السبت، 20 أبريل 2024

حكم المشاركة في الانتخابات ..!؟

 سُئل الشيخ بن عثيمين في لقاء الباب المفتوح رقم الشريط (س211): ما حكم المشاركة في الانتخابات ؟


فأجاب الشيخ رحمه الله تعالى:
((أنا أرى أنَّ الانتخابات واجبة, يجب أن نعين من نرى أنَّ فيه خيراً, لأنه إذا تقاعس أهل الخير من يحل محلهم؟ أهل الشر, أو الناس السلبيون الذين ليس عندهم لا خير ولا شر؛ أتباع كل ناعق، فلا بد أن نختار من نراه صالحاً.
فإذا قال قائل: اخترنا واحداً لكن أغلب المجلس على خلاف ذلك؟
نقول: لا بأس, هذا الواحد إذا جعل الله فيه بركة وألقى كلمة الحق في هذا المجلس سيكون لها تأثير ولابد, لكن ينقصنا الصدق مع الله, نعتمد على الأمور المادية الحسية ولا ننظر إلى كلمة الله عز وجل,
ماذا تقول في موسى عليه السلام عندما طلب منه فرعون موعداً ليأتي بالسحرة كلهم, واعده موسى ضحى يوم الزينة -يوم الزينة هو: يوم العيد؛ لأنَّ الناس يتزينون يوم العيد- في رابعة النهار وليس في الليل, في مكان مستوٍ, فاجتمع العالم، فقال لهم موسى عليه الصلاة والسلام: "وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى" كلمة واحدة صارت قنبلة, قال الله عز وجل: "فَتَنَازَعُوا أمرهُمْ بَيْنَهُمْ" الفاء دالة على الترتيب والتعقيب والسببية, من وقت ما قال الكلمة هذه تنازعوا أمرهم بينهم, وإذا تنازع الناس فهو فشل, كما قال الله عز وجل: "وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا"؛ "فَتَنَازَعُوا أمرهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى", والنتيجة أنَّ هؤلاء السحرة الذين جاءوا ليضادوا موسى صاروا معه, ألقوا سجداً لله, وأعلنوا: "آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى", وفرعون إمامهم, أثرت كلمة الحق من واحد أمام أمة عظيمة زعيمها أعتى حاكم.
فأقول: حتى لو فرض أنَّ مجلس البرلمان ليس فيه إلا عدد قليل من أهل الحق، والصواب سينفعون, لكن عليهم أن يصدقوا الله عز وجل.
أما القول: إنَّ البرلمان لا يجوز، ولا مشاركة الفاسقين, ولا الجلوس معهم؟
هل نقول: نجلس لنوافقهم؟!
نجلس معهم لنبين لهم الصواب.
بعض الإخوان من أهل العلم قالوا: لا تجوز المشاركة, لأنَّ هذا الرجل المستقيم يجلس إلى الرجل المنحرف!, هل هذا الرجل المستقيم جلس لينحرف أم ليقيم المعوج؟!
نعم؛ ليقيم المعوج ويعدل منه, إذا لم ينجح هذه المرة نجح في المرة الثانية))
*
- فتوى للشيخ بن عثيمين حول حكم المشاركة في الانتخابات ؟مسجلة على اليوتيوب ---
فتوى للشيخ الالباني عن المشاركة في الانتخابات:
يقول الشيخ الألباني اسكنه الله فسيح جنانه عن الانتخابات:
" إذا وقع المسلم بين شرّين، اختار أقلهما شرّاً، لا شك أنَّ وجود رئيس بلدية مسلم هو بلا شك أقل شراً -ولا أقول خير!- من وجود رئيس بلدية كافر أو ملحد، لكن هذا الرئيس يحرق نفسه وهو لا يدري؛ لأ نه لما يرشح نفسه بدعوى أنه يريد أن يقلل الشر -وقد يفعل- ولكنه لا يدري بأنه يحترق من ناحية أخرى؛ فيكون مثله كمثل العالم الذي لا يعمل بعلمه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "مثل العالم الذي لايعمل بعلمه كمثل المصباح يحرق نفسه ويضيء غيره". لهذانحن نفرق بين أن نَنتخِب وبين أن نُنتخَب؛ لا نرشح أنفسنا لنُنتخَب لأننا سنحترق, أما مَنْ أبى إلا أن يحرق نفسه قليلاً أوكثيراً ويرشح نفسه في هذه الانتخابات أو تلك، فنحن من باب دفع الشر الأكبر بالشر الأصغر نختار هذا المسلم على ذاك الكافر أو على ذاك الملحد.
السائل:
يا شيخنا أفهم من هذا الكلام أنه بالنسبة للبرلمان أو بالنسبة للانتخابات البلدية إذا ترشح مسلم فالتصويت عليه جائز؟
الشيخ الألباني:
نعم؛ لكن من باب "دفع الشر الأكبر بالشر الأصغر"، ليس لأنه "خير"

الخميس، 18 أبريل 2024

نظرات في مقالات "كفاح الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي" للأستاذ "سيد قطب" وتحلية الشيخ البشير الإبراهيمي لها

 

نظرات في مقالات "كفاح الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي" للأستاذ "سيد قطب" وتحلية الشيخ البشير الإبراهيمي لها

نظرات في مقالات "كفاح الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي" للأستاذ "سيد قطب"

وتحلية الشيخ البشير الإبراهيمي لها


البشير الابراهيمي وسيد قطب


 

مدخل تمهيدي:

                      شعب الجزائر مسلم     وإلى العروبة ينتسب

 

 

                     من قال حاد عن اصله     أو قال مات فقد كذب

بهذه الكلمات كان مطلع قصيدة الشيخ المصلِح "عبدالحميد بن باديس" - رحمه الله - رائدِ النهضةِ الجزائرية، ورئيسِ "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين"، والذي أَنجَبتْه الجزائر المسلمة الأبيَّة.

 

ومع أن الجزائرَ لم تُنجِب "ابن باديس" وحدَه في مثل فكرِه وعقيدتِه، بل أَنجَبَت الكثيرَ من العلماء والمفكِّرين المُبدِعين الأجلاء، والذين ذاع صيتُهم في المعمورةِ وأصقاعِ العالمِ - شرقًا وغربًا - ومن بين هؤلاء الأعلام: العلامة الأَرِيب، والشيخ الأديب "محمد البشير الإبراهيمي" - رحمه الله تعالى - نائبِ ابن باديس في "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين"، ورئيسها فيما بعد موته - رحمهما الله.

 

وفي المقابِل تُعتَبَر مصرُ قِبلةً للمفكِّرين والزعماء من الشمال الإفريقي والمغاربي، وبخاصَّة إبَّـان التوسُّع الاستعماري الفَرَنسي في حدود الأربعينيات والخمسينيات الميلادية، والذي ألجأ الكثيرَ من علماءِ المسلمين الجزائريين، ودفعهم إلى الهجرةِ بدينِهم وأنفسهم لمَن قد يكون سندًا لهم في تلك البلاد، وعونًا على ما يَصبُون إليه من دعوة إلى تحرير الأبدانِ والأوطانِ من رقِّ الاستعمار الكافر.

 

والذي يهم في هذا المقامِ، هو محاولةُ إبرازِ شيءٍ من المآثر والفوائدِ المستَنبطةِ من كفاحِ الجزائرِ ضدَّ الاستعمار الفَرَنسي، بنقلِ نموذجٍ من أقوالِ أبرزِ دعاة التحرُّر من عبوديَّة الاستعمار المُتَغَطرِس، والذي أكل الأخضر واليابس، ويمثِّله الأستاذ الداعية "سيد قطب" - رحمه الله - في مصر، وتوضيح مقاصدِه من المقالات المؤيِّدة لأهمِّ النشاطات في سبيلِ نصرةِ الكفاح الجزائري، والذي كان يمثِّله ويَرفَع لواءَ شرعيَّةِ جهادِه الشيخ العلامة "محمد البشير الإبراهيمي" - رحمه الله.

 

العلاقة بين "سيد قطب" والإبراهيمي:

ظهرت "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" على السَّاحة في بدايةِ الثلاثينيات؛ بحكم التأثُّر - المباشر، وغير المباشر - بنهضة الدعوات والحركات التحرُّرية بالمشرق الإسلامي: كدعوة شيخ الإسلام "محمد بن عبدالوهَّاب" - رحمه الله وأجزل له الثوابَ - وهي دعوة سلفيَّة على منهاجِ النبوة، وكذا حركة التحرُّر العقلانية "لجمال الدين الأفغاني" و"محمد عبده"، ودعوة الشيخ "محمد رشيد رضا" - رحمه الله - السُنيَّة السَّلفيَّة في مُجمَلِها.

 

وقد امتدَّت هذه النهضةُ نحوَ المغربِ الإسلامي؛ بمقتضى الارتباطِ الثقافي الوطيدِ بينهما منذ العهودِ الإسلاميةِ الأولى، وكذلك التواصل المستمِر الذي كان بين هذه الدعواتِ والحركاتِ، وهذا بعاملِ الهجرةِ الذي ازدادت أسبابُه ودواعيه بين سكَّان الجزائر نحو المشرق بعد الاحتلال الفَرَنسي لها، ومن ذاك:

1- الهروبُ بالنفسِ؛ خوفًا من التقتيل الجُزَافِي، الذي أخذ يُلاحِق المواطنين العُزَّل.

 

2- النفيُ المعتمَّد من قِبَل السلطات الاستعمارية لكل مَن ثَبَتت عليه محاولةُ المواجَهَةِ.

 

3- الفرارُ بالدِّين، بعد ظهور بوادرِ التنصير، والاعتداء المبكِّر على مؤسَّسات الإسلام.

 

4- العجزُ عن مغالبةِ الحياةِ، بسببِ مُصادَرة الأملاك، والاستحواذ عليها بالقهر والعَنْوَة.

 

5- الرغبةُ في الاستزادةِ من العلم، بعد أن جفَّت ينابيعُه في رُبُوع الجزائر.

 

6- التضييقُ المستمِرُّ على رجالِ العلم؛ وهذا خوفًا من إثارتِهم الشَّغبَ بين المواطنين[1].

 

كلُّ هذه العواملِ والأسباب أدَّت بعلماء الجزائر ومفكِّريه للتواصل مع المشرق، ولعلَّ العاملَ الثاني - من العوامل الآنِفة الذكر - هو السبب الرئيسي، والمحرِّك، والباعِث على هجرةِ الشيخ العلامة "محمد البشير الإبراهيمي" - رحمه الله - إلى بلاد المشرقِ، ومصر على وجه الخصوص.[2]

 

ومن هنا بدأت العَلاقةُ القويَّة بين علماءِ الجزائر بهجرةِ الإبراهيمي إليها، وما تميَّز به من القوَّة العلميَّة والأدبيَّة والسياسيَّة.

 

وكانت أوَّل علاقةٍ تَربِطه بالأستاذ الداعية "سيد قطب" - رحمه الله - هي المشاركة سويًّا في مؤتَمَر القدس الإسلامي، الذي انعقد في أواخِر 1953، وقد ترأَّس الشيخ "الإبراهيمي" جلساتِ أعماله، فيما عيِّن: "سيد قطب"، و"الفضيل الورتلاني"، والدكتور "سعيد رمضان"، و"محي الدين القليبي"، و"محمد محمود الصوَّاف"، و"محمد خليفة"، و"كمال الشريف" - أعضاءً في اللجنة التنفيذية للمؤتَمَر.

 

وحَرَص "سيد قطب" على حضور الندوة التي كان ينظِّمها مكتب "جمعية العلماء الجزائريين" بالقاهرة كل أسبوع، والتي كان يُشارِك فيها أيضًا كبارُ الكتَّاب والعلماء[3].

