الأربعاء، 17 أبريل 2019

هــارون الـرشـيـد .. خـليـفـة عـادل أم رجل أغوته الشهوة والسلطة ؟!

لا يأتي الحديث عن العباسيين الأوائل إلا مقرونا باستدعاء مشاهد الصراع والدم، صراع بدأت ملامحه بالظهور منذ بدايات تأسيس الدولة على أنقاض الأمويين الذين سحقهم العباسيون وقضوا على نفوذهم، وهي المشاهد التي امتدت من الشرق في خُراسان وإيران، ثم العراق والشام، وانتهاء بقتل آخر خلفاء بني أمية مروان بن محمد في منطقة بوصير وسط مصر.
   
صراعٌ امتد كذلك أمام الطالبيين أبناء علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- الذين رأوا أنفسهم على الدوام الأحق بحِمْل الخلافة، وتقلّد أعبائها من الأمويين والعباسيين على السواء، ثم صراع داخلي تخلّص فيه العباسيون من أبرز رجالاتهم، من قامت الدولة على أكتافهم بالدم والعرق والجهد في سنوات الدعوة والثورة، مثل أبي سلمة الخلال وزيرهم الأشهر، وأبي مسلم الخراساني قائدهم العسكري الفذ، وأخيرا صالح بن علي العباسي عم أبي جعفر المنصور الذي رأى نفسه الأجدر بالخلافة من ابن أخيه الصغير، لكنه مُني بهزيمة ثقيلة تم التخلص منه على إثرها.
   
ولعل تلك الدماء التي سالت في بداية تأسيس الدولة، والأساطير التي بثّتها الدعاية العباسية تجاه الخلفاء الأوائل، قد لحقت بأولهم أبي العباس عبد الله بن محمد الهاشمي الملقّب بالسفّاح، ليأتي من بعده أخوه أبو جعفر المنصور الذي بنى مدينة بغداد، وتشكّلت ملامح الدولة في عصره، وليسير كذلك على السُّنة ذاتها بالقوة والشدة والبطش بالمخالفين، بُغية التأسيس والاستقرار. ولتبدأ ملامح الاستقرار والهدوء على يد المهدي محمد بن أبي جعفر المنصور الذي أنجب موسى الهادي وهارون الرشيد، أما الهادي فقد عُرف عنه غضبه وانفعاله وطيشه ومحاولته قتله أخاه هارون، لكنه سرعان ما توفي بعد عام واحد من تقلده الخلافة، ليخلو الطريق أمام هارون الرشيد، ومعه تدخل الدولة العباسية عصرا جديدا استمر زهاء عشرين سنة، حيكت حولها الكثير من القصص والأساطير.
     
 هارون الرشيد (مواقع التواصل)
   
ومما هو معروف أن الماضي كثيرا ما يُستدعى في الحاضر، إذ تعجّ المخيّلة الإسلامية بتصورات تختلف زوايا النظر إليها بحسب الغرض من الاستدعاء، وبحسب السردية التاريخية المُستقاة. في هذا السياق، كثيرا ما أثار هارون الرشيد جدلا حول شخصيته، فما بين نظرة تراه خليفة عادلا حقق الأمن، وأصلح شؤون الرعية، وبسط العدل، وأخاف أعداء الدولة. وبين نظرة أخرى تصفه في بعض الروايات والأخبار أنه زير نساء، محب للهو، مشغول بشهوته، منتقم من خصومه. إلا أنه وقبل الانتقال للحقبة التي حكمها هارون الرشيد، فإننا بحاجة إلى قراءة السياق السياسي والاجتماعي الذي سبق الفترة التي حكمها الرشيد، لفهم السياق الذي تطورت داخله شخصية الرشيد.
   
الرشيدُ ومواجهة العلويين
لعل من أشهر الأمور التي أُخذت على هارون الرشيد تمثّلت في مواجهته للعلويين في عصره، حتى وصمه خصومه من هذه المسألة بالشدة والقسوة، واتهموه بالطغيان، لكن للأمر بُعده التاريخي والسياسي في عصر الرشيد؛ ذلك أنه حين ارتقى هارون الرشيد بعد وفاة أخيه الهادي منصب الخلافة في شهر ربيع الأول عام 170هـ/سبتمبر/أيلول 786م كان في الخامسة والعشرين من عُمره، يرى أمامه مجموعة من التحديات الداخلية الكبيرة وعلى رأسها المعارضة العلوية الطالبية التي لم ترض في أغلبها بصعود بني أعمامهم العباسيين إلى عرش الخلافة وقد رأوا على الدوام أنهم الأحق بهذا المنصب منذ خروج الحسين بن علي -رضي الله عنه- واستشهاده في موقعة كربلاء زمن يزيد بن معاوية.
    
اتفق الطرفان فيما يبدو على مواجهة الأمويين، وكانت العلائق بينهما على ما يرام زمن الثورة التي رفعت شعار "الرضا من آل محمـد" في خراسان في الأعوام الأخيرة من عُمر الأمويين، وهو شعار براق خدّاع، جعل عموم الناس تنضم للواء الثورة ظنا منهم أن النهاية ستكون تتويجا لارتقاء آل البيت، ولعب العباسيون على هذا الوتر، ورأوا أنهم أولاد عم رسول الله فهم ليسوا بعيدين عن هذا الأمر، وعملوا بجد على عدة مستويات سياسية ودعائية وسرية وأخيرا عسكرية للقضاء على الأمويين وهو ما تحقق في نهاية المطاف.
      
  
بيد أنهما سرعان ما تباعدا في خلافة أبي العباس السفّاح الخليفة العباسي الأول (132-136هـ/750-754م) الذي أعلن من معقل الشيعة في الكوفة أن الخلافة عباسية، وستظل عباسية، وأنه ليس لأحد أي حق فيها إلا هم، في إشارة وتعريض بمنافسيهم من الطالبيين[1]. على أن هذه العلاقة التي اتسمت بالحذر في عصر السفاح دخلت في طور الصدام في خلافة أخيه أبي جعفر المنصور (136- 158هـ) فقد أعلن محمد بن عبد الله النفس الزكية وأخوه إبراهيم وهما من فرع الإمام الحسن بن علي -رضي الله عنه- الدعوة إلى نفسه من قبل مجيء العباسيين إلى الحكم، وصار لخطابه ودعايته تأثير وأتباع وشيعة في كلٍّ من الحجاز والعراق وخراسان، وأخيرا أعلن عن نفسه خليفة في المدينة المنورة في عام 145هـ/762م، وذهب أخوه إبراهيم إلى البصرة ليرفع راية الانتفاضة فيها[2].
     
تدخّل العباسيون بقوة مسلحة في المدينة، وانتهى الأمر بمقتل محمد بن عبد الله النفس الزكية ومصادرة أموال بني الحسن، وفي العراق انهزم إبراهيم أخو النفس الزكية ولقي حتفه في معركة وقعت بين الجانبين في منطقة باخمرا قرب الكوفة، وبدأت السياسة العباسية -منذ تلك اللحظة- تدخل مرحلة البطش بمنافسيهم العلويين الذين أعلنوا العصيان المسلح، لكن الأمور هدأت قليلا في عصر المهدي بن أبي جعفر المنصور.
   
وفي عصر موسى الهادي بن المهدي، وعلى قِصَر حُكمه، عادت الأمور إلى الاضطراب مرة أخرى، بسبب السياسة العنيفة التي اتبعها الهادي، الأمر الذي أجبر العلويين على إعلان العصيان والخروج المسلح ضد الهادي بزعامة كبيرهم الحسين بن علي في شهر ذي القعدة سنة 169هـ/786م، فاستولى على المدينة المنورة، واتخذ المسجد النبوي قاعدة له، وحاول استمالة مكة وأهلها، لكن لضعف قوته، لم يبايعه أحد، وسرعان ما جاء جيش الهادي العباسي ليقتله في منطقة "فخ" شمال مكة المكرمة[3].
     
  
جاء هارون الرشيد بسياسة جديدة، تقوم على التساهل والتسامح مع الطالبيين من أحفاد علي بن أبي طالب، ليعزل وفق هذه الإستراتيجية والي المدينة المنورة الذي عمل على اضطهادهم زمن أخيه الهادي، ورفع الحجر عمن كان منهم في بغداد. لكن، وبسبب معركة "فخ" التي حدثت في تلك الفترة، فقد هرب اثنان من كبار العلويين هما إدريس بن عبد الله العلوي، الذي استطاع أن يشكّل نواة الدولة الإدريسية في المغرب الأقصى، وأخوه إبراهيم الذي فر صوب المشرق في مناطق الديلم جنوب بحر قزوين وحاول إقامة دولة هو الآخر.
  
وأمام هذا "العصيان" من قِبل اثنين من كبار العلويين ومحاولاتهم تفتيت الدولة العباسية بإقامة دويلات مستقلة في المشرق والمغرب، قرر هارون المواجهة الشاملة استخباراتيا وعسكريا، وبالفعل استطاع أن يُسقط إبراهيم بن عبد الله العلوي في قبضته ويزج به في السجن، وحاول مرات كثيرة مع أخيه إدريس بن عبد الله لكنه فشل؛ إذ تحصّن إدريس العلوي بين قبائل البربر التي قدّمت له الدعم والتأييد، كما تحصّن في تعقيدات الجغرافيا؛ فقد كان المغرب الأقصى بعيدا عن يد القوة العباسية في بغداد.
  
