الجمعة، 13 مايو 2022

حكم الدعاء لغير المسلم بالرحمة والمغفرة؟!

 

الدعاء لغير المسلم بالرحمة والمغفرة - بقلم: د. معتز الخطيب(*)

في سنة 2005 توفي بابا الروم الكاثوليك يوحنا بولص الثاني، فدعا له الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله تعالى قائلا: "ندعو الله تعالى أن يرحمه ويثيبه؛ بقدر ما قدَّم من خير للإنسانية وما خلّف من عمل صالح أو أثر طيب". ولكن هذا الدعاء أثار ردودا غاضبة من بعض شيوخ السلفية وكثير من العامة ضد الشيخ القرضاوي، الأمر الذي لا يزال يثير النقاش في وقائع مشابهة حين يدعو بعض الناس للمتوفى إن كان من غير أهل الإسلام.

وقد سبق للشيخ ناصر الدين الألباني -رحمه الله تعالى- أن نقل عن الإمام محيي الدين النووي (676 هـ) الإجماع على تحريم الدعاء بالمغفرة للكافر، ثم أردف قائلا: "ومن ذلك تعلم خطأ بعض المسلمين اليوم من الترحم والترضي على بعض الكفار، ويكثر ذلك من بعض أصحاب الجرائد والمجلات… ولا عجب من هذا؛ فقد يخفى عليهم مثل هذا الحكم، ولكن العجب من بعض الدعاة الإسلاميين أن يقع في مثل ذلك". ويبدو أن جمهور مواقع التواصل اليوم يتبنى موقف الشيخ الألباني، ففي كل حين يشتد النكير على من يترحمون على من مات على غير دين الإسلام.

لأجل ذلك، تحتاج مسألة الدعاء للكافر بالمغفرة والرحمة إلى مناقشة جدية ونقدية، نستعيد فيها النقاشات الفقهية الأصيلة التي سبقت نزعات التسلف والخطابات الدعوية التي تنزع إلى المفاصلة مع فقر في الزاد الفقهي، وهو ما سأحاوله في هذا المقال.

يتصل الدعاء للكافر بمسألة أخرى شديدة الأهمية، وهي الموقف من الأعمال الصالحة التي قام بها الكافر في حياته، وهل تعتبر أم تكون هباءً؛ لأجل كفره؟ وهل يثاب عليها في الآخرة أم أنها فقط تخفف عنه العذاب؟ وهي مسائل كلامية تستحق المناقشة لفهم تصورات متكلمي المسلمين، بعيدا عن التصورات الشعبية المهيمنة اليوم والتي تُشيع مزاجا عامّا غير متسامح، بل لا يراعي أحيانا أدنى درجات اللباقة في التعامل مع موتى غير المسلمين.

وترجع دعوى الإجماع المشار إليها في كلام الألباني إلى القاضي المالكي عياض اليحصبي (544 هـ) الذي نقل عنه النووي قوله: "وقد انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب، لكن بعضهم أشدُّ عذابا من بعض؛ بحسب جرائمهم"، أي إن الدعاء للكفار ليس يحرم فقط، بل لا يُجدي نفعا مع موتهم على الكفر.

وقد ناقش النووي الشافعي هذه المسألة في كتابين من كتبه، ففي كتابه الفقهي قال: "وأما الصلاة على الكافر والدعاء له بالمغفرة فحرام بنص القرآن والإجماع"، وقال في كتاب الأذكار: "ويحرمُ أن يُدعى بالمغفرة ونحوها لمن مات كافرا… وقد جاء الحديث بمعناه، والمسلمون مجمعون عليه". وقال أيضا: "اعلم أنه لا يجوز أن يُدعى له بالمغفرة وما أشبهها مما لا يُقال للكفار، لكن يجوزُ أن يُدعى بالهداية وصحةِ البدن والعافية وشبهِ ذلك".

والسؤال الذي على المدقِّق أن يبحثه هنا هو: من أين جاء هذا الإجماع؟ وهل المسألة إجماعية بالفعل كما ادعى القاضي عياض وتبعه النووي الذي ينقل عنه كثيرا في شرحه لصحيح مسلم؟ الواقع أن النووي نفسه ينقض هذا الإجماع بشكل غير صريح حين ينقل بعد كلام القاضي عياض مباشرة عن الإمام البيهقي الشافعي (458 هـ) أن القول بأن أعمال الكافر الصالحة لا تنفعه في الآخرة إنما هو قول "بعض أهل العلم والنظر"، أي إنه لا يعدو مجرد قول وليس إجماعا، بل إن النووي ينقل عن البيهقي أيضا أن الآيات والأحاديث الواردة في بطلان عمل الكافر الخيِّر إذا مات على الكفر، يمكن أن تُحمل على معنى إخراجه من النار وإدخاله الجنة، ومعنى ذلك أن هذه الأعمال الصالحة من الكافر يمكن أن تساعده في أن يُخفف عنه العذاب الذي استوجبه على جنايات ارتكبها غير الكفر.

وهذا الرأي ليس رأي البيهقي وحده، بل هو رأي كثيرٍ من العلماء من مختلف المذاهب الفقهية، وهو رأي قويّ ووجدته شائعا في المصادر المتعددة بعد البحث والتتبع، حتى إن الفقيه المالكي الكبير ابن الفرس الأندلسي (597 هـ) وهو معاصر للقاضي عياض، اكتفى بحكاية وجود قولين في المسألة ولم يرجح بينهما. ونجد حكاية هذين القولين أو الخلاف في كتب شروح الحديث والفقه والتفسير، وفي أزمنة مختلفة؛ فهو خلاف قويّ وإن كان القول بأن العمل الصالح من الكافر ينفعه هو القول الأقوى، حتى إن الفقيه الحنفي أحمد الكوراني (893 هـ) اكتفى بإيراده وحده وجزم به، وقد رجح هذا عدد من العلماء نقضوا دعوى الإجماع التي أطلقها القاضي عياض وقالوا إنها غير صحيحة، وللقاضي عياض مثل هذه الإطلاقات التي تحتاج إلى تروٍّ، وكثيرا ما ينقل عنه النووي. وممن رجحوا أن الكافر ينتفع بعمله الصالح في الآخرة الفقيه الحنفي والمحدث محمد أنور شاه الكشميري (1353 هـ) والعلامة شهاب الدين الخفاجي (1069 هـ) والعلامة شهاب الدين الآلوسي (1270 هـ) وغيرهم.

والكلام في انتفاع الكافر بعمله الصالح في الآخرة يطول، ولعلي أخصص له مقالا مستقلا؛ لأن غرضي في هذا المقال أن أوضح جواز الدعاء للكافر بالمغفرة والرحمة أو بأمر أخرويّ لا دنيوي فقط، سواءٌ في حياته أم بعد مماته؛ ولكن بشرط ألا يتناول ذلك ذنب الكفر أو الشرك الأكبر، وهذا مذهبٌ معتبرٌ بل هو مذهب الشافعية على خلاف ما أوهم كلام الإمام النووي السابق، وعلى خلاف إجماع عياض الذي لا أعرف أحدا سبقه إليه.

وإذا كنا سنتحدث عن الشافعية لبيان محل كلام النووي الشافعي، فإننا نجد أن كلامه أشكل على أئمة الشافعية اللاحقين، ويمكنني أن أميز هنا بين موقفين اثنين:

الموقف الأول: فهم من كلام النووي الإطلاق، وأنه يُحرّم مطلق الدعاء بالمغفرة والرحمة للكافر، سواءٌ كان ذنب الشرك أو غيره، ومن ثم انشغل بعض شيوخ المذهب ببيان أن المذهب أنه يجوّز الدعاء للكافر بالمغفرة؛ خلافا لكلام النووي. وقد نحا هذا المنحى شيوخ عدة في المذهب كما سيتضح لاحقا.

الموقف الثاني: حمل كلام النووي على أنه يريد حرمة الدعاء للكافر بمغفرة شركه أو كفره، أي وإدخاله الجنة، ويمثل هذا الموقف العلامة ابن عِلّان الشافعي؛ فقد فسر كلام النووي بأن المراد به "الرحمة أو دخول الجنة أو رضوان الله تعالى"، أي الاستغفار المُخرِج من النار والمُدخِل إلى الجنة.

وبعيدا عن دعوى الإجماع لدى عياض، إذا عدنا إلى كلام النووي في كتابيه نجد أن ظاهره يدل على أنه إنما أراد الشرك الأكبر فقط لا ما هو دونه، ويدل على ذلك 3 قرائن:

القرينة الأولى: أن النووي قرن بين الصلاة على الكافر والدعاء له، ثم إنه بعد أن قرر تحريم الدعاء له بالمغفرة، قرر أيضا أن المذهب جواز اتباع المسلم جنازةَ قريبه الكافر، وأن زيارة قبر الكافر جائزةٌ.

القرينة الثانية: أن النووي نفسه نقض إجماع القاضي عياض حين نقل عن الإمام البيهقي الشافعي أن عمل الكافر الصالح ينفعه في الآخرة وإن لم يُدخله الجنة.

القرينة الثالثة: استدلال النووي في هذا السياق بآية "ما كانَ لِلنَّبيّ والَّذينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لهم أنهم أصْحابُ الجَحِيمِ" [التوبة: 113]، وهي تشير إلى الشرك، وأنه لا يُخرج أصحابه من الجحيم، ومن هنا أوضح ابن علان الشافعي أن في الآية دليلا على جواز الاستغفار للمشركين الأحياء؛ لأنه "طلبُ توفيقهم إلى الإيمان".

وبالإضافة إلى القرائن السابقة، لا بد من القول: إن المغفرة إذا أُطلقت تنصرف إلى الشرك الأكبر؛ فالدعاء بالمغفرة ينصرف إلى ألا تمس النارُ المدعوَّ له، وهو حقيقة الدعاء للموحِّدين، وخصوصا حين يقترن الدعاء للميت بالصلاة عليه؛ لأن المراد من الصلاة عليه الدعاء له بالمغفرة المُدخلة للجنة. فالإشكال في كلام النووي نابع من عدم تحرير محل النزاع؛ فكلامه يحتمل معنيين:

الاحتمال الأول: أن يريد الدعاء بمغفرة الشرك الأكبر، وتحريم هذا الدعاء محلّ إجماع بين الفقهاء؛ لأنه خلاف النص القرآني الصريح، وهو ظاهر كلام النووي حين قال: "بنص القرآن والإجماع"، فالذي ثبت بالنص الصريح هو "إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء"، وهو المعنى المُجْمَع عليه.