 

وقد أيَّد "سيد قطب" - رحمه الله - دعوةَ "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" للتحرُّر من الاستعمارِ الفَرَنسي بأوَّل مقالٍ له فيها بعنوان: "كفاح الجزائر"، وكان حظُّها منه تخصيصَ أربعِ مقالاتٍ تدعم نشاطَها، وتثبِّت أركانَها، وقد نَشَرها الشيخ "البشير الإبراهيمي" - رحمه الله - في جريدةِ البصائر - لسانِ حالِ الجمعية - بعد تصديرِه لها، وتحليتها بكلمة يَحسُن نقلُها - بفصِّها ونصِّها - من جريدة البصائر العدد 214، السنة الخامسة،23 جانفي1953، حيث جاء فيها:

"تَمتَزِج فكرةُ الوطنِ الإسلامي الأكبر بنفس الأستاذ "سيد قطب" امتزاجَ الروحِ بالجسد، والعقيدةِ بالعقل؛ فهو - حفظه الله - لم يَفتَأ يدعو المسلمين في الشرق والغرب بكتابتِه الضافِية إلى السيرِ على ضَوءِ هذه الفكرةِ في: حركاتِهم التحرُّرية، وكفاحِهم العامِّ، والاعتصامِ بأُخُوَّتِهم الإسلامية، التي هي المَهْيَع الأمين لتحقيقِ أمانيهم وآمالهم في الحياة كمسلمين، لهم من تعاليمِ دينِهم ومجدِ تاريخِهم كلُّ ما يَهْدِيهم سواءَ السبيل، إذا غَشِيَتهم الظلماتُ، وألَمَّت بساحتِهم خطوبٌ ومُلِمَّات.

 

وقد وجد الأستاذ في صحيفة "البصائر" - التي هي اللسانُ المعبِّر عن كفاح الجزائر، في سبيل المحافظة على: إسلامِها، وعروبتِها، وربطِ نهضتِها بالعالم الإسلامي - صَدَى دعوتِه الصارخة، فأحبَّها وبَادَر بإرسالِ هذه الكلمةِ البليغةِ الجامعةِ إليها، وهي إذْ تُحلِّي صدرَها بها، إنما تَنشُر صفحةً من جهادِ أحدِ العلماءِ العاملين من أعلام هذه النهضة، التي لن تقفَ دون أن تَصِل بالإسلام والمسلمين إلى أهدافِهم السامية في طريق كفاحِهم من أجل: الوَحْدَة، والحرية، والاستقلال"[4].

 

 تواريخ وعناوين مقالات الأستاذ "سيد قطب" - رحمه الله - حول كفاح الجزائر: "23 يناير 1953، 27 مارس 1953":

 جريدة "البصائر"، العدد: 214، بتاريخ 23 يناير1953، عنوان المقال: "كفاحُ الجزائرِ...".

 

 جريدة "البصائر"، العدد: 220، في 6 مارس1953، عنوان المقال: "نحن خيرُ أمَّةٍ أخرجَت للناسِ".

 

 جريدة "البصائر"، العدد: 221 - في 13 مارس1953: عنوان المقال: "طريقُ النصرِ".

 

 جريدة "البصائر"، العدد: 223، في 27 مارس1953، عنوان المقال: "مؤتَمرُ الدعوةِ الإسلامية".

 

من خلال استطلاعِ النظرةِ الأولى للعناوين، يَلحَظ القارئ أنَّ المقالاتِ كانت لها أهدافٌ ومقاصدُ عند "سيد قطب"، ويمكن اعتبارُها تمهيديَّةً للعمل على إذكاءِ وإزكاءِ العمل الجهادي ضدَّ الابتلاعِ الصَّلِيبِي الفَرَنسي لبقاء الجزائر مسلِمةً حرَّة أبيَّة، وألا تكونَ أندلسًا جديدة، ويُمكِننا الوقوفُ مع صدى تلك المقالاتِ، وأبرز ما يُستَخلَص منها فيما يلي:

صدى تلك المقالات، وأبرز ما يستفاد منها من مآثر:

المقال الأول - "كفاح الجزائر" - شخَّص فيه "سيد قطب" - رحمه الله - حالةَ الاستعمار الصليبي بالجزائرِ، وما استفاده شخصيًّا مما اطَّلع عليه من حال الدُّوَل، وما آلت إليه من جرَّاء هذه الحملة الاستدمارية الصليبية، ومبينًا الأساليبَ والمسالك المُزرِية لفَرَنسا في استعمارها للجزائر، قائلاً: "...لم يَعرِف بلدٌ آخرُ في الشرق أو في الغرب ما عَرَفتْه الجزائر من أساليبِ الصليبية، حتى الأندلس وحتى فلسطين لم تَعرِفا هذه الأساليب، لقد امتدَّت هذه الأساليبُ إلى تفكيكِ التماسكِ العنصري والعائلي، وامتدَّت إلى تخليطِ الأنسابِ، وتحطيمِ الأخلاق، امتدَّت إلى إزالةِ الصبغة العربية الدينية، وتمَّ هذا في غفلةٍ من العالم الإسلامي والأمةِ العربيةِ في القرن الماضي، وكانت الجزائر وحدَها في المَيْدَان، فلم يَكُن بجوارِها أحدٌ كما هو الآن"...

 

إلى أن قال في خلاصةِ نظرتِه الشخصية لكفاح الجزائر، دون غيره: "لهذا كلِّه تخلص لي من كفاحِ الجزائرِ دلالةٌ لا تخلصُ لي من كفاحِ أيِّ بلدٍ آخر، دلالةٌ مطمئنةٌ تدعو للثقة، وإلى التفاؤل... إن هذا العالَم الإسلامي لن يَموتَ... إن المِحنَة التي عاناها في الجزائر لن يُعانِي مثلَها اليوم؛ لأن الاستعمار لا يملك مثلها اليوم وبعد اليوم؛ ولأن الأساليبَ التي جرَّبها في الجزائر لا يَعرِف العالَم لها نظيرًا".

 

ثم بعد أن وَصَف حالةَ الاستعمار وأساليبه في الجزائر، بَعَث في خلاصةِ نظرتِه الثاقبة التفاؤلَ، ثم أَبَدى تعظيمًا لشعبِها المسلم، وتاريخها الكبير، قائلاً - بعد ما سبق -: "إن في الوطنِ الإسلامي حيويةً كامنةً لا يَغلِبها شيءٌ... هذا هو الخاطِر الذي يُخالِج نفسي كلما نَظَرت إلى كفاحِ الجزائرِ، ونَظَرت في تاريخ هذا الكفاح...".

 

ثم أبدى نصيحةً إلى جمعيةِ العلماءِ، بأن يكتبوا تاريخَ كفاحِ الجزائرِ، ويَعرِضوه على الأمة الإسلامية؛ لأنَّه قلَّ مَن تعرَّض لهذا بأقلامٍ نَزِيهة أمينةٍ عالِمةٍ ببواطنِ الأمور.

 

وبيَّن أن الشعبَ الجزائِري كانت له عقيدةٌ راسخةٌ في حياةِ الكرامةِ، هي التي أضاءت له المشعلَ في الطريقِ، وعَرَفت "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" كيف توثِّق هذا الحبل، وكيف تَرفَع ذلك المشعلَ، ثم خَتَم المقال بثناءٍ عطرٍ، وتحيةِ إكبار لجمعية العلماء، والشيخ البشير الإبراهيمي - رحمه الله - على وجهِ الخصوص؛ لمجاورته له، فقال: "وإنني لأَكتَفِي اليوم بهذه الكلمات القلائل تحيةً لجمعية علماء الجزائر، وشيخها الجليل الذي يجاورُنا اليوم، فيَبْعَث فينا من روحِه القوي شعاعًا حارًّا، ويُشعِرنا بأن في العالَم الإسلامي رجالاً.. رجالاً من طرازٍ فريدٍ، ولن يموت هذا العالَم وهو يَبعَث من أعماقِه بمثل هؤلاء الرجال".[5]اهـ

 

وقبل عرضِ أهمِّ مقاصدِ الأستاذ سيد - رحمه الله - في المقالاتِ الأخرى المتتابعة، أسأل الله تعالى أن ييسِّر فيما يستقبَل من الزمن - إن شاء الله - لإخراجِها في رسالة لطيفةٍ، مع تسليطِ الضوء على مضامينِها ومقاصد كاتبِها، مستفيدينَ مما حَوَته من دلالاتٍ ونظرٍ في واقع تلك الحقبة من الحالات، عرضًا ونقدًا واستفادةً، ويمكنني الآن تلخيصُ الفوائدِ المستفادة من المقالات المتبقية في الخلاصة التالية:

المقال الثاني "نحن خير أمة أخرجت للناس":

في هذا المقال بيَّن سيد - عفا الله عنه - حالَ الأمةِ الإسلامية، وتمزُّقها إلى أشلاءٍ؛ بسببِ الاستعمار الغربي، فأحالت المسلمين بعضه بعضًا إلى غرباء، وفرَّقتهم أشلاء، ثم استدل بنصوصٍ من الكتاب - كقوله تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ [آل عمران: 110]، وقوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ [البقرة: 143] - على أن خيريةَ الأمة الإسلامية لم تكن محاباةً ولا وراثة؛ وإنما لها أسبابٌ وقواعدُ، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: 110].

 

ثم قال: "... خيريَّة هذه الأمة لم تكن محاباةً، ولم تكن وراثةً؛ وإنما بيَّن الله أسبابَها وقواعدَها، وهي: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ أي: التكافل في الإصلاح، وفي دفع المنكر، والكفاح، وهي: الإيمان بالله...".

 

ثم بيَّن الإيمانَ الذي يقصدُه، وأنه ليس كلمةً تُلاكُ باللسانِ؛ وإنما هو شعورٌ يفيض به القلبُ؛ فيَنبَثِق عملاً واقعيًّا في الحياة، وسلوكًا محققًا في الأرضِ، ثم دعا إلى الأُخُوَّة وتحطيمِ العقبات في سبيل التغلب على الاستعمار.

 

المقال الثالث "طريق النصر":

بيَّن الأستاذ أن طريقَ النصرِ هو الاستمساكُ بالعقيدةِ الإسلامية، وعدمُ الانحرافِ عنها، وأنها ليست مجرَّدَ انزواءٍ في مسجدٍ، أو انتهاءٍ من عبادات معيَّنة، بل هي: "نظامُ حياةٍ، و[دستورُ] مجتمعٍ، و[قانونُ] دولةٍ، ومن ثَمَّ لا تتحقَّق حتى يؤدِّي الفرد عبادتَه المفروضة، ويَسلُك في المجتمع سلوكًا إسلاميًّا في معاملاته، وحتى يَقُومَ المجتمعُ على أساس الشريعة الإسلامية، وحتى تَنهَضَ الدولة بالتكاليفِ العامَّة التي يُوجِبها الإسلام.

 

عندئذٍ يَحِقُّ النصر الذي كتبه الله على نفسه للمؤمنين...".

 

ثم أَفَاض ببيانِ أسباب الهزيمة، وأن أعظمَها الانحرافُ عن العقيدةِ من جهةِ الفردِ، ومن جهة المجتمع.

