الثلاثاء، 4 مايو 2021

المداخلة.. قصة السلفيين الذين لا يعترفون إلا بالحاكم المستبد ويؤيدون السلام مع إسرائيل ويحاربون أي رئيس منتخب

 

ظهر تيار "المدخلية" في المملكة العربية السعودية إبان حرب الخليج الثانية 1991 كتيار مضاد للتيارات المعارضة لدخول القوات الأجنبية للجزيرة العربية- كالإخوان والسرورية- بعد غزو العراق للكويت.

فقد برز اسم الشيخ ربيع المدخلي عام 1991 عندما اتخذ هو وأستاذه محمد بن أمان الجامي (1930-1995) موقفاً من حرب الخليج الثانية، مخالفاً للموقفين اللذين اشتهرا في تلك الفترة.

كان الموقف الأول هو موقف علماء رفضوا الاستعانة بقوات أجنبية لتحرير الكويت (ما سُمّي بالاستعانة بـ"الكفار").

الموقف الثاني الذي اتخذه علماء المملكة العربية السعودية الذين وافقوا على الاستعانة بـ"الكفار" (الأمريكيين) دون أن يجرّموا رافضي الأمر.

أما الجامي والمدخلي فكانا صاحبي الموقف الثالث، وذهب مُنظِّرو هذا الموقف لأبعد مما ذهبت إليه مؤسسات الدولة الرسمية مثل "هيئة كبار العلماء السعوديين" التي أفتت بجواز دخول القوات الأجنبية على أساس أن فيه مصلحة، إلا أنهم لم يجرِّموا مَن حرَّم دخولها، أو أنكر ذلك، فجاء "المدخلية" واعتزلوا كلا الطرفين، وأنشأوا فكرا خليطاً يقوم على القول بمشروعية دخول القوات الأجنبية، ومعاداة من يحرِّم دخولها أو ينكر على الدولة ذلك.

بل اعتبروا الرافضين للاستعانة بـ"الكفار" (الأمريكيين) خارجين عن ولاة الأمور، ومن هنا تحديداً اتضحت الفكرة الأولى والأهم التي بنى عليها الشيخ ربيع المدخلي منهجه؛ ألا وهي طاعة ولاة الأمور والحكام في أي قرار مهما كان.

دبابات أميركية في طريقها إلى الأراضي الكويتية للمشاركة في عملية التحرير (غيتي)

يقوم المنهج المدخلي على رفض الطائفية والفرقة والتحزب، ومن ثَم كان من الأولى رفضه إطلاق مسمى على نفسه، لاسيما إذا كان يرجع إلى شخص مهما كانت مكانته

وازدهر تيار المداخلة في السعودية بفضل السلطة؛ في محاولة لكبح جماح تيار الصحوة الذي تغلغل وسط الساحتين الدينية والثقافية، واتبعت معه العديد من أساليب المواجهة ما بين اعتقال رموزه، والاستعانة بتيارات مناهضة للمنهج الذي قام عليه الفكر الصحوي، وتضييقات تتمثل في الاستدعاء والتحقيق على يدي أحد أفراد العائلة المالكة، كما حدث مع الشيخ سفر الحوالي وسلمان العودة وعائض القرني وغيرهم، ثم لم يجد النظام بُدّاً من البحث عن حلٍّ جذري لهذا التيار المتنامي والمتغلغل في أوساط المجتمع السعودي ويزداد تأثيره يوماً بعد يوم، فكان لا بد من التصدي لتيار الصحوة ذي الصبغة الدينية، بتيار آخر ذي مرجعية دينية، وحضور علمي شرعي.

تيار الصحوة

فقد أحدث موقف تيار الصحوة من فتاوى استقدام القوات الأجنبية إثر الغزو العراقي للكويت تصدّعاً عميقاً شهده التيار الإسلامي، وخاصة بعد فقد المتدينين الثقة بعلماء المؤسسة الرسمية إثر تأييدها لقرار الحكومة استقدام الجنود الأجانب إلى بلاد الحرمين، وهو ما أعاد إلى الذاكرة الإسلامية استعانة الملوك والأمراء بالصليبيين والتتار للتخلص من بعضهم البعض، خاصةً أن القوات الأمريكية لم تنسحب بعد هزيمة الجيش العراقي وخروجه من الكويت.

وفي ظل هذا المأزق الذي وضعت الحكومة السعودية نفسها فيه، ظهرت بوادر انفراجة للسلطة.

 ففي الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة حيث كان يدرس محمد أمان الجامي، ويقيم عددٌ من طلاب العلم الشرعي يطلبون العلم ويعلِّمونه، ويشتهرون بفتواهم التي تُحرِّم الخروج على الحاكم مهما فعل، أُصدرت الفتاوى بأن الجنود الأمريكان مستأمَنون شرعاً، ويُحرَّم أي اعتداء عليهم ووصفه بأنه اعتداء على ذمة المسلمين، كذلك تصدَّر ربيع المدخلي للردّ على رَفْض الاستعانة بالقوات الأجنبية بكتاب أطلق عليه “صد عدوان الملحدين وحكم الاستعانة على قتالهم بغير المسلمين”.

وهنا وجدت الحكومة السعودية ضالتها في تيار جديد يتهيّأ للظهور وينتسب روَّاده إلى السلفية، مُكتسبين وصف “سلفية المدينة”. وكان لهذه النشأة أثرٌ في تباين فتاوى العلماء في حق هذا التيار ورموزه. فقُدِّمت العطايا ووضعت الموارد تحت تصرف هذا التيار، وأُطلقت يده في التصدي لتيار الصحوة وسطوته على المجتمع.

وبالفعل لعب الجاميُّون أو المدخليُّون دوراً كبيراً في إضعاف الصحوة بالسعودية، بعدما فشل أسلوب القمع من قبل الحكومة السعودية.

المدخليُّون في مصر

أبرز رموز هذا التيار السلفي في مصر محمود لطفي عامر وأسامة القوصي ومحمد سعيد رسلان وطلعت زهران وأبوبكر ماهر بن عطية وجمال عبدالرحمن وعلي حشيش وعبدالعظيم بدوي.

وأسامة القوصي الذي يُنسب إليه هذا التيار في مصر أحياناً، بدأ حياته صوفياً وانضم بعدها إلى جماعة تكفيرية وهو بكلية الطب في مطلع السبعينيات، إلى أن هاجر إلى اليمن للجهاد، حيث التقى الشيخ مقبل بن هادي الوادعي الذي قلب أفكار الرجل من النقيض إلى النقيض ومحا من عقله الفكري التكفيري.

أسامة القوصي بافتتاح المهرجان الكاثوليكى للسينما بصحبة الإعلامي أسامة منير والفنانة غادة إبراهيم (بوابة الأهرام )

الخلاف مع التيارات السلفية الأخرى
على درجة تأييد الحاكم

لم يختلف المدخلية عن غيرهم من التيارات السلفية غير الجهادية الأخرى في اعتقادهم بعدم الخروج على الحاكم المسلم وإن كان فاسقاً؛ ولا يختلفون عن غيرهم أيضاً في أنهم اعتبروا أن الخروج على الخليفة عثمان بن عفان (رضي الله عنه) كان سبب الفتنة التي وقعت بين صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأن الخروج على ولاة الأمور هو سبب الفرقة والضعف والخوار الذي أصاب الدولة الإسلامية.

مكتبةربيع المدخلي

إلا أن المدخلية- خلافاً لكثير من التيارات السلفية- تعتبر أنه لا يجوز معارضة الحاكم مطلقاً، ولا حتى إبداء النصيحة له علناً، وتعتبر ذلك أصلاً من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة؛ ومخالفة هذا الأصل تعتبر خروجاً على الحاكم المسلم.

ويتميز المدخلية عن غيرهم من السلفيين بأنهم يدعون إلى الولاء والسمع والطاعة للحاكم مطلقاً، وإن خالف الحق (وإن جلد ظهرك)؛ بل يرفضون نصح الحاكم في العلن، وكان القوصي يقول في محاضراته: "إمامٌ غشومٌ خير من فتنة تدوم"، و"إمام ظالم وجائر يضرب ظهور الناس ويأخذ أموالهم خير من فتنة تدوم"، ويدعو الناس إلى محاربة المظاهرات والاضطرابات والقلاقل والانقلابات، لأن أهل البدع لا يعيشون إلا بإثارة الفتنة، وأهل السلف يدعون إلى الأمن والأمان.