الاحتمال الثاني: أن النووي يريد تحريم مطلق الدعاء بالمغفرة؛ بما يشمل الشرك الأكبر وغيره من الذنوب، فإن أراد هذا المعنى فالراجح في مذهبه الشافعي هو خلاف هذا، وقد توارد على بيان هذا الراجح عدد من مشايخ المذهب.

وإذا عدنا إلى كتب المذهب، نجد بعض أئمة الشافعية ينصّون على أنه يجوز الدعاء للكافر بأمر أخرويّ وبالمغفرة والرحمة؛ خلافا لما أوهمه كلام النووي من إطلاق القول بالتحريم، كما نجد مثلا لدى الخطيب الشربيني (977 هـ)، وأحمد سلامة القليوبي (1069 هـ)، وإبراهيم البرماوي (1106 هـ)، وسليمان البجيرمي (1221 هـ).

وربما التبس هذا النص الصريح بنصوص أخرى في بعض كتب الشافعية يَرِد فيها إطلاق القول بحرمة الدعاء للكافر بالمغفرة، كما نجد عند الخطيب الشربيني وشهاب الدين الرملي مثلا؛ فقد عللا حرمة الصلاة على الكافر بأنه لا يجوز الدعاء له بالمغفرة، لقوله تعالى: "إن الله لا يغفر أن يشرك به" [النساء: 48]. ولكن إطلاق التحريم في هذه النصوص إنما يرد مقرونا بحرمة الصلاة على الكافر صلاة الجنازة؛ وفي بعض النصوص يرد التعبير بأن "قضية كلامهم في الجنائز حرمة الدعاء للكافر بالمغفرة"، إلى جانب النص على جواز الدعاء للكافر بالمغفرة، وهو يدل على أن مرادهم في تحريم الصلاة عليه مع الدعاء له هو مغفرة ذنب الشرك الأكبر الذي يُشعر به هذا الاقتران بين الصلاة عليه والدعاء له، خصوصا أن حواشي كتب المذهب الشافعي تحكي أن ثمة خلافا بين الفقهاء في "استحباب الدعاء للكافر"، وإن كان الراجح هو جواز الدعاء. نجد ذلك لدى نور الدين بن علي الشبراملسي (1087 هـ) وسليمان بن منصور الجمل (1204 هـ) وعبد الحميد الشرواني (1301 هـ) مثلا.

بل إن الشبراملسي تعقب الكلام المطلق السابق الوارد عن الشربيني والرملي بأن آية "إن الله لا يغفر أن يشرك به" هي أخص من دعوى تحريم مطلق الدعاء للكافر؛ لأن الآية إنما تدل على معنى محدد هو عدم مغفرة الشرك الأكبر، وربما تدل على مغفرة غير الشرك؛ لعموم قوله تعالى: "ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" [النساء: 48]. وهذا يدل على جواز الدعاء للكافر بمغفرةٍ غير الشرك؛ لأن ذنب الشرك لا يُغفر، فلا يجوز الدعاء له به، في حين يجوز الدعاء للكافر بمغفرة ما عدا الشرك وبالرحمة وبصحة البدن وكثرة المال والولد وبالهداية، بل "ويجوز التأمين على دعاء الكافر ويجوز طلب الدعاء منه أيضا" كما أوضح القليوبي وغيره.

وفي بعض كتب الشافعية يرد تقييد جواز الدعاء للكافر الحي بقيد "إن أسلم"، أو بنية أن يحصل للكافر سبب المغفرة وهو الإسلام، وهو ما دفعني سابقا في تعليق فيسبوكي إلى توهم التمييز في الدعاء للكافر بين حالتي الحياة والممات، ولكن اتضح لي بعد ذلك أن مدار الأمر كله إنما هو على التمييز بين الشرك الأكبر وغيره، وفي هذه الحالة فإن الدعاء محمول على طلب مغفرة الشرك في الدنيا إن أسلم؛ بناء على "إيمان الموافاة" الذي يقول به كثير من الأشاعرة، ومعناه أن العبرة في السعادة والشقاوة هي الحالة التي يموت عليها الشخص بغض النظر عن عمله السابق على هذه الحالة، فقد يرتد المسلم قبل موته وقد يؤمن الكافر عند موته، فالدعاء له بعموم المغفرة يترك مجالا لهذا الاعتبار بأن يوفقه الله للهداية قبل موته فيموت على الإسلام.

ولكن ماذا لو دعا المسلم للكافر بمغفرة ذنب الشرك في الآخرة، هل يكفر؟ انتقد بعض مشايخ الشافعية اعتبار ذلك كفرا، كما فعل الشبراملسي والجمل والشرواني، وأن صاحبه ارتكب محرما فقط.

وخلاصة الكلام، أن الدعاء للكافر بالمغفرة يشتمل على معنيين:

الأول: أن يريد بدعائه له مغفرة الشرك الأكبر، وهذا يحرم بالإجماع؛ لأن الشرك الأكبر لا يُغفر بنص القرآن.

الثاني: أن يريد مغفرة ما دون الكفر، والأصل في الأعمال التي هي دون الشرك أنها متروكة للمشيئة الإلهية بنص القرآن (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، فدعاء المسلم للكافر إنما هو دعاء من أجل تحقيق المشيئة الإلهية بالمغفرة للكافر ما دون الشرك، ولم يستبعد الآلوسي هذا المعنى، في حين أن غيره أثبته صراحة كما نجد لدى عدد من العلماء. وقد أوضح شهاب الدين الخفاجي والآلوسي وغيرهما أن العذاب الذي لا يُخَفَّف هو عذاب الكفر بحسب مراتبه، أما العذاب الذي دلت الأحاديث النبوية على تخفيفه فهو ما عدا الكفر. ومعنى إحباط أعمال الكفار التي ورد النص القرآني بها هو أنها لا تنجيهم من العذاب المخلِّد في النار، وهو معنى كونها سرابا وهباء، وسأزيد هذا الأمر تفصيلا في مقالي الذي سأخصصه لمنفعة العمل الصالح من الكافر في الآخرة بإذن الله.

ويرجع أصل هذا النقاش إلى مقدمات رئيسية، هي:

ثبوت تفاوت الكفار في الآخرة، وأنهم ليسوا سواءً، وأن النار دركات كما أن الجنة درجات، بل إن أنور شاه الكشميري قد نقل الإجماع على أن الكافر العادل أحسن حالا من الكافر الظالم في الآخرة.

أن الشرك الأكبر لا يُغفر بصريح القرآن، وهو مسألة إجماعية.

بقي النقاش في هل يجوز أن ندعو للكافر بمغفرة ما عدا الشرك الأكبر؟ وهو ما حررناه هنا وأنه يجوز، ولكن الكافر الذي ندعو له هنا إما أن يكون قد عمل عملا صالحا وإما عملا سيئا. فالدعاء لمن عمل صالحا يكون بأن يقبله الله تعالى منه لا بالمغفرة؛ لأن المغفرة إنما تكون للعمل السيئ، كما أن عدل الله تعالى يقتضي أن يكافئ الكافر على عمله الصالح إما في الدنيا بإكرامه، وإما في الآخرة بتخفيف العذاب عنه، ومعنى ذلك أن دعائي للكافر بخصوص عمله الصالح غير مؤثر في الواقع، والذي يؤثر هو دعائي للكافر بالتجاوز عن عمله السيئ فيما دون الشرك، وفي أحاديث تخفيف العذاب عن أبي طالب وأبي لهب وغيرهما شواهد على هذا، وإن كان أبو طالب وأبو لهب ليسا سواءً أيضا في الآخرة.

الكفر لا يقتضي أن كل عمل صدر من الكافر غير معتبر؛ لأجل كفره، فيمكن أن نميز بين الأعمال كما سنفصل في مقال لاحق بمشيئة الله.

توضح هذه الآراء رحابة النقاشات الفقهية الكلاسيكية، وأنها تجمع بين مسائل تأويلية نصية وأخرى أخلاقية وإنسانية، فحتى الذين أطلقوا القول بحرمة الدعاء للكافر تحدثوا عن جواز المشي في جنازته بل زيارة قبره إن كان قريبا، وتكفينه إن كان من أهل الذمة رعاية لذمته، ولكن النقاشات الشعبية الحالية تغيب عنها رعاية البعد الإنساني ويغلب عليها اتخاذ مواقف متوترة؛ فضلا عن أنها لا تعكس الموروث الفقهي نفسه، والله المستعان.

--------
(*) المصدر: الجزيرة نت، بتاريخ: 21 أبريل 2021م.

هل يجوز الدعاء لغير المسلم بالرحمة والمغفرة؟! وهل هناك إجماع على عدم جوازها ؟!

 

هناك من يدعى الاجماع على التحريم ولكن !

نتسائل : من أين جاء هذا الإجماع؟ وهل المسألة إجماعية بالفعل كما ادعى القاضي عياض وتبعه النووي الذي ينقل عنه كثيرا في شرحه لصحيح مسلم؟ الواقع أن النووي نفسه ينقض هذا الإجماع بشكل غير صريح حين ينقل بعد كلام القاضي عياض مباشرة عن الإمام البيهقي الشافعي (458 هـ) أن القول بأن أعمال الكافر الصالحة لا تنفعه في الآخرة إنما هو قول "بعض أهل العلم والنظر"، أي إنه لا يعدو مجرد قول وليس إجماعا، بل إن النووي ينقل عن البيهقي أيضا أن الآيات والأحاديث الواردة في بطلان عمل الكافر الخيِّر إذا مات على الكفر، يمكن أن تُحمل على معنى إخراجه من النار وإدخاله الجنة، ومعنى ذلك أن هذه الأعمال الصالحة من الكافر يمكن أن تساعده في أن يُخفف عنه العذاب الذي استوجبه على جنايات ارتكبها غير الكفر.

وهذا الرأي ليس رأي البيهقي وحده، بل هو رأي كثيرٍ من العلماء من مختلف المذاهب الفقهية، وهو رأي قويّ ووجدته شائعا في المصادر المتعددة بعد البحث والتتبع، حتى إن الفقيه المالكي الكبير ابن الفرس الأندلسي (597 هـ) وهو معاصر للقاضي عياض، اكتفى بحكاية وجود قولين في المسألة ولم يرجح بينهما. ونجد حكاية هذين القولين أو الخلاف في كتب شروح الحديث والفقه والتفسير، وفي أزمنة مختلفة؛ فهو خلاف قويّ وإن كان القول بأن العمل الصالح من الكافر ينفعه هو القول الأقوى، حتى إن الفقيه الحنفي أحمد الكوراني (893 هـ) اكتفى بإيراده وحده وجزم به، وقد رجح هذا عدد من العلماء نقضوا دعوى الإجماع التي أطلقها القاضي عياض وقالوا إنها غير صحيحة، وللقاضي عياض مثل هذه الإطلاقات التي تحتاج إلى تروٍّ، وكثيرا ما ينقل عنه النووي. وممن رجحوا أن الكافر ينتفع بعمله الصالح في الآخرة الفقيه الحنفي والمحدث محمد أنور شاه الكشميري (1353 هـ) والعلامة شهاب الدين الخفاجي (1069 هـ) والعلامة شهاب الدين الآلوسي (1270 هـ) وغيرهم.