ظهرت شخصية أخرى أثارت قلق هارون الرشيد، وكانت ذات زعامة وكاريزما، تمثّلت في الإمام موسى الكاظم بن جعفر الصادق، وقد التف الناس حوله، واعتقدوا في إمامته، بل وتشير بعض الروايات إلى أن هارون حين زار المدينة المنورة ووقف أمام قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أشار إليه: السلام عليكم يا ابن عم! فرد موسى الكاظم -وكان واقفا- قائلا: السلام عليكم يا أبتِ. الأمر الذي جر عليه غضب الرشيد الذي رأى أن الكاظم يحط من شأن هارون ونسبه مقارنة به؛ لذا أمر بالقبض عليه والزج به في سجن بغداد، وظل الكاظم في سجنه "غير مُضيّق عليه"[4] على حد تعبير العلامة الذهبي. وبالنظر إلى واقع الدولة في عصر الرشيد وحرصه على وحدتها، فإنه اضطر إلى مراقبة كبار الطالبيين والعلويين، ولم يسمح بكل طاقته بالعصيان أو بروز زعامات تنافس العباسيين؛ الأمر الذي يُحيلنا إلى أكبر نكبة حدثت في عصر هارون الرشيد، وهي نكبة البرامكة بسبب الخطر الشديد، وإحكام قبضتهم على الدولة العباسية!
   
نكبة البرامكة
  
تنتسبُ أسرة البرامكة إلى جدهم الأكبر برمَك أحد كبار الكهنة البوذيين في معبد النوبهار في مدينة بلخ في خراسان (شمال أفغانستان اليوم)، وقد دخلوا في الإسلام وحسن إسلامهم، وبرز منهم خالد بن برمك الذي عُرف بمقدرته الإدارية والمالية، ورجاحة عقله، وبُعد نظره، فلفت إليه أنظار المسؤولين العباسيين، فقلّده الخليفة العباسي الأول السفاح ديوان الخراج وديوان الجند، بل ولّاه منصبا أرقى، منصب الوزارة، ومن بعد وفاة السفاح اعتمد أبو جعفر المنصور على خالد بن برمك، ولمع اسمه في بناء مدينة بغداد، وجعله مستشارا سياسيا له، ثم في عهد الخليفة الثالث المهدي بن أبي جعفر المنصور ظل خالد البرمكي على مكانته السياسية المرموقة في دولاب الإدارة العباسية، ليعينه المهدي واليا على مقاطعة فارس في نهاية الأمر[5].
   
أنجب خالد بن برمك ولده يحيى الذي يُعتبر واسطة عقد البرامكة، ورأسهم المدبرة، وأكثرهم نفوذا في الإدارة والدولة العباسية، واستطاع يحيى بمساعد أولاده الفضل وجعفر أن يدير الدولة العباسية لمدة 17 عاما منذ عام 170هـ حتى سنة 187هـ، في الفترة الأهم والأطول من خلافة هارون الرشيد، فقد دان الرشيد ليحيى بن خالد البرمكي الذي وقف ضد أخيه الهادي حين حاول خلع الرشيد من ولاية العهد؛ لذا آثره هارونُ وقرّبه وفتح المجال أمام أبنائه ليكونوا اليد الطولى في الدولة بلا منافس ولا رقيب.
   
فأما الفضل بن يحيى البرمكي فقد تولى تربية الأمين بن هارون الرشيد، وتم تعيينه واليا على مشرق الدولة العباسية، وأما جعفر بن يحيى فقد اختص بمنادمة الرشيد، وكان مستشاره الأول في بغداد، فكان يُلازمه ليله ونهاره، ثم أشركه معه في ولاية المظالم، وجعله ناظرا على دار الضرب (سك العُملة) والطراز والبريد، بل أمر بكتابة اسمه على الدراهم والدنانير في بغداد وما حولها، بل راح الرشيد إلى أبعد من ذلك حين أسند إليه ولاية المغرب من الأنبار إلى أفريقية تونس، فأصبح أبناء البرامكة يتقلّدون أهم الولايات في الدولة شرقا وغربا، فضلا عن المالية والبريد والحجابة وغيرها، فأصبح الرشيد بينهم مُحاصرا على الحقيقة!
     
  
وهكذا استمر نفوذ البرامكة حتى وصل الحال إلى أن هارون كان "يحتاج إلى اليسير من المال فلا يقدر عليه"[6] في الوقت الذي كان البرامكة يسرفون في النفقات، بل استطاعوا تكبيله في بعض الأمور السياسية، هذا وقد لعبت رسائل الناقمين وأعداء البرامكة دورها في تحريض هارون ضدهم، فيأتي الطبري برسالة بعثها أحد فقهاء بغداد في ذلك الزمن يحذّر فيها الرشيد من البرامكة وأفعالهم وأنه سيُسأل يوم القيامة عن هؤلاء لأنه هو الذي أمّرهم ورفع مكانتهم، وأصبحوا اليد العليا في الدولة وفوق الرعية، بلا رقيب ولا حسيب، وقد أثّرت هذه الرسالة في الرشيد وبدأ يدقق فيما يقومون به، وينزع عنهم ثوب المكانة في قصوره وبين رجال حاشيته. ومما يقال أيضا في شأن نكبة البرامكة إن هارون الرشيد زوّج أخته العبّاسة بجعفر بن يحيى البرمكي لكن اشترط عليهما ألا يتماسّا، وذلك بغرض أن يؤنساه في جلساته وسهراته، ويكون الأمر شرعيا في ذات الوقت، لكنهما أخلّا الاتفاق وأنجبا توءما، فأصدر هارون قراره بحبس وقتل ومصادرة البرامكة بسبب هذا الأمر[7].
  
الأخطر من هذا أن البرامكة وهم من الفرس أصلا، كان أهل خراسان قد مالوا إليهم بكليتهم، وصاروا يعضدونهم ويرون فيهم النموذج الفارسي الذي تُدار من خلاله الدولة العباسية، وقد خشي هارون الرشيد أن تكون خراسان منطلقا للثورة ضده مع هذا التأييد الكبير للبرامكة الذين صاروا يعرفون كل صغيرة وكبيرة، ويتحكمون في كل شاردة وواردة في الدولة العباسية، وفي السياق ذاته هناك روايات تقول إن هارون أصدر قراره بقتلهم وسجنهم لأنهم أظهروا "الزندقة" وكراهية الإسلام، والميل إلى الفرس وعقائدهم القديمة. وفي ذلك يقول الأصمعي المعاصر لتلك الأحداث، وأحد كبار علماء اللغة والأدب الذين طالما جالسوا هارون الرشيد، يقول ذامًّا البرامكة، ومعرّضًا بدينهم وعقيدتهم[8]:
إذا ذُكِرَ الشِّرك في مجلسٍ ... أنارت وُجُوه بني برْمَك
وإن تُليت عِنْدَهم سُورة ... أَتوا بالأحاديثِ مِن بَرْمَكِ
   
هارون محطّم أنف البيزنطيين!
تظهر صورة هارون الرشيد كأوضح ما يكون حين نتأمل في العلاقات بين الخلافة العباسية في زمنه وبين أكبر الأعداء الخارجيين ممثّلين في البيزنطيين؛ إذ لم يتوان هارون في مواجهتهم بجنوده وأموال الدولة، بل وبنفسه أحيانا حين كان يخرج على رأس الجيوش.
    
دأب الرشيد على المشاركة بنفسه في كثير من هذه الحملات، واستطاعت إحدى فِرق الجيش العباسي التي كان يقودها أن تصل إلى أنقرة (عاصمة تركيا اليوم)
مواقع التواصل
   
وتعود العلاقات السيئة بين الجانبين إلى قديم، حين استطاع جيل الصحابة في عصر الفتوحات الإسلامية زمن الخلافة الراشدة أن ينتزعوا بلاد الشام ومصر وشمال أفريقيا من البيزنطيين، فاضطروا إلى التقهقر إلى داخل الهضبة الأناضولية في آسيا الصغرى، وظلوا منذ ذلك الحين أداة ضغط قوية من الشمال على الدولة الإسلامية، وطالما حاول الأمويون والعباسيون من بعدهم، خاصة في عصر قوتهم، أن يتوغلوا إلى عمق هذه الدولة، بل استطاعوا محاصرة القسطنطينية عدة مرات لم تنجح أيٌّ منها في إسقاط المدينة التي استعصت عليهم لقوة البيزنطيين، وتقنيتهم القتالية العالية التي تمثّلت في النار الإغريقية التي كانت تحرق سفن المسلمين ومقاتليهم.
  
في عصر هارون الرشيد نراه يتخذ إستراتيجية واضحة في مواجهة البيزنطيين، حيث قسّم مناطق الحدود بين الجانبين إلى قسمين أمامية وخلفية، ثم جعلها مناطق مستقلة إداريا عن الشام وبلاد شمال العراق والجزيرة الفراتية، ليسهل على القائمين عليها من قادة المسلمين حرية الحركة، وإدارتها بأفضل ما يرونه، وكانت الحدود بين الجانبين تبدأ من ملاطية في وسط الأناضول شمالا إلى عين زربة فيما بين الرها وحرّان في الجنوب التركي اليوم، وبعدما انتهى هارون الرشيد من إنجاز التحصينات والتدعيمات المطلوبة، بدأ في الهجمات السنوية التي اصطُلح على تسميتها بـ"الصوائف"[9] لكونها كانت تنطلق وتقع بين الجانبين في فصل الصيف.
  