يعترفون باتفاقيات السلام مع إسرائيل، وأيدوا توريث مبارك الحكم لنجله جمال

المدخلية تعتبر أن الاعتراف بالحاكم والولاء له وحده لا يكفيان إذا لم يتم الاعتراف بمؤسسات الدولة الأخرى، كمنصب المفتي مثلاً أو بمؤسسة الأزهر، كما أنه ليس لأحد أن يخرج عن فتوى علماء البلاد الرسميين، فإذا حلل هؤلاء العلماء فوائد البنوك فإنه على الرعية المسلمة في هذا البلد الإذعان لتلك الفتوى وعدم مخالفتها، ومن يخالف ذلك فإنه على طريق "الخوارج"، إذ يرى المداخلة أن عدم الاعتراف بمؤسسات الدولة الدينية هو منازعة الأمر أهله.

ويعترف المداخلة بمشروعية الدولة الإسلامية الحديثة، وتدعمها وتناصرها حتى في مواجهة الدول الإسلامية الأخرى، فيهاجم المداخلة حزب الله و"حماس" بدعوى أنهما يعتديان حتى على السيادة المصرية، وهو المفهوم البعيد تماماً عن كل الحركات والتيارات الإسلامية عموماً التي تعتبر أرض الإسلام كلها أرضاً واحدة.

ويرون أن هذا التأييد للدولة منهج عقيدي يتفق مع الأصول العقيدية والمنهجية لأهل السنة والجماعة، وفي هذا الإطار أطلق أحد مشايخ المداخلة لقب "أمير المؤمنين" على رئيس الدولة، وأجاز التوريث، وجواز تصدير الغاز لإسرائيل وبناء الجدار العازل.

حسني مبارك أمير المؤمنين!

وقد وصل الأمر إلى أنه قيل إن أحد السلفيين المداخلة المعروفين يدعى محمود عامر، رفع لافتة في عهد الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، يقول فيها: "نبايع أمير المؤمنين حسني مبارك"، وقيل إن أمن الدولة رأى في هذا مبالغة وطلب منه إزالتها.

ويشير محمد حامد عبدالوهاب في كتابه (السلفيون في مصر: دراسة تحليلية عن المدارس السلفية في مصر من بعد دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله إلى قيام ثورة 25 يناير) إلى أن مُنظر هذه المدرس أسامة القوصي لا يؤصل لدعوته شرعياً ولكن عقلياً فقط، لأن العقل له منزلة مقدمة في الإسلام، فيتساءل: ماذا يستفيد الناس من مهاجمة الحكام والسلاطين، أصلِح نفسك أولاً وبيتك؟

ويتفق الباحث صلاح الدين حسن مع هذا الرأي، إذ يقول إن المداخلة وإن كانوا سلفيين يقدمون النص على العقل، فإن الراصد الداخلي للخطاب المدخلي سيجد أن العقل يطغى في هذا الخطاب على النص، وأن البراغماتية السياسية جزء مهم ومفتاحي لفهم العقلية المدخلية، وضمن ذلك قضية الجهاد، وذهب المدخلية إلى حث "حماس" على قبول الصلح مع إسرائيل كما فعل السادات واستشهدوا بصلح الحديبية.

فأسامة القوصي يؤيد بشدةٍ اتفاقية السلام مع إسرائيل، كما أن فلسفة درء الفتنة تحتل الجزء الأهم في وعي المداخلة وهي وفَّرت لهم الذريعة الفكرية لتأييد التوريث لجمال مبارك.

ووصل الأمر في تأييد مواقف السلطة إلى أن أحد رموز المدخلية وهو محمود لطفي عامر، هاجم الدعوة إلى مقاطعة المنتجات الأمريكية واليهودية والدنماركية، واتهم الداعين إليها بالغوغائية وإثارة العواطف دون الرجوع إلى الشريعة، ويستثني من ذلك إذا رأى ولاة الأمر أن مصلحة المسلمين في مقاطعة سلعة معينة.

لماذا يرفضون تأسيس جماعات؟

وتتمايز المدخلية عن غيرها من التيارات السلفية في أنها تعتبر أن الجماعة المسلمة هي الدولة والسلطان؛ ومن ثم فهي تشن هجوماً حاداً على أي عمل جماعي، وتناهض الجماعات الإسلامية والحزبية؛ لأنها ضد مفهوم الجماعة في رأيهم؛ ومن ثم فهم "خوارج" على النظام، ومبتدعون في الدين، وهجومهم عليهم يهدف إلى إنهاء الفرقة في الأمة والتفافها حول سلطانه.

ووفقاً لهذه الرؤية فتكوين الجماعات في حد ذاته هو عين الخروج على الحاكم الذي ينهى عنه الدين، والدعوة إلى الاعتصامات والمظاهرات والعصيان المدني من أفعال الخوارج، وهم لايعتبرون الأفعال فقط خروجاً، بل الكلمات المعارضة أيضاً، فالذي يدعو إلى الخروج وهو لم يخرج فهو خارجي، وأخبث الخوارج في رأيهم من يسمونهم "الخوارج القعدية"، والخروج الأصغر هو الخروج بالكلمة وفقاً لوجهة نظرهم.

ويؤكد محمد يسري، أحد تلاميذ ربيع المدخلي في مصر والباحث السلفي المتخصص بالعقائد والمذاهب الإسلامية، عدم وجود تنظيم أو جماعة باسم المداخلة، ولكنه يقول إن هناك عدداً كبيراً من أبناء الفكر السلفي في العالم العربي ممَّن لديهم توافق منهجي في كثير من المسائل مع منهج الشيخ ربيع المدخلي، خاصة في المسائل العقدية التي تشمل مباحث التوحيد والعقيدة ورفض الأحزاب والجماعات. ويشير يسري إلى أن التلاقي العلمي حول الكثير من المسائل التي تشكل منهجاً مستقلاً يخلق تياراً حقيقياً على الأرض له شيوخه في كل الدول العربية والإسلامية، خاصةً السعودية ومصر وليبيا والأردن والسودان ودول الشمال الإفريقي.

ويوضح يسري أن مواسم الحج في السعودية تشهد لقاءات طلاب علم ومشايخ من أنحاء العالم كافة مع الشيخ ربيع المدخلي؛ ليحضروا دروسه ويتعرفوا على فكره عن قرب، وهو الأمر الذي ساهم كثيراً في نشر منهجه، فأصبح له تلاميذ ومؤيدون من أنحاء العالم كافة، يطلق عليهم في وسائل الإعلام اسم "المداخلة"، نسبة إلى الشيخ ربيع، أو الجامية نسبة إلى الشيخ محمد أمان الجامي، و"كلاهما صاحب مدرسة واحدة"، على حد تعبيره.

فكر مليء بالجمود

يرى الداعية الإسلامي المصري والباحث في شؤون الحركات الإسلامية الشيخ محمد عبدالسلام دحروج، أن فكر الشيخ ربيع المدخلي مليء بالجمود مثله مثل الفكر السلفي بشكل عام؛ وذلك لتقييده حركة أي عقل خارج نطاق المنهج المحدد له، "فبسهولة جداً يتم اتهام أي شخص يفكر خارج إطار الفكر المدخلي بأنه مبتدع".

الشيخ محمد عبدالسلام دحروج

ويوضح دحروج أن أهم ما ينتقده في فكر المدخلي هو رفضه للأحزاب وتحريمه للديمقراطية، "رغم أن الأمر برمَّته مجرد نظام سياسي لا علاقة له بالدعوة أو الدين"، هذا بجانب "تقديسه للحكام وإنزالهم منازل الرسل والأنبياء، وهذا أمر غير صحيح ولم ينص عليه الإسلام أو يوجبه على المسلمين". وتابع أن "الأوضاع السياسية المعاصرة تجعل الحكام أشخاصاً يختارهم الشعب كي يمثلوه ويعملوا لصالحه لا خلفاء كما كان الحال في عهد الرسول والصحابة".

وحذّر دحروج من انتشار هذا الفكر؛ لكونه يقود إلى التشدد، "خاصةً أنه يُدخل كل مَن ينتمي إلى هذه المدرسة في عداء مع أي مسلم يختلف مع أفكارها، كالمسلم الذي ينضم إلى أحزاب، أو المسلم الذي يعارض الحكام، وهذه أمور سياسية مكفولة تكفلها الدولة والحاكم، ولا يحرّمها الشرع".

موقفهم من الربيع العربي

إضافة لتأييد الحكام، بنى ربيع المدخلي مدرسته أيضاً على فكرة رفض الثورات والتظاهرات. ومن هنا، فإن كل مَن نهج نهجه يحرّم التظاهرات ويرى أن الثورات التي شهدها العالم العربي ليست ربيعاً عربياً كما أُطلق عليها؛ بل فوضى يرفضها الإسلام، وكل مَن قال بذلك يحسبه خصومه على المدخلية.