 

المقال الرابع "مؤتمر الدعوة الإسلامية":

أما عن مقالِه الأخير، فقد كان يبشِّر بمستقبلٍ جديدٍ للإسلام والمسلمين، ويَبعَث على التفاؤل والاستبشارِ، وعدَّ اقتراحه هذا المؤتمر السنوي خطوةً لإحياءِ الإسلام: عقيدةً، ومنهجًا، وشريعةً، ونظامًا، بعد أن تُدرَس مشكلاته، ويشخَّص الداء، ثم يُوصَف الدواء من طرفِ دعاةِ الإسلام الفاهِمين للدعوة، والمُتَّسِمين بروح الإسلام والواقعية، والمُتشبِّعين بالعقيدةِ الصحيحة...

 

"هؤلاء الدعاة يَعودُون من مؤتمرِهم السنوي العام، وقد التقى بعضُهم ببعضٍ، وأخذ بعضُهم على بعضٍ، وعَرَفوا كيف يوجهون خططهم، وكيف يجمعون صفوفهم وكيف يُخاَطِبون الناس، وكيف يعرِّفونهم بإخوانِهم المسلمين الغائبين عنهم، وكيف يوجِّهونَهم إلى الإسلام الحي من جديد، وكيف يُخرِجونَهم من جوِّ الطقوس الميِّتة إلى جوِّ العبادات الحيَّة، وكيف يُقِيمُون المجتمع الإسلامي على قوائمه من جديد"[6].

 

خاتمة:

بعد هذه الجَولَة في رياضِ الكلمات، والمقالات، والتعاون بين هذين العَلَمِين، والداعِيَيْنِ الأَدِيبَينِ - يَنبَغِي الاعتبارُ بواقعِ الحال، وأن الاستعمار الفَرَنسي - وإن أُخرِج من البلاد، وأراح الله منه العباد؛ بفضل الله تعالى، وما يسَّره من سُبُلٍ لدعاة الإصلاح، وتمهيدهم لكفاح الجزائر 1 نوفمبر 1954، إلا أن الاستعمار الفَرَنسي ما زال يَضرِب بعروقِه في فكرِ الكثير من أبناءِ وطني الجزائر، بل وأمتي الإسلامية، وهو يَسعَى جاهدًا، وبكلِّ الوسائل في خضمِّ الأحداثِ العالمية الجارية، والمسماة بـ"ربيع الثورات العربية: 2011م"؛ للتدخُّل في شؤونِ البلاد، ومحاولة استعمارها من جديد باسمِ حمايةِ الحرِّيات الفردية، وباسم حرِّية الشعوب في تقرير مصيرها، فنحذر من جرِّ المعركة للداخل، وليَكُن لنا موقفٌ حازِمٌ في ردِّ أيِّ عدوانٍ، أو تدخُّل أجنبِي، قد يُهلِك الحرثَ والنسل، والجزائري قد عانى الويلاتِ في تلك الحقبة الزمنية الدمويَّة، ومَن لم يَعتَبِر بما سبق، فسيَعتَبِر به مَن لحق.

 

والأمَّة الجزائرية لها خصائصُ ومميزات: "مسلِمةٌ في عقيدتِها، عربيةٌ في لسانِها، جزائريةٌ في وطنيتها"، وهذا هو الشعار الذي رفعه أئمة الإصلاح والدعوة من رجال "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين"، وأيَّد دعوتَها وكفاحَها للاستعمار الفَرَنسي الغاشم رجالاتُ الفكرِ الإسلامي كالأستاذ "سيد قطب" - رحمه الله - كما في مقالاته السابقة، وأئمة الدعوة السلفيَة كالشيخ عبدالرحمن بن قاسم - رحمه الله.

 

ورحم الله الأستاذ الداعية "سيد قطب"؛ إذ قال[7]: إن الاستعمار الذي يَغلِبنا، ليس هو استعمارَ الحديدِ والنار؛ فالاستعمارُ لا يَملِك أن يُقِيم جنديًّا من جنودِه على كل فردٍ من الملايين الكثيرة في ذلك الوطن الإسلامي؛ إنما الاستعمار هو ذلك الذي في صدورِنا وقلوبِنا، هو خلوُّ ضمائرِنا من الإيمان بالله، وامتلاؤها بالإيمانِ بالخوف والطمع: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ﴾ [آل عمران: 155].

 

﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 175] انتهى.

 

وتفويتُ الفرصةِ على الأعداءِ نباهةٌ، والله - جل وعلا - يقول في محكم التنزيل: ﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ﴾ [الروم: 60].

 

والله أعلم، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد.

 

والحمد لله رب العالمين.



[1] علي ديدونة: "المنظومة التربوية في الجزائر بين الأصالة والاستئصال" - بتصرف يسير - ص: 210 - 211، منشورات دار توريد بوزريعة - الجزائر، الطبعة الأولى 1427هـ - 2006م".
[2] ينظر: "آثار الشيخ البشير الإبراهيمي" 1 11.
[3] ينظر: محمد ناصر: "الشيخ إبراهيم أطفيش في جهاده الإسلامي" بواسطة: "أعلام وقضايا في التاريخ الإسلامي المعاصر"؛ للدكتور مولود عويمر - دار الخلدونية بالجزائر، ص: 55، ط أولى: 1428هـ - 2007م.
[4] ينظر "الآثار: 4/ 152".
[5] من "البصائر: عدد 214، السنة الخامسة من السلسلة الثانية".
[6] البصائر: عدد 223، السنة الخامسة من السلسلة الثانية.
[7] كما في "البصائر: العدد 220 - السنة الخامسة من السلسلة الثانية".

الثلاثاء، 16 أبريل 2024

عندي عدد من التساؤلات في مسألة تلبس الجني بالإنس وهي:

 عندي عدد من التساؤلات في مسألة تلبس الجني بالإنس وهي:


أولا: قوله تعالى: الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس.
فهنا لا يعني التلبس لغة ـ وقبل كل شيء ـ ولكن ذهب كثير من المفسرين أن الآية توضح حالة الذي يأكل الربا بالضيق الشديد والاكتئاب العميق مع علمه أن الربا حرام، مثل الذي يتخبطه الشيطان: أي يضله ويغويه، وهذا غاية ما يريده ويستطيعه الشيطان بابن آدم، لأن الله سبحانه وتعالى لم يمكن الجن من التلاعب بابن آدم المكرم في القرءان.
كيف نفسر قول الله تعالى على لسان سيدنا أيوب عليه السلام: رب إني مسني الشيطان بنصب وعذاب؟.
وهل لنا من ظاهر الآية أن نقول: إن الشيطان يستطيع أن يتلبس بأنبياء الله سبحانه وتعالى وهم المعصومون من ذلك؟ فإن كانوا معصومين من تلبس الشيطان، فهذا فيه دلالة على أن معنى المس ليس هو تلبس الشيطان.
وكيف نفسر قول الله تعالى على لسان إبليس: وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم.
دلت الآية على أن الله عز وجل جعل سلطان الجن على الإنس في الوسوسة والغواية والتزيين، وقد تضافرت وتوافرت الآيات الكريمة في القرءان الكريم في هذه المسألة، وما قصة سيدنا آدم في الجنة مع الشيطان إلا أكبر دليل على ذلك.
وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث: الحمد لله الذي رد كيده في الوسوسة.
وحديث النبي صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم من العروق.
يفسره كثير من علماء الشرع على أنه خرج مخرج الكناية وليس الحقيقة، أي أن الصورة في الحديث صورة معنوية وليست حسية، وسياق الحديث يدل على ذلك ـ وهو حديث زيارة صفية للنبي صلى الله عليه وسلم وهو معتكف بمسجده ـ خرج ليودعها من المسجد فرآه رجلان من الأنصار فأسرعا المشي فذكر لهما الحديث.
وقوله تعالى: وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا.
فتفسيرها ـ على حسب معرفتي ـ أنهم قديما كانوا إذا دخلوا بطن واد ينادون أو يتعوذون بسيد هذا الوادي من أولاده مخافة أن يضرهم ـ على حد علمهم القاصر.
ومعلوم أن القرءان نقل كثيرا من قصص الأولين ليبين صحتها من عدمها.
فالجن عالم غيبي محجوب عنا عقلا ونقلا.
والأمور الغيبية لا نتكلم فيها إلا بدليل من القرءان والسنة الصحيحة الصريحة.
وإن كان القول بتلبس الجن بالإنس منسوبا لشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ـ العلامة ابن القيم ـ اللذين يعدان من كبار علماء الشريعة على مر العصور، إلا أنه لم يسبقهما أحد لهذا القول، والآثار الواردة عن الإمام أحمد بن حنبل في هذا الباب مثل قوله ـ رحمه الله: يا بني يكذبون هو ذا يتكلم على لسانه.
قال بعض أهل الحديث إنها ضعيفة ولاترتقي لحجية التلبس.
وقال الإمام الشافعي: من ادعى أنه رأى شيطانا فلا نقبل شهادته، لأن الله سبحانه و تعالى قال: إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم.
ومعلوم في ديننا أنه لا عصمة لأحد إلا النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك قال العلماء: كائن من كان يؤخذ من قوله ويرد حتى يتبين الحق، ولعل هذا نهج علمائنا قديما وحديثا.
أما المشاهدات والأحداث التي تحصل في زماننا هذا من نطق الإنسان بأصوات أخرى وأن تظهر عليه علامات تدل على المس فما هو إلا هزائم نفسية واضطرابات عضوية وتهيؤات ليست لها علاقة بالجن، وإنما الطب النفسي له تفسيرات وأبحاث في هذه الظواهر وإرجاعها إلى مسائل نفسية.
وإن سلمنا أن الجن يتلبس بجسد ابن آدم، وبعض المعالجين يقرؤون عليه القرءان ليخرج من هذا الجسد، فإن هذه الصورة يمارسها الكفار ممن يدعون أمر التلبس، ويقرؤون على الممسوس ترانيم وأناشيد خاصة بهم ويعتقدون أنها تؤثر في المريض ويحصل له مثل ما يحصل عند قراءة القرءان، مع إيماننا أن القرءان شفاء لما في صدور المؤمنين، وأن الرقية الشرعية ثابته بالكتاب والسنة.
وإن سلمنا بتلبس الجن بالإنس عارضنا مراد الله سبحانه وتعالى في أن الشيطان حدوده وغاية ما يستطيع فعله هو التزيين والغواية وتخبط المؤمن على غير هدى وأنه عز وجل كرم ابن آدم وسخر له ما في السموات والأرض وجعله خليفة له في الأرض، وأنه مكلف بالتكاليف الشرعية وعمارة هذه الأرض، وموضوع التلبس ينافي هذا كله.
كل هذا اسئلة يجيب عنها المختصون لتقرأ ونتفقه في ديننا
د.صهيب طبيب نفسي :
المس الشيطاني التحقيق الشامل - قسم: علم النفس الاسلامي
طرق بابي رجل يقول: إنه بحاجة الى عوني، فقمت لاستقباله وأنا متعب، ودهشت لمرآه، فقد كان عملاقا بادي الصحة، ولم تكن عليه سيماء الفقر!.. وبدأني بالحديث من غير مقدمات! قال: إنه مسكون..!! واستعدت ما قاله، فكرر شكواه مؤكدا أنه مسكون! قلت من سكنك؟ قال: جني عات غلبني على أمري..!! فقت وأنا أضحك: لماذا لم تسكنه أنت؟
إنك رجل طويل عريض؟ فسكت حائرا.. وأخذت أتأمل في ملامحه وحالته العامة ثم قلت: ما أظنك مريضا بالصرع، أتعتريك نوبات ما؟ فلم يزد على القول بأنه مسكون.. إن عددا كبيرا من النساء. وعددا قليلا من الرجال يجيئني بمثل هذه الشكاة، وكنت أبذل شيئا من الجهد في تثبيت القلق، وتسكين الحائر، وإعادة الاستقرار النفسي والفكري الى هذا وذاك.. وشعرت بأن الأزمات الروحية والاضطرابات العصبية من وراء الإدعاء بأن الجن تحتل هذا الجسد. أو تحتك بهذا البائس. وربما استعنت ببعض الرقي والتلاوات والنصائح لجعل أولئك المرضى أحسن حالا، وإن تبيد أوهامهم شيء يطول. وتحدث معي بعض أهل العلم الديني، وكأنهم رأوا إنكاري على أولئك المرضى، وقالوا: لماذا ترفض فكرة احتلال الشياطين لأجسامهم؟.
كان جوابي محددا: لقد شرح القرآن الكريم عداوة إبليس وذريته لآدم وبنيه، وبين أن هذه العداوة لا تعدو الوساوس والخداع «واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجالك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا»(61). وليس يملك الشيطان في هذا الهجوم شيئا قاهرا، إنه يملك استغفال المغفلين فحسب: «وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم..»(62).
وقد تكرر هذا المعنى في موضع آخر: «ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين. وما كان له عليهم من سلطان»(63). إن الشيطان لا يقيم عائقا ماديا أمام ذاهب الى المسجد! ولا يدفع سكرانا في قفاه ليكرع الإثم من إحدى الحانات! إنه يملك الاحتيال والمخادعة، ولا يقدر على أكثر من ذلك... قال لي أحدهم: هذا صحيح. لكن ما أوردته لا ينفي أن بعض المردة قد يساور بشرا مسلما وينال منه..! قلت: وأنا ضجر: هل العفاريت متخصصة في ركوب المسلمين وحدهم؟ لماذا لم يشك ألماني أو ياباني من احتلال الجن لأجسامهم؟. إن سمعة الدين ساءت من شيوع هذه الأوهام بين المتدينين وحدهم؟ إنكم تعلمون أن العلم المادي اتسعت دائرته ورست دعائمه، فإذا كان ما وراء المادة سوف يدور في هذا النطاق فمستقبل الإيمان كله في خطر. فلنبحث علل أولئك الشاكين بروية، ولنرح أعصابهم المنهكة، ولا معنى لاتهام الجن بما لم يفعلوا..!! وجاءني صديق يقول لي: أرى أن تسمع كلام أهل العلم في هذه القضية! قلت مرحبا بكلام أهل العلم، هات ما عندك... قال: إن مس الشيطان للإنسان ثابت بالكتاب والسنة، فأما الكتاب فقوله تعالى: «الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس..»(64).
وأما السنة فقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم» وقوله: «فناء أمتي بالطعم والطاعون وخزا أعدائكم من الجن. وفي كل شهادة» وقوله: «ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من نخسة الشيطان إلا من ابن مريم وأمه عليهما السلام»... قال الشيخ منصور ناصف رحمه الله: إن الواقع من هذا كثير ومشاهد حتى إن عبد الله بن الإمام أحمد سأل والده ـ كما في آكام المرجان ـ فقال: يا والدي إن قوما يقولون: إن الجني لا يدخل بدن المصروع من الإنس، فقال: يكذبون، هو ذا يتكلم على لسانه! ثم قال الشيخ منصور: من هذا وضع الحق واستبان فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر!. قلت: إقحام الإيمان والكفر هنا لا معنى له، ولعله من غلو بعض المتدينين في إثبات قضايا هامشية.. وأهل الفقه منزهون عن هذا المسلك. إن عالم الفلك لا يعنيه أن تصب مجاري الإسكندرية في الصحراء أو البحر المتوسط، ولا يعنيه أن تمر السفن التجارية من قناة السويس أو تدور حول رأس الرجاء... الذي يعنيني هو عقائد الإسلام وحاضر الوحي الآلهي ومستقبله!.. وعندما تناقلت الصحف أن الشيخ عبد العزيز بن باز أخرج شيطانا بوذيا من أحد الأعراب، وأن هذا الشيطان أسلم، كنت أرقب وجوه القراء، وأشعر في نفوسهم بمدى المسافة بين العلم والدين... إن قدر القرآن الكريم أعظم كثيرا من هذه القضايا.. ونعود الى ما ذكره صديقنا من أدلة على أن الشيطان يسكن جسم الإنسان ويؤثر فيه بما يشاء!. أما الآية الكريمة: «... لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس» فجمهور المفسرين على أن ذلك يوم الجزاء، وسبب هذا التفسير أن أحدا لم ير أكلة الربا مصروعين في الشوارع توشك أن تدوسهم الأقدام!. ومن ثم جعلوا ذلك عندما يلقون الله فيحاسبهم على جشعهم وظلمهم. ونقل الشيخ رشيد عن البيضاوي في هذا التشبيه أنه وارد على ما يزعمون من أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع، والخبط ضرب على غير اتساق كخبط العشواء.. ثم قال صاحب المنار: «فالآية على هذا لا تثبت أن الصرع المعروف يحصل بفعل الشيطان حقيقة ولا تنفي ذلك وفي المسألة خلاف بين المعتزلة وبعض أهل السنة أن يكون للشيطان في الإنسان غير ما يعبر عنه بالوسوسة. وقال بعضهم: إن سبب الصرع مس الشيطان كما هو ظاهر التشبيه وإن لم يكن نصا فيه. وقد ثبت عند أطباء هذا العصر أن الصرع من الأمراض العصبية التي عالج كأمثالها بالعقاقير وغيرها من طرق العلاج الحديثة. وقد يعالج بعضها بالأوهام... الخ.
أما حديث أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فإن القصة التي ورد فيها تشرح المراد منه! قالت صفية ـ زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ كان رسول الله معتكفا. فأتيته أزوره ليلا. فحدثته، ثم قمت الى بيتي. فقام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يمشي معي مودعا ـ وكان مسكنها في دار أسامة ابن زيد، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أسرعا! فقال لهما: على رسلكما ـ أي تمهلا ـ إنها صفية بنت حيي! قالا سبحان الله يا رسول الله! قال: «إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا أو قال شرا..». وظاهر من الحديث ان الرسول يريد منع الوسوسة التي قد يلقيها الشيطان عندما يرى مثل هذا المنظر، ومع أن الصاحبين أنكرا واستعظما أن يجري في نفسهما شيء من ظنون السوء بالنسبة للمعصوم عليه الصلاة والسلام، فإن النبي أراد منع هذه الوسوسة. ولا صلة للحديث باحتلال الشيطان لجسم الإنسان... وأما الحديث الآخر وهو أن الطاعون وخز الجن وهم أعداء البشر يكفينا في شرحه صاحب المنار عندما قال: يرى المتكلمون أن الجن أجسام حية خفيفة لا ترى، وقد قلنا غير مرة: إن الأجسام الحية الخفيفة التي عرفت في هذا العصر بواسطة النظارات المكبرة وتسمى «بالميكروبات» يصح أن تكون نوعا من الجن وقد ثبت أنها علل لأكثر الأمراض، قلنا ذلك في تأويل ما ورد من أن الطاعون من وخزن الجن.. على أننا نحن المسلمين لسنا في حاجة الى النزاع فيما أثبته العلم وقرره الأطباء أو إضافة شيء إليه مما لا دليل في العلم عليه لأجل تصحيح بعض الروايات الآحادية. ونحمد الله على أن القرآن ارفع من أن يعارضه العلم..» ونجيء الى حديث نفس الشيطان للإنسان كما يذكر الرواة.!