دأب الرشيد على المشاركة بنفسه في كثير من هذه الحملات، واستطاعت إحدى فِرق الجيش العباسي التي كان يقودها أن تصل إلى أنقرة (عاصمة تركيا اليوم)، وبلغت بعضها عمقا أبعد حتى وصلت إلى ساحل بحر إيجه، واستطاع أن يضم عددا من أهم حصون البيزنطيين إلى الدولة العباسية مثل حصن الصفصاف سنة 181هـ/797م، وكان ذلك في عصر الإمبراطورة إيرين التي أعلنت عجزها التام عن مواجهة الخليفة الرشيد، فركنت إلى الصلح والهدنة على الشروط التي وضعها هارون، وعلى رأسها الإفراج عن الأسرى المسلمين، ودفع جزية سنوية مقدارها 90 ألف دينار ذهبي[10]!
  
على أن اعتلاء الإمبراطور نقفور فوكاس العرش خلفا لإيرين التي تم الانقلاب عليها لضعفها أمام العباسيين، والذي رأى نفسه الأليق عسكريا للثأر من الخليفة هارون، حيث أرسل فور اعتلائه العرش إلى بغداد متوعدا ورافضا الاستمرار في الهدنة بل وطالبا الأموال التي دفعها البيزنطيون من قبل على سبيل الجزية إلى العباسيين، وحين تسلم هارون الرشيد الخطاب، استشاط غضبا، وكتب رسالته الأشهر التي جاء فيها:
    
الإمبراطور نقفور فوكاس (مواقع التواصل)
   
 "بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأتُ كتابك يا بن الكافرة، والجواب ما تراه دون أن تسمعه والسلام[11]".
  
خرج هارون على رأس الجيوش العباسية سنة 187هـ/803م، واستطاع التوغل في عمق ووسط بلاد الأناضول في منطقة كبادوكيا، فأعلن نقفور ضعفه وقبوله العودة إلى الصلح والشروط السابقة مع الاعتذار وعدم النقض، لكنه أعاد الكرّة مرة أخرى حين هاجم مناطق نفوذ المسلمين في الأناضول في المناطق القريبة من ملاطية وأضنة، واستولى على طرسوس ومرعش، مستغلا انشغال هارون بقمع بعض الحركات الثورية المسلحة في العراق وخراسان، لكن ما إن فرغ هارون من مهمته حتى عاد بجيش أضخم إلى الأناضول فاستطاع الاستيلاء على إقليم أنقرة وهرقلة وطوانة، وهاجمت القوات البحرية العباسية جزر البيزنطيين في البحر المتوسط مثل صقلية وكريت وأنزلت بها هزائم ثقيلة، وهنا أدرك نقفور للمرة الثانية مدى ضعفه وعجزه عن المواجهة وأرسل للمرة الثانية طالبا الصلح بأي ثمن!
  
وبالفعل قبل هارون الصلح لدخول فصل الشتاء على جيشه في بلاد الأناضول، وكانت شروطه هذه المرة قاسية بهدف تأديب نقفور، فقد ألزمه بدفع 300 ألف دينار ذهبي كل عام، وأمره بمنع إعادة بناء الحصون والقلاع التي هدمها الجيش العباسي في هجومه الأخير وعلى رأسها أنقرة والصفصاف ودبسة وهرقلة حارما قوات البيزنطيين التموقع في مناطق إستراتيجية بين الجانبين[12]، الأمر الذي التزمه الإمبراطور البيزنطي صاغرا لا يملك من أمره إلا التنفيذ رجاء رضا الخليفة هارون!
   
مجالس الرشيد بين الحقيقة والخيال
لم تخلُ مصادر من التراث الأدبي العربي من روايات وصفت هارون الرشيد بالخليفة اللاهي الغارق في شهواته، العاشق للسهرات، المحب للشراب والخمر، ولعل على رأسها كتاب "الأغاني" لمؤلفه أبي الفرج الأصفهاني الذي تناثرت في كتابه الضخم حكايات وقصص تكشف هذا الجانب من شخصية هارون الرشيد. من تلك القصص أن مُغنيا اسمه يحيى المكي طلبه هارون الرشيد، فحين دخل عليه أرسل إليّ هارون الرشيد، فدخلت إليه وهو جالس على كرسيّ بتلّ دارا (جنوب الأناضول اليوم)، فقال: يا يحيى، غنّني:
متى تَلتقِي الأُلّافُ والعِيسُ كُلّما ... تصَعّدْنَ مِن وادٍ هَبطْنَ إلى وادٍ
     
  
فلم أزل أُغنّيه إيّاه ويتناولُ قدحا إلى أن أمسى (يغيب عن الوعي). فعددتُ عشر مرّات استعاد فيها الصوت، وشرب عشرة أقداح، ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم، وأمرني بالانصراف[13].
  
وإذا كان كتاب "الأغاني" قديما قد جاء لنا بهذه الصورة لهارون الرشيد، فإن كتاب "ألف ليلة وليلة" حديثا لم يختلف عن ذلك، بل وذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، لكن ما يجب لفت الانتباه إليه أن هذه المؤلفات لا تثبت أمام النقد التاريخي الجاد؛ بل إن بعضها صرّح بأن هذه الروايات التاريخية إنما وُضعت للتسلية وكثير منها كذب مختلق، خصوصا إذا عرفنا أن كتاب "ألف ليلة وليلة" مترجم عن كتاب فارسي اسمه "الهزار أفسان" أي الألف خُرافة، ويؤكد شوقي أبو خليل أنه جاء في كتاب "مختار الأغاني" في الجزء الرابع ما يدعم ذلك؛ حيث أكّد أن "قسما من تاريخنا مصدره قليلو العلم أو رقيقو الدين الذين يُطلقون فيضا من الأكاذيب، ويختلقون ركاما من الافتراءات... ويمرّ الزمن فيختفي القائل، وتنطمس المعالم"[14].
  
على أن الثابت والصحيح من مجالس الرشيد أنها كانت إما مجالس لإدارة شؤون الدولة ورفع المظالم والنظر فيها، وإما مجالس يحضرها العلماء والشعراء ممن يُستفاد منهم في ذلك العصر، وتُعقد بينهم المناظرات التي كان الرشيد يستمتع بها، ويُقبل عليها بكليّته، وقد ثبت أن الإمام الشافعي ناظر عددا من الفقهاء في حضرة هارون الرشيد وتفوق عليهم، وقد أحبه هارون وقرّبه كما قرب الإمامين الكبيرين محمد بن الحسن الشيباني والإمام أبا يوسف تلميذي الإمام أبي حنيفة.
   
  
وكان الشافعي كثيرا ما يتردد على بعض مجالس الرشيد حين كان في بغداد قبل الانتقال إلى مصر، فقد أخبرنا الإمام والمؤرخ ابن الجوزي أن الشافعي دخل "يوما إلى بعض حجر هارون الرشيد استأذن له عَلَيْهِ فأقعده الخادم عند أبي عبد الصمد مؤدب أولاد الرشيد، قال لَهُ: يا أبا عبد الله، هؤلاء أولاد أمير المؤمنين وهذا مؤدّبهم (معلمهم)، فلو أوصيتَه، فأقبل على أبي عبد الصمد، فقال لَهُ: ليكن أول ما نبدأ به من إصلاح أولاد أمير المؤمنين إصلاحك نفسك، فإن أعينهم مغفورة بعينك، فالحسن عندهم ما تستحسنه، والقبيح عندهم ما تستقبحه، علمهم كتاب الله، ولا تكرههم عليه فيملوه، ولا تتركهم فيهجروه، ثم زدهم من الشعر أعفه/ ومن الحديث أشرفه، ولا تخرجنهم من علم إلى غيره حتى يتقنوه، فإن ازدحام الكلام في المسمع مصد للفهم"[15].
  
أما الإمام أبو يوسف تلميذ الإمام أبي حنيفة فقد قرّبه هارون الرشيد وعيّنه قاضيا للقضاة، وحرص على التقرب منه والاستفادة من علمه الواسع، وكان يطلب إليه كتابة عدد من المؤلفات الشرعية التي تزيل الغموض واللبس، وتساعد رجال الإدارة العباسية في أعمالهم، وقد امتثل أبو يوسف للرشيد حين ألّف كتابه الشهير "الخراج"، وبيّن في مقدمة كتابه هذا أنه كتبه امتثالا لأمر أمير المؤمنين هارون الرشيد.
  
تلك بعض من ملامح سيرة هارون وعصره، تلك الشخصية التي أجمع جل المؤرخين على أنه أعظم خلفاء بني العباس شأنا وذكاء وعبادة وقيادة، حتى قال فيه الطبري وابن العمراني وابن خلدون والعماد الحنبلي وغيرهم إن هارون "كان يصلّي في كلّ يوم مئة ركعة نافلة، وكان يغزو عاما ويحجّ عاما"[16]. وهو الخليفة الذي استطاع إخماد الثورات والمشكلات الداخلية التي كانت تهدد الدولة ووحدتها، وحرص على تعيين أمهر الرجال وأفضلهم في مواقعهم الإدارية والعسكرية، وواجه كل من حاول تقسيم الدولة بالخروج عليها كما فعل مع عدد من كبار العلويين، واشتهر عنه الورع والصبر على الطاعة، والعمل على راحة الرعية، حتى إنه توفي في طريقه أثناء ذهابه لقمع ثورة قامت ضده، وكانت السبب الأكبر في اختلال الأمن في منطقة خراسان فدُفن في طوس (مدينة مشهد الإيرانية اليوم) سنة 193هـ/808م، ومهما يكن من سيرته فإن شخصيته ستظل موضع نزاع بين مؤيديه ومعارضيه!
لمصادر

1الطبري: تاريخ الرسل والملوك 7/424- 
426.2سهيل طقوش: تاريخ الدولة العباسية ص58.3الأصفهاني: مقاتل الطالبيين ص366.4الذهبي: تاريخ الإسلام 4/984.5طقوش:السابق ص97.6الطبري: السابق 8/287، 288.7المقدسي: البدء والتاريخ 6/104.8المقدسي: السابق 6/106.9تاريخ ابن خلدون 3/282.10طقوش: السابق ص103.11الطبري: السابق 8/308.12الطبري: السابق 8/321، 322.13الأصفهاني: الأغاني 6/414.14شوقي أبو خليل: هارون الرشيد ص204.15ابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم 10/139، 140.16تاريخ ابن خلدون 1/23.