في محاضرة للشيخ محمد سعيد رسلان أحد أبرز الوجوه المدخلية، بتاريخ 4 فبراير/شباط 2011، بعنوان "حقيقة ما يحدث في مصر"، يقول: "ما يحدث في مصر الآن إنما هو جزء من تلك الخطة التي بشَّر بها أحبار الماسون وأنبياء إسرائيل وشيوخ صهيون في موسوعات ودراسات ومؤتمرات وفي أسفار التوراة والأنبياء والملوك والتواريخ والمزامير، وتخص خطة المهندس الأقدس مصر- نعم مصر- بالنصيب الأوفر من رجس الخراب، ولو سلمنا أنكم- أيها الشباب- أسقطتم الدولة مع ما يكون في جراء ذلك من إهلاك الحرث والنسل وتعطيل المصالح، وإضاعة الثروات، وإضعاف الأمة أمام أعدائها فلمن تسلمونها؟".

الشيخ محمد سعيد رسلان حقيقة ما يحدث في مصر

الموقف من بشار الأسد

وللشيخ ربيع المدخلي درسٌ شهير هاجم فيه الرئيس السوري بشار الأسد والرئيس الليبي معمر القذافي وما يحدث في سوريا وليبيا من "فتن"، وبرّأ الإسلام من "الجاهليات التي يرتكبها هذان النظامان في البلدين وحكامهما". ولكنه لم يتوقّف عند ذلك الحد؛ بل صرّح برفضه لكل التظاهرات في هذين البلدين، واعتبر أن خصوم النظامين من "دعاة الحرية والديمقراطية والمتسببين في هذه الفتن" يشاركون في أوزار ما يحدث، محذراً السلفيين من المشاركة في المذابح.

وبعيداً عن السياسة، يرفض الشيخ ربيع المدخلي الصوفية بطرقها كافة، ويصف قياداتها وأتباعها بـ"القبوريين"، كما يتهم عقيدتهم بأنها مليئة بالشركيات والكفريات المخرجة من ملة الإسلام، وأبرز ما يؤاخذهم عليه ما يقول إنه توسلهم بالأولياء من دون الله، وتقديسهم لمقابر علمائهم.

في ليبيا، السلفية المدخلية تتمرد على الحاكم الشرعي وتؤيد الجنرال الخارج

كان للشيخ ربيع المدخلي موقف لافت من الأحداث في ليبيا.

فبعد إصداره رسالة يدعو فيها تلامذته هنالك إلى اعتزال الأحداث والاكتفاء بالعمل الدعوي، خرج برسالة أخرى بتاريخ 10 يوليو/تموز 2016، دعاهم فيها إلى الالتفاف لصد هجوم الإخوان.

ورأى سلفيون أنها دعوة صريحة إلى التعاون مع ميليشيات الجنرال المتقاعد خليفة حفتر، وهو ما حدث بالفعل وأصبح سلفيون كثر في ليبيا جزءاً لا يتجزأ من قوات حفتر، حيث لعبوا بحماستهم الدينية دوراً مهماً في قوات حفتر المجمَّعة من أشتات غير متجانسة يغلب عليها البحث عن المصلحة والمال.

في مصر وليبيا ظهر تناقضهم الأكبر

يقدم المداخلة أنفسهم على أنهم حماة الشرعية والاستقرار عبر تأييدهم للحكم القائم، حتى لو كان مستبداً ظالماً لا يطبق الشريعة، ولكن الغريب أنهم في الحالة المصرية كانوا يشجعون التمرد على الرئيس المنتخب محمد مرسي حتى إن أسامة القوصي الذي سُمي المداخلة باسمه في مصر،  وصف حركة "تمرد" التي كانت تجمع توقيعات لعزل مرسي عن الحكم، بأنها "بُشرة خير" ومحاولة لتصحيح المسار الثوري (الذي سبق أن هاجمه بعد أن عُزل مبارك).

لحظة توقيع الشيخ أسامة القوصي على استمارة تمرد

وفي ليبيا، فإن حكومة الوفاق هي الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً، وضمن ذلك من السعودية ومصر والجامعة العربية (رئيسها فايز السراج مثَّل ليبيا في القمة العربية الـ29 بالسعودية والتقى السيسي هناك).

فلماذا لم تؤيد المدخلية مرسي
ولماذا تحارب مع حفتر ؟

تُظهر هذه المواقف المتناقضة الطبيعة الكامنة للمدخلية، وهي قائمة على أربع أسس:

1- العداء للديمقراطية، فالحاكم الشرعي يجب أن يكون قد جاء بالغلبة، وبينما الغلبة في التاريخ الإسلامي قبِلها أغلب المسلمين اضطرارياً؛ خوفاً من الفتنة (الخلفاء الراشدون لم يأتوا بالغلبة)، ولكنها بالنسبة للمدخليين هي الأساس.

2-  العداء لكل الحركات الإسلامية المنظمة سواء سلفية أو غير سلفية (العداء الأكبر للإخوان)، رغم أن المدخلية فعلياً تحوَّلوا إلى تيار وجماعات متعددة منظَّمة رغم إنكارهم ذلك.

3-  ولاء المدخلية الأساسي ليس لقضية الشريعة ولا حماية المجتمع من الفوضى والفتنة، والدليل تأييدها للتمرد ضد مرسي، ولكن ولاءها الأساسي لأنظمة الحكم التقليدية، أو الدولة العميقة في العالم العربي حتى لو خرجت من السلطة (يطلق عليهم في هذه الحالة في مصر الفلول، وفي ليبيا الأزلام).

فموقف المدخلية من الولاء للدولة العميقة الملكية والعسكرية، نابع من أسباب عقائدية ونفسية موجودة لدى قطاعات كبيرة من السلفيين وحتى المجتمعات العربية عامة،  ترى في العسكر والأسر الملكية النخب الحاكمة الطبيعية للمجتمعات.

فبعد عقود طويلة من الحكم العسكري في أغلب الدول العربية والحكم الملكي في السعودية، باتت هناك عقدة نقص لدى البعض تجاه هذه النخب، ويضاعف هذا التوجه أن المداخلة يرون أن أي جماعة إسلامية أخرى هي الخصم الرئيسي، ومن ثم فوصول هذه الجماعة للسلطة هزيمة لهم.

4-  لكن أهم ما يربط المداخلة بالأنظمة العربية العلاقات الأمنية والاستخباراتية، وإخلاء هذه الأنظمة الساحة للمداخلة للعمل الديني بعد إزاحة المنافسين سواء سلفيين آخرين (حتى لو غير جهاديين) أو إخواناً أو غيرهم، فالمنفعة متبادلة بين المداخلة والأنظمة العربية، وقد أثبت المداخلة أنهم استثمار جيد للأنظمة.

ففي السعودية لعبوا دوراً مهماً في إضعاف تيار الصحوة (الذي كان مستقلاً أو شبه معارض)، ولكن في ليبيا كان دورهم أوضح أكثر من أي بلد عربي، فقد أثبتوا أنهم المقاتلون الأكثر حماسة في دعم حفتر لدرجة صعوبة ضبطهم ووقف جرائمهم وتهديداتهم التي امتدت حتى إلى تونس المجاورة.

 صدقة زكاة الفطر ... أحكامها ، وجواز دفع النقود بها

بقلم
أ.د. علي محيى الدين القره داغي
الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
ونائب ؤئيس المجلس الأوروبي للافتاء والبحوث

