السبت، 22 مارس 2025

من أجاز إخراج زكاة الفطر نقداً سوى السادة الأحناف ؟

 من أجاز إخراج زكاة الفطر نقداً سوى السادة الأحناف ؟



هذا بحثنا المطول فيمن أجاز إخراج زكاة الفطر نقداً سوى السادة الأحناف
( ملاحظة : أجيز لمن أحب الأخذ منه أو نسخه أو الاجتزاء منه ...حتى لو لم يُشر لجامعه )
من قال بجواز إخراج زكاة الفطر نقداً من العلماء
(المنشور الأول)
* نصوص في جواز إخراج (زكاة الفطر) نقوداً :
(مجموعة من التابعين )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من كتاب: ( الأموال) لابن زنجويه
و( ابن زنجويه) هو حُميد بن مخلد بن قتيبة الأزدي ( وُلد 180هـ وتوفي 251هـ)..
وهو من علماء الحديث الثقات ....وثّقه النسائي وابن حبان والذهبي وغيرهم
أورد في كتابه ( الأموال) باباً تحت عنوان: ( بَابٌ: الرُّخْصَةُ فِي إِخْرَاجِ الدَّرَاهِمِ بِالْقِيمَةِ)(3/ 1267) ، وسردُ فيه ما أورده مسنداً من فتاوى السلف الصالح ...وهو قريب العهد بهم...وأنا أنقل ما سرده مع تعليق بسيط على كل نص :
2452 - أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ قال :أنبأنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قال: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قال:حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: "أَخَذَتِ الْأَئِمَّةُ فِي الدِّيوَانِ زَكَاةَ الْفِطْرِ فِي أُعْطِيَاتِهِمْ"
تعليق : ابن شهاب هو المشهور بـ( ابن شهاب الزهري) واسمه : محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري القرشي ...وهو من أئمة التابعين ...وُلد سنة 58هـ ...وتوفي سنة 124هـ
وهو في هذا النص يتحدّث عن الولاة والحكام بأنه كان من عادتهم في زمانه استقطاع قيمة زكاة الفطر من أعطيات الناس ....وهذا في زمن الدولة الأموية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2453 - أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ قال: حدثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَوْفٍ قَالَ:
قُرِئَ عَلَيْنَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي صَدَقَةِ رَمَضَانَ:
«وَاجْعَلْ عَلَى أَهْلِ الدِّيوَانِ نِصْفَ دِرْهَمٍ مِنْ كُلِّ إِنْسَانٍ، يُؤْخَذُ مِنْ أُعْطِيَاتِهِمْ»
تعليق : وهذا كتاب الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز ( خلافته كانت من 99هـ إلى 101هـ) إلى مسؤولي ديوان المال ...لتحديد المبلغ المخصوم قبل توزيع الأعطيات ...وهذا المبلغ ( نصف درهم) يُخصم من أجل ( صدقة رمضان) ، والمقصود: زكاة فطر رمضان.....وعمر لم يكن خليفةً فقط ...بل درس الفقه في المدينة وكان في شبابه والياً على المدينة المنورة ....وكان مستشاروه كلهم من الفقهاء العلماء .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2454 - أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ قال: أنبأنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قال: حدثَنَا يُوسُفُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ:
"إِذَا أَعْطَى الدِّرْهَمَ مِنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ أَجْزَأَ عَنْهُ"
قَالَ سُفْيَانُ: إِذَا أَعْطَى قِيمَةَ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ أَجْزَأَ عَنْهُ
تعليق :
وهنا نصٌّ في مذهب الحسن البصري سيد التابعين وفقيههم ( توفي سنة 120هـ) ...فهو يرى أن دفع الدراهم مجزئ في زكاة الفطر ......وكذلك كانت فتوى الفقيه سفيان الثوري (توفي سنة 161هـ) في جواز إخراج القيمة بدل القوت ....وقد وردت فتوى الحسن البصري أيضاً في مصنف ابن أبي شيبة (2/ 398) :
(10370 - حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: " لَا بَأْسَ أَنْ تُعْطِيَ الدَّرَاهِمَ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ" ) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2455 - حدثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرُّومِيُّ، قال: أنبأنا زُهَيْرٌ أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ قَالَ: «كَانُوا يُعْطُونَ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ بِحِسَابِ مَا يُقَوَّمُ مِنَ الْوَرِقِ»