المصادر
  • 1الطبري: تاريخ الرسل والملوك 7/424- 426.
  • 2سهيل طقوش: تاريخ الدولة العباسية ص58.
  • 3الأصفهاني: مقاتل الطالبيين ص366.
  • 4الذهبي: تاريخ الإسلام 4/984.
  • 5طقوش:السابق ص97.
  • 6الطبري: السابق 8/287، 288.
  • 7المقدسي: البدء والتاريخ 6/104.
  • 8المقدسي: السابق 6/106.
  • 9تاريخ ابن خلدون 3/282.
  • 10طقوش: السابق ص103.
  • 11الطبري: السابق 8/308.
  • 12الطبري: السابق 8/321، 322.
  • 13الأصفهاني: الأغاني 6/414.
  • 14شوقي أبو خليل: هارون الرشيد ص204.
  • 15ابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم 10/139، 140.
  • 16تاريخ ابن خلدون 1/23.

الأحد، 14 أبريل 2019

حدث في مثل هذا اليوم 4 / 14 حملة الابادة الجماعية ( الأنفال ) للشعب الكوردي المسلم على يد الطاغية صدام حسين البعثي العفلقي .

في 4 / 14 ذكرى الابادة الجماعية ( الأنفال ) للشعب الكوردي 
على يد اعداء الاسلام
من قبل نظام صدام احدى عمليات الإبادة الأكثر دموية في تاريخ البشرية.. قتل في حملة الأنفال (1986-1989) قرابة الـ 100 ألف كردي مسلم أعزل
نتسائل .."كيف يكون المسلم أن بعثيا او يحب بعثيا او يترحم عليه .. "!
لله ثم للتاريخ .. نكتب لأجيالنا الحاضرة والقادمة التي اصبح يترحم على صدام حسين بون معرفة ... من وراء الضيم التي نعيش فيه من هم البعثية ماهو تاريخهم ومن هو مؤسس البعث .
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏١٠‏ أشخاص‏، و‏‏نص‏‏‏

لمن يرد ان يعرف تاريخ البعثية وكيف تأسس حزب البعث حزب قومي علماني،الذي يدعو إلى الانقلاب الشامل في المفاهيم والقيم العربية لصهرها وتحويلها إلى التوجه الاشتراكي، شعاره المعلن (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة) وهي رسالة الحزب وليس الاسلام ، أما أهدافه فتتمثل في الوحدة والحرية والاشتراكية.
الجذور الفكرية والعقائدية
1ـ يعتمد الحزب على الفكر القومي الذي ظهر وبرز بعد سقوط الدولة العثمانية في العالم العربي والذي نادت به أوروبا، والذي نادى به منظَّر القومية العربية في العالم العربي آنذاك ساطع الحصري.
2ـ يعتمد الحزب على الفكر العلماني إذ ينحي مسألة العقيدة الدينية جانباً ولا يقيم لها أي وزن سواء على صعيد الفكر الحزبي أو على صعيد الانتساب إلى الحزب أو على صعيد التطبيق العملي.
3ـ يستلهم الحزب تصوراته من الفكر الاشتراكي ويترسم طريق الماركسية رغم انهيارها، والخلاف الوحيد بينهما أن اتجاهات الماركسية أممية، أما البعث فقومي، وفيما عدا ذلك فإن الأفكار الماركسية تمثل العمود الفقري في فكر الحزب ومعتقده، وهي لا تزال كذلك رغم انهيار البنيان الماركسي فيما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي.
4ـ لقد كان الحزب واجهة انضوت تحته كل الاتجاهات الطائفية (درزية ـ نصيرية ـ إسماعيلية ـ مسيحية) وأخذ هؤلاء يتحركون من خلاله بدوافع باطنية يطرحونها ويطبقونها تحت شعار الثورة والوحدة والحرية والاشتراكية والتقدمية وقد كانت الطائفة النصيرية أقدر هذا الطوائف على استغلال الحزب لتحقيق أهدافها وترسيخ وجودها.
اما بخصوص حربه مع ايران لم تكن في سبيل العقيدة او الوطن كما يظن البعض بل شن الحرب لأجل اراضي عراقية منحها لهم صدام ضمن اتفاقية الجزائر عام 1975 ولم يستفد شى بل قامت حرب حرقت الاخضر واليابس وذهبوا بسببها مليون عراقي ومئات الالاف من المعوقين جسديا وعقليا ..ناهيكم عن الخسائر المادية .في حرب ايران مع العراق خرج العراق منتصر اعلاميا فقط كما يروجون لها لكن تحمل في طياتها الكثير من المآسي والمعاناة للعراقي .وبعد الحرب ب8 سنوات يرسل صدام نائب عنه وهو طه ياسين رمضان يستجدي فيه الصلح من ايران بعد خراب البصرة..وتم فيها تنازل صدام عن شط العرب لايران
صدام حسين يقول البعثي له حصانة مثل حصانة عمر بن الخطاب حاشا لله .ويقول حتى لوكان البعثي يصلي ويؤمن بالله فبمجرد انتمائه للبعث راح يعطيه حصانة عند الله وليس صلاته وايمانه هذا صدام قائد الضرورة الذي اخرجوه من الحفرة ومعه سلاحه ولم يرم عدوه بطلقة
اولا: التأسيس وأبرز الشخصيات
في سنة 1932م عاد من باريس قادماً إلى دمشق كل من ميشيل عفلق (نصراني ينتمي إلى الكنيسة الشرقية)، وصلاح البيطار (سني) وذلك بعد دراستهم العالية محملين بأفكار قومية وثقافة أجنبية.
ـ عمل كل من عفلق والبيطار في التدريس، ومن خلاله أخذا ينشران أفكارهما بين الزملاء والطلاب والشباب.
ـ أصدر التجمع الذي أنشأه عفلق والبيطار مجلة الطليعة مع الماركسيين سنة 1934م وكانوا يطلقون على أنفسهم اسم (جماعة الإحياء العربي).
ـ في نيسان 1947م تم تأسيس الحزب تحت اسم (حزب البعث العربي)، وقد كان من المؤسسين: ميشيل عفلق، صلاح البيطار، جلال السيد، زكي الأرسوزي كما قرروا إصدار مجلة باسم البعث.
ـ كان لهم بعد ذلك دور فاعل في الحكومات التي طرأت على سوريا بعد الاستقلال سنة 1946م
""""""""
أما عن الجناح العراقي من حزب البعث فقد استولى على السلطة في العراق بعد أحداث دامية سارت على النحو التالي:
"
- استيلاء حزب البعث على ناصية الحكم في العراق:
ـ في الرابع عشر من شهر يوليو عام 1958م دخل لواء بقيادة عبد السلام عارف إلى بغداد قادماً من الأردن واستولى على محطة الإذاعة وأعلن الثورة على النظام الملكي وقتل الملك فيصل الثاني وولي عهده عبد الإله ونوري السعيد وأعوانه وأسقط النظام الملكي وبذلك انتهى عهد الملك فيصل ودخل العراق دوامة الانقلابات العسكرية.
ـ وفي اليوم الرابع والعشرين من شهر يوليو عام 1958م أي بعد عشرة أيام من نشوب الثورة وصل ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث وزعيمه إلى بغداد وحاول إقناع أركان النظام الجديد بالانضمام إلى الجمهورية العربية المتحدة (سوريا ومصر) ولكن الحزب الشيوعي العراقي أحبط مساعيه ونادى بعبد الكريم قاسم زعيماً أوحد للعراق.
ـ وفي اليوم الثامن من شهر فبراير لعام سنة 1963م قام حزب البعث بانقلاب على نظام عبد الكريم قاسم وقد شهد هذا الانقلاب قتالاً شرساً دار في شوارع بغداد، وبعد نجاح هذا الانقلاب تشكلت أول حكومة بعثية، وسرعان ما نشب خلاف بين الجناح المعتدل والجناح المتطرف من حزب البعث فاغتنم عبد السلام عارف هذه الفرصة وأسقط أول حكومة بعثية في تاريخ العراق في 18 نوفمبر سنة 1963م وعين عبد السلام عارف أحمد حسن البكر أحد الضباط البعثيين المعتدلين نائباً لرئيس الجمهورية.
ـ في شهر فبراير سنة 1964م أوصى ميشيل عفلق بتعيين صدام حسين عضواً في القيادة القطرية لفرع حزب البعث العراقي.
ـ في شهر سبتمبر سنة 1966م قام حزب البعث العراقي بالتحالف مع ضباط غير بعثيين بانقلاب ناجح أسقط نظام عارف.
ـ وفي اليوم الثلاثين من شهر يوليو عام 1968م طرد حزب البعث كافة من تعاونوا معه في انقلابه الناجح على عبد السلام عارف وعين أحمد حسن البكر رئيساً لمجلس قيادة الثورة ورئيساً للجمهورية وقائداً عاماً للجيش وأصبح صدام حسين نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة ومسؤولاً عن الأمن الداخلي.
ـ وفي 15 أكتوبر سنة 1970م تم اغتيال الفريق حردان التكريتي في مدينة الكويت وكان من أبرز أعضاء حزب البعث العراقي وعضواً في مجلس قيادة الثورة ونائباً لرئيس مجلس الوزراء ووزيراً للدفاع.
ـ وفي شهر نوفمبر من عام 1971م تم اغتيال السيد فؤاد الركابي وكان المنظّر الأول للحزب وأحد أبرز قادته في العراق وقد تم اغتياله داخل السجن.
ـ وفي 8 يوليو سنة 1973م جرى إعدام ناظم كزار رئيس الحكومة وجهاز الأمن الداخلي وخمسة وثلاثين شخصاً من أنصاره وذلك في أعقاب فشل الانقلاب الذي حاولوا القيام به.
ـ وفي السادس من شهر مارس عام 1975م وقّعت الحكومة البعثية العراقية مع شاه إيران الاتفاقية المعروفة باتفاقية الجزائر وقد وقعها عن العراق صدام حسين وتقضي الاتفاقية المذكورة بأن يوافق العراق على المطالب الإقليمية للشاه في مقابل وقف الشاه مساندته للأكراد في ثورتهم على النظام العراقي.
ـ في شهر أكتوبر لعام 1978م طردت الحكومة البعثية الخميني من العراق وقامت في شهر فبراير عام 1979م الثورة الخمينية في إيران.
ـ وفي شهر يونيو عام 1979م أصبح صدام حسين رئيساً للجمهورية العراقية بعد إعفاء البكر من جميع مناصبه وفرض الإقامة الجبرية عليه في منزله.
ـ في يوليو سنة 1979م قام صدام حسين بحملة إعدامات واسعة طالت ثلث أعضاء مجلس قيادة الثورة وأكثر من خمسمائة عضو من أبرز أعضاء حزب البعث العراقي.
ـ وفي اليوم الثامن من شهر أغسطس من العام نفسه أقدم صدام حسين على إعدام غانم عبد الجليل وزير التعليم ومحمد محجوب وزير التربية ومحمد عايش وزير الصناعة وصديقه الحميم عدنان الحمداني والدكتور ناصر الحاني سعيد، ثم قتل مرتضى سعيد الباقي تحت التعذيب، وقد سبق لكل من الأخيرين أن شغلا منصب وزير الخارجية، وقد بلغ عدد من أعدمهم صدام حسين خلال أقل من شهر واحد ستة وخمسين مسؤولاً حزبياً، ولم يبق على قيد الحياة من الذين شاركوا في انقلاب عام 1968م سوى عزت إبراهيم الدوري وطه ياسين رمضان وطارق حنا عزيز.
ـ وفي اليوم التاسع من شهر إبريل عام 1980م قام صدام حسين بإعدام محمد باقر الصدر أحد أبرز علماء الشيعة وأخته زينب الصدر المعروفة باسم (بنت الهدى).
ـ وفي يوم 22 سبتمبر سنة 1980م شن صدام حسين حربه على إيران التي أسفرت عن سقوط ما يقارب نصف المليون من أزاهير شباب العراق فضلاً عن سبعمائة ألف من المعاقين والمشوهين، إضافة إلى نفقات الحرب التي تجاوزت المائتي ألف مليون من الدولارات وكذلك تجميد كل تنمية طوال مدة زمنية تجاوزت الثماني سنوات، خرج صدام بعد كل هذه التضحيات ليعلن للعالم أن حربه مع إيران كانت خطأ وأن الحق كل الحق في العودة إلى الاتفاقية المبرمة بينهما ـ اتفاقية الجزائر ـ.
ـ وفي أثناء حربه مع إيران أنزل بالمواطنين الأكراد أبشع أنواع القتل والبطش والتنكيل والإبادة باستخدام الغازات السامة والكيماوية.
ـ وفي 2 أغسطس سنة 1990م (11 محرم سنة 1411هـ) قام باجتياح دولة الكويت واستباحة أرضها وطرد شعبها، إلى أن تم تحريرها.
ـ قامت أمريكا أخيرًا بإسقاط صدام ونظامه البعثي، واحتلت العراق، ونصبت حكومة عميلة لها ولإيران ...