الإسلام دين الرحمة حقاً وصدقاً ، الرحمة في تشريعاته وأحكامه ، والرحمة في التعامل والتعاقد والتقاضي ، والتبادل.
ومن رحمة الله تعالى بعباده أن ربط بين معظم أركان الإسلام وبين إدخال السرور في قلوب المستضعفين والفقراء والمساكين ، فالزكاة - وهي الركن الثالث- شرعت للتخفيف من الفقر والبطالة ، أو القضاء عليه والمساهمة في إعادة التوزيع العادل ، وشرع الله تعالى في الحج الهدْي ، والفدية والكفارات والأضاحي حتى تكون عوناً للفقراء على قضاء حوائجهم والخروج من دائرة الفقر إلى دائرة حد الكفاف ، أو حد الكفاية .
وهذا أكبر دليل على العناية القصوى بالفقراء حيث يستثمر العبادات لادخال السرور في قلوبهم ، ورفع حاجتهم ، ومشاركتهم فرحة الأعياد مع الأغنياء والموسرين ليتحقق الجسد الواحد بالتعاون والتكافل.
وقد فرض الله تعالى زكاة الفطر على جميع المسلمين أغنيائهم وفقرائهم ، صغيرهم وكبيرهم ما داموا قادرين على إخراجها ، وذلك لحديث ابن عمر قال : ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر : صاعاً من تمر ، أو صاعاً من شعير ، على كل حرّ ، او عبد ذكر أو أنثى من المسلمين وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) رواه البخاري مع فتح الباري (3/367) ومسلم (2/677) وأصحاب السنن ، وهذا محل إجماع .
وورد بيان حكمتها في حديث ابن عباس الذي رواه أبو داود بإسناد حسن في سننه الحديث 1609 والدارقطني في سننه (2/327) والحاكم في المستدرك ، وقال الحافظ المنذري إسناده صحيح أو حسن ، وصححه ابن الملقن في شرح البخاري (10/636) حيث قال ابن عباس : (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طُهرة للصائم من اللغو والرفث، وطُعمة للمساكين ، مَنْ أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ، ومَنْ أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات).
إذن في ضوء هذا الحديث الثابت بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم أن الحكمة من زكاة الفطر أمران ، هما :
الأمر الأول : أنها تطهير وتزكية للصائم من الكلام اللغو ، والرفث أي الكلام الذي يخرج عن حدّه ، وروى النووي في المجموع عن وكيع بن الجرّاح قال : ( زكاة الفطر لشهر رمضان كسجدتي السهو للصلاة ، تجبر نقصان الصوم كما يجبر السجود نقصان الصلاة ).
وقد بيّن الله تعالى الحكمة من جميع أنواع الزكاة بأنها تطهير وتزكية فقال تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [التوبة : 103] أي تطهير نفس المزكى من الجشع والطمع ، ولنفس المُعْطى له من الحقد والحسد وكراهية الأغنياء ، كما أنه تنمية شاملة .
الأمر الثاني : سدّ لحاجة الفقراء في ذلك اليوم الذي يفرح فيه المسلمون ، ويتوسع فيه الأغنياء ، فبذلك يشاركهم الفقراء حيث يعطي لهم من الأموال ما يغنيهم.
وبالاضافة إلى هاتين الحكمتين فإن هناك حكمتين أخريين ، هما :
أ- إغناء الفقراء عن السؤال في يوم العيد ، حيث ورد فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم : (أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم) رواه البيهقي في السنن الكبرى (4/175) وفي سنده أبو معشر نجيح المدني ، وقد تكلم فيه ، ولذلك ضعفوه ، ولكن قال الحافظ ابن حجر في الدراية (1/274) بعد أن قال : إسناده ضعيف ، قال : أصله في الصحيحين عن ابن عمر .
ب- أداء شكر الله تعالى على نعمة الصحة ، والحياة ، وبلوغ رمضان كله .
كيف تؤدى زكاة الفطر :
يؤديها الشخص القادر على الأداء عن نفسه ، وعن زوجته وأولاده الصغار ، أما أولاده الكبار فإن كانوا أغنياء فوجب عليهم أن يدفعوها ، وإن كانوا فقراء فيدفع عنهم على الراجح من أقوال أهل العلم ، لحديث ابن عمر : ( أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر عن الصغير والكبير ، والحرّ ، والعبد ممن تمونون) أي تنفقون عليهم ، وهذا الحديث بهذا اللفظ ضعفه الكثيرون ، ولكن الألباني في ارواء الغليل (839) حسنه بلفظ : ( أدّوا صدقة الفطر عما تُموّنون) .
مقدار الزكاة :
حدد الرسول صلى الله عليم وسلم صاعاً من تمر ، أو صاعاً من شعير كما في حديث ابن عمر في الصحيحن ، وفي حديث أبي سعيد الخدري قال : ( كنا نخرج صدقة الفطر صاعاً من طعام ، او صاعاً من شعير ، أو صاعاً من تمر ، أو صاعاً من أقط ، أو صاعاً من زبيب ) رواه البخاري 1056 ، وفي حديث آخر للبخاري أيضاً 1058 بلفظ : ( كنا نخرج في زمان النبي صلى الله عليه وسلم صاعاً من طعام ...الخ ) وفي رواية ثالثة 1510 بلفظ ( كنا نخرج في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفطر صاعاً من طعام والأقط والتمر) ، وقال أبو سعيد : وكان طعامنا الشعير ، والزبيب .
وقد اتفق الفقهاء على أن المتصدق في زكاة الفطر لا يكفيه نصف صاع من هذه الأصناف الأربعة المذكورة في حديث أبي سعيد الخدري ، وكذلك ذهب جمهورهم (المالكية والشافعية والحنابلة) إلى أنه لا يكفي أيضاً نصف صاع من القمح ونحوه ، ولكن الحنفية أجازاو دفع نصف صاع من القمح ، وذلك لما قال أبو سعيد الخدري : ( إن معاوية قدم حاجاً أو معتمراً ، فكلم الناس على المنبر ، وكان فيما كلم به الناس أن قال : إني أرى أن مدّين من سمراء الشام (يعني القمح) تعدل صاعاً من تمر ، فأخذ الناس بذلك ، أما أنا فلا أزال أخرجه أبداً ما عشت كما كنت أخرجه) رواه البخاري مع الفتح (3/372) ومسلم (2/678) الحديث 985.
ورأي معاوية رضي الله عنه مستند إلى رأي الخليفة الراشد عمر الفارق رضي الله عنه ، فقد روى مسلم في التمييز الحديث 181 وأبو داود في سننه 1614 بسند حسن عن ابن عمر قال : ( كان الناس يخرجون صدقة الفكر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم صاعاً من شعير ، أو تمر ، أو سلت ، أو زبيب ، قال عبدالله فلما كان عمر رضي الله عنه وكثرت الحنطة جعل عمر نصف صاع حنطة مكان صاع من تلك الأشياء). قال ابن الهمام في شرح فتح القدير (2/300) : ( أعل سنده بابن أبي رواد ، تكلم فيه ابن حبان ، ووثقه غير واحد ، والموثقون له أعرف) ولذلك سكت عنه أبو داود وبالتالي فهو حسن كما عبر عن منهجه ، لكن الألباني ضعفه في : ضعيف أبي داود الحديث 1614 وقال : (وذكر عمر وهم ، والصواب : معاوية) .
مقدار الصاع في عصرنا الحاضر :
يساوي الصاع في عصرنا الحاضر بالغرامات حوالي اثنين كيلو ، وربع كيلو تقريباً ، فلا يزيد على هذا المقدار ، ولكنه يختلف من نوع إلى آخر حسب وزنه ، لذلك فدفع اثنين كليو وربع الكيلو من الأصناف التي ذكرتها الأحاديث السابقة أو من الأرز جائز شرعاً وكاف بدون شك بإذن الله تعالى .
وهو يساوي اليوم 15 - 20 ريالاً قطرياً ، فمن دفع 15 ريالاً فقد كفته ، ولكن من يدفع 20 ريالاً فهو الأحوط. وكل بلد يقوّم هذه الكمية (اثنين كيلو ، وربع كيلو) من غالب قوت البلد ، وعملته السائدة .
مكان الدفع ، وجواز نقله للحاجة :
مكان الدفع بالنسبة لصدقة الفطر هو البلد الذي يعيش فيه المسلم ، وبالنسبة لزكاة الأموال هو مكانها ، ويجوز نقله في الحالات الآتية ، كما ورد بذلك فتوى من الهيئة العالمية لقضايا الزكاة المعاصرة ، وهي :
أولا‏:‏ الأصل في صرف الزكاة أن توزع في موضع الأموال المزكاة - لا موضع المزكي - ويجوز نقل الزكاة عن موضعها لمصلحة شرعية راجحة‏.‏
ومن وجوه المصلحة للنقل‏:‏
أ - نقلها إلى مواطن الجهاد في سبيل الله‏.‏
ب - نقلها إلى المؤسسات الدعوية أو التعليمية أو الصحية التي تستحق الصرف عليها من أحد المصارف الثمانية للزكاة‏.‏
ج - نقلها إلى مناطق المجاعات والكوارث التي تصيب بعض المسلمين في العالم‏.‏
د - نقلها إلى أقرباء المزكي المستحقين للزكاة‏.‏
ثانيا‏:‏ نقل الزكاة إلى غير موضعها في غير الحالات السابقة لا يمنع إجزاءها عنه ولكن مع الكراهة بشرط أن تعطى إلى من يستحق الزكاة من أحد المصارف الثمانية‏.‏