تعليق : أبو إسحاق الهمداني هو : عمرو بن عبد الله السبيعي ...من فقهاء التابعين ...توفي سنة 129 هـ ....وهو هنا قد أخبر عن زمانه ( أيام التابعين) وأنهم كانوا يدفعون زكاة الفطر فضةً بقيمة الصاع من القوت المقرّر شرعاً ...وقد وردت رواية أبي إسحاق في مصنف ابن أبي شيبة (2/ 398) أيضاً :
(10371 - حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ زُهَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ، يَقُولُ: «أَدْرَكْتُهُمْ وَهُمْ يُعْطُونَ فِي صَدَقَةِ رَمَضَانَ الدَّرَاهِمَ بِقِيمَةِ الطَّعَامِ») .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2456 -أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ مَالِكٍ وَسُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَكُونُ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ طَعَامٌ، أَيُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرَ دَرَاهِمَ؟
قَالَ: لَا وَاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: وَيَكُونُ أَحَدٌ بِمَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ طَعَامٌ، فَأَيُّ شَيْءٍ يَأْكُلُ؟ فَقِيلَ: إِنَّهُ يُقِيمُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ الشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ، قَالَ: إِذَا رَجَعَ أَخْرَجَ ذَلِكَ طَعَامًا، وَلَا يُعْطِي غَيْرَ الطَّعَامِ
2457 - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَالَ حُمَيْدٌ: الْقِيمَةُ تُجْزِي فِي الطَّعَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَالطَّعَامُ أَفْضَلُ
تعليق : هنا ينقل ابن زنجويه رأي الإمام مالك في منع دفع القيمة والدراهم ....ثم يختم ابن زنجويه الباب باجتهاده في الأمر : القيمة تجزئ في الطعام إن شاء الله ...فهو مذهبه إذن أيضاً رحمه الله
فهذه جملة من الأقوال للسلف الصالح : الحسن البصري وعمر بن عبدالعزيز وأبي إسحاق السبيعي الهمداني وابن شهاب الزهري ...والله الموفق
#زكاة_الفطر_نقوداً
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
المنشور الثاني
* نصوص في جواز إخراج (زكاة الفطر) نقوداً :
( عمل الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الخليفة عمر بن عبدالعزيز الأموي ...العادل الزاهد الفقيه
تولّى الخلافة لمدة 30 شهراً تقريباً ..وتوفي رحمه الله سنة 101 هـ .
في عهده ...كان يأخذ زكاة الفطر من الناس نقوداً ....بل وكان يقتطع مقدار زكاة الفطر من رواتب الجند والناس !
وأرسل تعميماً لولاته بمقدار زكاة الفطر من النقود في عهده ....
يُخبرنا ابنُ عون عن كتاب عمر لواليه على البصرة ( عدي بن أرطأة الفزاري ...( حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ:
سَمِعْتُ كِتَابَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يُقْرَأُ إِلَى عَدِيٍّ بِالْبَصْرَةِ «يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ مِنْ أَعْطِيَّاتِهِمْ، عَنْ كُلِّ إِنْسَانٍ نِصْفُ دِرْهَمٍ» )مصنف ابن أبي شيبة (2/ 398) حديث 10368
ويحدّنا الفقيه قُرّة بن خالد عن كتاب عمر :
( حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ قُرَّةَ بن خالد قَالَ:
جَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ «نِصْفُ صَاعٍ عَنْ كُلِّ إِنْسَانٍ أَوْ قِيمَتُهُ نِصْفُ دِرْهَمٍ»)مصنف ابن أبي شيبة (2/ 398) حديث 10369
وجاء في كتاب الأموال :
أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ قال: حدثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ، قال: حدثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ: يُؤْخَذُ مِنْ عَطَاءِ كُلِّ رَجُلٍ نِصْفُ دِرْهَمٍ زَكَاةَ الْفِطْرِ "
قَالَ يَزِيدُ: فَهُمْ حَتَّى الْآنَ يَأْخُذُونَهُمْ بِهِ) الأموال لابن زنجويه (3/ 1267)حديث2451 -
قلتُ: وقوله : (فهم حتى الآن يأخذونهم به) يعني: أن العمل استمرّ بذلك سنين بعد عهد عمر بن عبدالعزيز رحمه الله.
وجاء أيضاً:
(حدثنا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَوْفٍ قَالَ:
قُرِئَ عَلَيْنَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي صَدَقَةِ رَمَضَانَ: «وَاجْعَلْ عَلَى أَهْلِ الدِّيوَانِ نِصْفَ دِرْهَمٍ مِنْ كُلِّ إِنْسَانٍ، يُؤْخَذُ مِنْ أُعْطِيَاتِهِمْ» ) الأموال لابن زنجويه (3/ 1268) حديث2453
وعن معمر قال : كتب عمر بن عبد العزيز :
" على كل اثنين درهم ؛ يعني زكاة الفطر " ، قال معمر : هذا على حساب ما يعطى من الكيل .