أدت هذه العمليات الى مقتل 182 الف كوردي 

 من المعروف أن سورة "الأنفال" نزلت بعد معركة بدر ووصفت أحداث المعركة وأحكام الأسرى والغنائم وقوانين الحرب في المعارك والغزوات، وهي السورة الثامنة في ترتيب المصحف وعدد آياتها 75 آية. هذه المعلومات قد لا تخفى عن أغلب المسلمين، ولكنهم قد لا يعلمون أن تسمية "الأنفال" استخدمها النظام العراقي السابق لتنفيذ إحدى أبشع جرائم القرن العشرين بحق المواطنين الأكراد في كردستان العراق، في محاولة لاستخدام النصوص الدينية لشرعنة عمليات القتل ومحاولة محو المُكوّن الكردي في العراق.

ورغم أن الأكراد في كردستان العراق يعتنقون الإسلام بنسبة 97%، ويمثّل المذهب السني مذهب نحو 96% منهم، ورغم أن المجتمع الكردي من المجتمعات المحافظة التي يطغى عليها البُعد الديني والعشائري، إلا أن النظام العراقي السابق، ورغم أنه كان نظاماً بعثياً اشتراكياً، تعمّد تسمية العمليات العسكرية في المُدن والقرى الكردية بـ"الأنفال" لكسب التعاطف المحلي والإقليمي وتصوير الصراع على أنه ديني وليس قومياً ولاتهام الاكراد بالردة على الدين لتبرير عمليات الإبادة بحقهم، علماً أن الخلافات بين الطرفين كانت سياسية وتتعلق بالحقوق القومية والثقافية للأكراد.

ما هي عملية "الأنفال"؟

بدأت عملية "الأنفال" في المدن الكردية في إقليم كردستان العراق بقرار مباشر من مجلس قيادة الثورة، والذي كان أعلى سلطة لإصدار القرارات في العراق في ظل نظام صدام حسين. أصدر المجلس القرار الرقم 160، في 29 مارس 1987، القاضي بتنصيب علي حسن المجيد حاكماً مطلقاً على المنطقة الشمالية من البلاد حتى يقوم بتنفيذ سياسة تدمير المناطق الكردية وقتل وتهجير المواطنين المقيمين فيها.
وبموجب هذا القرار، بدأت عمليات الأنفال وكانت عبارة عن عمليات إبادة جماعية عن طريق نقل أعداد كبيرة من السكان كالأسرى إلى مناطق الحضر في محافظة الموصل ونقرة السلمان في السماوة ودفنهم وهم أحياء مع أفراد أسرهم في المقابر الجماعية، ما أدى إلى مقتل 182 ألف مواطن كردي وتدمير أربعة آلاف قرية وأربعة أقضية و30 ناحية.
في 11 يناير 2007، وأثناء محاكمة المتهم الرئيسي في قضية الأنفال، علي حسن المجيد، المعروف بـ"علي الكيمياوي"، وهو ابن عم صدام حسين، اعترف أمام المحكمة بأنه أصدر قرار ترحيل أهالي القرى الكردية الواقعة على الشريط الحدودي مع إيران وتركيا وقرى أخرى، وأضاف أنه أمر القوات بإعدام كل مَن يتجاهل أوامر الحكومة بمغادرة القرى خلال عملية عسكرية ضد الأكراد عام 1988 وأعطى تعليماته باعتبار هذه القرى مناطق محرّمة وأصدر أوامره للجنود باعتقال كل مَن يجدونه هناك. وتم تنفيذ حكم الإعدام بحق علي حسن المجيد في 25 يناير 2010.

مَن هو صاحب تسمية المجازر بـ"الأنفال"؟

يقول رئيس أركان الجيش العراقي في فترة "الأنفال" نزار الخزرجي إن عمليات الأنفال في المرحلة الأولى جرت ضمن المناطق الخاضعة لسيطرة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة جلال طالباني، وكان الهدف منها التخلص من مناطق نفوذ الحزب، وبعد بداية المرحلة الأولى، اقترح اللواء الركن كامل ساجد الجنابي، وكان متديّناً، تسمية العملية بـ"الأنفال" تيمّناً بسورة الأنفال في القرآن الكريم.
وخلال محاكمة المتهمين بجريمة الأنفال عام 2006، قال المتهم سلطان هاشم أحمد إن اللواء الجنابي هو الذي اختار تسمية "الأنفال" للعمليات العسكرية.