ثالثا‏: موطن الزكاة هو البلد وما يقربه من القرى وما يتبعه من مناطق مما هو دون مسافة القصر ‏(‏‏82‏ كم تقريبا‏)‏ لأنه في حكم بلد واحد‏.‏
رابعا‏:‏ موضع الزكاة بالنسبة لزكاة الفطر هو موضع من يؤديها لأنها زكاة الأبدان‏.‏
خامسا‏:‏ مما يسوغ من التصرفات في حالات النقل‏:‏
أ - تعجيل إخراج زكاة المال عن نهاية الحول بمدة يمكن فيها وصولها إلى مستحقيها عند تمام الحول إذا توافرت شروط وجوب الزكاة‏, ‏ ولا تقدم زكاة الفطر على أول رمضان‏.‏
ب - تأخير إخراج الزكاة للمدة التي يقتضيها النقل‏.‏
وقت إخراجها :
الغرض والحكمة من هذه الصدقة أن تحقق أهداف الفقير في تحقيق مشاركته مع الأغنياء في فرح يوم العيد ، ولذلك كان ابن عمر يؤديها قبل العيد بيوم أو بيومين ، حيث روى أبو داود بسند صحيح (الحديث1610) : ( أن ابن عمر كان يؤديها قبل ذلك باليوم واليومين) وقال الألباني في صحيح أبي دواد : (حديث صحيح).
ومن المعلوم أن ابن عمر هو من أشد الصحابة تمسكاً بالسنة واقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم ومع ذلك كان يعطي صدقة الفطر قبل العيد بيوم أو بيومين حتى يتمكن الفقير من الاستفادة منها لأنه لو أعطى له في نفس اليوم قد لا يتمكن من الاستفادة منها الاستفادة المثلى.
ثم اختلف الفقهاء فذهب جماعة من الفقهاء ، منهم ابن عمر ، والمالكية والحنابلة ، إلى جواز تقديم صدقة الفطر بيوم أو بيومين (يراجع : بلغة السالك (1/201) وكشاف القناع(1/471) ، وذهب الشافعية إلى أن وقت أدائها المستحب هو قبل صلاة العيد ، ولكنه يجوز تعجيلها إلى أول شهر رمضان إلى آخره على المذهب يراجع روضة الطالبين (2/292) ، وذهب الحنفية إلى أن وقت وجوب أداء زكاة الفطر موسع ، فهي تجب في مطلق الوقت ، وإنما يتعين بتعيينه ، ففي أي وقت أدى كان مؤدياً ، لا قاضياً غير أن المستحب إخراجها قبل الذهاب إلى المصلى يراجع روضة الطالبين (2/292) ، لكن جمهور الفقهاء بمن فيهم الحسن بن زياد من الحنفية ذهبوا إلى أن وقت الأداء ينتهي بنهاية يوم العيد . يراجع المصادر الفقهية السابقة ، والموسوعة الفقهية الكويتية .
وأما آخر وقت دفع صدقة الفطر أداءً ، فقد قال الشافعية إلى أن أداءها في يوم العيد جائز مع الكراهة ، وعند جماعة تصبح قضاءً بصلاة العيد ، واتفق الفقهاء على أن زكاة الفطر لا تسقط بخروج وقتها ، لأنها وجبت في ذمته لمن هي له وهم مستحقوها ، فهي دين لهم لا يسقط إلاّ بالأداء ، لأنها حق للعبد ، أما حق الله تعالى في التأخير عن وقتها فلا يجبر إلاّ بالاستغفار والتوبة. يراجع المصادر الفقهية السابقة ، والموسوعة الفقهية الكويتية .
حكم إخراج زكاة الفطر بالقيمة :
فقد اختلف فيه الفقهاء قديماً وحديثاً على ثلاثة مذاهب :
المذهب الأول : عدم جواز دفع القيمة مطلقاً ، بل يجب دفع صاع من غالب قوت البلد ، او نصف صاع من القمح عند جماعة منهم ، وهذا هو المذهب المعتمد عند الماكلية ، والشافعية ، والحنابلة على المذهب. يراجع : بدائع الصنائع (2/205) طد. دار إحياء التراث العربي ، ومؤسسة التاريخ العربي2000م ، وحاشية ابن عابدين (2/79) والشرح الكبير مع الدسوقي (1/805) ونهاية المطلب (3/420) والروضة (2/301) ومغني المحتاج (3/116) والفروع (2/540).
وهو رأي الظاهرية أيضاً ، بل ذكر بأنه لا يصح إلاّ التمر والشعير . يراجع المحلى لابن حزم (6/118).
المذهب الثاني : جواز دفع القيمة مطلقاً في جميع الأحوال ، وهو مذهب أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، واختاره الفقيه المحدث أبو جعفر الطحاوي وهو المعتمد عند الحنفية ، وهو مروي عن سفيان الثوري ، وعمر بن عبدالعزيز ، والحسن البصري ، وغيرهم ، ورواية عن أحمد للحاجة أو مصلحة راجحة ، وهو رأي معظم المعاصرين اليوم، والهيئة العالمية لقضايا الزكاة المعاصرة ، وشيخ الأزهر السابق الشيخ محمود شلتوت والشيخ القرضاوي . يراجع المصادر الفقهية السابقة
فقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن قرة : قال : ( جاءنا كتاب عمر بن عبدالعزيز في صدقة الفطر نصف صاع - أي من بُرّ - عن كل إنسان ، أو قيمته نصف درهم)، وعن الحسن قال : لا بأس أن تعطى الدرهم في صدقة الفطر ، وأبو اسحاق قال : (أدركتهم وهم يعطون في صدقة رضمان الدراهم بقيمة الطعام . يراجع : مصنف أبي شيبة (3/174)
وذكر الإمام السرخسي : ( أن الفقيه أبا جعفر رحمه الله يقول : أداء القيمة أفضل ، لأنه أقرب إلى منفعة الفقير ، فإنه يشتري بها ما يحتاج إليه ، والتنصيص على الحنطة والشعير كان ، لأن البياعات في ذلك الوقت بالمدينة يكون بها ، فأما في ديارنا البياعات تجري بالنقود ، وهي أعز الأموال فالأداء بها أفضل) ، بل إنه أسند هذا القول السابق إلى أبي يوسف فقال : ( والدراهم أولى مت الدقيق ، لأنها أدفع لحاجة الفقير ، وأعجل به ، كما أن الدقيق أفضل من القمح). يراجع : المبسوط (2/149)
المذهب الثالث : هو أن الأصل دفع صاع من الطعام ، ولكن يجوز للمصلحة الراجحة ، او الحاجة دفع القيمة ، أو بعبارة أخرى أن يكون النقد أنفع للفقراء من الطعام .
وهذا رأي أبي اسحاق بن راهويه وأبي ثور ، فقد جاء في موسوعة فقه سفيان الثوري : ( لو أخرج قيمتها مما هو أنفع للفقير جاز ، لأن المقصد منها إغناء الفقراء عن المسألة ، وسدّ حاجتهم في هذا اليوم) وهذا هو اختيار شيخ الاسلام ابن تيمية . يراجع : موسوعة فقه سفيان الثوري ص 473
أدلة المذاهب الفقهية :
أولاً - استدل المانعون من دفع القيمة في زكاة الفطر بما يأتي :
1- الأحاديث الصحيحة الدالة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر صاعاً من تمر ... الخ ، حيث لم يذكر القيمة وأنها لو جازت لبيّنها ، وبالتالي فإنه من يدفع القيمة لم ينفذ ما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم به .
2- إن الزكاة عبادة وقربة إلى الله ، فالأصل والواجب فيها الاتباع دون الابتداع ، وبعبارة فقهية فهي تعبدية لا تخضع للقياس والاجتهاد.
تلك هي أهم الأدلة التي استدل بها المانعون قديماً وحديثاً ، ولكن يمكن أن يناقش ذلك بما يأتي:
أ- أن ما ورد في الأحاديث النبوية الشريفة من أن الرسول صلى الله عليه وسلم فرض صاعاً من تمر...الخ ، هو تعبير الصحابي عما فرضه الرسول صلى الله عليه وسلم وليس قوله صلى الله عليه وسلم بصيغة تدل على منع ما سواه ، حيث لا يوجد نص صحيح صريح ثابت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على حصر هذه الفريضة في صاع مما ذكر في جميع الأحاديث الواردة في هذا الشأن ، وبالتالي فلا تدل على منع ما سواه ، وأكبر دليل على ذلك هو أن جمهور المانعين يجيزون دفع صاع من القمح زكاة فطر ، وهو لم يرد في الأحاديث الصحيحة الصريحة بالاتفاق ، كما أن جمهورهم أيضاً يجيزون دفع صاع ما لأرز صدقة فطر، وهو لم يرد في أي حديث لا صحيح ولا صريح .
فإذا كان القياس هنا صحيحاً ومقبولاً فما الفرق بينه وبين الاجتهاد بجواز دفع القيمة بل إن دفع قيمة التمر ، أو الشعير الوارد في النص أقرب من إلحاق أنواع أخرى من حبوب لم ترد في نصوص الشريعة .
ب- إن الزكاة بصورة عامة ، وزكاة الفطر بصورة خاصة ليست من الشعائر التبعدية المحضة ، وإنما من العبادات التي تدخل في المعقولة المعاني التي يمكن الاجتهاد فيها ، وقد رأينا أن جمهور المانعين اجتهدوا وقاسوا فيها بالنسبة لدفع القمح ، أو الأرز ، أو نحوهما ما دام يمثل غالب قوت البلد.
وبذلك قلب دليلهم عليهم فأصبح حجة عليهم ، ولم يلتزموا بكونها تعبدية محضة لا قياس فيها ، فإذا كان هذا القياس المجتهد فيه جازئاً فلمااذا لا يكون الاجتهاد بدفع القيمة جائزاً؟
ج- ثم إن ما ذكر في حديث ابن عمر من التمر والشعير والأقط كان من أنواع طعام ذلك العصر بدليل أنه لما دخلت أنواع أخرى اعتمدت ، كما قال أبو سعيد الخدري في شأن القمح.