ونقول: خيل أي أن الشيطان قابع تحت الرحم يستقبل الوليد القادم وهو شديد الحقد، يقول له: إن قصتي مع أبيك الأول لم تنته بعد. وسأحاول إرهاقك كما أرهقته. ثم ينخسه نخسة يصرخ الوليد الساذج منها. ثم يستقبل بعد ذلك حياته خارج الرحم. وقد اقترب الشعراء من هذا المعنى عندما قال قائلهم: لما تؤذن الدنيا به من صروفها يكون بكاء الطفل ساعة يولد! وقد كانت أم مريم بادية القلق عليها عندما استجارت بالله أن يصونها ويصون ذريتها «وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم»(65) ومريم وابنها على أية حال من عباد الله الصالحين، وليس للشيطان سلطا على أولئك العباد..! وننظر الى الموضوع من خلال أقوال العلماء المحققين، قال صاحب المنار: «في حديث أبي هريرة عند الشيخين وغيرهما واللفظ هنا لمسلم «كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها» فسر البيضاوي المس هنا بالطمع في الإغواء! وقال الأستاذ الإمام: إذا صح الحديث فهو من قبيل التمثيل لا من باب الحقيقة ولعل البيضاوي يرمي الى ذلك..! قال الشيخ رشيد: والحديث صحيح الإسناد بغير خلاف، ويشهد له من وجه حديث شق(66) الصدر وغسل القلب، بعد استخراج حظ الشيطان منه، وهو أظهر في التمثيل، ولعل معناه أنه لم يبق للشيطان نصيب، في قلبه ولا بالوسوسة كما يدل على ذلك على قوله في شيطانه «إلا أن الله أعانني عليه فأسلم» وفي وراية مسلم «فلا يأمر إلا بخير».
ثم قال صاحب المنار رضي الله عنه: المحقق عندنا أن ليس للشيطان سلطان على عباد الله المخلصين وخيرهم الأنبياء، والمرسلون! وأما ما ورد في حديث مريم وعيسى من أن الشيطان لم يمسها وحديث إسلام شيطان النبي ـ صلى الله عليه وسلم وحديث إزالة حظ الشيطان من قلبه فهو من الأخبار الظنية، لأنه من رواية الآحاد، ولما كان موضوعها عالم الغيب، والإيمان بالغيب من قسم العقائد، هي لا يؤخذ فيها بالظن لقوله تعالى: «وإن الظن لا يغني من الحق شيئا»(67) كنا غير مكلفين أن نؤمن بمضمون هذه الأحاديث في عقائدنا. وقال بعضهم: أيؤخذ فيها بأحاديث الآحاد لمن صحت عنده! ومذهب السلف في هذه الأحاديث تفويض العلم بكيفيتها الى الله تعالى... الخ». ومع أن مذهب السلف أحب إلي إلا أن مدافعة أعداء الإسلام تقتضي مزيدا من الحر واليقظة، ولست أحب أن أفتح أبواب الشعوذة والسحر والدجل باسم ان الشيطان احتل بدن إنسان... وقد قبضت الشرطة من أيام على رجل ظل يهوى على أحد المرضى بعصاه حتى أخمده أنفاسه، وكان الأحمق يظن أنه يضرب الشيطان ليخرج، وكان يقول له: أخرج عدو الله! وانتهت المأساة بقتل المريض البائس. وما يرويه صاحب «آكام المرجان في أحكام الجان» أكثره خرافات وخيالات، وإن ذكره ابن حنبل وابن تيمية وغيرهما!. نحن نعلم أن الأرض التي نسكنها هباءة صغيرة في كون ضخم خم يضج بالحياة والأحياء! نعم قد تكون أرضنا حبة رمل على شاطئ الوجود الرحب الذي تختفي أبعاده عن وهمنا!!. ونحن نشعر بسعة الملكوت عندما نتابع مباحث الفلكيين، وقطرات من المعارف التي ترشح عليهم من إدمان النظر في الفضاء.. ونستطيع الحكم بأنه من الحماقة الظن بأننا وحدنا الأحياء في هذا الوجود الكبير!!
إن الذي يبني ناطحة سحاب لا يدع الريح تصفر في جنباتها مكتفيا بإسكان غرفة في سرداب منها.. إن العلم مشحون بالأحياء التي خلقها الله لتدل عليه وتشهد بمجده، ومن غرور البشر أن يحسبوا أنفسهم الحياة كلها. ومع النظر في القرآن الكريم ندرك تلك الحقيقة، يقول الله تعالى: «وله من في السموات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون» ويقول «من آياته خلق السموات والأرض. وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير». والآيات كثيرة، ومنها نعلم أن أبناء آدم نوع من المخلوقات، وليسوا المخلوقات كلها... وهناك الملائكة، ولا نتحدث الآن عن وظائفهم! وقد تكون هناك كائنات أخرى لا ندري شيئا عن سيرتها أو مصيرها، وهناك عالم الجن الذي نومئ هنا الى بعض سماته. إن القرآن الكريم حدثنا عن الشيطان الأكبر إبليس عدو آدم وبنيه! وحدثنا عن الجن مبينا أنهم يأكلون وينسلون ويكلفون وان فيهم المؤمن والكافر والتقى والفاجر. وقد علمنا أن الجن لهم حياتهم الخاصة بهم، وأنهم أشد منا قوة، وأنهم يروننا ولا نراهم! ومع ذلك فإن رجلا من البشر أمكنهم الله من تسخير الجن كسليمان الذي جاء في وصف سلطانه «ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه، ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات... إلخ. وفي هذا السياق كشف القرآن الكريم عن أن الجن لا يعلمون الغيب، وأن هوايتهم في إغواء أبناء آدم لا تتعدى المكر السيء واستدراج المغفلين، ولذلك قال في وصف العصاة من البشر «ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين، وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك..». تدبر هذه الجملة(ما كان له عليهم من سلطان) لتعلم حدود مقدرته على الإيذاء!. هل الجراثيم الخفية من عالم الجن؟
لا يستبعد صاحب المنار هذا! مستشهدا بالحديث في سبب الطاعون، وقد يكون رأيه صحيحا! وقد يكون الجن الواعون الخبثاء أصحاب بصر بعالم الجراثيم وأصحاب قدرة في إصابة البشر بهذه الجراثيم وما تحمل من علل!!. ولعل مطالبة المؤمنين بالتعوذ من الجن في أوقات وأماكن معينة ما يشهد لذلك، فالمسلم مكلف عند الذهاب الى الخلاء أن يقول: «أعوذ بك من الخبث والخبائث»! وعندما يتصل بزوجته أن يقول: «اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا». ولا أحب أن أمضي في طريق غامضة المعالم! ولولا أن أشغل المسلمين بأمور توافه، وبيضتهم مستباحة وحدودهم مجتاحة!!. إن هناك قسسا في الأديرة يزعمون أنهم يسخرون الجن،
وهناك رجال منا يرددون الدعوى نفسها.. والفرصة أمام الخرافيين موجودة ليبيضوا ويفرخوا!! ولا يجوز أن ننسى قول الله لكل مسلم «ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا». إن المسلم الحق يخاصم الأوهام ويصادق اليقين ولا تستفزه ترهات المرضى.. قرأت هذا الحديث ثم استغرقني الفكر عن عطاء بن أبي رباح، قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أجل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء اتت النبي ـ صلى الله عيه وسلم ـ، فقالت إني أصرع وأتكشف فادع الله لي! قال: إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله ان يعافيك! قالت: أصبر، فادع اله لي ألا أتكشف، فدعا لها.. هذه مرأة مصابة بالصرع آثرت أن تموت به ضامنة الجنة كما بشرها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ. وكل ما أحبته ألا يتكشف بدنها في أثناء الغيبوبة التي تنتابها، وقد تكفل لها النبي بذلك.. قلت: لو كان مرضها من شيطان يركبها أكان النبي الكريم يتركها صريعة هذا اللعين؟ ما أظن..!. ماذا يقع لو كان المرأة من أهل هذا العصر؟ ربما عولجت بالصدمات الكهربية لتشفى! ربما قال بعض الناس: يسكنها شيطان، وظلوا يضربونها حتى يخرج الشيطان المزعوم منها، وربما خرجت روحها مع الضرب المبرح... ليس لدي مانع من مناقشة الموضوع كله بفكر معتدل مفتوح! أما الذي أرفضه بقوة فهو إقحام الإيمان واكفر في الموضوع كأن الدين سلوك ماجنين، أو نزوع مجانين!!. الخطأ والصواب هنا في تشخيص مرض،
وقد استبعد ما يصدقه الآخرون دون حرج وأنا أريد حماية أمتنا من الشعوذة، والتمائم، وحروف الجمل، واقام الحروف وحساب الطوالع، وصداقة الأشباح وتسخير الجان.. إلخ. المرض الحقيقي عند قوم يتهمونك بأنك تنكر الجن وعالم الغيب، لأنك ترفض أوهامهم، أولئك بلاء على الإسلام. والناس في عصرنا يعانون من الوحشة والإرهاق، وقد لقيني فتيان وفتيات يشكون من مس الشيطان وكد الأعصاب، وهم بحاجة الى مربين رحماء. وفي أقطار أوربا وأمريكا يقوم الأطباء النفسيون بدور كبير في علاج هذه المآسي بيد أن أغلب هؤلاء الأطباء من مدرسة «فرويد» وهو رجل معتل الفكر طافح الشهوة، ووصايا هذه المدرسة تدور على محاربة الكبت، وإرخاء العنان للنفس!. والكبت الدائم قد يكون سبب بلاء، ولكن الكبت الموقوت دعامة التربية والترقي.. والتفرقة بين الأمرين لا يعرفها عديمو الإيمان تاركو الصلوات، أحلاس الشهوات. وهناك شيء كان أولى بالمتدينين أن يعرفوه ويعرفوا الناس به، ذاك أن شياطين الإنس والجن تنتشر في كل مكان، وتحاول الإيقاع بكل إنسان، والاستعاذة منها واجبة ونافعة!. وقد أمر الله بها نبيه «وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون»(68). وكان رسول الله يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه، ونفخه ونفثه»(69). ومن أدعيته: اللهم إني أعوذ بك من الهرم، وأعوذ بك من الهدم ومن الغرق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت» هذا المسلك أفضل من إشاعة سكنى الشيطان لبدن الإنسان والاحتيال على طرده بشتى الأوهام
=
علاقة الشيطان بالإنسان علاقة العداوة والبغض، وقد أوضح القرآن الكريم أن تلك العداوة من جانب الشيطان لا تتعدى الوساوس ومحاولة خداع الإنسان كي يقع في الأخطاء التي تسلبه إيمانه بالله (عز وجل)، وقد شرح القرآن الكريم عداوة إبليس وذريته لآدم ونبيه والله تعالى يقول: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً)، «سورة الإسراء: الآية 64»، فالجن أو الشيطان لا يملكون الدخول في جسد الإنسان كما يدعي الدجالون والنصابون، ولو كان الشيطان يملك «ركوب» الإنس، كما يزعم هؤلاء لمنع كل المسلمين من الذهاب للمسجد ولمنعهم من أداء فروض الله عز وجل، ولكن الحقيقة أنه لا يملك أكثر من الاحتيال والخداع ويستغل تلك الأمور لتضليل الناس عن السبيل الحق.
ويضيف: «هناك من يرددون دوماً الآية القرآنية التي قال الله عز وجل فيها: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ...)، «سورة البقرة: الآية 275»، والزعم بأن تفسيرها يؤكد أن الجن يدخل أجساد البشر ويستغل تلك الأجساد لممارسة ما يريده من أفعال غريبة ونحن نرد عليهم بأن المفسرين أكدوا أن تفسير تلك الآية يشير إلى تعرض آكلي الربا لهذا الموقف يوم القيامة وليس في الحياة الدنيا وحتى في الحديث الشريف الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم»، المقصود به أن النبي يحذر المسلمين من الاستجابة لوساوس الشيطان، والدليل على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أم المؤمنين صفية قالت كان رسول الله معتكفاً فأتيته أزوره ليلاً فحدثته ثم قمت إلى بيتي، فقام يمشي معي مودعاً فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي أسرعا، فقال لهما: على رسلكما - أي تمهلاً - إنها صفية زوجتي، قالا: سبحان الله يا رسول الله قال: «إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً أو قال شراً»، أي أن الحديث للدلالة على قدرة الشيطان على الوسوسة للإنسان وليس على قدرته على الدخول في جسده». مكاسب ماديةويتابع الجندي: «الحديث عن وجود حالات يدخل فيها الجن جسد الإنسان، إنما هي أمور غير صحيحة على الإطلاق يستغلها الدجالون والنصابون لتحقيق مكاسب مادية على حساب البسطاء والمخدوعين بتلك الخزعبلات،
ولا بد أن نتذكر أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قال في الصحيح: «لكل داء دواء»، وهذا يعني اللجوء إلى أهل الاختصاص من الأطباء وفق المنهج العلمي الذي يقدره الإسلام ويضع العلماء في مرتبة الأنبياء، أما ما نراه في عصرنا هذا من زعم الناس لدخول الجن في جسد الإنسان وتلاوة بعض آيات القرآن والاعتداء على المريض لإخراج الجن من جسده، إنما هو دجل ونصب واحتيال على السذج من البشر، فالقرآن الكريم هو علاج للأخلاق وبناء الإنسان وتوجهاته في الحياة، وما يحدث الآن وسيلة لابتزاز الأموال بطرق غير مشروعة، وكونهم يرفعون كلمة القرآن والعلاج بها فهو قول صدق، ولكن تطبيقه خاطئ لأن العلاج بالقرآن علاج للأنفس وليس للجروح والأمراض كالصرع واستخراج الجن وغيرها، ومثل هذه الظاهرة تحدث عندما يتوارى العلم والعقل والثقافة ودخول الناس في دائرة اليأس والإحباط، وهي مسألة متداخلة بين المعالج والمريض الذي ينساق وراء ظواهر الجهل من قدرة هؤلاء المعالجين على جلب الشفاء». خداع الناس الدكتور صبري عبدالرؤوف أستاذ الفقه بجامعة الأزهر يقول: «إن دخول الجن جسد الإنسان أمر مستحيل، وهي أوهام يعمل على ترسيخها في أذهان الناس المشعوذون بهدف السيطرة على عقول الناس وابتزازهم مادياً، وهكذا تجد في كل عصر وفي كل زمان ومكان من يستطيعون خداع الناس والإدخال في نفوسهم أن الجن «يلبس» جسم الإنسان،