والكلام في انتفاع الكافر بعمله الصالح في الآخرة يطول، ولعلي أخصص له مقالا مستقلا؛ لأن غرضي في هذا المقال أن أوضح جواز الدعاء للكافر بالمغفرة والرحمة أو بأمر أخرويّ لا دنيوي فقط، سواءٌ في حياته أم بعد مماته؛ ولكن بشرط ألا يتناول ذلك ذنب الكفر أو الشرك الأكبر، وهذا مذهبٌ معتبرٌ بل هو مذهب الشافعية على خلاف ما أوهم كلام الإمام النووي السابق، وعلى خلاف إجماع عياض الذي لا أعرف أحدا سبقه إليه.

وإذا كنا سنتحدث عن الشافعية لبيان محل كلام النووي الشافعي، فإننا نجد أن كلامه أشكل على أئمة الشافعية اللاحقين، ويمكنني أن أميز هنا بين موقفين اثنين:

الموقف الأول: فهم من كلام النووي الإطلاق، وأنه يُحرّم مطلق الدعاء بالمغفرة والرحمة للكافر، سواءٌ كان ذنب الشرك أو غيره، ومن ثم انشغل بعض شيوخ المذهب ببيان أن المذهب أنه يجوّز الدعاء للكافر بالمغفرة؛ خلافا لكلام النووي. وقد نحا هذا المنحى شيوخ عدة في المذهب كما سيتضح لاحقا.

الموقف الثاني: حمل كلام النووي على أنه يريد حرمة الدعاء للكافر بمغفرة شركه أو كفره، أي وإدخاله الجنة، ويمثل هذا الموقف العلامة ابن عِلّان الشافعي؛ فقد فسر كلام النووي بأن المراد به "الرحمة أو دخول الجنة أو رضوان الله تعالى"، أي الاستغفار المُخرِج من النار والمُدخِل إلى الجنة.

وبعيدا عن دعوى الإجماع لدى عياض، إذا عدنا إلى كلام النووي في كتابيه نجد أن ظاهره يدل على أنه إنما أراد الشرك الأكبر فقط لا ما هو دونه، ويدل على ذلك 3 قرائن:

القرينة الأولى: أن النووي قرن بين الصلاة على الكافر والدعاء له، ثم إنه بعد أن قرر تحريم الدعاء له بالمغفرة، قرر أيضا أن المذهب جواز اتباع المسلم جنازةَ قريبه الكافر، وأن زيارة قبر الكافر جائزةٌ.

القرينة الثانية: أن النووي نفسه نقض إجماع القاضي عياض حين نقل عن الإمام البيهقي الشافعي أن عمل الكافر الصالح ينفعه في الآخرة وإن لم يُدخله الجنة.

القرينة الثالثة: استدلال النووي في هذا السياق بآية "ما كانَ لِلنَّبيّ والَّذينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لهم أنهم أصْحابُ الجَحِيمِ" [التوبة: 113]، وهي تشير إلى الشرك، وأنه لا يُخرج أصحابه من الجحيم، ومن هنا أوضح ابن علان الشافعي أن في الآية دليلا على جواز الاستغفار للمشركين الأحياء؛ لأنه "طلبُ توفيقهم إلى الإيمان".

وبالإضافة إلى القرائن السابقة، لا بد من القول: إن المغفرة إذا أُطلقت تنصرف إلى الشرك الأكبر؛ فالدعاء بالمغفرة ينصرف إلى ألا تمس النارُ المدعوَّ له، وهو حقيقة الدعاء للموحِّدين، وخصوصا حين يقترن الدعاء للميت بالصلاة عليه؛ لأن المراد من الصلاة عليه الدعاء له بالمغفرة المُدخلة للجنة. فالإشكال في كلام النووي نابع من عدم تحرير محل النزاع؛ فكلامه يحتمل معنيين:

الاحتمال الأول: أن يريد الدعاء بمغفرة الشرك الأكبر، وتحريم هذا الدعاء محلّ إجماع بين الفقهاء؛ لأنه خلاف النص القرآني الصريح، وهو ظاهر كلام النووي حين قال: "بنص القرآن والإجماع"، فالذي ثبت بالنص الصريح هو "إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء"، وهو المعنى المُجْمَع عليه.

الاحتمال الثاني: أن النووي يريد تحريم مطلق الدعاء بالمغفرة؛ بما يشمل الشرك الأكبر وغيره من الذنوب، فإن أراد هذا المعنى فالراجح في مذهبه الشافعي هو خلاف هذا، وقد توارد على بيان هذا الراجح عدد من مشايخ المذهب.

وإذا عدنا إلى كتب المذهب، نجد بعض أئمة الشافعية ينصّون على أنه يجوز الدعاء للكافر بأمر أخرويّ وبالمغفرة والرحمة؛ خلافا لما أوهمه كلام النووي من إطلاق القول بالتحريم، كما نجد مثلا لدى الخطيب الشربيني (977 هـ)، وأحمد سلامة القليوبي (1069 هـ)، وإبراهيم البرماوي (1106 هـ)، وسليمان البجيرمي (1221 هـ).

وربما التبس هذا النص الصريح بنصوص أخرى في بعض كتب الشافعية يَرِد فيها إطلاق القول بحرمة الدعاء للكافر بالمغفرة، كما نجد عند الخطيب الشربيني وشهاب الدين الرملي مثلا؛ فقد عللا حرمة الصلاة على الكافر بأنه لا يجوز الدعاء له بالمغفرة، لقوله تعالى: "إن الله لا يغفر أن يشرك به" [النساء: 48]. ولكن إطلاق التحريم في هذه النصوص إنما يرد مقرونا بحرمة الصلاة على الكافر صلاة الجنازة؛ وفي بعض النصوص يرد التعبير بأن "قضية كلامهم في الجنائز حرمة الدعاء للكافر بالمغفرة"، إلى جانب النص على جواز الدعاء للكافر بالمغفرة، وهو يدل على أن مرادهم في تحريم الصلاة عليه مع الدعاء له هو مغفرة ذنب الشرك الأكبر الذي يُشعر به هذا الاقتران بين الصلاة عليه والدعاء له، خصوصا أن حواشي كتب المذهب الشافعي تحكي أن ثمة خلافا بين الفقهاء في "استحباب الدعاء للكافر"، وإن كان الراجح هو جواز الدعاء. نجد ذلك لدى نور الدين بن علي الشبراملسي (1087 هـ) وسليمان بن منصور الجمل (1204 هـ) وعبد الحميد الشرواني (1301 هـ) مثلا.

بل إن الشبراملسي تعقب الكلام المطلق السابق الوارد عن الشربيني والرملي بأن آية "إن الله لا يغفر أن يشرك به" هي أخص من دعوى تحريم مطلق الدعاء للكافر؛ لأن الآية إنما تدل على معنى محدد هو عدم مغفرة الشرك الأكبر، وربما تدل على مغفرة غير الشرك؛ لعموم قوله تعالى: "ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" [النساء: 48]. وهذا يدل على جواز الدعاء للكافر بمغفرةٍ غير الشرك؛ لأن ذنب الشرك لا يُغفر، فلا يجوز الدعاء له به، في حين يجوز الدعاء للكافر بمغفرة ما عدا الشرك وبالرحمة وبصحة البدن وكثرة المال والولد وبالهداية، بل "ويجوز التأمين على دعاء الكافر ويجوز طلب الدعاء منه أيضا" كما أوضح القليوبي وغيره.

وفي بعض كتب الشافعية يرد تقييد جواز الدعاء للكافر الحي بقيد "إن أسلم"، أو بنية أن يحصل للكافر سبب المغفرة وهو الإسلام، وهو ما دفعني سابقا في تعليق فيسبوكي إلى توهم التمييز في الدعاء للكافر بين حالتي الحياة والممات، ولكن اتضح لي بعد ذلك أن مدار الأمر كله إنما هو على التمييز بين الشرك الأكبر وغيره، وفي هذه الحالة فإن الدعاء محمول على طلب مغفرة الشرك في الدنيا إن أسلم؛ بناء على "إيمان الموافاة" الذي يقول به كثير من الأشاعرة، ومعناه أن العبرة في السعادة والشقاوة هي الحالة التي يموت عليها الشخص بغض النظر عن عمله السابق على هذه الحالة، فقد يرتد المسلم قبل موته وقد يؤمن الكافر عند موته، فالدعاء له بعموم المغفرة يترك مجالا لهذا الاعتبار بأن يوفقه الله للهداية قبل موته فيموت على الإسلام.

ولكن ماذا لو دعا المسلم للكافر بمغفرة ذنب الشرك في الآخرة، هل يكفر؟ انتقد بعض مشايخ الشافعية اعتبار ذلك كفرا، كما فعل الشبراملسي والجمل والشرواني، وأن صاحبه ارتكب محرما فقط.

وخلاصة الكلام، أن الدعاء للكافر بالمغفرة يشتمل على معنيين:

الأول: أن يريد بدعائه له مغفرة الشرك الأكبر، وهذا يحرم بالإجماع؛ لأن الشرك الأكبر لا يُغفر بنص القرآن.

الثاني: أن يريد مغفرة ما دون الكفر، والأصل في الأعمال التي هي دون الشرك أنها متروكة للمشيئة الإلهية بنص القرآن (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، فدعاء المسلم للكافر إنما هو دعاء من أجل تحقيق المشيئة الإلهية بالمغفرة للكافر ما دون الشرك، ولم يستبعد الآلوسي هذا المعنى، في حين أن غيره أثبته صراحة كما نجد لدى عدد من العلماء. وقد أوضح شهاب الدين الخفاجي والآلوسي وغيرهما أن العذاب الذي لا يُخَفَّف هو عذاب الكفر بحسب مراتبه، أما العذاب الذي دلت الأحاديث النبوية على تخفيفه فهو ما عدا الكفر. ومعنى إحباط أعمال الكفار التي ورد النص القرآني بها هو أنها لا تنجيهم من العذاب المخلِّد في النار، وهو معنى كونها سرابا وهباء، وسأزيد هذا الأمر تفصيلا في مقالي الذي سأخصصه لمنفعة العمل الصالح من الكافر في الآخرة بإذن الله.