ثانياً - واستدل المجيزون لدفع قيمة صدقة الفطر بما يأتي :
1- الأصل في صدقة الفطر ، ومقاصد الشريعة منها إغناء الفقراء في يوم العيد ، وإدخال السرور والفرح في قلوبهم من خلال توفير احتياجاتهم الأساسية ، وهذا بلا شك إنما يتحقق في عصرنا الحاضر في الغالب بدفع النقود إليهم ليشتروا بها حاجياتهم الأساسية التي لا تنحصر في التمر ، والقمح ، والشعير ، والأرز ونحوها .
وهذا ما فهمه الصحابة الكرام حيث لم يكتفوا بما قرره الرسول صلى الله عليه وسلم في عصره من التمر والشعير ، والأقط بل جعلوها قمحاً ، بل إن معظمهم جعل نصف صاع منه يعدل صاعاً من تمر أو شعير - كما سبق-
2- إن من أقوى الأدلة : ما رآه معاوية رضي الله عنه وعرضه على الصحابة الكرام في حجته أو عمرته ، من أن نصف صاع من سمراء الشام (القمح) يعدل صاعاً من التمر ، ووافقه الصحابة كما قال الصحابي الجلي أبو سعيد الخدري ، ما عداه .
فهذا الاجتماع لجمهورهم دليل قوي على جواز دفع القيمة لأن معادلة نصف صاع من القمح بصاع لا تتحقق إلاّ من خلال القيمة ، وهذه المعادلة مروية عن عمر رضي الله عنه - كما سبق- .
3- ثبت في نصوص شرعية صحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاءَهُ الراشدين قبلوا القيمة في زكاة بعض الأعيان في حالات متعددة ، مثل قبول الدراهم أو الدنانير مكان الفارق في العمر المطلوب في زكاة الابل ، حيث قدر الجبران بشاتين أو عشرين درهماً .
4- كما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن لجمع الصدقات المفروضة قال لهم : (ائتوني بعرض ثياب خميس أو لبيس أسهل عليكم وخير لمن في المدينة من المهاجرين والأنصار) رواه البخاري معلقاً في باب العرض في الزكاة ، وقال طاوس : ( قال معاذ لأهل اليمن : ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم.... ) رواه البيهقي في السنن الكبرى (4/113) والمحلى (6/25) قال الحافظ ابن حجر في تعليق التعليق (3/13) إسناده صحيح إلى طاوس ، لكنه لم يسمع من معاذ فهو منقطع ، ورواه ابن أبي شيبة في صمفنه (3/174) .
ولهم أدلة أخرى لا يسع المجال لذكرها .
ثالثاً - وأما أدلة المذهب الثالث ، فهي نفس أدلة المذهب الثاني ( المجيزين) مع التقييد بالمصلحة الراجحة ، وبما هو أنفع للفقراء ، وبالتالي فهو راجع إليه مع هذا القيد المذكور ، وهو الراجح.
الرأي الراجح :
بعد استعراض ما أمكن من الأدلة ، والمناقشات العلمية الكثيرة حول هذه المسألة التي لم يسعفنا الوقت لسردها كلها ، يتبيّن لي رجحان القول الثاني مع ضبطه بما قاله أصحاب القول الثالث من أن يكون دفع القيمة أنفع للفقراء ، وبالتالي فإذا كان دفع الطعام والحبوب أنفع لهم فيبقى هو الأصل والله أعلم ، في ضوء ما يأتي :
أولاً - أنه لا خلاف بين الفقهاء أبداً في جواز الأخذ بظاهر هذه النصوص ودفع صاع من غالب قوت البلد أو مما ذكره الحديث الشريف (حسب التفصيل السابق) .
ثانياً - بما أن الخلاف في دفع القيمة في صدقة الفطر خلاف قوي جداً ، فلا يجوز الاعتراض عليه ، ولا إبطال من يأخذ بهذا الرأي ولا التشنيع على أحد الرأيين ، فهو خلاف مشروع يجوز لكل مسلم أن يستفتي قلبه في الأخذ برأي المانعين او المجوزين ، ولا يجوز للوعاظ وخطباء المساجد إثارة هذا الموضوع في الوعظ والخطب حتى لا تحدث مشكلة أو بلبلة بين المسلمين ، فالمنابر ليست مكاناً لإثارة النزاعات ، وهذا هو منهج علمائنا الربانيين من القبول بالخلاف المشروع واحترامه حتى ولو كان مخالفاً لرأي الآخر.
ثالثاً- إن هذا الدين يقوم على اليسر ورفع الحرج في الدفع والأخذ والعطاء وفي الدعوة والفتاوى ، وبالتالي فإن دفع صدقة الفطر نقداً أيسر للطرفين من دفع التمور ، والشعير ، والقمح ونحوها ، وأن هناك حرجاً وعسراً في جميع صدقات الفطر من التمور أو القمح أو الأرز في المدن الكبيرة في عصرنا الحاضر ، بالاضافة إلى أننا لو أعطيناهم اليوم للفقراء لتوجه معظمهم إلى بيعها بثمن قليل لسد حاجاته الأخرى ، ومن جانب آخر نرى أن منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في الزكاة وغيرها يقوم على التيسير على الناس ، فمن لم يكن لديه الأصل الواجب في الزكاة يأخذ منه بدله ، أو الفارق كما في زكاة الابل .
رابعاً - أن مقاصد الشريعة في صدقة الفطر واضحة وهي إغناء الفقير عن حاجياته ومما لا شك فيه أن الاحتياجات اليوم لا تنصحر في أكل التمر ، والخبز من القمح ، أو الرز فهي أكثر ومتنوعة ، ولذلك فالنقود تحقق هذه الأغراض بصورة أفضل ، إذن فهي جديرة بقبولها إن لم يكن دفعها أفضل ، ومن المعلوم أن الشريعة مبنية على رعاية المصالح بجميع أنواعها .
خامساً - أن هذا القول ليس للحنفية فقط على الرغم من أن هذا يكفي وزيادة ، بل هو رأي جماعة من الصحابة والتابعين ، فجميع الصحابة أو التابعين الذين قالوا بجواز دفع نصف صاع من القمح بدل صاع من شعير أو تمر ، لا يتأتّى إلاّ من خلال القول بالقيمة والتقويم بالقيمة ، وبالتالي فهذا رأي عمر ، وابن عباس ، ومعاوية ، وجميع من أخذوا برأيه عندما عرضه عليهم في حجته أو عمرته .
والقول بدفع القيمة صراحة ثابت عن عمر بن عبدالعزيز ، وعن الحسن البصري ، وأبي اسحاق ، والثوري ، وهو مذهب الزيدية كما في البحر يالزخار (3/202) وبقية أهل البيت كما في السبيل الجرار (2/86) وهو قول جماعة من المالكية كان حبيب وابن أبي جازم ، وابن دينار ، وابن وهب .
وقد ترجم الإمام الحافظ ابن أبي شيبة باب إعطاء الدراهم في زكاة الفكر (3/174) فروى عن عمر بن عبدالعزيز والحسن البصري ، وأبي اسحاق ، حيث قال : ( أدركتهم وهم يعطون في صدقة الفطر الدراهم بقيمة الطعام) وهذا القول من هذا التابعي الذي أدرك علياً وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم جميعاً ، يدل على أن دفع النقود (أي القيمة) كان شائعاً في ذلك العصر ، وفي خير القرون قرن الصحابة.
وقد ألف في هذه المسألة أحد علماء اليمن - وهو الحافظ أبو الفيض أحمد بن محمد بن الصديق الغماري ، صاحب المؤلفات المشهورة - في القرن الرابع عشر كتاباً رائعاً سماه : تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال ، نشره الشيخ نظام يعقوبي ، حيث ذكر آراء كثير من الصحابة والتابعين والفقهاء في مختلف العصور مع الأدلة المعتبرة ، فقال في ص 47-48 : (فمن كان مقلداً فحسبه تقليد هؤلاء الأئمة ولو من غير مذهبه .. ، فهذا جائز في كل المذاهب ، وأما من كان من أهل العلم والنظر وقبول الحجة والدليل فليعلم أن استدلالنا لهذه المسألة من وجوه) ثم سردها ، ومنها : (أن أخذ القيمة في الزكاة (أي في زكاة المال) ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن جماعة من الصحابة في عصره ، وبعد عصره) ثم سرد الأسانيد المقبولة لاثبات ذلك .
ثم إن هذا الرأي إذا كان بعض العلماء المعاصرين لم يأخذوا به مثل الشيخ ابن باز ، وابن عثيمين رحمهما الله ، ومعظم علماء السعودية ، فإن جمهور المعاصرين أمثال شيوخ الأزهر السابقين في القرن السابق ، ومعظم علماء العراق والشام ، وفلسطين قد قالوا به ، واختاره بقوة فضيلة العلامة الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه فقه الزكاة (2/948-951) ، بل إنه صدرت فتوى جماعية من الندوة السادسة لقضايا الزكاة المعاصرة التي عقدت في الشارقة عام 1996 نصت على أنه : ( ويجوز إخراج زكاة الفطر نقداً بقيمة الواجب ، ويمكن للجهات المعنية تقدير هذه القيمة سنوياً) .
هذا والله أعلم
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
كتبه الفقير إلى ربه
أ.د. علي محيي الدين القره داغي
الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المســـــلمين
نائب رئيس المجلس الأوروبي للافتاء والبحوث