حيث يلبسون الجن كل المشكلات التي يعاني منها الإنسان فمن طلقها زوجها أو هجرها ومن خسر عمله وهلم جرا يخدعهم الدجال بزعم أن الجن هو السبب، وهكذا أصبح الجن هو السبب في الحب والبغض والزواج والطلاق وجلب الخير ودفع الشر ليربح الدجالون من وراء كل هذا أموالاً طائلة، ولكن المؤكد شرعاً أن الجن أو الشيطان لا سلطان له على الإنسان إلا الغواية والإنسان الذي يؤدي شعائر دينه ويؤدي واجباته الدينية، كما ينبغي ويؤمن بالله ورسوله ويدرك أن إرادة الإنسان محررة من كل هذه الخرافات التي يروج لها البعض لا يسيطر عليه أي شيء ومن فضل الله تعالى ورحمته بعباده المؤمنين أنه بشرهم أنهم متى أخلصوا له العبادة والطاعة وأدوا ما كلفهم به بإحسان وخشوع،
فإن الشيطان لا يستطيع أن يؤثر فيهم أو أن يمسهم بسوء وقد اعترف إبليس بذلك في آيات منها قوله تعالي: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ)». ويضيف: للأسف يستند بعض الناس في ادعاءاتهم بالمس إلى الآية الكريمة في سورة البقرة: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ)، «الآية 102»، ولا يتوقفون أمام الآية اللاحقة لها (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)، ومعلوم أن أول الآية (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ)، فهي تتحدث عن زمان مضى في عهد نبي سبق، أما في عهد محمد عليه أفضل الصلاة والسلام فالآية من سورة «فصلت» فيها العلاج كله وهي قوله تعالي: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ)، فاليقين أننا إذا قلنا نعوذ بالله من الشيطان فإن شر الشيطان يذهب كله، ومن هذا المنطلق لا بد أن يعي المسلم الواثق في أمر الله عز وجل وقضائه وقدره أن الشياطين تنتشر في كل مكان وتحاول الإيقاع بكل إنسان والاستعاذة منها واجبة ونافعة وقد أمر الله بها نبيه (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ)، «سورة المؤمنون: الآيتان 97 - 98». وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه»، أي أن تحذير النبي كان من وساوسه، وقد اعتبر الإمام الشافعي من يزعم أنه رأى الجن فاسق لا يجوز الاستماع أو القبول لشهادته في أي أمر لأنه يناقض قول الله تعالى: (... إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ...)، «سورة الأعراف: الآية 27». السر والعلنويضيف:
لو بحثنا بين الناس فلن تجد مسلماً يراعي تعاليم الدين في السر والعلن يصاب بمثل ما يزعم هؤلاء الدجالون بالمس من الجان والقول بأن قراءة القرآن على الممسوس تجعله يتغير لونه ويتحول صوته مردود عليه بأن الثابت أن القرآن الكريم يطرد الشياطين لما له من وقع أليم في قلوبهم، وفي هذا يتساوى شياطين الإنس والجن على حد سواء، ولذلك نجد من العصاة من بني آدم من يتضايق، بل ويتلوّن ويرتعش من شدة الضيق الذي يجده في صدرة عند سماع آيات القران، وذلك لأن الشيطان قد استحوذ عليه والعياذ بالله، ولكن للأسف يتخيل البعض أن هذا الإنسان ممسوس ويتوجهون به لدجال يقرأ عليه ثم يقوم بجرحه بزعم إخراج الجن من جسده، ولكن الحقيقة أن هذا الدجال هو من شياطين الإنس وهو يستغل شياطين الجن للحصول على أموال ضحاياه وقد بين الله جل في علاه أيضاً أن جنود الشيطان قد تكون من الجن والإنس على السواء فقال تعالي: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَي بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً). لا سلطان للجان على بني آدم.. إلا الإغواء بالوساوس أسامة القوصي السيطرة على عقول الناس وابتزازهم مادياً هي الهدف صبري عبدالرؤوف أمور غير صحيحة يستخدمها النصابون لتحقيق أغراضهم خالد الجندي كادر التفسير العلمي يقول الدكتور أسامة القوصي المفكر والداعية الإسلامي المعروف: قد لا يعرف الكثيرون أنني درست في بداية حياتي الطب النفسي وتخصصت فيه وعندما بدأت في القراءة في الفقه وغيره من العلوم الشرعية استوقفني كثيرا موضوع دخول الجن جسد الإنسان وكثيراً ما كانوا يأتون بشخص تحدث له تغيرات في جسده وصوته ويزعمون أن بداخله جناً ، ولكن ومن خلال دراستي الطب النفسي وقراءتي كتب الشريعة أجزم أن دخول الجن في جسد الإنسان مستحيل وأستطيع أن أوضح حقيقة الكثير من الظواهر التي تصاحب جسد الإنسان المريض نفسياً عندما يتخيل المحيطون به أنه «ملبوس» من قبل الجن والحقيقة أن الأطباء اكتشفوا أن هناك نوعين من الهلاوس الأول هو السمعية وهي الهلاوس التي تجعل المريض يسمع ما لا يسمعه المحيطون به أما الهلاوس اللمسية فتجعل المريض يشعر أن شخصاً ما يلامسه وأنه وحده من يشعر بذلك، وهي الهلاوس التي تزول بالعلاج الطبي سواء بالعقاقير أو العلاج النفسي، وقال: أقصى ما يستطيع أن يفعله الشيطان للإنسان هو الوسوسة وغير ذلك إنما هو مجرد خرافات متوارثة.
المس الشيطاني .. حقيقته وعلاجه
=======================
طرق بابي رجل يقول: إنه بحاجة الى عوني، فقمت لاستقباله وأنا متعب، ودهشت لمرآه، فقد كان عملاقا بادي الصحة، ولم تكن عليه سيماء الفقر!..
وبدأني بالحديث من غير مقدمات! قال: إنه مسكون..!! واستعدت ما قاله، فكرر شكواه مؤكدا أنه مسكون! قلت من سكنك؟ قال: جني عات غلبني على أمري..!!
فقت وأنا أضحك: لماذا لم تسكنه أنت؟ إنك رجل طويل عريض؟ فسكت حائرا..
وأخذت أتأمل في ملامحه وحالته العامة ثم قلت: ما أظنك مريضا بالصرع، أتعتريك نوبات ما؟ فلم يزد على القول بأنه مسكون..
إن عددا كبيرا من النساء. وعددا قليلا من الرجال يجيئني بمثل هذه الشكاة، وكنت أبذل شيئا من الجهد في تثبيت القلق، وتسكين الحائر، وإعادة الاستقرار النفسي والفكري الى هذا وذاك..
وشعرت بأن الأزمات الروحية والاضطرابات العصبية من وراء الإدعاء بأن الجن تحتل هذا الجسد. أو تحتك بهذا البائس. وربما استعنت ببعض الرقي والتلاوات والنصائح لجعل أولئك المرضى أحسن حالا، وإن تبيد أوهامهم شيء يطول.
وتحدث معي بعض أهل العلم الديني، وكأنهم رأوا إنكاري على أولئك المرضى، وقالوا: لماذا ترفض فكرة احتلال الشياطين لأجسامهم؟.
كان جوابي محددا: لقد شرح القرآن الكريم عداوة إبليس وذريته لآدم وبنيه، وبين أن هذه العداوة لا تعدو الوساوس والخداع «واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجالك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا»(61).
وليس يملك الشيطان في هذا الهجوم شيئا قاهرا، إنه يملك استغفال المغفلين فحسب: «وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم..»(62).
وقد تكرر هذا المعنى في موضع آخر: «ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين. وما كان له عليهم من سلطان»(63).
إن الشيطان لا يقيم عائقا ماديا أمام ذاهب الى المسجد! ولا يدفع سكرانا في قفاه ليكرع الإثم من إحدى الحانات! إنه يملك الاحتيال والمخادعة، ولا يقدر على أكثر من ذلك..
قال لي أحدهم: هذا صحيح. لكن ما أوردته لا ينفي أن بعض المردة قد يساور بشرا مسلما وينال منه..! قلت: وأنا ضجر: هل العفاريت متخصصة في ركوب المسلمين وحدهم؟ لماذا لم يشك ألماني أو ياباني من احتلال الجن لأجسامهم؟.
إن سمعة الدين ساءت من شيوع هذه الأوهام بين المتدينين وحدهم؟ إنكم تعلمون أن العلم المادي اتسعت دائرته ورست دعائمه، فإذا كان ما وراء المادة سوف يدور في هذا النطاق فمستقبل الإيمان كله في خطر. فلنبحث علل أولئك الشاكين بروية، ولنرح أعصابهم المنهكة، ولا معنى لاتهام الجن بما لم يفعلوا..!!
وجاءني صديق يقول لي: أرى أن تسمع كلام أهل العلم في هذه القضية! قلت مرحبا بكلام أهل العلم، هات ما عندك...
قال: إن مس الشيطان للإنسان ثابت بالكتاب والسنة، فأما الكتاب فقوله تعالى: «الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس..»(64).
وأما السنة فقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم» وقوله: «فناء أمتي بالطعم والطاعون وخزا أعدائكم من الجن. وفي كل شهادة» وقوله: «ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من نخسة الشيطان إلا من ابن مريم وأمه عليهما السلام»...
قال الشيخ منصور ناصف رحمه الله: إن الواقع من هذا كثير ومشاهد حتى إن عبد الله بن الإمام أحمد سأل والده ـ كما في آكام المرجان ـ فقال: يا والدي إن قوما يقولون: إن الجني لا يدخل بدن المصروع من الإنس، فقال: يكذبون، هو ذا يتكلم على لسانه! ثم قال الشيخ منصور: من هذا وضع الحق واستبان فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر!.
قلت: إقحام الإيمان والكفر هنا لا معنى له، ولعله من غلو بعض المتدينين في إثبات قضايا هامشية.. وأهل الفقه منزهون عن هذا المسلك.
إن عالم الفلك لا يعنيه أن تصب مجاري الإسكندرية في الصحراء أو البحر المتوسط، ولا يعنيه أن تمر السفن التجارية من قناة السويس أو تدور حول رأس الرجاء...
الذي يعنيني هو عقائد الإسلام وحاضر الوحي الآلهي ومستقبله!..
وعندما تناقلت الصحف أن الشيخ عبد العزيز بن باز أخرج شيطانا بوذيا من أحد الأعراب، وأن هذا الشيطان أسلم، كنت أرقب وجوه القراء، وأشعر في نفوسهم بمدى المسافة بين العلم والدين... إن قدر القرآن الكريم أعظم كثيرا من هذه القضايا..
ونعود الى ما ذكره صديقنا من أدلة على أن الشيطان يسكن جسم الإنسان ويؤثر فيه بما يشاء!.
أما الآية الكريمة: «... لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس» فجمهور المفسرين على أن ذلك يوم الجزاء، وسبب هذا التفسير أن أحدا لم ير أكلة الربا مصروعين في الشوارع توشك أن تدوسهم الأقدام!.
ومن ثم جعلوا ذلك عندما يلقون الله فيحاسبهم على جشعهم وظلمهم.
ونقل الشيخ رشيد عن البيضاوي في هذا التشبيه أنه وارد على ما يزعمون من أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع، والخبط ضرب على غير اتساق كخبط العشواء..
ثم قال صاحب المنار: «فالآية على هذا لا تثبت أن الصرع المعروف يحصل بفعل الشيطان حقيقة ولا تنفي ذلك وفي المسألة خلاف بي المعتزلة وبعض أهل السنة أن يكون للشيطان في الإنسان غير ما يعبر عنه بالوسوسة. وقال بعضهم: إن سبب الصرع مس الشيطان كما هو ظاهر التشبيه وإن لم يكن نصا فيه. وقد ثبت عند أطباء هذا العصر أن الصرع من الأمراض العصبية التي عالج كأمثالها بالعقاقير وغيرها من طرق العلاج الحديثة. وقد يعالج بعضها بالأوهام... الخ.
أما حديث أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فإن القصة التي ورد فيها تشريح المراد منه! قالت صفية ـ زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ كان رسول الله معتكفا. فأتيته أزوره ليلا. فحدثته، ثم قمت الى بيتي. فقام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يمشي معي مودعا ـ وكان مسكنها في دار أسامة ابن زيد، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أسرعا! فقال لهما: على رسلكما ـ أي تمهلا ـ إنها صفية بنت حيي! قالا سبحان الله يا رسول الله! قال: «إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا أو قال شرا..».
وظاهر من الحديث ان الرسول يريد منع الوسوسة التي قد يلقيها الشيطان عندما يرى مثل هذا المنظر، ومع أن الصاحبين أنكرا واستعظما أن يجري في نفسهما شيء من ظنون السوء بالنسبة للمعصوم عليه الصلاة والسلام، فإن النبي أراد منع هذه الوسوسة.
ولا صلة للحديث باحتلال الشيطان لجسم الإنسان...