رواه عبد الرزاق في المصنف (3/ 316 برقم 5778).وهو أثر صحيح
وهذه الآثار أسانيدها حسنة ومرضية ...وقد أثبت الفقهاء فتوى عمر بن عبدالعزيز في أداء القيمة في زكاة الفطر .
قال ابن حزم في المحلى (6/ 130-131) :
" وصح عن عمر بن عبد العزيز إيجاب نصف صاع من بر على الإنسان في صدقة الفطر، أو قيمته على أهل الديوان نصف درهم ، من طريق وكيع عن قرة بن خالد قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلينا بذلك ، وصح أيضاً عن طاووس ، ومجاهد ، وسعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، وأبى سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف ، وسعيد بن جبير ، وهو قول الأوزاعي ، والليث ، وسفيان الثوري" .
#زكاة_الفطر_نقوداً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( المنشور الثالث)
* نصوص في جواز إخراج (زكاة الفطر) نقوداً :
( من الشافعية)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ فخر الإسلام القاضي عبدالواحد بن إسماعيل الروياني الطبري:
المولود في 415هـ والمتوفى في 502 هـ ...الشهير بـ( الروياني) ....وبـ(صاحب البحر) ـ والبحر:كتابٌ ضخمٌ له في الفقه الشافعي ـ ....وهو من (أصحاب الوجوه ) في المذهب...وكان يُلقّب بـ ( الشافعي الصغير) ...وقال عن نفسه: لو احترقت كتب الشافعي لأمليتُها من حفظي!)
قال الإمام ابن كثير الشافعي عنه في كتابه ( طبقات الشافعيين) (1 / 525 :
" ومن غرائب اختياراته : جواز صرف زكاة الفطر إلى فقيرٍ واحد ، وإخراجُ القيمة عنها كمذهب أبي حنيفة" .
2ـ شهاب الدين أحمد بن حمزة الأنصاري الرملي الشافعي
(المتوفى: 957هـ)....الشهير بـ( الشهاب الرملي) ...وهو من فقهاء الشافعية ....وله كتابٌ بالفتاوى ...جمعه ابنه شمس الدين محمد مؤلف نهاية المحتاج (المتوفى 1004هـ)....
ففي باب ( زكاة الفطر :
قال ابنه شمس الدين الرملي :
(سُئِلَ) عَنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ الْوَاجبَةِ ........وَهَلْ إذَا لَمْ يَجِدْ الْمَرْءُ قَمْحًا فَقَلَّدَ مَذْهَبَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ النُّعْمَانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَخْرَجَ دَرَاهِمَ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ ؟
ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخَالِفَ مَذْهَبَهُ فِي الْعِبَادَاتِ أَوْ لَا؟
فَأَجَابَ:
" وأما المسألة فَيَجُوزُ فِيهَا لِلْمَرْءِ الْمَذْكُورِ تَقْلِيدُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي إخْرَاجِ بَدَلِ الزَّكَاةِ دَرَاهِمَ ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُقَلِّدَهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ" .
فتاوى الشهاب الرملي ( 2 / 55)
#زكاة_الفطر_نقوداً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المنشور الرابع
* نصوص في جواز إخراج (زكاة الفطر) نقوداً :
(المالكية)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ الإمام مالك رحمه الله
رُوي هذا في كتب الفقهاء المالكية كقولٍ ثانٍ منسوبٍ للإمام مالك وبعضِ أصحابه ...
يقول الإمام ابن عبد البر الأندلسي(المتوفى 463هـ) في كتابه : (الكافي في فقه أهل المدينة ـ 1 / 323) ، باب صدقة الفطر :
(ولا يجزأ فيها ولا في تغيرها من الزكاة القيمة عند أهل المدينة وهو الصحيح عن مالك وأكثر أصحابه، وقد (رُوي عنه ) وعن طائفة من أصحابه أنه (تجزأ القيمة) عمن أخرجها في زكاة الفطر قياساً على جواز فعل الساعي إذا أخذ عن السنِّ غيرها أو بدل العين منها على ما تقدم في آخر الباب قبل هذا ، والأول هو المشهور في مذهب مالك وأهل المدينة.)
إذن فهناك رواية عن مالكٍ بالإجزاء ....
2 ـ ابن القاسم
وابن القاسم من أجلّ فقهاء المالكية ....وهو أبو عبد الله عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي بالولاء ....تفقه على الإمام مالك رضي الله عنه ونظرائه، وصحب مالكاً عشرين سنة، وانتفع به أصحاب مالك بعد موت مالك، وهو صاحب " المدونة " في مذهبهم ، توفي 194 هـ .