مراحل عمليات "الأنفال"

نُفّذت عمليات "الأنفال" على ثماني مراحل هي:
المرحلة الأولى: بدأت في 22 شباط 1988 واستغرقت شهراً واحداً، وشملت أكثر من 150 قرية في مناطق دوكان وقلا جوالان وجوارتا وسورداش، وكان يقود العملية سلطان هاشم أحمد، بمشاركة 20 لواءً من الجيش العراقي و30 من الفوج التابع للحرس الجمهوري و70 من أفواج "الجاش" المكوَّنة من الأكراد المساندين للعملية.
أقوال جاهزة
شاركغردجرائم "الأنفال"... كثيرون يتجنّبون الاقتراب من ذكراها، تارةً خوفاً على سمعة نظام صدام حسين القومي البعثي الذي اعتبروه ناصراً للسنة والأمة، وتارةً أخرى خوفاً من تهمة التعاطف مع إيران
شاركغرد"الأنفال"... حينما استخدم نظام صدام حسين البعثي "والاشتراكي" و"العلماني" اسم سورة من القرآن لتسمية عمليات عسكرية أسفرت عن مقتل 182 ألف كردي
المرحلة الثانية: بدأت في 22 مارس 1988، وتم الهجوم على منطقة قرة داغ وسنكاو وبازيان وعدة مناطق أخرى، وكان يقود العمليات إياد خليل زكي، القيادي في قوات الدفاع الوطني العراقي. وخلال هذه المرحلة تم قصف منطقة سيوسينان في قرة داغ بالأسلحة الكيميائية وتدمير أغلب القرى.
المرحلة الثالثة: تُعرَف بـ"الأنفال الأسود"، بسبب بشاعة العمليات، وبدأت في السابع من أبريل 1988 وشملت مناطق جمجمال، سنكاو، كفري، كلار، قادر كرم، بيباز، وجرى خلالها تدمير 500 قرية. وفي 14 أبريل قامت القوات العراقية بدفن العديد من الأسر وأفرادُها أحياء، ولذلك اختارت حكومة إقليم كردستان هذا اليوم كذكرى سنوية لـ"الأنفال".
المرحلة الرابعة: بدأت في 3 مايو 1988 واستمرت حتى 15 مايو، وشملت القرى الموجودة في مناطق كركوك، بردي، كوية، وبعض المناطق الأخرى. وفي هذه المرحلة تم قصف مناطق كوتبة، عسكر، وشيخان بالسلاح الكيميائي.
المرحلة الخامسة والسادسة والسابعة: بدأت في 15 مايو 1988 واستغرقت أكثر من ثلاثة أشهر. في هذه المراحل تم الهجوم على عدة مناطق أبرزها خليفان، سوران، جوما، رانية، قلادزي، قنديل، وقاد العملية وزير الدفاع عدنان خير الله، وعلي حسن المجيد ونزار الخزرجي.
المرحلة الثامنة: آخر مرحلة من مراحل الأنفال، وبدأت يوم 26 أغسطس 1988 في منطقة بادينان واستمرت حتى التاسع من سبتمبر وشملت مناطق زاخو، زاويتة، زيوة، أتروش، والعديد من المناطق الأخرى.

ينتظرون أقاربهم رغم مرور 30 عاماً على غيابهم


رغم مرور 30 عاماً على مجزرة "الأنفال"، إلا أن العديد من المواطنين في مدن إقليم كردستان التي تعرّضت لحملة "الأنفال" ينتظرون أقرباءهم ولم يقطعوا خيط الأمل في إمكانية بقائهم على قيد الحياة، بينما تسعى الأسر التي تيقنت من وفاة أقربائها في العملية للبحث عن جثثهم في الصحراء والمحافظات الجنوبية لإعادة رفاتهم إلى إقليم كردستان. وكل فترة يتم العثور على قبور جماعية جديدة تُجدد الآلام لدى الآلاف من أسر الضحايا.

تجاهل عملية الأنفال في الإعلام العربي

رغم بشاعة عملية "الأنفال" في الوجدان الكردي واستمرار العثور على مقابر جماعية للضحايا في مناطق مختلفة في العراق، إلا أن هذه القضية لم تلقَ الحد الأدنى من الاهتمام العربي، سواءً على مستوى الحكومات أو الشعوب، لا بل يحصل العكس عندما يحاول البعض تبرير هذه الجرائم واعتبارها أحداثاً جانبية لا تستحق الاهتمام في الوقت الحالي. وهذا الأمر من مصادر الألم لدى المواطن الكردي الذي يحتاج إلى التعاطف والاعتراف بالجرائم التي ارتُكبت بحقه من قبل الأنظمة الحاكمة.
كثيرون لا يريدون الاعتراف بأخطاء النظام العراقي السابق خوفاً من تهمة التعاطف مع إيران أو غيرها من التهم، ويُفضّلون التعنت وإنكار الحقيقة واتهام الأكراد بالعمالة لإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية لتغطية جرائم النظام العراقي السابق.
وبالرغم من الحقائق واعتراف المتهمين بالجريمة وسهولة زيارة إقليم كردستان لإجراء مقابلات مع أسر الضحايا ورؤية الأماكن التي تعرضت للعملية إلا أن غالبية وسائل الإعلام العربية والإسلامية تتجنب الاقتراب من هذه الجريمة، تارةً خوفاً على سمعة النظام القومي البعثي الذي اعتبره كثيرون ناصراً للسنة والأمة، وتارةً أخرى خوفاً من اسم العملية "الأنفال".
ويفهم الأكراد موقف الحكومات العربية التي اختارت التأييد أو الصمت أثناء ارتكاب النظام العراقي السابق لجريمة "الأنفال"، ولكنهم يتساءلون عن موقف المؤسسات والمنظمات والشخصيات   التي تؤمن بالأممية وترفع شعارات ضد الأنظمة الحاكمة والدفاع عن المظلومين، ورغم ذلك هي مقصرة بشكل كبير في الدفاع عن الأكراد أو الاعتراف بالمجازر التي حلت بهم على يد الأنظمة القومية تحت شعار الدين.
كان على الشخصيات والمنظمات أن تندد وتستنكر هذه العملية فور وقوعها لأنها استخدمت اسم سورة في القرآن الكريم لتبرير عمليات إبادة جماعية بحق المدنيين، ولكن غابت هذه الإدانة وساد الصمت  ، ما خلق نظرة سلبية لدى الأكراد من موقف هذه الجماعات والشخصيات التي صمتت عن الجريمة سابقاً وترفض التراجع عن مواقفها السابقة إلى الآن. فهل يمكن أن يفتحوا العالم كما يقولون في شعاراتهم وهم يحملون عقلاً ضيقاً وفكراً متحجراً؟

السبت، 13 أبريل 2019

حكم الغناء والموسيقى في ضوء القرآن والسنة .. الغناءالحلال والغناء الحرام .