ويرجع أصل هذا النقاش إلى مقدمات رئيسية، هي:

ثبوت تفاوت الكفار في الآخرة، وأنهم ليسوا سواءً، وأن النار دركات كما أن الجنة درجات، بل إن أنور شاه الكشميري قد نقل الإجماع على أن الكافر العادل أحسن حالا من الكافر الظالم في الآخرة.

أن الشرك الأكبر لا يُغفر بصريح القرآن، وهو مسألة إجماعية.

بقي النقاش في هل يجوز أن ندعو للكافر بمغفرة ما عدا الشرك الأكبر؟ وهو ما حررناه هنا وأنه يجوز، ولكن الكافر الذي ندعو له هنا إما أن يكون قد عمل عملا صالحا وإما عملا سيئا. فالدعاء لمن عمل صالحا يكون بأن يقبله الله تعالى منه لا بالمغفرة؛ لأن المغفرة إنما تكون للعمل السيئ، كما أن عدل الله تعالى يقتضي أن يكافئ الكافر على عمله الصالح إما في الدنيا بإكرامه، وإما في الآخرة بتخفيف العذاب عنه، ومعنى ذلك أن دعائي للكافر بخصوص عمله الصالح غير مؤثر في الواقع، والذي يؤثر هو دعائي للكافر بالتجاوز عن عمله السيئ فيما دون الشرك، وفي أحاديث تخفيف العذاب عن أبي طالب وأبي لهب وغيرهما شواهد على هذا، وإن كان أبو طالب وأبو لهب ليسا سواءً أيضا في الآخرة.

الكفر لا يقتضي أن كل عمل صدر من الكافر غير معتبر؛ لأجل كفره، فيمكن أن نميز بين الأعمال كما سنفصل في مقال لاحق بمشيئة الله.

توضح هذه الآراء رحابة النقاشات الفقهية الكلاسيكية، وأنها تجمع بين مسائل تأويلية نصية وأخرى أخلاقية وإنسانية، فحتى الذين أطلقوا القول بحرمة الدعاء للكافر تحدثوا عن جواز المشي في جنازته بل زيارة قبره إن كان قريبا، وتكفينه إن كان من أهل الذمة رعاية لذمته، ولكن النقاشات الشعبية الحالية تغيب عنها رعاية البعد الإنساني ويغلب عليها اتخاذ مواقف متوترة؛ فضلا عن أنها لا تعكس الموروث الفقهي نفسه، والله المستعان.

--------
(*) المصدر: الجزيرة نت، بتاريخ: 21 أبريل 2021م.

الخميس، 12 مايو 2022

معنى اتخاذ القبور مساجد :

 معنى اتخاذ القبور مساجد :