يقول الفقيه ابن رشد (أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي المتوفى: 520هـ) في كتابه [البيان والتحصيل: 2/486] في: باب دفع القيمة في زكاة الفطر :
(وسئل ـ أي مالك ـ عن الرجل لا يكون عنده قمح يوم الفطر، فيريد أن يدفع ثمنه إلى المساكين يشترونه لأنفسهم، ويرى أن ذلك أعجل؛ قال: لا يفعل ذلك، وليس كذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن رواية عيسى قال (ابن القاسم): ولو فعل لم أر به بأساً.
قال محمد بن رشد: رواية عيسى هذه عن ابن القاسم خلافُ رواية أبي زيد عنه بعد هذا، وقد قيل: إنها ليس بمخالفة لها، وإنما خفف ذلك) .
ونلاحظ تفسير ابن رشد لاختلاف الروايات عن ابن القاسم بأن ذلك من باب التخفيف ...أي: إنه في البداية كان يفتي بعدم جواز دفع القيمة ، لكنه لاحقاً خفّف في فتواه بناءً على معطيات تتعلق بمصلحة الفقير أو مدى الحاجة أو تخفيفاً للناس
وقد أثبتَ هذه الرواية عن ابن القاسم الفقيهُ المواق المالكي (وهو محمد بن يوسف بن أبي القاسم بن يوسف العبدري الغرناطي، أبو عبد الله المواق المالكي المتوفى: 897هـ) حيث قال في كتابه : التاج والإكليل لمختصر خليل ( 3 / 258):
(قَالَ مَالِكٌ: لَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَدْفَعَ فِي الْفِطْرَةِ ثَمَنًا.
وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنْ فَعَلَ أَجْزَأَهُ.)
3ـ ابن عرفة المالكي
وهو محمد بن محمد ابن عرفة الورغمي، أبو عبد الله( ولد 716هـ وتوفي 803هـ).... إمام تونس وعالمها وخطيبها في عصره. مولده ووفاته فيها..... تولى إمامة الجامع الكبير فيها وخطابته ، ومن مؤلفاته المطبوعة في الفقه المالكي ( المختصر الكبير) و(الحدود)
قال البرزلي من فقهاء المالكية في ( فتاوي البرزلي 1 / 582 :
"كان شيخنا الفقيه الإمام - رحمه الله - ( يقصد شيخه ابن عرفة المالكي)..يفتي لأهل البلاد إذا أخذها منهم العمال أول الشهر قيمة أنها تجزي ، فخالف في الأمرين جميعاً ؛ للضرورة إلى ذلك" .
أي: إن ابن عرفة خالف المُفتَى به في مسألة تقديم صدقة الفطر من أول شهر رمضان ، وإخراجها نقداً للضرورة ، لحاجة العمال لذلك .
وأكّد ذلك الفقيه الآخر المالكي ( الونشريسي التلمساني) المتوفى 914هـ ...ونقلها من غير أن ينكرها في كتابه : المعيار ( 1 / 373)
#زكاة_الفطر_نقوداً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المنشور الخامس
* نصوص في جواز إخراج (زكاة الفطر) نقوداً :
( الحنابلة)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ الإمام أحمد رحمه الله :
المشهور المنصوص عليه أن الإمام أحمد لا يجيز إخراج النقود في زكاة الفطر ....
(قال أبو داود : قيل لأحمد : وان أعطى دراهم ـ يعني في صدقة الفطر ـ قال: أخاف أن لا يجزيه خلافُ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . الشرح الكبير لأبن قدامة(2/524)
ويمكن ملاحظة عبارة الإمام أحمد ...حين قال : ( أخافُ أن لا يجزيه.....)!
كأنها تشعر بعدم جزمه بالبطلان ...
لكن الشيخ الفقيه الحنبلي علي بن سليمان المرداوي ( توفي سنة 885 هـ) ذكر في كتابه : الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (3/ 182) ما نصّه :
( تَنْبِيهٌ:
دَخَلَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ قَوْلُهُ " وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُ ذَلِكَ " الْقِيمَةُ ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ( أي: عن إمام المذهب أحمد ) رِوَايَةٌ مُخَرَّجَةٌ : يُجْزِئُ إخْرَاجُهَا ) .
فنسب المرداويُّ روايةً مخرجةً في المذهب الحنبلي للإمام أحمد أنه يجزئه القيمة بدل القوت .
