تصح إمامة الأعمى والأصم، ومقطوع اليدين والرجلين ابتداءً، وينعزل إذا طرأت عليه، لأنه غير قادرٍ على القيام بمصالح المسلمين على وجه الكمال، ولأن مقصد الإمامة هو: القيام بمصالح المسلمين على ما تقتضيه قواعد الشرع، فكل ما يؤثر على هذا المقصد بالإبطال، أو النقص كان انتفاؤه شرطاً في صحة الإمامة، وقد قال تعالى: (وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) [البقرة:247]، فكانت الزيادة في العلم والجسم مرجحاً ومقدماً له على غيره، فدل ذلك على أن أصل العلم، وسلامة الجسم شرط في القيادة، ومن أعظمها الإمامة الكبرى.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يشترط ذلك، فلا يضر الإمام عندهم أن يكون في خلقه عيب جسدي، أو مرض منفر، كالعمى والصمم، وقطع اليدين والرجلين والجذام، إذ لم يمنع من ذلك قرآن ولا سنة ولا إجماع، وهذا تساهل لا ينبغي، والاحتياط في حق الأمة بتشديد شروط الإمامة مراعاة لمصلحة الأمة بتولية الأصلح - أولى من التساهل في شروط الإمامة - مراعاة لمصلحةٍ خاصة، وقد مضى الدليل. والحق أن اشتراط سلامة الأعضاء مما يمنع استيفاء الحركة للنهوض بمهام الإمامة لا ينبغي أن يكون محل خلاف.
- النسب: فقد اشترط الجمهور أن يكون الإمام قرشياً، لحديث: "الأئمة من قريش" متفق عليه، بل نقل الماوردي الإجماع على هذا الشرط، ومع ذلك فقد خالف فيه آخرون، ومما يحتجون به ما روي عن عمر أنه قال: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لوليته. إلا أن هذا الأثر ضعيف، فقد عزاه العجلوني في كشف الخفاء لأبي نعيم وضعف سنده، ولو صح حمل قول عمر رضي الله عنه على عدم اطلاعه على الأحاديث القاضية بحصر الإمامة في قريش، وهو احتمال بعيد، والأثر لا يصح والحمد لله.
ولا يشترط أن يكون الإمام هاشمياً، ولا علوياً باتفاق المذاهب الأربعة، لأن الثلاثة الأول من الخلفاء لم يكونوا من بني هاشمٍ، ولم يطعن أحد من الصحابة في خلافتهم، فكان ذلك إجماعاً على عدم اشتراط الهاشمية، أو العلوية في الإمامة العظمى.