من المقرر لدى جمهور علماء الأمة أن محل النهي في أحاديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد هو اتخاذ القبر نفسه وجعله مكانا للسجود تعظيما وعبادة لصاحب القبر أو جعل القبر قبلة دون القبلة المشروعة كما يفعل أهل الكتاب حيث يتوجهون بالصلاة إلى قبور احبارهم ورهبانهم .
وقرروا أيضا أن بناء المسجد على القبر غير اتخاذه مسجدا وغير دفن الميت في مسجد مبني .
أما اتصال المسجد بضريح نبي أو صالح فخارج عن هذا النزاع وغير داخل في هذا النهي اصلا .
أدلة القرآن الكريم: قوله تعالى: ﴿فقالوا ابنُوا عليهم بُنيانًا رَبُّهم أَعلَمُ بهم قال الذين غَلَبُوا على أَمرِهم لَنَتَّخِذَنَّ عليهم مَسجِدًا﴾[الكهف: 21]
وسياق الآية يدل على أن القول الأول هو قول المشركين، وأن القول الثاني هو قول الموحِّدين، وقد حكى الله تعالى القولين دون إنكار؛ فدل ذلك على إمضاء الشريعة لهما، بل إن سياق قول الموحدين يفيد المدح؛ بدليل المقابلة بينه وبين قول المشركين المحفوف بالتشكيك، بينما جاء قول الموحدين قاطعًا وأن مرادهم ليس مجرد البناء بل المطلوب إنما هو المسجد.
قال الإمام الرازي الشافعي في تفسير قوله تعالى: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عليهم مَسجِدًا﴾: [نعبد الله فيه، ونستبقي آثار أصحاب الكهف بسبب ذلك المسجد] اهـ. وقال العلامة الشهاب الخفاجي في "حاشيته على تفسير البيضاوي": [في هذه دليل على اتخاذ المساجد على قبور الصالحين] اهـ.
- ومن السُّنّة النبوية الشريفة: حديث أبي بصير رضي الله عنه، الذي رواه عبد الرزاق عن مَعمَر، وابن إسحاق في "السيرة"، وموسى بن عُقبة في "مغازيه" -وهي أصح المغازي كما يقول الإمام مالك والشافعي وأحمد رضي الله عنهم-: ثلاثتهم عن الزُّهرِي، عن عُروة بن الزُّبَير، عن المِسوَر بن مَخرَمة ومروان بن الحكم رضي الله عنهم: أن أبا جَندَلِ بن سُهَيل بن عمرو دفن أبا بَصِير رضي الله عنه لَمّا مات وبنى على قبره مسجدًا "بسِيف البحر"، وذلك بمحضر ثلاثمائة من الصحابة. وهذا إسناد صحيح؛ كله أئمة ثقات، ومثل هذا الفعل لا يخفى على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومع ذلك فلم يَرِد أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر بإخراج القبر من المسجد أو نبشه.
كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «في مسجد الخَيفِ قَبرُ سبعين نبيًّا». أخرجه البزار والطبراني في المعجم الكبير، وقال الحافظ ابن حجر في "مختصر زوائد البزار": هو إسناد صحيح.
وقد ثبت في الآثار أن سيدنا إسماعيل عليه السلام وأمه هاجر رضي الله عنها قد دُفِنا في الحِجر من البيت الحرام، وهذا هو الذي ذكره ثقات المؤرخين واعتمده علماء السِّيَر: كابن إسحاق في "السيرة"، وابن جرير الطبري في "تاريخه"، والسهيلي في "الروض الأنف"، وابن الجوزي في "المنتظم"، وابن الأثير في "الكامل"، والذهبي في "تاريخ الإسلام"، وابن كثير في "البداية والنهاية"، وغيرهم من مؤرخي الإسلام، وأقر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك ولم يأمر بنبش هذه القبور وإخراجها من مسجد الخيف أو من المسجد الحرام.
- وأما فعل الصحابة: فقد حكاه الإمام مالك في "الموطأ" بلاغًا صحيحًا عندما ذكر اختلاف الصحابة في مكان دفن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: [فقال ناسٌ: يُدفَنُ عندَ المِنبَرِ، وقال آخَرُونَ: يُدفَنُ بالبَقِيعِ، فجاءَ أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه فقال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وآله وسلم يقولُ: «ما دُفِنَ نَبِيٌّ قَطُّ إلاّ في مَكانِه الذي تُوُفِّيَ فيه»، فحُفِرَ له فيه] اهـ، والمنبر من المسجد قطعًا، ولم ينكر أحد من الصحابة هذا الاقتراح، وإنما عدل عنه أبو بكر تطبيقًا لأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يُدفَن حيث قُبِضَت روحه الشريفة صلى الله عليه وآله وسلم؛ فدُفِن في حجرة السيدة عائشة رضي الله عنها المتصلة بالمسجد الذي يصلي فيه المسلمون، وهذا هو نفس وضع المساجد المتصلة بحجرات أضرحة الأولياء والصالحين في زماننا.
وأما دعوى الخصوصية في ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فهي غير صحيحة؛ لأنها دعوى لا دليل عليها، بل هي باطلة قطعًا بدَفنِ سيدنا أبي بكر وسيدنا عمر رضي الله عنهما في هذه الحجرة التي كانت السيدة عائشة رضي الله عنها تعيش فيها وتصلِّي فيها صلواتها المفروضة والمندوبة؛ فكان ذلك إجماعًا من الصحابة رضي الله عنهم على جوازه.
وقد دأب السلف الصالح رجالا ونساءً على زيارة قبور الصالحين والعناية بها وخدمتها وإصلاح شؤونها؛ كما كانت تفعل السيدة فاطمة رضي الله عنها وأرضاها: فروى ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (3/19، ط. دار صادر)، وابن شبة في "تاريخ المدينة" (ص: 132)، والبلاذري في "أنساب الأشراف" (4/294، ط. جمعية المستشرقين الألمانية)، والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (1/149، ط. دار النوادر)، عن أبي جعفر الباقر قال: «كَانَتْ فَاطِمَةُ رضي الله عنها، بنتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، تَأْتِي قَبْرَ حَمْزَةَ رضي الله عنه، فتَرُمُّهُ وَتُصْلِحُهُ».
- ومن إجماع الأمة الفعلي وإقرار علمائها لذلك: صلاة المسلمين سلَفًا وخَلَفًا في مسجد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمساجد التي بها أضرحة من غير نكير، وإقرار العلماء من لدن الفقهاء السبعة بالمدينة المنورة الذين وافقوا على إدخال الحجرة النبوية الشريفة إلى المسجد النبوي سنة ثمان وثمانين للهجرة؛ وذلك بأمر الوليد بن عبد الملك لعامله على المدينة حينئذٍ عمر بن عبد العزيز رحمه الله، ولم يعترض منهم إلا سعيد بن المُسَيّب، لا لأنه يرى حرمة الصلاة في المساجد التي بها قبور، بل لأنه كان يريد أن تبقى حجرات النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما هي يطلع عليها المسلمون حتى يزهدوا في الدنيا ويعلموا كيف كان يعيش نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم.
وأما حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ والنَّصارى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنبِيائِهم مَساجِدَ» فالمساجد: جمع مَسجِد، والمسجد في اللغة: مصدر ميمي يصلح للدلالة على الزمان والمكان والحدث، ومعنى اتخاذ القبور مساجد: السجود لها على وجه تعظيمها وعبادتها كما يسجد المشركون للأصنام والأوثان -كما فسّرَته الرواية الصحيحة الأخرى للحديث عند ابن سعد في "الطبقات الكبرى" عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا بلفظ: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا؛ لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، فجملة «لعن الله قومًا..» بيانٌ لمعنى جَعل القبر وثنًا، والمعنى: اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُسجَدُ له ويُعبَد كما سجد قوم لقبور أنبيائهم.
نصوص شراح الصحيحين وكتب السنة :
قال الامام البخاري : (باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور ) واورد تحته حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ قال في مرضه الذي مات فيه: (لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدا). قالت: ولولا ذلك لأبرزوا قبره، غير أني أخشى أن يتخذ مسجدا. فانظر بداية كيف ان البخاري نفسه الذي اخرج الحديث في صحيحه فهم ان اتخاذ المسجد على القبر مكروه .
قال الامام النووي في ( المنهاج شرح صحيح مسلم ابن الحجاج ) (١٣/٥) : قال العلماء انما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدا خوفا من المبالغه في تعظيمه والافتتان به فربما ادى ذلك الى الكفر كما جري كثير من الامم الخالية .
ولما احتاجت الصحابة رضوان الله عليهم اجمعين والتابعون الى الزيادة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كثر المسلمون وامتدت الزيادة الى ان دخلت بيوت امهات المؤمنين فيه ومنها حجرة عائشه رضي الله عنها مدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ابي بكر وعمر رضي الله عنهما بنوا على القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله لئلا يصلي يظهر في المسجد فيصلي اليه العوام ويؤدي الى المحذور ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا حتى لا يتمكن احد من استقبال القبر ولهذا قال في الحديث ( ولولا ذلك لابرز قبره غير انه خشي ان يتخذ مسجدا ) والله تعالى اعلم بالصواب .
وهذا نص واضح في ان معنى اتخاذ القبر مسجدا هو السجود له .
قال الامام الكرماني في ( الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري )(٨٧/٤) : ( فان قلت ما وجه تعليله بهذا الحديث قلت : حيث خصص اللعنة باتخاذ قبور الانبياء مساجد علم جواز اتخاذ قبور الانبياء ومن في حكمهم كالصالحين من اممهم ).
قال الامام القسطلاني في كتابه ( ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري ) : ( لان اتخاذها مساجد اخص من مجرد الصلاة فيها والنهي عن الاخص لا يستلزم النهي عن الاعم ) .
ونقل ايضا كلام الامام البيضاوي واقره .
قال أمير المؤمنين فى الحديث شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر
فى فتح الباري
(6/578) تعليقا على رواية الإمام البخاري سبحتي بمعنى
صلاتي – كما نقول سبحة الضحى أي صلاة الضحى – أنظر إلى
صلاة السيدة عائشة رضى الله عنها وأرضاها فى بيتها سبحة
الضحى فى مصنف ابن أبى شيبة (2/175)
أما الحديث الذي يستند إليه بعض الجهال و الذي
أخرجه البخاري ومسلم وجعلوه مُرجح لا يقبل التأويل في المسألة
وحسم بها المسألة وهو ما أخرجه الشيخان من حديث أم
المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها: (( لعن اللهُ اليهود
والنّصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد )) .
فإن هذا النّص النبوي الشريف لم يُحرم هذا الأمر
المتنازع وهو بناء مسجد حول قبر أو جعل قبر داخل مسجد
إنّما ما جاء في الحديث هو تحريم (( اتّخاذ عين )) القبر
أي نفس القبر مسجداً يُصلّى فوقه أو يقصد بالسّجود له
فقد جاء التّعبير فيه بـ(( اتخذوا قبور )) ، (واتّخذ)
فعلٌ يتعدّى لمفعول واحد كما في قولك اتّخذتُ سيّارةً أو
لمفعولين كما في قوله تعالى: (( واتّخذَ اللهُ إبراهيمَ خليلاً ))
فـ(قبور) و (مساجد) مفعولَي (( اتّخذ )) وقد اكتفى هذا الفعل بالمفعولين وتمّ
الكلام .
والمساجد جمع مسجد والمسجد اسم مكان فالحديث يتناول
مكاناً هو ( عين ) القبر مِن حيث السّجود عليه هو أوْ لَهُ .
فأهل الكتاب يتوجهون بالصلاة إلى قبور أحبارهم ورهبانهم
فتلك الصور هي التي فهمها علماء الأمة من النهي عن اتخاذ القبور مساجد.
حيث قال تعالى: { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ
وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ
مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً
وَاحِداً لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ }
. فهذا هو معنى السجود الذي استوجب اللعن أو جعل القبر
قبلة دون القبلة المشروعة.
وعليه فالحديث لا يتناول أي مكانٍ آخر غير (عين) القبر
فلا يدخل فيه ما حول القبر أو ما جاوره....
قال الإمام البيضاوي رحمه الله تعالى:
فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني وغيره من شراح
السنن
حيث قال: « قال البيضاوي : لما كانت اليهود يسجدون لقبور الأنبياء؛ تعظيمًا لشأنهم، ويجعلونها قبلة، ويتوجهون في الصلاة
نحوها
فاتخذوها أوثانًا، لعنهم الله، ومنع المسلمين عن مثل ذلك،
ونهاهم عنه، أما من اتخذ مسجدًا بجوار صالح أو صلى في
مقبرته وقصد به الاستظهار بروحه، ووصول أثر من آثار عبادته
إليه، لا التعظيم له، والتوجه فلا حرج عليه، ألا ترى أن مدفن
إسماعيل في المسجد الحرام ثم الحطيم؟ ثم إن ذلك المسجد أفضل مكان يتحرى
المصلي بصلاته، والنهي عن الصلاة في المقابر مختص بالمنبوشة لما فيها من النجاسة انتهى »
فتح الباري، ج1 ص524، وشرح الزرقاني، ج4 ص290، وفيض
القدير، ج4 ص466
وقال العلاّمة الطِّيبي في (شرح
المشكاة) 2/235:
(( لمّا كان اليهود والنّصارى يسجدون لقبور
الأنبياء تعظيماً لشأنهم ، ويجعلونها قبلة ، ويتوجّهون في الصّلاة نحوها ،
فاتّخذوها أوثاناً ، لعنهم ،
ومنع المسلمين عن مثل ذلك ، ونهاهم عنه . أمّا مَن اتّخذ
مسجداً في جوار صالح ، أو صلّى في مقبرته ، وقصد به الاستظهار بروحه ، أو وصول أثرٍ مِن آثار عبادته إليه ، لا لتعظيم له والتّوجّه
نحوه ،
فلا حرج عليه )). انتهى
قال العلامة التُّوربُشْتي في
(المرعاة شرح المشكاة) 2/419:
(( هذا الحديث مُخرج على وجهين:
أحدهما: أنّهم كانوا يسجدون لقبور
الأنبياء
تعظيما لهم وقصد العبادة في ذلك .
وثانيهما: أنّهم كانوا يتحرّون الصّلاة في مدافن الأنبياء ، والتّوجُّه إلى
قبورهم
في حالة الصّلاة والعبادة نظراً منهم أنّ ذلك الصنيع أعظم
وقعاً عند الله
)).
وقال العلاّمة المُلاّ علي القاري
رحمه الله تعالى في (شرح المشكاة) 1/470:
(( "والمتخذين عليها المساجد" وقَـيدُ ( عليها )
يُفيد أنَّ اتّخاذ المساجد بجانبها - أي حولها يُحيط بها - لا بأس به ، ويدل عليه قوله
عليه السّلام:
" لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم
وصالحيهم مساجد " )). انتهى
وقال الإمام الحافظ ابن عبد البر
رحمه الله تعالى في (التّمهيد) 6/383:
(( في هذا الحديث إباحة الدّعاء على أهل الكُفر ، وتحريم السّجود ( على ) قبور الأنبياء ، وفي معنى هذا أنّه لا يحل
السّجود
لغير الله عزّ وجل ، ويحتمل الحديث أنْ لا تُجعل قبور
الأنبياء قِبلة يُصلّى ( إليها ) . ثم قال ابن عبد البر: وقد
زعـــم قــوم أنّ في هذا الحديث ما يدل على كراهيّة الصّلاة في المقبرة وإلى
المقبرة ، وليـــس في ذلك حُجة )). انتهى
وقال ابن عبد البر رحمه الله تعالى
أيضاً في نفس المرجع 5/45:
(( وقد احتجّ بعضُ مَن لا يَرى الصّلاة في المقبرة بهذا
الحديث ،
ولا حُجّة له فيه )).
وفي "شرح السجلماسي المالكي على العمل الفاسي" :[مما جرى به العمل لفاسٍ وغيره: تحلية قبور الصالحين بالبناء عليها تعظيمًا؛ كما أفتى به الإمام سيدي عبد القادر الفاسي والد الناظم، ثم ذكر فتواه السابقة، ثم قال: جواز البناء على القبور منقول عن ابن القصار، وإذا كان ذلك على مطلق القبور مع عدم قصد المباهاة كان البناء بقصد تعظيم من يعظم شرعًا أجوز؛ بل حيث كان القصد بالبناء التعظيم ينبغي أن يكون مشرفًا بالبناء على البيوت بالنقش والتزويق؛ لأن ذلك كله من كمال التعظيم] اهـ باختصار نقلا عن "إحياء المقبور" للحافظ السيد أحمد بن الصديق الغماري.
وقال قطب الإرشاد العلامة الحداد الشافعي في "مصباح الأنام وجلاء الظلام" (ص: 42-43، ط. المطبعة العامرة الشرفية): [وأما القول بكفر أهل البلد الذي فيها قبة، وأنها كالصنم، فهو تكفير للمتقدمين والمتأخرين من الأكابر والعلماء والصالحين وكافة المسلمين من أحقاب وسنين، مخالفًا للإجماع السكوتي على الأنبياء والصالحين من عصور ودهور صالحة.
قال تلميذ ابن تيمية الإمام ابن مفلح الحنبلي في الفصول: القبة والحظيرة في التربة إن كان في ملكه فعل ما يشاء، وإن كان في مسبلة كره التضييق بلا فائدة، ويكون استعمالا في المسبلة فيما لم توضع له. انتهى كلام ابن مفلح، قال ابن القيم الحنبلي: ما أعلم تحت أديم السماء أعلم في الفقه في مذهب أحمد من ابن مفلح. وقوله في المسبلة: بلا فائدة، إشارة إلى أن المقبور غير عالم وولي، وأما هما فيندب قصدهما للزيارة كالأنبياء عليهم السلام، وينتفع الزائر بذلك من الحر والبرد والمطر والريح والله أعلم؛ لأن للوسائل حكم المقاصد] اهـ بتصرف يسير. .
والله اعلى واعلم .
المصادر :
١- كتاب الصراط المستقيم - ٨١ .
٢ - اعلام الراكع الساجد بمعنى اتخاذ القبور مساجد .
٣ - بعض شروح كتب السنة .