الأربعاء، 28 أبريل 2021

هيئة كبار علماء السعودية يفتي بجواز دفع القيمة في زكاة الفطر وقبل صلاة العيد بـ 15 يوما ..!!


 #زكاة_الفطر



شيوخ السعودية في مسجد النبوي الشريف وعلماء اجلاء آخرين يفتون بأن زكاة الفطر نقدا افضل من الطعام عند الحاجة .








 

زكاة الفطر نقدا في حوار هادي !




 

يجوز اخراج زكاة الفطر نقدا والمسألة فيه سعة ولايجوز انكار المخالف






 

اخراج #زكاة_الفطر نقدا افضل وايسر في عصرنا هذااااا

 



الخلاصة في اخراج زكاة_الفطر نقدا  


الثلاثاء، 27 أبريل 2021

حكم إخراج زكاة الفطر نقدا بين التعبد والتعليل..؟

 ===


الدكتور بلخير طاهري الإدريسي المالكي الجزائري
استاذ الشريعة والقانون جامعة وهران.
#حسما للنزاع الذي يثار كل ما جاء موعد زكاة الفطر هل تخرج من قوت البلد أم من قيمة قوت البلد .
#مما يجب إخراجه من محل النزاع،هو اتفاقهم جميعا على أن زكاة الفطر الاصل فيها ان تخرج من قوت أهل البلد وهذا القدر المتفق عليه.
#ولكن وقع الخلاف في العدول عن هذا الاصل لاعتبارات ابداها كل امام من أئمة المسلمين.
#فقد اختلف أئمة المسلمين من فقهاء ومحدثين، في المسألة، ونحن ننقل لك بكل آمانة خلاصة أقوالهم.
#وبعد البيان يبقى لكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات.
#إذا لم تقتنع بقول، فاياك تسفيه القائل، فله حجة في مذهبه وعذر مع ربه.
=======#تحرير المسألة :
جواز إخراج القيمة في الزكاة، ومنها زكاة الفطر.
#المذهب الاول : وهو الاصل، ويكون اخراجها من قوت البلد
وهذا المذهب لا يحتاج الى برهان، وتأصيل.
ومستندهم في ذلك حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كنا نخرج زكاةَ الفطرِ صاعاً من طعامٍ، أو صاعاً من شعيرٍ، أو صاعاً من تمرٍ، أو صاعاً من أَقِطٍ، أو صاعاً من زبيبٍ)، رواه مسلم
#المذهب الثاني : وهو الاستثناء بخلاف الاصل، فمن قال به، وماهي مصوغاته.
#ذهب أبو حنيفة وأصحابه، والحسن البصري، وسفيان الثوري، وسيدنا عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -
#وهو قول الأشهب وابن القاسم من علمائنا، و هما من تلامذة الإمام مالك . حكاه ابن المواز.
#قال ابن رشد الجد [البيان والتحصيل: 2/486] قال أبو زيد: وقال ابن القاسم: في الرجل يكون عليه زكاة حب فيخرج عيناً، قال: أرجو أن تجزئ عنه؛ قيل له".
وهو اختيار ابن رشد الحفيد، قال: الإجزاء هو أظهر الأقوال.
وهو ما نصره الإمام القرطبي، حيث أوردَ عند تفسيره لآية مصارف الزكاة، وعند حديث: (أَغنوهم عن السؤال في هذا اليوم) فقال: وإنما أراد أن يغنوا بما يسد حاجتهم، فأَي شيء سد حاجتهم جاز، قال تعالى: "خذ من أموالهم صدقة"، فلم يخص شيئا من شيء.". حيث رأى أنّ العبرة بسداد حاجة الفقراء والمحتاجين.
#قال النووي: وهو الظاهر من مذهب البخاري في صحيحه.
وأيضا: بحديث معاذ، وعليه بوب البخاري، وهو أن معاذ أخذ من أهل اليمن، اللبيس والثياب، وقال: هذا أنفع لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال ابن رشيد: أن البخاري وافق الحنفية، على كثرة مخالفته لهم. (فتح الباري: 57/5). حيث قاده إلى ذلك الدليل.
#وذكر ابن المنذر في كتابه (الأوسط) : إن الصحابة أجازوا إخراج نصف صاع من القمح ؛ لأنهم رأوه معادلاً في القيمة للصاع من التمر ، أو الشعير .
=======#تعليل الجواز في اخراج القيمة:
#أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أغنوهم - يعني المساكين - في هذا اليوم"، والإغناء يتحقق بالقيمة، كما يتحقق بالطعام، وربما كانت القيمة أفضل، إذ كثرة الطعام عند الفقير تحوجه إلى بيعها، والقيمة تمكنه من شراء ما يلزمه من الأطعمة والملابس وسائر الحاجات.
#وخاصة في هذه الايام مثل تسديد فاتورة الكهرباء، والغاز، وربما يشتري بها ادوية.
#بل اصبحوا ياخذون هذا الطعام الى بعض المطاحن ويباع بنصف ثمنه، لان الفقير عنده ما يكفيه من الحبوب ولكن يحتاج الى مال.
#وكان سيدنا عمر رضي الله عنه يأمر عماله عند جمع الزكاة، ان يحولها الى اغراض كانت المدينة في حاجة اليها مثل الثياب وغيرها مما تدعوا اليه الحاجة.
#وقد ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية مذهبًا وسطًا بين الفريقين المتنازعين، قال فيه: (. وأما إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة، أو العدل، فلا بأس به: مثل أن يبيع ثمر بستانه أو زرعه بدراهم، فهنا إخراج عشر الدراهم يجزئه، ولا يكلف أن يشتري ثمرًا أو حنطة، إذ كان قد ساوى الفقراء بنفسه. وقد نص أحمد على جواز ذلك.)
#ومثل أن يجب عليه شاة في خمس من الإبل، وليس عنده من يبيعه شاة، فإخراج القيمة هنا كافٍ، ولا يكلف السفر إلى مدينة أخرى ليشتري شاةً.
#ومثل أن يكون المستحقون للزكاة طلبوا منه إعطاء القيمة لكونها أنفع. فيعطيهم إياها أو يرى الساعي أنها أنفع للفقراء، كما نُقِلَ عن معاذ بن جبل: أنه كان يقول لأهل اليمن: "ائتوني بخميس أو لبيس، أيسر عليكم وخير لمن في المدينة من المهاجرين والأنصار، وهذا قد قيل: إنه قاله في الزكاة وقيل في الجزية). (مجموع فتاوى ابن تيمية 25/82).
#فأثر معاذ ظاهر في الدلالة أما حديث خالد بن الوليد فقد أجاز النبي صلى الله عليه وسلم له أن يحاسب نفسه بما حبسه فيما يجب عليه فدلّ على جواز إخراج القيمة، وكذلك حديث زكاة بهيمة الأنعام هو صريح في جواز أخذ القيمة بدلاً من الواجب.
#وإذا ثبت جواز أخذ القيمة في الزكاة المفروضة في الأعيان فجوازها في الزكاة المفروضة على الرقاب من باب أولى.
=======#فقه الواقع في ضوء فقه الموازنات:
#وجوهر الخلاف إنما هو بين مدرستين:
#المدرسة التي تراعي في اجتهادها المقاصد الكلية للشريعة، ولا تهمل النصوص الجزئية.
وتدور مع المعاني حيث دارت، مو غير التفات الى المسميات، وجريا مع تحقيق حاجة الفقير.
#والمدرسة التي لا تنظر إلا إلى النصوص الجزئية وحدها، مع التشبث بحقيقة اللفظ من منطلق التعبد.