فقه الغناء والموسيقى في ضوء القرآن والسنة
قضية الغناء والموسيقى قضية قديمة جديدة، ومن أكثر العلماء المعاصرين الذين كتبوا فيها العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، وأهم ما كتبه في الموضوع كتابه: (فقه الغناء والموسيقى) لأنه استقصى الموضوع من معظم أطرافه، وناقشه نقاشا مستفيضا، من حيث نقاش أدلة من حرموه، سواء كانت هذه الأدلة من الكتاب أو السنة، وذكر أدلة المجيزين وهو منهم، والضوابط المهمة لذلك، والكتاب مهم جدا لمن يريد أن يقف على الموضوع دينيا، من فقيه يعتبر رائدا لمدرسة الوسطية الإسلامية المعاصرة.
نقاش لأدلة المحرمين للغناء والموسيقى:
ناقش القرضاوي أدلة المحرمين، والتي استندت لآيات وأحاديث، فقد استند المحرمون للغناء والموسيقى إلى خمسة آيات قرآنية هي: قوله تعالى: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين) لقمان:6. فقد صح عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم: أن (لهو الحديث) في الآية هو الغناء. وقوله تعالى في مدح المؤمنين: (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه). قالوا: والغناء من اللغو، فوجب الإعراض عنه. وقوله تعالى في سورة الفرقان، وفي وصف عباد الرحمن (والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما) الفرقان:72. والآية الرابعة التي يذكرها المانعون للغناء، قوله تعالى في سورة الإسراء في خطاب إبليس لعنه الله: (قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا، واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك..) الإسراء:63-64. والآية الخامسة: (أفمن هذا الحديث تعجبون، وتضحكون ولا تبكون، وأنتم سامدون) النجم:59-61.
وقد فند القرضاوي كل هذه الأدلة، وأنها ليست في الغناء والموسيقى، وليست حجة قوية في التحريم، لأنها تفسير لصحابي قال بهذا القول، وأقوال الصحابة ليست حجة ملزمة، لعدة أسباب أهمها: أن الحجة القرآن والسنة، وأن تفسيرات الصحابة هي معينات على فهم النص وليست نصا، كما أن هذه التفسيرات للصحابة خالفها تفسير آخر لصحابة آخرين لم يقولوا بنفس قولهم، كما أن في بعض الآيات ما يدل على أن من يفعل ذلك فقد كفر، كقوله تعالى: (ليضل عن سبيل الله) ولم يقل أحد من الأمة كلها أن الغناء كفر يخرج من الملة، مما يعني أن تفسير الآيات بالغناء لا يسلم من اعتراضات وجيهة وقوية، مفندا هذه الاستدلالات بنقاشات علمية مهمة، انتهى فيها لعدم صحة الاستدلال بهذه النصوص على التحريم.
وأما أدلة المحرمين من السنة النبوي فإن أبرز حديث يذكره المحرمون في هذا المقام هو حديث (المعازف) الذي كثر فيه الكلام، واشتد حوله الخصام. وهو الحديث الذي ذكره البخاري في صحيحه (معلقا) عن هشام بن عمار بسنده إلى أبي عامر أو أبي مالك الأشعري، سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليكونن قوم من أمتي يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف" والمعازف: الملاهي، أو آلات العزف.
والحديث وإن كان في صحيح البخاري، إلا أنه من "المُعَلَّقَات" لا من "المسندات المتصلة" ولذلك رده ابن حزم لانقطاع سنده، ومع التعليق فقد قالوا: إن سنده ومتنه لم يسلما من الاضطراب، ودلالته على التحريم غير صريحة. والشرع قد شدد في التحريم حتى لا يتوسع الناس فيه، ويحرموا زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق.
وقد اجتهد الحافظ ابن حجر لوصل الحديث، ووصله بالفعل من تسع طرق، ولكنها جميعا تدور على راو تكلم فيه عدد من الأئمة النقاد، ألا وهو: هشام بن عمار. وهو ـ وإن كان خطيب دمشق ومقرئها ومحدثها وعالمها، ووثقه ابن معين والعجلي ـ فقد قال عنه أبو داود: حدث بأربعمائة حديث لا أصل لها.
ورغم ما في ثبوت الحديث من الكلام، ففي دلالته كلام آخر؛ فكلمة "المعازف" لم يُتفق على معناها بالتحديد: ما هو؟ فقد قيل: الملاهي، وهذه كلمة مجملة، وقيل: آلات العزف.
ولو سلمنا بأن معناها: آلات الطرب المعروفة بآلات الموسيقى. فلفظ الحديث المعلق في البخاري غير صريح في إفادة حرمة "المعازف" لأن عبارة "يستحلون" ـ كما ذكر ابن العربي ـ لها معنيان: أحدهما: يعتقدون أن ذلك حلال، والثاني: أن تكون مجازا عن الاسترسال في استعمال تلك الأمور؛ إذ لو كان المقصود بالاستحلال: المعنى الحقيقي، لكان كفرا، فإن استحلال الحرام المقطوع به ـ مثل الخمر والزنى المعبَّر عنه بـ"الحِرِ" ـ كفر بالإجماع.
ملاحظات على القائلين بالتحريم:
وبعد أن فند القرضاوي أدلة المحرمين التي استندوا إليها دون عدة ملاحظات مهمة يأخذها على القائلين بتحريم الغناء والموسيقى، وهي:
أولها: إغفالهم للأدلة المبيحة للغناء، سواء كانت من نصوص الشرع، أم من قواعده ومقاصده ـ وقد فصلناها في موضعها ـ واعتمادهم على أدلة أقل ما يقال فيها: إنها لا تثبت على النقد، فليس فيها نص واحد صحيح الثبوت، صريح الدلالة.
كما أن المعاصرين منهم أغفلوا ظروف العصر، وواقع الناس، وتطور حاجاتهم، وعموم البلوى بأمر الغناء والموسيقى، وخصوصا لدى الأمم والشعوب الأوربية، والأمريكية، والأفريقية، وقد جاء الإٍسلام رسالة عامة، لكل العالمين، من شرق وغرب، ومن عجم وعرب.
وثانيتها: أن بعضهم بالغ في التحريم حتى انتهى به إلى درجة (الكبيرة). وهذه مبالغة غير مقبولة في أمر اختلف فيه الفقهاء، حتى قال من قال بكراهته، مجرد كراهته، ومن قال بإباحته، بل من قال باستحسانه واستحبابه.
ومن قال بحرمته، فلا يتصور أن يصل به إلى درجة الكبائر الموبقات، مثل القتل والزنى وشرب الخمر، وأكل الربا وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات.
ومن المبالغات في موضوع الغناء: أن بعض المتحمسين لتحريمه، لم يكتف بأن يجعله من صغائر المحرمات، حتى أدخله في الكبائر! بل هناك من حكم على من استحل الغناء بالكفر، والعياذ بالله!
ولو قيل: إنه حرام، ولكنه من الصغائر، لكان الأمر أهون، فإن الصغائر تكفرها الحسنات مثل الصلوات الخمس، وصلاة الجمعة، وصيام رمضان وقيامه، والصدقة، ونحوها. وفي الحديث الصحيح: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر".
أدلة المجيزين للغناء والموسيقى:
بعد تفنيد القرضاوي أدلة المحرمين، بين أنه يكفي الرد بأنه لا دليل على التحريم، فيكون الغناء والموسيقى مباحا بقاعدة: الأصل في الأشياء الإباحة، ولكنه ذكر نصوصا من القرآن والسنة، من أهمها الآيات التي تتحدث عن حل الطيبات وتحريم الخبائث، وإباحة ما هو من باب الزينة، وأما من السنة النبوية فقد ذكر عدة أدلة من أهمها: حديث عائشة رضي الله عنها: أن أبا بكر دخل عليها، وعندها جاريتان تغنيان بدفين، وتغنيان في أيامهما، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مستتر بثوبه، فنهرهما أبو بكر، فكشف رسول الله ثوبه، وقال: "دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد. قالت عائشة: ولما قدم وفد الحبشة على رسول الله صلى الله عليه وسلم قاموا يلعبون في المسجد، فرأيت رسول الله يسترني بردائه، وأنا أنظر إليهم، وهم يلعبون في المسجد، حتى أكون أنا الذي أسأمه. فاقدروا قدر الجارية حديثة السن، الحريصة على اللهو".
وحديث آخر ذكره الجد ابن تيمية في (المنتقى) باب ضرب النساء بالدف لقدوم الغائب وما في معناه ذكر فيه حديث بريدة قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت: يا رسول الله، إني كنت نذرت ـ إن ردك الله سالما ـ أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، قال لها: إن كنت نذرت فاضربي، وإلا فلا، فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، ثم دخل عمر، فألقت الدف تحت إستها، ثم قعدت عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان ليخاف منك يا عمر، إني كنت جالسا وهي تضرب؛ فدخل أبو بكر وهي تضرب؛ ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب؛ فلما دخلت أنت يا عمر ألقت الدف" رواه أحمد والترمذي وصححه.
واستدل بمقاصد الشريعة كذلك التي تدل على إباحة الغناء والموسيقى.
تعقيبات وملاحظات:
كما وضع القرضاوي تعقيبات وملاحظات مهمة بعد بيانه للأدلة التي تدل على جواز الغناء والموسيقى، وهي:
1ـ ليس في تحريم الغناء نص صحيح صريح.
2ـ لا يحرم الله طيبا في الإسلام.
3ـ مراعاة أنواع الناس واتجاههم والفوارق بينهم.
4ـ مراعاة تحسين صورة الإسلام في أعين الآخرين.
5ـ وجوب النظرة الموضوعية بعيدا عن العاطفة والانفعالية.
6ـ مراعاة المخففات في الموضوع، مثل: عموم البلوى، ودخول الموسيقى والغناء في جل حياة الناس.
هل وجد في عصر النبوة والصحابة مغنون أو مغنيات؟
وقد أجاب القرضاوي عن السؤال، بأن من مجموع النصوص والآثار التي وردت في الغناء، أنه وجد مغنون ومغنيات في عهد النبوة والصحابة، وهن كالتالي:
الأولى: ما يتبين مما سبق ذكره من رواية النسائي: أنه عليه الصلاة والسلام قال لعائشة: هل تعرفين هذه؟ قالت: لا. قال: إنها قينة بني فلان. تحبين أن تغني لك؟ فغنت لها.
والثانية: (أرنب) وقد ترجم لها الحافظ ابن حجر في (الإصابة في تمييز الصحابة) حيث قال: (أرنب) المدنية المغنية... روينا ـ في الجزء الثالث من أمالي المحاملي،رواية الأصبهانيين من طريق ابن جريج:أخبرني أبو الأصبع:أن جميلة المغنية أخبرته أنها سألت جابر بن عبد الله عن الغناء،فقال:نكح بعض الأنصار بعض أهل عائشة،فأهدتها إلى قباء،فقال النبي صلى الله عليه وسلم وآله وسلم:أهديت عروسك؟قالت:نعم.قال:فأرسلت معها بغناء،فإن الأنصار يحبونه؟ قالت: لا. قال: فأدركيها بأرنب: امرأة كانت تغني بالمدينة.ومعنى هذا: أن هذه المرأة كانت معروفة لدى الرسول صلى الله عليه وسلم.
والثالثة: حمامة. ذكرها في الإصابة أيضا. قال: (حمامة) المغنية من جواري الأنصار. ذكرت في حديث عائشة: لما دخل أبو بكر عليها، في يوم عيد، وعندها جاريتان تغنيان سمى منهما (حمامة) في رواية فليح لابن أبي الدنيا عن هشام عن أبيه عن عائشة.
والرابعة: (سيرين) جارية حسان بن ثابت شاعر الرسول المعروف، وقد ترجم لها ابن حجر في (الإصابة) كذلك، وقال: إنها أم ولد حسان. وأن أمير القبط أهدى لرسول الله جاريتين أختين، إحداهما: (مارية) التي تسراها الرسول الكريم وولدت له ابنه إبراهيم، والثانية (سيرين) أعطاها حسانا فولدت له ابنه عبد الرحمن.
موقف القرضاوي من الغناء المشتمل على عري:
ولقد أشاع بعض الناس عني أني أبيح الغناء بإطلاق، فهذا محض افتراء، وما قلت ذلك قط، لا مشافهة ولا تحريرا.
ومن قرأ ما كتبته من قديم في كتابي (الحلال والحرام في الإسلام) أو ما كتبته في كتابي (فتاوى معاصرة) أو ما كتبته في فصل (اللهو والفنون) من كتابي (ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده) وكذلك في رسالة (الإسلام والفن) من رسائل ترشيد الصحوة الإسلامية.. من قرأ ذلك كله، فسيرى بوضوح أني لم أطلق الإباحة يوما ما، بل قيدت الإباحة بقيود، وضبطتها بضوابط، من حيث الكم، ومن حيث الكيف، ومن حيث المضمون، ومن حيث الشكل والأداء. ومن حيث ما يصحب الغناء من أمور قد تنقله من الحل إلى الحرمة، ومن الجواز إلى المنع.
وبهذا أعلن من أول الأمر أن الغناء بصورته التي يقدم بها اليوم في معظم التليفزيونات العربية والقنوات الفضائية، مما يصحبه من رقص وخلاعة وصور مثيرة لفتيات مائلات مميلات، كاسيات عاريات، أو عاريات غير كاسيات، أصبحت ملازمة للأغنية الحديثة.. الغناء بهذه الصورة قد غدا في عداد المحرمات بيقين، لا لذاته، ولكن لما يصحبه من هذه المثيرات والمضلات. فقد تحول الغناء من شيء يسمع إلى شيء يرى، وبعبارة أخرى: تحول من غناء إلى رقص خليع.
قيود وضوابط لا بد من مراعاتها:
وقد وضع القرضاوي ضوابط وقيود مهمة في قضية سماع الغناء والموسيقى، وهي:
1ـ سلامة مضمون الغناء من المخالفة الشرعية.
2ـ سلامة طريقة الأداء من التكسر والإغراء.
3ـ عدم اقتران الغناء بمحرم.
4ـ تجنب الإسراف في السماع.
لا إنكار في المسائل الاجتهادية:
وختم القرضاوي كتابه بمبحث مهم، وهو أن قضية مختلف فيها كقضية الغناء والموسيقى، على من يقتنع برأي فيها ألا ينكر على المخالف له، فكل دليله، ويكفي النقاش العلمي الهادئ، هذا فضلا عن أن يكون عنيفا في تناوله للمخالف. وقد دلل القرضاوي على ذلك بنقول مهمة من التراث عن ابن رجب وابن تيمية ابن القيم والسيوطي وغيرهم.