الأربعاء، 11 مايو 2022

الرد على فتوى لجنة التكفير المرفقة، وأدلة جواز لبس الحرز الذي فيه قرآن وأسماء من أسماء الله الحسنى.

 #الرد على فتوى لجنة التكفير المرفقة، وأدلة جواز لبس الحرز الذي فيه قرآن وأسماء من أسماء الله الحسنى



الحمدُ لله ربِّ العالمين والصلاةُ والسلامُ على سيّدنا محمّدٍ الصادقِ الوعدِ الأمينِ وعلى إخوانِهِ النبيّينَ والمرسلينَ أمّا بعد
فقد كان الصحابة والتابعون ومن اتبعهم بإحسان من أهل العلم والفقه رضي الله عنهم يكتبون آيات من القرآن الكريم وأسماء الله الحسنى ويعلقونها على صبيانهم وغيرهم مثال المرضى وغيرهم، وهذا ما فعله خصوصاً الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه لأحد أبنائه، أما المجسمة يدّعون أنهم حنابلة ثم يحرّمون ما فعله الإمام أحمد رضي الله عنه من ذلك، فلا دليل لهم ألبتة.
ودليل أهل السنة والجماعة على جواز لبس الحرز الذي فيه قرآن وأسماء من أسماء الله الحسنى قول الله تعالى (ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورحمَةٌ للمؤمنين) (الإسراء 82) وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنه (كنَّا نُعَلِّمُ صبياننا الآياتِ من القرآن، ومن لم يَبلُغْ نكتبها على ورقة ونُعَلِّقُها على صدره) رواه الترمذي.
فلينظر المؤمن إلى قول الصحابي ابن الصحابي (كُنّا) أي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفعل الصحابة ذلك وتوافقهم عليه مجمع على جوازه إجماعاً سكوتياً على مرّ عصور أمة الإسلام لم يعارض ذلك سنّي.
وروى أبو داود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إنَّ الرُّقى والتمائم والتِّوَلة شرك) هذا ليس المراد منه الحرز الذي فيه قرآن أو ذكر الله، ففرق كبير في اللغة العربية بين أن يقال تمائم وتولة ويقال قرآن.
وفي فتح الباري شرح البخاري يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله (هذا كله (أي الحديث الذي أوردناه وما أشبهه) فى تعليق التمائم وغيرها مما ليس فيه قرآن ونحوه، فأما الذي فيه ذكر الله فلا نهيَ فيه، فإنه إنما يُجعل للتبرك به والتعوذ بأسمائه وذكره (يريد أسماء الله وذكر الله)) وانظر إلى قول الحافظ ابن حجر (للتبرك) ومثله في الزرقاني على شرح موطأ مالك رضي الله عنه.
قال الأزهري في تهذيب اللغة (التَّمائم واحدتها تميمةٌ وهي خَرَزَات كانت الأعراب (يعني الكفار من أهل البادية في الجاهلية) يُعلقونها على أولادهم يَتَّقون بها النَّفْس والعَيْن بزعمهم، وهو باطل وجعلها ابن مسعود من الشرك لأنهم جعلوها وَاقية من المقادير والموت، فكأنهم جعلوا لِلَّهِ شريكاً فيما قَدَّر وكتب من آجال العباد والأعراض التي تصيبهم) انتهى كلام الأزهري وهو من كبار اللغويين.
فمن جعل القرآن من جملة تمائم الجاهلية فهو ضالّ مفتر على الله ورسوله والمؤمنين، كيف يجرؤ على تشبيه كتاب الله وما يعتقده المسلمون فيه من البركة بخرزات مشركي الجاهلية! أيّ جرأة على الباطل هذه!!
وقال ابن منظور في لسان العرب: وفـي الحديث (مَنْ عَلَّق تَمِيمةً فلا أَتَمَّ اللَّه له) ويقال هي خَرزة كانوا يَعْتَقِدون أَنها تَمَامُ الدَّواء والشِّفاء، قال (وأَمّا الـمعاذاتُ إذا كُتِب فـيها القرآن وأَسماءُ اللَّه تعالـى فلا بأْسَ بها) هذا كلام أهل اللغة قد تقدم.
أما من شبه فعل الصحابة بفعل مشركي البوادي من أهل الجاهلية، فهذا لا هو وافق اللغة ولا هو وافق دين الله تعالى.
وفي السنن الكبرى للبيهقي رحمه الله قال (كانَ سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ يَأْمُرُ بتعليقِ القرآنِ، وقالَ لا بأسَ بِهِ).
قال الشيخ البيهقي رحمه الله (وهَذَا كُلُّهُ يرجعُ إلى ما قُلْنَا من أنهُ إِنْ رَقَى بما لا يُعْرَفُ أو على ما كانَ من أهلِ الجاهليةِ من إضافةِ العافيةِ إلى الرُّقَى لم يَجُزْ، وإِنْ رَقَى بكتابِ الله أو بما يُعْرَفُ من ذِكْرِ الله متبركاً بِهِ وهو يَرَى نزولَ الشفاءِ من الله تَعَالى، فلا بأسَ بِهِ، وبالله التوفيقُ).
انظر إلى قول الإمام البيهقي رحمه الله (متبركاً به) وفيه كذلك أن سعيدَ بنَ جُبَيْرٍ (وهو مجتهد من تلامذة ابن عباس رضي الله عنهم) كانَ يَكْتُبُ لابْنِهِ المعَاذَةَ، قالَ (وسألتُ عطاءً فقالَ مَا كُنَّا نَكْرَهُهَا، إِلاَّ شيئاً جاءَنَا مِنْ قِبَلِكُمْ). انتهى
وكل المجسمة نفاة التوسل لو جمعوا جميعهم أجمعين فهم بعيدون جداً من أن يصلوا إلى تلامذة أمثال البيهقي، ناهيك عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء وكلهم من كبار المجتهدين من السلف الصالح رضي الله عنهم، وسيأتي كلام الشعبي وهو كذلك مجتهد من كبار علماء السلف قال بما لا لبس فيه إن ذلك لا بأس به نقله الإمام أحمد في كتاب العلل ومعرفة الرجال وأقرّه بل هو من فعل الإمام أحمد بن حنبل لأحد أبنائه.
ففي ﻛﺘﺎﺏ ﻣﺴﺎﺋﻞ ﺍﻹﻣﺎﻡ ﺃﺣﻤﺪ ﻷﺑﻲ ﺩﺍﻭﺩ ﺍﻟﺴﺠﺴﺘﺎﻧﻲ ﻣﺎ ﻧﺼﻪ (ﺃﺧﺒﺮﻧﺎ ﺃﺑﻮ ﺑﻜﺮ ﻗﺎﻝ ﺣﺪﺛﻨﺎ ﺃﺑﻮ ﺩﺍﻭﺩ ﻗﺎﻝ ﺭﺃﻳﺖ ﻋﻠﻰ ﺍﺑﻦ ﻷﺣﻤﺪ (أي ولد من أولاد الإمام احمد) ﻭﻫﻮ ﺻﻐﻴﺮ ﺗﻤﻴﻤﺔ (ﺃﻱ ﺣﺮﺯ) ﻓﻲ ﺭﻗﺒﺘﻪ ﻣﻦ ﺃﺩﻳﻢ (والأديم الجلد).
وفي كتاب العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد كذلك يروي عنه ابنه عبد الله بإسناده إلى الشعبي وهو أحد الأئمة المجتهدين من السلف كذلك قال (لا بأس بالتعويذ من القرآن يعلق على الإنسان).
وقال الحافظ المجتهد ابن المنذر في الأوسط (ورخص بعض من كان في عصرنا (أي من المجتهدين أهل العلم) للجنب والحائض في مس المصحف ولبس التعويذ (انظر إلى قوله لبس التعويذ) ومس الدراهم والدنانير التي فيها ذكر الله تعالى على غير طهارة).
فظهر أن هذا قول جملة من مجتهدي السلف رضي الله عنهم لا يخالف فيه إلا جاهل مبتدع، ولو أردنا أن نجمع أكثر من ذلك من نقول المذاهب الأربعة وغيرها لجمعنا الشيء الكثير، ولكن دليلاً واحداً مما تقدّم يكفي من يخاف الله تعالى
والله من وراء القصد.