#ومن مسالك المدرسة المقاصدية ما قعده الامام الشاطبي المالكي بقوله:" وَلَا يُقَالُ: إِنَّ عَدَمَ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمَعَانِي إِعْرَاضٌ عَنْ مَقَاصِدِ الشَّارِعِ الْمَعْلُومَةِ؛ كَمَا فِي قَوْلِ الْقَائِلِ: لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ الَّذِي بَالَ فِيهِ الْإِنْسَانُ، فَإِنْ كَانَ قَدْ بَالَ فِي إِنَاءٍ ثُمَّ صَبَّهُ فِي الْمَاءِ؛ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا أَيْضًا مَعَارِضٌ بِمَا يُضَادُّهُ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ فِي تَتَبُّعِ الْمَعَانِي مَعَ إِلْغَاءِ الصِّيَغِ، كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "فِي أَرْبَعِينَ شَاةٍ شاةٌ" : إِنَّ الْمَعْنَى قِيمَةُ شَاةٍ؛ لِأَنَّ المقصود سد الخلة، وذلك حاصل بِقِيمَةِ الشَّاةِ؛ فَجَعَلَ الْمَوْجُودَ مَعْدُومًا، وَالْمَعْدُومَ مَوْجُودًا، وَأَدَّى ذَلِكَ إِلَى أَنْ لَا تَكُونَ الشَّاةُ وَاجِبَةٌ، وَهُوَ عَيْنُ الْمُخَالَفَةِ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنْ أَوْجُهِ الْمُخَالَفَةِ النَّاشِئَةِ عَنْ تَتَبُّعِ الْمَعَانِي.
وَإِذَا كَانَتِ الْمَعَانِي غَيْرَ مُعْتَبَرَةٍ بِإِطْلَاقٍ، وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ مِنْ حَيْثُ هِيَ مَقْصُودُ الصِّيَغِ؛ فَاتِّبَاعُ أَنْفُسِ الصِّيَغِ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ وَاجِبٌ لِأَنَّهَا مَعَ الْمَعَانِي كَالْأَصْلِ مَعَ الْفَرْعِ، وَلَا يَصِحُّ اتِّبَاعُ الْفَرْعِ مَعَ إِلْغَاءِ الْأَصْلِ، وَيَكْفِي مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى رُجْحَانِ هَذَا النَّحْوِ مَا ذُكِرَ. الموافقات (3/ 411)
#وقد عمل بهذا القول في خير القرون، بعد قرن الصحابة، وهو قرن التابعين لهم بإحسان، وعمل به خليفة أجمعوا على أنه من الراشدين المهديين.
فمن الصحابة كمعاوية بن أبي سفيان ، حيث قال : " إني لأرى مدين من سمراء الشام تعدل صاعاً من تمر".
#وممن رأى هذا الرأي الحافظ ابن أبي شيبة، حيث ترجم له في مصنفه بقوله: (باب إعطاء الدراهم في زكاة الدراهم في زكاة الفطر).
#روى ابن أبي شيبة عن عون قال: سمعت كتاب عمر بن عبد العزيز يقرأ إلى عدي بالبصرة - وعدي هو الوالي -: يؤخذ من أهل الديوان من أعطياتهم من كل إنسان نصف درهم (مصنف ابن أبي شيبة 4/37، 38)
#وعن الحسن البصري قال: لا بأس أن تعطي الدراهم في صدقة الفطر. (مصنف ابن أبي شيبة 4/37، 38).
#وعن عطاء بن أبي رباح : أنه كان يعطي في صدقة الفطر ورقًا - دراهم فضية -
#وهو قول الإمام أبو إسحاق السبيعي، قال: أدركتهم، وهم يؤدون القيمة في زكاة الفطر) (رواه ابن أبي شيبة)
=======#النظر المقاصدي في ضوء قاعدة رفع الحرج :
#فهذا الأيسر بالنظر لعصرنا وخاصة في المناطق الصناعية التي لا يتعامل الناس فيها إلا بالنقود، كما أنه – في أكثر البلدان وفي غالب الأحيان – هو الأنفع للفقراء.
#أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما فرض زكاة الفطر من الأطعمة السائدة في بيئته وعصره، إنما أراد بذلك التيسير على الناس، ورفع الحرج عنهم.
#فقد كانت النقود الفضية أو الذهبية عزيزة عند العرب، وأكثر الناس لا يكاد يوجد عنده منها إلا القليل، أو لا يوجد عنده منها شيء. وكان الفقراء والمساكين في حاجة إلى الطعام من البر أو التمر أو الزبيب، أو الأقط.
#لهذا كان إخراج الطعام أيسر على المعطي، وأنفع للآخذ، ولقصد التيسير أجاز لأصحاب الإبل والغنم أن يخرجوا "الأقط" - وهو اللبن المجفف المنزوع زبده - فكل إنسان يخرج من الميسور لديه.
#وقد تنبه الى هذا المقصد الإمام ابن تيمية حين أجاز لمن باع ثمر بستانه بدراهم أن يخرج عشرة منها، ولا يكلف أن يشتري ثمرًا، إذ قد ساوى الفقراء بنفسه، كما أجاز لمن لم يجد في مدينته من يبيعه شاة عن إبله، أن يخرج قيمتها ولا يكلف السفر إلى مدينة أخرى لشرائها.
#وبالنظر الى اتساع البلدان وكبرها، قد يعسر عليك احينا الحصول على هذه الحبوب خاصة في دول كثافة السكان فيها تتجاوز المائة مليون....
#ولننتبه الى قول الفقهاء لما قالوا : وتخرج من قوت اهل البلد.
#لانهم لولم يقول هذا، لعسر على اهل بلد طعامهم الارز، واخرون التين، واخرون القطاني.
#هذا من جهة، ومن جهة ثانية، أن العدول عن المنصوص النبوي، إذان باعمال روح النصوص، وعدم التشبث باللفظ والنوع، جريا مع المعنى وتحقيقا للمقصد.
#قال الدكتور يوسف القرضاوي: والذي يلوح لي: أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما فرض زكاة الفطر من الأطعمة لسببين:
الأول: ندرة النقود عند العرب في ذلك الحين، فكان إعطاء الطعام أيسر على الناس.
والثاني: أن قيمة النقود تختلف وتتغير قوتها الشرائية من عصر إلى عصر، بخلاف الصاع من الطعام فإنه يشبع حاجة بشرية محددة، كما أن الطعام كان في ذلك العهد أيسر على المعطي، وأنفع للأخذ. اهـ. والله أعلم بالصواب.
#وقد رجح هذا القول وأفاض في ذلك الشيخ مصطفى الزرقا،
#وفرق الشيخ أحمد الغماري بين البوادي والتي حالها مشابهُ لحال عصور الصحابة حيث لا أسواق لبيع الطعام المطبوخ مع وجود الآلات التي تمكنهم من الانتفاع بما عندهم من الحبوب، وبين الحواضر والتي المال فيها أحوج للفقير.
======#خلاصة:
#وخلاصة اقوال المالكية تنتهي في الجملة الى الكراهة مع الاجزاء، وهو حاصل روايات المدونة والبيان والتحصيل وشراح خليل.
ففي بلغة السالك للصاوي ( قوله فلا يجزئ الإخراج من غيرها ) أي إذا لم يكن ذلك الغير عينا وإلا فالأظهر الإجزاء لأنه يسهل بالعين سد خلته في ذلك اليوم .اهـ.
وهذا الكلام نقله عن الصاوي أيضا عثمان بري الجعلي شارح أسهل المسالك وقال في آخر الكلام على زكاة الفطر: ويجوز إخراج قيمتها عينا كما تقدم.
فاذا كانت الكراهة مع تحقيق مقصود الشارع، في اغناء الفقير بما يصلح حاله في ذلك اليوم، فهو سبب الاجزاء الذي مال اليه ائمتنا.
=======#وقت إخراجها:
#في المذهب المالكي يجوز إخراجها بيومين قبل العيد.
#وعند الحنفية يجوز إخراجها من اليوم الأول من رمضان إلى آخر يوم منه مراعاة لحال الفقير ..
#وتخرج قبل انصراف الإمام من صلاة العيد وإلا فهي صدقة وليست زكاة بعد هذا .
والله أعلم.
نسأل الله عز وجل لنا ولكم القبول
وحسن الظن وحسن القصد]