السؤال : هل تخصص ليلة النصف من شعبان بصلاة وكذلك صيام نهارها ؟ وهل ورد في فضلها حديث صحيح ؟

💥فضل ليلة النصف من شعبان
السؤال : هل تخصص ليلة النصف من شعبان بصلاة وكذلك صيام نهارها ؟ وهل ورد في فضلها حديث صحيح ؟
ليلة النصف من شعبان ستصادف يوم ٢٠ او ٢١ أبريل
يوجد حديث واحد صحيح والبقية موضوعه وباطلة حسب ما فهمته ولخصته لكم
في رواية الطبراني وابن حبان عن معاذ فقد قال فيها المنذري في الترغيب والترهيب إسناده لا بأس به، وهي:

"يطلع الله في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا
لمشرك أو مشاحن"
لذلك استحب بعض الفقهاء قيام هذه الليلة لتعرض المؤمن إلى رحمة الله ومغفرته.
وقد ذكر الإمام ابن تيمية أن طوائف من السلف كانوا يقومونها،
وإنما كره بعض آخر من السلف الاجتماع لها في المسجد، وعّدوا ذلك من البدع. أما ما يفعله كثير من المسلمين من إحداث صلاة فيها بعدد مخصوص وقراءة مخصوصة فهو بدعة محدثة.
يقول الإمام النووي: الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب، وهي ثنتا عشرة ركعة تصلى بين المغرب والعشاء ليلة أول جمعة في رجب، وصلاة ليلة نصف شعبان مائة ركعة، وهاتان الصلاتان بدعتان ومنكران قبيحان، ولا يغتر بذكرهما في كتاب قوت القلوب، وإحياء علوم الدين، ولا بالحديث المذكور فيهما فإن كل ذلك باطل .
فينبغي للمسلم أن يحرص على الطاعة في هذه الليلة بقيامها، والتخلي عن الشرك أكبره وأصغره، والصفح عن إخوانه حتى ينال هذا الفضل، ويجب عليه اجتناب المحدثات: فكل خير في
اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف.
"يطلع الله في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا
لمشرك أو مشاحن" 
✍️الجواب الثاني : الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
فإن ليلة النصف من شعبان قد ورد في فضلها عدة أحاديث، منها ما هو حسن صالح للاحتجاج، ومنها ما هو ضعيف لا يحتج به ، ومما حسّنه بعض العلماء ما روي عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : (( إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن )) رواه ابن ماجة وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (1144).

وعلى هذا ينبغي على المسلم أن يتحلى بالطاعات التي تؤهله لمغفرة الله تعالى، وأن يبتعد عن المعاصي والذنوب التي تحجبه عن هذه المغفرة، وذلك في كل وقت وحين ولا يختص ذلك بوقت أو شهر معين، ومن هذه الذنوب: الشرك بالله تعالى – والعياذ بالله-، فإنه مانع لكل خير، ومنها الشحناء والبغضاء والحقد على المسلمين، وهو يمنع المغفرة في أكثر أوقات المغفرة والرحمة، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس فيغفر الله لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً، إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقول: أنظروا هذين حتى يصطلحا)) رواه مسلم، فأفضل الأعمال بعد الإيمان بالله سلامة الصدر من أنواع الشحناء كلها تجاه المسلمين . 

👈ولم يثبت في فضل تخصيص قيام ليلة النصف من شعبان بصلاة أو دعاء معين، شيء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أحد من أصحابه خبر صحيح مرفوع يعمل بمثله حتى في الفضائل، بل وردت فيها آثار عن بعض التابعين مقطوعة وأحاديث اغلبها موضوع أو ضعيف جداً ،على هذا فلا يشرع إحياء تلك الليلة ولا صيام نهارها ولا تخصيصها بعبادة معينة .

⚡️وأول ظهور لذلك كما قال الإمام ابن رجب الحنبلي-رحمه الله تعالى - في لطائف المعارف: ( وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام كخالد بن معدان، ومكحول، ولقمان بن عامر وغيرهم، يعظمونها ويجتهدون فيها في العبادة، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها، وقد قيل: إنه بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية، فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان اختلف الناس في ذلك فمنهم من قَبِلَه منهم ووافقهم على تعظيمها، منهم طائفة من عباد أهل البصرة وغيرهم، وأنكر ذلك أكثر العلماء من أهل الحجاز).

قال الإمام أبو شامة المقدسي –رحمه الله تعالى – في الباعث على إنكار البدع والحوادث في تاريخ حدوث هذه الصلاة: ( وأول ما حدثت عندنا سنة 448هـ قدم علينا في بيت المقدس رجل من نابلس يُعرف بابن أبي الحميراء وكان حسن التلاوة ، فقام يصلي في المسجد الأقصى ليلة النصف من شعبان ، فأحرم خلفه رجل ثم انضاف ثالث ورابع فما ختمها إلا هو في جماعة كثيرة .. ) .
وقال شيخ الإسلام – رحمه الله تعالى - :(وأما ليلة النصف من شعبان ففيها فضل، وكان في السلف من يصلي فيها، لكن الاجتماع فيها لإحيائها في المساجد بدعة).

وقال الإمام النووي – رحمه الله تعالى – في المجموع: (الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب، وهي ثنتا عشرة ركعة تصلى بين المغرب والعشاء ليلة أول جمعة في رجب، وصلاة ليلة نصف شعبان مائة ركعة، وهاتان الصلاتان بدعتان ومنكران قبيحان، ولا يغتر بذكرهما في كتاب قوت القلوب، وإحياء علوم الدين، ولا بالحديث المذكور فيهما فإن كل ذلك باطل) . 
وقال النجم الغيطي –رحمه الله تعالى - : (إنه قد أنكر ذلك أكثر العلماء من أهل الحجاز منهم عطاء وابن أبي مُليكة وفقهاء المدينة وأصحاب مالك وقالوا : ذلك كله بدعة ). 

وقال الشيخ ابن عثيمين-رحمه الله تعالى-: (وبهذا نعرف أن ما اشتهر عند بعض العامة من أن ليلة القدر هي ليلة النصف من شهر شعبان لا أصل له، ولا حقيقة له، فإن ليلة القدر في رمضان، وليلة النصف من شعبان كليلة النصف من رجب، وجمادى، وربيع، وصفر، ومحرم وغيرها من الشهور لا تختص بشيء، حتى ما ورد في فضل القيام فيها فهو أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حجة، وكذلك ما ورد من تخصيص يومها وهو يوم النصف من شعبان بصيام فإنها أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حجة، لكن بعض العلماء -رحمهم الله- يتساهلون في ذكر الأحاديث الضعيفة فيما يتعلق بالفضائل: فضائل الأعمال، أو الشهور، أو الأماكن وهذا أمر لا ينبغي، وذلك لأنك إذا سقت الأحاديث الضعيفة في فضل شيء ما، فإن السامع سوف يعتقد أن ذلك صحيح، وينسبه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وهذا شيء كبير، فالمهم أن يوم النصف من شعبان وليلة النصف من شعبان لا يختصان بشيء دون سائر الشهور، فليلة النصف لا تختص بفضل قيام، وليلة النصف ليست ليلة القدر، ويوم النصف لا يختص بصيام، نعم شهر شعبان ثبتت السنة بأن النبي صلى الله عليه وسلّم يكثر الصيام فيه حتى لا يفطر منه إلا قليلاً وما سوى ذلك مما يتعلق بصيامه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلّم إلا ما لسائر الشهور كفضل صوم ثلاثة أيام من كل شهر وأن تكون في الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، وهي أيام البيض(.


👍الخلاصة:
ليلة النصف من شعبان قد ورد في فضلها حديث حسن عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : (( إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن )) رواه ابن ماجة.

وبالجملة فإنه لم يصح شيء من الأحاديث التي وردت في فضيلة إحياء ليلة النصف من شعبان وصوم يومها عند المحققين من علماء الحديث؛ ولذا أنكروا قيامها وتخصيص يومها بالصيام، وقالوا إن ذلك محدث لا أصل له من سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم-.
ومع هذا فمن أراد أن يقوم فيها كما يقوم في غيرها من ليالي العام بلا تخصيص فلا بأس بذلك ، وكذلك إذا صام يوم الخامس عشر من شعبان على أنه من الأيام البيض مع الرابع عشر والثالث عشر ، أو لأنه يوم اثنين أو خميس إذا وافق اليوم الخامس عشر يوم اثنين أو خميس فلا بأس بذلك ، والله تعالى أعلم .
د ضياء الدين الصالح