هل فعلا هناك من يعبد قبور الأولياء؟

 #مفاهيم يجب أن تصحح

س/ هل فعلا هناك من يعبد قبور الأولياء؟
ج/ لا ،لايوجد مسلم يعبد قبرا
س/ ماذا يفعلون في مقامات الصالحين؟
ج/ يدعون الله سبحانه وتعالى في تلك البقع الطاهرة لأنه ورد أنها من المواطن المستجاب فيها الدعاء.
س/ما هي الأدلة على جواز الدعاء عند مقامات الصالحين والتبرك بها?
ج/التبرك بالصالحين.. عند علماء السلف الصالح.
1- إمام المذهب، وعالم قريش، وناصر السنة، الإمام الشافعي قال: «إني لأتبرك بأبي حنيفة، وإذا عَرَضَت لي حاجةٌ صليت ركعتين وجئت إلى قبره، وسألتُ الله تعالى الحاجة عنده فما تبعُد عني حتى تُقضى». تاريخ بغداد ( 1 / 123 ) .
2- الإمام ابن عبد البر، حافظ المغرب في زمانه، قال:«وفي هذا الحديث دليل على التبرك بمواضع الأنبياء والصالحين ومقاماتهم ومساكنهم». التمهيد (13/ 67).
وقال عن قبر سيدنا أبي أيوب الأنصاري الموجود عند سور القسطنطينية: «وقبر أبي أيوب قرب سورها معلوم إلى اليوم مُعظَّم يستسقون به فيسقون» الاستيعاب (2/ 426).
3- الإمام الحافظ المؤرخ الأديب، الأمير أبو نصر ابن ماكولا، قال عن قبر «أبي علي بن بيَّان الزاهد»: «قبره يتبرك به، قد زرته» الإكمال (1/267).
4- الإمام الحافظ القاضي عياض المالكي، عالم المغرب وإمام أهل الحديث في وقته، قال: «فيه التبرك بالفضلاء، ومشاهد الأنبياء وأهل الخير ومواطنهم، ومواضع صلاتهم» إكمال المعلم (2/ 631).
5- الإمام شيخ الإسلام، محيي الدين النووي قال في شرحه لصحيح مسلم: «وفيه التبرك بالصالحين وآثارهم، والصلاة في المواضع التي صلَّوا بها، وطلب التبريك منهم»(5/ 161).
وقال أيضا: «وفي هذا الحديث دليل على استحباب التبرك بآثار الصالحين وثيابهم» (14/ 44)
6- الإمام الحافظ الحجة المؤرخ شمس الدين الذهبي، قال في ترجمة ابن مزدين القومساني: «وكان ورعا، تقيا، محتشما، يتبرك بقبره». السير (18/ 101)
وقال في ترجمة السيدة نفيسة بنت الحسن: «كانت من الصالحات العوابد، والدعاء مستجاب عند قبرها، بل وعند قبور الأنبياء والصالحين...». (10/ 107)
وقال: «وعن إبراهيم الحربي، قال: قبر معروف أي الكَرْخي التِّرياق المجرَّب، يريد إجابة دعاء المضطر عنده؛ لأن البقاع المباركة يستجاب عندها الدعاء». (9/ 343)
7- الإمام الحافظ الفقيه، سراج الدين ابن الملقن ، قال في شرحه لصحيح البخاري، المسمى بالتوضيح: «وفيه: أنه ينبغي التبرك بثياب الصالحين، ويتوسل بها إلى الله تعالى في الحياة والممات» (27/ 641).
وقال: «وفيه: التبرك بآثار الصالحين لا سيما سيد الصالحين ﷺ» (4/327).
وقال: «ولم يزل الناس يتبركون بمواضع الصالحين وأهل الفضل» (6/ 23).
وقال عن قبر سيدنا أبي أيوب الأنصاري في القسطنطينية: «فقبره مع سور القسطنطينة يتبرك به ويستشفي» (4/ 102).
8- الإمام الحافظ، ابن حجر العسقلاني، قاضي القضاة، وشيخ الإسلام، وأمير المؤمنين في الحديث، نص على جواز التبرك بالصالحين في مواضع كثيرة من كتابه فتح الباري - الذي هو أعظم شروح كتب السنة على الإطلاق – منها:
قوله: «فهو حجة في التبرك بآثار الصالحين» (1/ 569).
وقوله: «وفيه طهارة النخامة والشعر المنفصل، والتبرك بفضلات الصالحين الطاهرة» (5/ 341).
وقوله: «وفيه التبرك بطعام الأولياء والصلحاء» (6/600).
وقوله: «وفي الحديث: التبرك بالرجل الصالح وسائر أعضائه، وخصوصا اليد اليمني» (10/ 198).
9- الإمام المحدث الحجة، شهاب الدين القسطلاني، صاحب الشرح الفريد الماتع لصحيح البخاري المسمى: إرشاد الساري قال: «أما مَن اتخذ مسجدًا في جوار صالح وقصد التبرك بالقرب منه، لا للتعظيم له ولا للتوجه إليه، فلا يدخل في الوعيد المذكور». (1/ 430).

الثلاثاء، 10 مايو 2022

ما هو آخر وقت يجوز فيه صلاة العصر بدون إثم؟

 ما هو آخر وقت يجوز فيه صلاة العصر بدون إثم؟

الجواب:
أولا: اتفقت (المذاهب الأربعة) على أنه من صلى الصلاة على وقتها فهي أداء (لا يأثم صاحبها)، ومن صلى الصلاة بعد انتهاء وقتها فهي قضاء (يأثم صاحبها).
---------------
ثانيا: اختلف العلماء في تحديد آخر وقت لصلاة العصر يمكن الصلاة فيه بدون إثم، لاختلاف الروايات الواردة في وقت صلاة العصر..
فبعض الروايات تفيد أنها تمتد حتى غروب الشمس، وبعض الروايات تفيد أنها تمتد إلى اصفرار الشمس.
-------------
ثالثا: القول الراجح في ذلك هو أن لصلاة العصر وقتين:
1- وقت أداء بدون كراهة: إذا كان قبل اصفرار الشمس.
2- ووقت أداء مع الكراهة: إذا كان بعد اصفرار الشمس إلى غروب الشمس.
وهو مذهب (الشافعية) و(الحنفية)، وهو الراجح لما فيه من توفيق للنصوص بعضها البعض.
-------------
الخلاصة: وقت صلاة العصر يمتد إلى غروب الشمس ويجوز الصلاة خلال كل هذه الفترة بدون إثم، ومن صلى العصر عند اصفرار الشمس فهذا مكروه فقط ولا يأثم على الراجح.

ما حكم قراءة الفاتحة للمتوفى بعد صلاة الجنازة، وهل تعتبر بدعة؟

 