وأما الحديث الآخر وهو أن الطاعون وخز الجن وهم أعداء البشر يكفينا في شرحه صاحب المنار عندما قال: يرى المتكلمون أن الجن أجسام حية خفيفة لا ترى، وقد قلنا غير مرة: إن الأجسام الحية الخفيفة التي عرفت في هذا العصر بواسطة النظارات المكبرة وتسمى «بالميكروبات» يصح أن تكون نوعا من الجن وقد ثبت أنها علل لأكثر الأمراض، قلنا ذلك في تأويل ما ورد من أن الطاعون من وخزن الجن.. على أننا نحن المسلمين لسنا في حاجة الى النزاع فيما أثبته العلم وقرره الأطباء أو إضافة شيء إليه مما لا ليل في العلم عليه لأجل تصحيح بعض الروايات الآحادية.
ونحمد الله على أن القرآن ارفع من أن يعارضه العلم..»
ونجيء الى حديث نفس الشيطان للإنسان كما يذكر الرواة.! ونقول:
خيل أي أن الشيطان قابع تحت الرحم يستقبل الوليد القادم وهو شديد الحقد، يقول له: إن قصتي مع أبيك الأول لم تنته بعد. وسأحاول إرهاقك كما أرهقته.
ثم ينخسه نخسة يصرخ الوليد الساذج منها. ثم يستقبل بعد ذلك حياته خارج الرحم.
وقد اقترب الشعراء من هذا المعنى عندما قال قائلهم:
لما تؤذن الدنيا به من صروفها
يكون بكاء الطفل ساعة يولد!
وقد كانت أم مريم بادية القلق عليها عندما استجارت بالله أن يصونها ويصون ذريتها «وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم»(65) ومريم وابنها على أية حال من عباد الله الصالحين، وليس للشيطان سلطا على أولئك العباد..!
وننظر الى الموضوع من خلال أقوال العلماء المحققين، قال صاحب المنار: «في حديث أبي هريرة عند الشيخين وغيرهما واللفظ هنا لمسلم «كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها» فسر البيضاوي المس هنا بالطمع في الإغواء! وقال الأستاذ الإمام: إذا صح الحديث فهو من قبيل التمثيل لا من باب الحقيقة ولعل البيضاوي يرمي الى ذلك..! قال الشيخ رشيد: والحديث صحيح الإسناد بغير خلاف، ويشهد له من وجه حديث شق(66) الصدر وغسل القلب، بعد استخراج حظ الشيطان منه، وهو أظهر في التمثيل، ولعل معناه أنه لم يبق للشيطان نصيب، في قلبه ولا بالوسوسة كما يدل على ذلك على قوله في شيطانه «إلا أن الله أعانني عليه فأسلم» وفي وراية مسلم «فلا يأمر إلا بخير».
ثم قال صاحب المنار رضي الله عنه: المحقق عندنا أن ليس للشيطان سلطان على عباد الله المخلصين وخيرهم الأنبياء، والمرسلون! وأما ما ورد في حديث مريم وعيسى من أن الشيطان لم يمسها وحديث إسلام شيطان النبي ـ صلى الله عليه وسلم وحديث إزالة حظ الشيطان من قلبه فهو من الأخبار الظنية، لأنه من رواية الآحاد، ولما كان موضوعها عالم الغيب، والإيمان بالغيب من قسم العقائد، هي لا يؤخذ فيها بالظن لقوله تعالى: «وإن الظن لا يغني من الحق شيئا»(67) كنا غير مكلفين أن نؤمن بمضمون هذه الأحاديث في عقائدنا.
وقال بعضهم: أيؤخذ فيها بأحاديث الآحاد لمن صحت عنده! ومذهب السلف في هذه الأحاديث تفويض العلم بكيفيتها الى الله تعالى... الخ».
ومع أن مذهب السلف أحب إلي إلا أن مدافعة أعداء الإسلام تقتضي مزيدا من الحر واليقظة، ولست أحب أن أفتح أبواب الشعوذة والسحر والدجل باسم ان الشيطان احتل بدن إنسان...
وقد قبضت الشرطة من أيام على رجل ظل يهوى على أحد المرضى بعصاه حتى أخمده أنفاسه، وكان الأحمق يظن أنه يضرب الشيطان ليخرج، وكان يقول له: أخرج عدو الله! وانتهت المأساة بقتل المريض البائس.
وما يرويه صاحب «آكام المرجان في أحكام الجان» أكثره خرافات وخيالات، وإن ذكره ابن حنبل وابن تيمية وغيرهما!.
نحن نعلم أن الأرض التي نسكنها هباءة صغيرة في كون ضخم خم يضج بالحياة والأحياء! نعم قد تكون أرضنا حبة رمل على شاطئ الوجود الرحب الذي تختفي أبعاده عن وهمنا!!.
ونحن نشعر بسعة الملكوت عندما نتابع مباحث الفلكيين، وقطرات من المعارف التي ترشح عليهم من إدمان النظر في الفضاء..
ونستطيع الحكم بأنه من الحماقة الظن بأننا وحدنا الأحياء في هذا الوجود الكبير!! إن الذي يبني ناطحة سحاب لا يدع الريح تصفر في جنباتها مكتفيا بإسكان غرفة في سرداب منها..
إن العلم مشحون بالأحياء التي خلقها الله لتدل عليه وتشهد بمجده، ومن غرور البشر أن يحسبوا أنفسهم الحياة كلها.
ومع النظر في القرآن الكريم ندرك تلك الحقيقة، يقول الله تعالى: «وله من في السموات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون» ويقول «من آياته خلق السموات والأرض. وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير».
والآيات كثيرة، ومنها نعلم أن أبناء آدم نوع من المخلوقات، وليسوا المخلوقات كلها... وهناك الملائكة، ولا نتحدث الآن عن وظائفهم! وقد تكون هناك كائنات أخرى لا ندري شيئا عن سيرتها أو مصيرها، وهناك عالم الجن الذي نومئ هنا الى بعض سماته.
إن القرآن الكريم حدثنا عن الشيطان الأكبر إبليس عدو آدم وبنيه! وحدثنا عن الجن مبينا أنهم يأكلون وينسلون ويكلفون وان فيهم المؤمن والكافر والتقى والفاجر.
وقد علمنا أن الجن لهم حياتهم الخاصة بهم، وأنهم أشد منا قوة، وأنهم يروننا ولا نراهم! ومع ذلك فإن رجلا من البشر أمكنهم الله من تسخير الجن كسليمان الذي جاء في وصف سلطانه «ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه، ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات... إلخ.
وفي هذا السياق كشف القرآن الكريم عن أن الجن لا يعلمون الغيب، وأن هوايتهم في إغواء أبناء آدم لا تتعدى المكر السيء واستدراج المغفلين، ولذلك قال في وصف العصاة من البشر «ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين، وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك..».
تدبر هذه الجملة(ما كان له عليهم من سلطان) لتعلم حدود مقدرته على الإيذاء!.
هل الجراثيم الخفية من عالم الجن؟ لا يستبعد صاحب المنار هذا! مستشهدا بالحديث في سبب الطاعون، وقد يكون رأيه صحيحا! وقد يكون الجن الواعون الخبثاء أصحاب بصر بعالم الجراثيم وأصحاب قدرة في إصابة البشر بهذه الجراثيم وما تحمل من علل!!.
ولعل مطالبة المؤمنين بالتعوذ من الجن في أوقات وأماكن معينة ما يشهد لذلك،
فالمسلم مكلف عند الذهاب الى الخلاء أن يقول: «أعوذ بك من الخبث والخبائث»! وعندما يتصل بزوجته أن يقول: «اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا».
و
لا أحب أن أمضي في طريق غامضة المعالم! ولولا أن أشغل المسلمين بأمور توافه، وبيضتهم مستباحة وحدودهم مجتاحة!!.
إن هناك قسسا في الأديرة يزعمون أنهم يسخرون الجن، وهناك رجال منا يرددون الدعوى نفسها..
والفرصة أمام الخرافيين موجودة ليبيضوا ويفرخوا!! ولا يجوز أن ننسى قول الله لكل مسلم «ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا».
إن المسلم الحق يخاصم الأوهام ويصادق اليقين ولا تستفزه ترهات المرضى..
قرأت هذا الحديث ثم استغرقني الفكر عن عطاء بن أبي رباح، قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء اتت النبي ـ صلى الله عيه وسلم ـ، فقالت إني أصرع وأتكشف فادع الله لي!
قال: إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله ان يعافيك! قالت: أصبر، فادع الله لي ألا أتكشف، فدعا لها..
هذه مرأة مصابة بالصرع آثرت أن تموت به ضامنة الجنة كما بشرها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
وكل ما أحبته ألا يتكشف بدنها في أثناء الغيبوبة التي تنتابها، وقد تكفل لها النبي بذلك.. قلت: لو كان مرضها من شيطان يركبها أكان النبي الكريم يتركها صريعة هذا اللعين؟ ما أظن..!.
ماذا يقع لو كان المرأة من أهل هذا العصر؟ ربما عولجت بالصدمات الكهربية لتشفى! ربما قال بعض الناس: يسكنها شيطان، وظلوا يضربونها حتى يخرج الشيطان المزعوم منها، وربما خرجت روحها مع الضرب المبرح...
ليس لدي مانع من مناقشة الموضوع كله بفكر معتدل مفتوح! أما الذي أرفضه بقوة فهو إقحام الإيمان واكفر في الموضوع كأن الدين سلوك ماجنين، أو نزوع مجانين!!.
الخطأ والصواب هنا في تشخيص مرض، وقد استبعد ما يصدقه الآخرون دون حرج وأنا أريد حماية أمتنا من الشعوذة، والتمائم، وحروف الجمل، واقام الحروف وحساب الطوالع، وصداقة الأشباح وتسخير الجان.. إلخ.
المرض الحقيقي عند قوم يتهمونك بأنك تنكر الجن وعالم الغيب، لأنك ترفض أوهامهم، أولئك بلاء على الإسلام.
والناس في عصرنا يعانون من الوحشة والإرهاق، وقد لقيني فتيان وفتيات يشكون من مس الشيطان وكد الأعصاب، وهم بحاجة الى مربين رحماء.
وفي أقطار أوربا وأمريكا يقوم الأطباء النفسيون بدور كبير في علاج هذه المآسي بيد أن أغلب هؤلاء الأطباء من مدرسة «فرويد» وهو رجل معتل الفكر طافح الشهوة، ووصايا هذه المدرسة تدور على محاربة الكبت، وإرخاء العنان للنفس!.
والكبت الدائم قد يكون سبب بلاء، ولكن الكبت الموقوت دعامة التربية والترقي.. والتفرقة بين الأمرين لا يعرفها عديمو الإيمان تاركو الصلوات، أحلاس الشهوات.
وهناك شيء كان أولى بالمتدينين أن يعرفوه ويعرفوا الناس به، ذاك أن شياطين الإنس والجن تنتشر في كل مكان، وتحاول الإيقاع بكل إنسان، والاستعاذة منها واجبة ونافعة!.
وقد أمر الله بها نبيه «وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون»(68).
وكان رسول الله يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه، ونفخه ونفثه»(69). ومن أدعيته: اللهم إني أعوذ بك من الهرم، وأعوذ بك من الهدم ومن الغرق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت»
هذا المسلك أفضل من إشاعة سكنى الشيطان لبدن الإنسان والاحتيال على طرده بشتى الأوهام.
---
تغير نبرة صوت المصروع..هل هو دليل على المس؟
شريف السليماني
(فقرة من كتاب "الجن لا يكن الابدان..وهكذا ارى علاقته بالإنسان")"
إن تغير نبرة الصوت الذي يحدث لدى البعض أثناء هذه الحالة (حالة الصرع) من ذكورية إلى انثوية أو العكس أمر ليس مستغربا، فبإمكان الإنسان أن يغير نبرة صوته، ونحن حينما نلعب مع أطفالنا مثلا، نحاول أن نتكلم بنبرة تشبه صوت الاطفال، ونستطيع كذلك أن نحاكي صوت القطط وغيرها من الحيوانت، كما أن الرجل يمكنه أن يحاكي صوة النساء والمرأةَ بإمكانها أن تحاكي صوت الرجال. طبعا، تبقى ملامح الصوت الأصلي بارزة وبإمكان أي إنسان يعرف نبرة صوت الشخص الأصلية أن يجزم بأن الذي يتكلم هو فلان او فلانة رغم محاولة المحاكاة التي يقوم بها الشخص. وانا لا أقول هذا من فراغ وإنما بناء على المشاهدات التي عشتها من خلال ممارستي الرقية. وكثيرا ما سمعت نساء يُضفين على أصواتهن شيئا من الخشونة ليبدو الصوت صوت ذكر، لأنها اقتنعت بأن الجني الذي يسكنها جني ذكر. ولكن مع ذلك تبقى نبرات وصفات صوتها الأصلية هي الغالبة؟ ولو قمنا بقياس نسبة التغير في نبرة الصوت لوجدناها لا تتعدى 20% مثلا (وقد تزيد او تنقص حسب مرونة الحبال الصوتية وحسب قدرة الشخص على المحاكاو) .، لكن الناس الذين ينقلون هذه المشاهدات -ونتيحة لحالة الاستيلاب التي تنتابهم- يبالغون ويصورون المسألة وكأن نبرة صوت الشخص تغيرت 100%.
وسبب هذا التغير يرجع إلى قناعة الشخص المريض أو المصروع بجنس الجني الذي يسكنه (هذا إن كان مقتنعا بالفعل ولم تكن الحالة حالة تمثيل كما سيأتي في لاحق محاور الكتاب)، فإن اقتنعت امرأة بأن جنس الجني الذي يسكمها ذكر حاولت أن تضفي على صوتها نوعا من الخشونة وإن اقتنع رجل بأن جنس الجني الذي يسكنه أنثى حاول أن يضفي على صوته نوع من الأنوثة.
ولـتأكيد ما أقول أطرح السؤال التالي:
لماذا لا يتم تغيير نبرة الصوت إلا من الذكورة إلى الأنوثة أو العكس؟ ولماذا لا يتم تغيير نبرة الصوت من أنثى إلى أنثى أخرى. لأن صوت الجنية الناطقة لا يشبه صوت المرأة "المسكونة" في الأصل؟
ولماذا لا يتم تغيير نبرة الصوت من ذكر إلى ذكر آخر؟ لأن صوت الجني الساكن لا يشبه في أصله صوت الإنسي المسكون؟
بل اقول: إن تغيير نبرة الصوت من ذكروري إلى ذكوري آخر ومن أنثوي إلى أنثوي آخر، أيسر بكثير واقل تعقيدا من تغييره من ذكوري إلى أنثوي أو العكس!
لكم واسع النظر!