ما حكم قراءة الفاتحة للمتوفى بعد صلاة الجنازة، وهل تعتبر بدعة؟
 

الإجابة

استحبَّ الشرع الشريف قراءة الفاتحة على الميت في صلاة الجنازة، واختصَّها دون غيرها من سور القرآن الكريم؛ لأنَّ فيها من الخصوصية في نفع الميت وطلب الرحمة والمغفرة له ما ليس في غيرها؛ فعن عُبادة بن الصامت رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أُمُّ القرآنِ عِوَضٌ عن غيرها، وليس غيرُها عِوَضًا عنها» رواه الدارقطني في "السنن"، والحاكم في "المستدرك"، والبيهقي في "القراءة خلف الإمام"، وقال الحاكم: "رواة هذا الحديث أكثرهم أئمة، وكلهم ثقات على شرطهما".
وهذا الحديث وإن كان يُستدَل به على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، إلّا أنه يدل بعموم لفظه على خصوصية الفاتحة عن غيرها من سور القرآن الكريم.
وكما وردت الرواية باستحباب قراءة فاتحة الكتاب في صلاة الجنازة وأنها من السُّنّة، فقد وردت الأحاديث أيضًا بالأمر بقراءتها على الميت بإطلاق، من غير تقييد بكونها في صلاة الجنازة، وهذا كما يحمل على صلاة الجنازة، فهو أيضًا يشمل بظاهره الأمر بقراءتها على الميت بإطلاق، من غير تقييد بصلاة الجنازة:
فعن أم عفيف النهدية رضي الله عنها أنَّها قالت: "بايعَنا رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم حِينَ بَايَعَ النِّسَاءَ؛ فَأَخَذَ عَلَيْهِنَّ أَن لَا تُحَدِّثْنَ الرَّجُل إلا مَحْرَمًا، وأَمَرَنَا أن نقرأ على مَيِّتِنا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" رواه الطبراني في "المعجم الكبير"، وابن منده وأبو نعيم في "معرفة الصحابة".
والنهي في الحديث عن أن تحدِّث المرأةُ الرجلَ: إنما هو إذا كان بينهما خلوةٌ محرَّمة؛ كما فسَّرَتْه روايةُ الحديث التي ساقها الحافظ ابن عبد البر في "الاستيعاب" وابنُ الأثير في "أسد الغابة".
وعن أم شريك رضي الله عنها قالت: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَنْ نَقْرَأَ عَلَى الْجِنَازَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" رواه ابن ماجه.
وروى الإمام أحمد في "مسنده" عن محمد بن سيرين: "أن أنَس بن مالك رضي الله عنه شهدَ جنازة رجلٍ من الأنصار، قال: فأظهَروا له الاستغفَار، فلم ينكر ذلك أنس رضي الله عنه". قال الحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد" (3/ 44): "ورجاله رجال الصحيح".
وقد بوَّب الإمام البخاري في "صحيحه" بابًا أسماه: (باب قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى الجَنَازَةِ).
وبوَّب ابن ماجه في "السنن" (بَابُ مَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ)، وساق فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه حيثُ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إذا صَلَّيتُم على الميتِ فأخْلِصُوا له الدعاءَ».
وصلاة الجنازة إنَّما شُرعت في الأصل لنفع الميت وتكثير الثواب له؛ بالصلاة عليه وطلب المغفرة من الله سبحانه وتعالى له، حتَّى عدَّ الأئمة: أبو حنيفةَ، والثوري، ومالكٌ في المشهور عنه صلاة الجنازة دعاءً واستغفارًا للميت، وليست صلاةً على الحقيقة:
قال العلَّامة الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (1/ 314، ط. دار الكتب العلمية): [صلاة الجنازة إنما شُرعت للدعاء، ومقدمة الدعاء الحمد والثناء والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا القراءة.. لأنها ليست بصلاة حقيقة إنما هي دعاءٌ واستغفارٌ للميت، ألا ترى أنه ليس فيها الأركان التي تتركب منها الصلاة من الركوع والسجود إلا أنها تسمى صلاة لما فيها من الدعاء، واشتراط الطهارة واستقبال القبلة فيها لا يدل على كونها صلاة حقيقية كسجدة التلاوة، ولأنها ليست بصلاة مطلقة؛ فلا يتناولها مطلق الاسم] اهـ.
وقال العلَّامة ابن مازه الحنفي في "المحيط البرهاني" (2/ 180، ط. دار الكتب العلمية): [وفي "فتاوى أهل سمرقند": من قرأ في صلاة الجنازة بفاتحة الكتاب، إن قرأ بنية الدعاء: فلا بأس به، وإن قرأ بنية القراءة: لا يجوز أن يقرأ؛ لأنَّ صلاة الجنازة محل الدعاء، وليست محل القراءة] اهـ.
وقال الإمام ابن المُلَقِن الشافعي في "الإعلام بفوائد عُمدة الأحكام" (4/ 402، ط. دار العاصمة): [وقد اختلف العلماء في قراءة الفاتحة فيها: فذهب مالك في المشهور عنه، وأبو حنيفة، والثوري إلى عدم قراءتها؛ لأنَّ مقصودها الدعاء] اهـ.
وقد نصَّ الفقهاء على أنَّ قراءةُ الفاتحةِ بعد صلاة الجنازة لا يُخرجُها عن أصل الصلاة؛ بل هي بعضها؛ إذ إنَّ صلاة الجنازة متضمنة قراءة الفاتحة والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والذكر والدعاء، فهي من قبيل عطف الجزء على الكل، لا عطف الخاص على العام:
قال العلامة شهاب الدين النفراوي المالكي في "الفواكه الدواني" (1/ 293، ط. دار الفكر): [(و) في ذكر (الدعاء للميت)، واستشكل ذكر الدعاء بعد الصلاة مع أنَّه بعضها؛ لأنها عبادة مشتملة على نية وتكبير ودعاء بين التكبيرات وسلام، وقيل: وقيام. وأجيب: بأنَّ ذِكْرَهُ بعد الصَّلاة من باب عطف الجزء على الكل، وهو جائزٌ، وليس من عطف الخاص على العام كما لا يخفى] اهـ.
وقد نصَّ فقهاء الحنفية على أنَّ الدعاء والاستغفار للميت بعد الصلاة عليه أولى من تكرار الصلاة عليه لمن فاتته:
قال العلَّامة الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (1/ 311): [(ولنا) ما رُويَ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلَّى على جنازة، فلما فرغ: جاء عمر رضي الله عنه ومعه قومٌ فأراد أن يُصليَ ثانيًا، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَة لَا تُعَاد، وَلَكِنْ اُدْعُ لِلْمَيِّتِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ»، وهذا نص في الباب. ورُويَ أنَّ ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم فاتتهما صلاة على جنازة فلما حضرا ما زادا على الاستغفار له. ورُويَ عن عبد الله بن سَلام رضي الله عنه أنه فاتته الصَّلاة على جنازة عمر رضي الله عنه، فلمَّا حضَر قال: "إن سبقتموني بالصلاة عليه: فلا تسبقوني بالدعاء له"] اهـ.
ولا يتعارض التأخير قدر قراءة الفاتحة، أو الدعاء والاستغفار للميت عقب الصلاة عليه، مع ما ورد من نصوصٍ حول أمر الشرع بالإسراع بالجنازة والمبادرة في حملها إلى قبرها؛ كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَلَا تَحْبِسُوهُ، وَأَسْرِعُوا بِهِ إِلَى قَبْرِهِ» أخرجه الطبراني في "الكبير"، والبيهقي في "شعب الإيمان".
فإن الانتظار هنا لحاجة وفائدة، وقد نص الفقهاء على أنَّ هذا التأخير اليسير لحاجة لا يضر:
قال العلَّامة شهاب الدين الرملي الشافعي في "نهاية المحتاج" (2/ 412، ط. دار الفكر): [فالتأخير إذا كان يسيرًا وفيه مصلحة للميت لا ينبغي منعه] اهـ.
وقد رتَّب الفقهاء على ذلك بعض الأحكام التي تقتضي التأخير اليسير ولا تتعارض مع الإسراع بالجنازة، ومن هذه الأحكام:
- أنَّه يُسَنُّ تأخير رفع الجنازة حتى يتم المسبوق في صلاة الجنازة ما فاته من صلاته بعد السلام، ويستحب له أن يقضي حتّى الدعاء بعد التكبيرات:
قال العلَّامة الخرشي المالكي في "شرح مختصر خليل" (2/ 119، ط. دار الفكر): [(ص) ودعا إن تُركَت وإلَّا والى (ش) يعني أن المسبوق إذا سلم الإمام فإنه يدعو بين تكبيرات قضائه إن تركت الجنازة، ويخفف في الدعاء إلا أن يؤخر رفعها فيتمهل في دعائه] اهـ.
وقال العلَّامة الدميري المالكي في "الشامل في فقه الإمام مالك" (1/ 159، ط. مركز نجيبويه): [وقيل: إن مضى الدعاء ولم يدرك منه شيئًا: صبر، وإلَّا: كبَّر، وهل يكبر معه فيما زاد ويحتسب به، أو لا؟ قولان: وعلى النفي: يقضي بعد سلامه ما فاته ويدعو إن تُرِكَتْ] اهـ.
وقال العلَّامة الجاوي الشافعي في "نهاية الزين" (ص: 159، ط. دار الفكر): [وَإِذا سلم الإِمَام تدارك المسبوق حتما بَاقِي التَّكْبِيرَات بأذكارها؛ وجوبًا فِي الْوَاجِب، وندبًا فِي الْمَنْدُوب، ويُسَن أَن لَا ترفع الجنازة حتى يتم الْمَسْبُوق صلَاته] اهـ.
وقال العلَّامة الشوكاني في "السيل الجرَّار" (ص: 215، ط. دار ابن حزم): [واللاحق ينتظر تكبير الإمام ثم يكبر ويتم ما فاته بعد التسليم قبل الرفع] اهـ.
- أنَّ من زاد على تكبيرات الجنازة ولو عمدًا لا تبطل صلاته؛ لأنَّ الزيادة هنا في شيءٍ من أصل الصلاة؛ قال العلَّامة الرُّحيباني الحنبلي في "مطالب أولي النُهى" (1/ 887، ط. المكتب الإسلامي): [(ولا تبطل) صلاة الجنازة (بمجاوزة سبع) تكبيرات، ولو (عمدًا)؛ لأنها زيادة قولٍ مشروعٍ في أصله داخل الصلاة، أشبَهَ تَكرارَ الفاتحة والتشهد] اهـ.
وفي معنى ذلك: قراءة الفاتحة عند من يعد الجنازة دعاءً لا صلاةً؛ فإنها دعاء بعد دعاء.
- كراهية الانصراف بعد صلاة الجنازة مباشرةً دون إذن أهل الميت:
قال العلَّامة شهاب الدين الشلبي الحنفي في "حاشيته على تبيين الحقائق" (1/ 240، ط. الأميرية): [لأنَّ انصرافهم بعد الصلاة من غير استئذانٍ مكروه] اهـ.
وقال العلَّامة الدسوقي المالكي في "حاشيته على الشرح الكبير" (1/ 423، ط. دار الفكر): [وأما إن كان الانصراف بعد الصلاة وقبل الدفن فيكره إن كان بغير إذنٍ من أهلها والحال أنهم لم يطولوا، فإن كان بإذن أهلها فلا كراهة طولوا أو لا] اهـ.
وقال العلَّامة الخرشي المالكي في "شرح مختصر خليل" (2/ 137، ط. دار الفكر): [لأنَّ لهم حقًّا في حضوره؛ ليدعو لميتهم ويكثر عددهم] اهـ.
- جواز انتظار الولي، أو قريب يُرجى حضوره، أو من أوصى الميت بحضوره:
قال العلَّامة الخطيب الشربيني الشافعي في "مغني المحتاج" (2/ 51، ط. دار الكتب العلمية): [ولا بأس بانتظار الولي عن قرب ما لم يخش تغير الميت] اهـ.
وقال العلَّامة المرداوي الحنبلي في "الإنصاف" (2/ 467، ط. دار إحياء التراث العربي): [ولا بأس أن ينتظر به من يحضره، إنْ كان قريبًا ولم يخش عليه، أو يشق على الحاضرين، نصَّ عليه في رواية حنبل؛ لما يُرجى له بكثرة الجمع، ولا بأس أيضًا أن ينتظر وليه، جزم به في "مجمع البحرين"، وابن تميم، وهو أحد الوجهين] اهـ.
وقال العلَّامة المناوي في "فيض القدير" (3/ 310، ط. المكتبة التجارية الكبرى): [ينبغي انتظار الولي إن لم يخف تغيره] اهـ.
- تأخير الجنازة قليلًا للإعلام بوفاة الميت؛ حتى يكثر عدد المصلين عليه:
قال العلَّامة ابن نُجيم الحنفي في "البحر الرائق" (1/ 102، ط. المطبعة الخيرية): [وذكر الشارح معنى آخر، وهو الإعلام بموته ليُصلُّوا عليه، لا سيَّما إذا كان الميت يُتبَركُ به، وكره بعضهم أن ينادى عليه في الأزُقَّة والأسواق؛ لأنه نعي أهل الجاهلية، وهو مكروه. والأصح أنه لا يكره؛ لأنَّ فيه تكثير الجماعة من المصلين عليه والمستغفرين له وتحريض الناس على الطهارة والاعتبار به والاستعداد، وليس ذلك نعي أهل الجاهلية، وإنما كانوا يبعثون إلى القبائل ينعون مع ضجيج وبكاء وعويل وتعديد، وهو مكروه بالإجماع] اهـ.
وقال الإمام النووي في "المجموع" (5/ 216، ط. دار الفكر): [(والصحيح) الذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة التي ذكرناها وغيرها: أنَّ الإعلام بموته لمن لم يعلم ليس بمكروه؛ بل إن قُصِدَ به الإخبار لكثرة المصلين: فهو مُستَحَبٌ] اهـ.
وقال العلَّامة ابن حجر الهيتمي في "تحفة المُحتاج" (3/ 64، ط. المكتبة التجارية الكبرى): [وإنما يتجه –أي: الإسراع- إن خُشْيَ تغيُّرها، أو كان التأخير لا لكثرة المصلين، وإلا: فالتأخير يسير وفيه مصلحة للميت، فلا ينبغي منعه، ولذا أطبقوا على تأخيرها إلى ما بعد صلاة نحو العصر؛ لكثرة المصلين حينئذٍ] اهـ.
- تأخير الصلاة على الجنازة للأوقات الفاضلة:
قال العلَّامة الشبرامَلَّسي الشافعي في "حاشيته على نهاية المحتاج" (3/ 27، ط. دار الفكر): [(قوله: في الأوقات الفاضلة إلخ)، ولعل وجهه: أنَّ موته في تلك الأوقات علامة على زيادة الرحمة له؛ فتستحب الصلاة عليه تبركًا به؛ حيث اُختِيرَ له الموتُ في تلك الأوقات] اهـ.
وهذا كله يبين أن الأمر في صلاة الجنازة والقراءة والدعاء للميت إنَّما هو دائرٌ على نفع الميت وحصول الثواب له.
وبناء على ذلك وفي واقعة السؤال: فقراءة الفاتحة للمتوفى بعد صلاة الجنازة أمرٌ مستحبٌّ شرعًا لِمَا فيها من خصوصيةٍ في حصول النفع للميتِ وطلب الرحمةِ والمغفرةِ له؛ حيث وردت النصوص في فضلها ونفعها، وليست من قبيل البدعة؛ بل هي في معنى الدعاء وأعم؛ لأنها تشمله مع التمجيد والثناء، وليست قراءتها بمعزلٍ عن معنى الصلاة ومضمونها؛ سواء قلنا إن صلاة الجنازة دعاءٌ أو صلاة؛ إذ إنَّ أمر صلاة الجنازة دائرٌ على مصلحة الميت ونفعه من جهة، وعلى تحصيل ثواب المُصلين بصلاتهم عليه ودعائهم له من جهةٍ أخرى، ولا يتعارضُ ذلك مع الأمر بالإسراع والمبادرة بدفن الميت ما دام التأخير لحاجةٍ تصبُّ في مصلحة الميت من الدعاء له وطلب الرحمة والاستغفار، وكلُّ هذه المعاني تشملها قراءة الفاتحة؛ لأنها الأفضل في هذا المقام.
أما من يدّعي أنَّ قراءتها بدعةٌ فقد تحجَّر واسعًا وضيَّق ما وسعه الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وذهل عن مقاصد الشريعة.
والله سبحانه وتعالى أعلم.