الأحد، 14 أبريل 2024

صراع المداخلة الى اين؟!


من بين سخافات المداخلة اعتقادهم أنهم الفرقة الوحيدة الناجية بينما تراهم منقسمين الى فرق في كثير من الدول ففي السعودية حرب بين - ربيع ومحمد المدخلي وفي مصر حرب بين سعيد رسلان وهشام البيلي وفي الجزائر حرب بين - علي فركوس و سنيقرة... وفي العراق صراع بين جماعة العلم وجماعة المداخلة في كوردستان وفي كوردستان حرب بين عبداللطيف وتلاميذه و ... الخ .. من فيهم الفرقة الناجية؟؟؟؟ مع العلم أنهم وتلاميذتهم يطعنون في بعضهم البعض بأسلوبهم المعتاد :صاحب هوى صاحب ضلالة ضال مضل مبتدع صوفي قبوري سروري اخواني خارجي و.......اسماء الحيوانات...و...

رد الشيخ الفوزان على الشيخ الالباني في قوله عن الشيخ محمد بن عبدالوهاب ف...

الجمعة، 12 أبريل 2024

هل صحيح أن شيخ الاسلام أفتى بجواز إخراج زكاة الفطر من النقود بدلا من الحبوب وماموقف الاباني منها !؟

 السؤال


هل صحيح أن شيخ الاسلام (قدس الله روحه) أفتى بجواز إخراج زكاة الفطر من النقود بدلا من الحبوب وكذلك سار على نفس الفتوى الشيخ محمد ناصر الدين الالبانى رحمه الله ؟ أفتونا مأجورين.
الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فمذهب ابن تيمية ـ رحمه الله ـ أن إخراج القيمة في زكاة الفطر وغيرها يجوز للمصلحة الراجحة، قال في مجموع الفتاوى (25/79) : "وأما إذا أعطاه القيمة ففيه نزاع: هل يجوز مطلقاً؟ أو لا يجوز مطلقاً؟ أو يجوز في بعض الصور للحاجة، أو المصلحة الراجحة؟ على ثلاثة أقوال ـ في مذهب أحمد وغيره ـ وهذا القول أعدل الأقوال" يعني القول الأخير.
وقال في موضع آخر (25/82): "وأما إخراج القيمة في الزكاة والكفارة ونحو ذلك، فالمعروف من مذهب مالك والشافعي أنه لا يجوز، وعند أبي حنيفة يجوز، وأحمد ـ رحمه الله ـ قد منع القيمة في مواضع، وجوزها في مواضع، فمن أصحابه من أقر النص، ومنهم من جعلها على روايتين. والأظهر في هذا: أن إخراج القيمة لغير حاجة ولا مصلحة راجحة ممنوع منه... إلى أن قال رحمه الله: "وأما إخراج القيمة للحاجة، أو المصلحة، أو العدل فلا بأس به" أ هـ.
وأما الشيخ الألباني ـ رحمه الله ـ
ﺳﺌﻞ الألباني ﺭﺣﻤﻪ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ : ﻫﻞ ﻳﺠﻮﺯ ﺇﺧﺮﺍﺝ ﻗﻴﻤﺔ ﺻﺪﻗﺔ ﺍﻟﻔﻄﺮ ﺑﺪﻻً ﻣﻦ ﻋﻴﻨﻬﺎ؟
ﻓﺄﺟﺎﺏ : (( ﻫﺬﺍ ﻻﺷﻚَّ ﻳﺠﺎﺏ ﻋﻨﻪ ﺑﺤﺴﺐ ﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﻭﺍﻟﺒﻴﺌﺔ، ﻓﻬﻨﺎﻙ ﺑﻴﺌﺎﺕ ﻣﺘﺄﺛﺮﺓ ﺑﺎﻟﻤﺪﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ؛ ﺍﻟﻨَّﺎﺱ ﻻ ﻳﻄﺤﻨﻮﻥ ﺑﺄﻳﺪﻳﻬﻢ؛ ﻓﺈﺫﺍ ﺃﻋﻄﻰ ﺃﺣﺪ ﺍﻟﻔﻘﺮﺍﺀ ﺍﻟﻤﺘﺼﺪّﻕ ﻗﻤﺤﺎً ﺃﻭ ﺷﻌﻴﺮﺍً ﻓﺈﻧَّﻪ ﻻ ﻳﺤﺘﺎﺟﻪ ﻭﺳﻴﻠﺠﺄ ﺇﻟﻰ ﺑﻴﻌﻪ ﺛﻢ ﺑﻌﺪ ﺫﻟﻚ ﻳﺄﺧﺬ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻭﻳﺸﺘﺮﻱ ﻣﺎ ﻳﺤﺘﺎﺟﻪ ﻣﻦ ﻃﻌﺎﻡ ﻭﺷﺮﺍﺏ ﻳﻮﻡ ﺍﻟﻌﻴﺪ، ﻓﺤﻴﻨﺌﺬ ﻧﻘﻮﻝ : ﺇﺫﺍ ﺗﻤﺴﻜﺖ ﺑﺈﺧﺮﺍﺝ ﺍﻷﻋﻴﺎﻥ ﺍﻟﺘﻲ ﻭﺭﺩ ﺍﻟﻨﺺ ﺑﺰﻛﺎﺓ ﺍﻟﻔﻄﺮ ﻣﻨﻬﺎ : ﻧﻜﻮﻥ ﻗﺪ ﺁﺫﻳﻨﺎ ﺍﻟﻔﻘﻴﺮ ﻭﺳﺒﺒﻨﺎ ﻟﻪ ﺍﻟﻀﺮﺭ ﻣﺮﺗﻴﻦ !! ؛ ﻣﺮَّﺓ ﺣﻴﻦ ﺑﺎﻉ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻧﻮﺍﻉ ﻓﺈﻧَّﻪ ﺳﻴﺨﺴﺮ ﻓﻴﻬﺎ، ﺛﻢ ﺇﺫﺍ ﺃﺭﺍﺩ ﺃﻥ ﻳﺸﺘﺮﻱ ﻣﺮَّﺓ ﺛﺎﻧﻴﺔ ﺷﻴﺌﺎً ﺁﺧﺮ، ﺍﻟﻤﻬﻢ ﻳﺘﺄﺫﻯ .
ﻭﻫﺬﻩ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﺰﻛﺎﺓ ﺍﻟﻔﻄﺮ ﻟﻴﺴﺖ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩﺍﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻻﻳﺪﺭﻯ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﻣﻨﻬﺎ ﻭﻻ ﻳُﻌﺮﻑ ﻭﺟﻪ ﺍﻟﻤﺼﻠﺤﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺭﻣﻰ ﺍﻟﺸﺎﺭﻉ ﺇﻟﻴﻬﺎ؛ ﻓﻨﻘﻮﻝ : ﻫﻜﺬﺍ ﻭﺭﺩ ﺍﻟﺸﺮﻉ ﻓﻠﻴﺲ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﺇﻻ ﺍﻟﺘﺴﻠﻴﻢ ﻛﺴﺎﺋﺮ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩﺍﺕ !! ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻫﻨﺎ ﺃﻣﻮﺭ ﻣﻔﻬﻮﻣﺔ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﻭﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﻓﻼﺷﻚَّ ﺃﻥَّ ﺍﻟﺸﺎﺭﻉ ﺃﺭﺍﺩ ﺑﻬﺎ ﻣﺼﻠﺤﺔ ﺍﻟﻔﻘﻴﺮ؛ ﻭﻣﺼﻠﺤﺔ ﺍﻟﻔﻘﻴﺮ ﻫﻨﺎ ﻓﻲ ﻣﺜﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺒﻴﺌﺎﺕ ﺗﺘﻀﺮﺭ ﺇﺫﺍ ﺗﻤﺴﻜﺖ ﺑﺈﺧﺮﺍﺝ ﺃﻋﻴﺎﻥ، ﺍﻟﺼﻮﺍﺏ : ﻣﺎ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻷﺣﻨﺎﻑ ﻣﻦ ﺟﻮﺍﺯ ﺇﺧﺮﺍﺝ ﺍﻟﻘﻴﻤﺔ ﻓﻲ ﻣﺜﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺒﻴﺌﺔ ))
[ ﺍﻟﺤﺎﻭﻱ ﻣﻦ ﻓﺘﺎﻭﻯ ﺍﻟﺸﻴﺦ ﺍﻷﻟﺒﺎﻧﻲ ﺝ 1 ﺹ 332 ‏]
https://www.facebook.com/adeaesalafya/videos/798123695538626/