2 ـ ابن تيمية :
يقول ابن تيمية ( أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام ، توفي سنة 728هـ) :
(وَأَمَّا إذَا أَعْطَاهُ الْقِيمَةَ فَفِيهِ نِزَاعٌ: هَلْ يَجُوزُ مُطْلَقًا؟ أَوْ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا؟ أَوْ يَجُوزُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ لِلْحَاجَةِ أَوْ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ - فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ وَهَذَا الْقَوْلُ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ.) مجموع الفتاوى (25/ 79).
وهو هنا يرجّح جواز إعطاء القيمة للحاجة أو المصلحة الراجحة .
ويقول في موضعٍ آخر :
(وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَمَّنْ أَخْرَجَ الْقِيمَةَ فِي الزَّكَاةِ؛ فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَكُونُ أَنْفَعَ لِلْفَقِيرِ: هَلْ هُوَ جَائِزٌ؟ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
وَأَمَّا إخْرَاجُ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَالْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ وَأَحْمَد - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَدْ مَنَعَ الْقِيمَةَ فِي مَوَاضِعَ وَجَوَّزَهَا فِي مَوَاضِعَ فَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ أَقَرَّ النَّصَّ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَالْأَظْهَرُ فِي هَذَا: أَنَّ إخْرَاجَ الْقِيمَةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا مَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ مَمْنُوعٌ مِنْهُ وَلِهَذَا قَدَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُبْرَانَ بِشَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا وَلَمْ يَعْدِلْ إلَى الْقِيمَةِ وَلِأَنَّهُ مَتَى جَوَّزَ إخْرَاجَ الْقِيمَةِ مُطْلَقًا فَقَدْ يَعْدِلُ الْمَالِكُ إلَى أَنْوَاعٍ رَدِيئَةٍ وَقَدْ يَقَعُ فِي التَّقْوِيمِ ضَرَرٌ وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ مَبْنَاهَا عَلَى الْمُوَاسَاةِ وَهَذَا مُعْتَبَرٌ فِي قَدْرِ الْمَالِ وَجِنْسِهِ وَأَمَّا إخْرَاجُ الْقِيمَةِ لِلْحَاجَةِ أَوْ الْمَصْلَحَةِ أَوْ الْعَدْلِ فَلَا بَأْسَ بِهِ)
ثم يقول متابعاً في نفس السياق بعد بضع كلمات:
(وَمِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَحِقُّونَ لِلزَّكَاةِ طَلَبُوا مِنْهُ إعْطَاءَ الْقِيمَةِ لِكَوْنِهَا أَنْفَعَ فَيُعْطِيهِمْ إيَّاهَا أَوْ يَرَى السَّاعِي أَنَّ أَخْذَهَا أَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ) .مجموع الفتاوى (25/ 83).
وهو هنا يعيد ذكر ضابط ( المصلحة الراجحة) و( الحاجة) .
وقد شكك البعض بأن ابن تيمية يقصد زكاة الفطر هنا ....
لكن البرهان ابن القيم ذكر في كتابه : ((اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية)) ص 138 : ((وأنه يجوز إخراج القيمة في زكاة المال وزكاة الفطر إذا كان أنفع للمساكين )
وهو نص واضح في بيان اجتهاد ابن تيمية في زكاة الفطر وقيمتها .
وله كلام كالقاعدة العامة لديه ...يقول فيه :
"ولا يتعيّن على صاحب المال الإخراج من عين المال، لا في هذه الصورة ولا في غيرها، بل من كان معه ذهب أو فضة أو عرض تجارة، أو له حب أو ثمر يجب فيه العشر، أو ماشية تجب فيها الزكاة، وأخرج مقدار الواجب المنصوص من غير ذلك المال أجزأه ..."مجموع الفتاوى 25/56
#زكاة_الفطر_نقوداً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المنشور السادس
* نصوص في جواز إخراج (زكاة الفطر) نقوداً :
الإمام المحدّث (يحيى بن معين)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
الإمام (يحيى بن معين) ....المتوفى سنة 233هـ ....وهو أحد أئمة الجرح والتعديل ....وأحد الخبراء في علل رواية الحديث النبوي ....
ورد في ( تاريخ ابن معين) رواية الدوري عنه (3 / 476) :
( قال يحيى في زكاة الفطر: لا بأس أن يعطي فضةً)
ثم قال أيضاً في ( 3 / 563) :
(سَمِعت يحيى يَقُول: لَيْسَ بِهِ بَأْس أَن يُعْطي زَكَاة رَمَضَان فضَّة)
وزكاة رمضان هي: صدقة الفطر...كما هو عادة بعض الفقهاء في التعبير عنها
وقد أثبتها عنه ( إجازته إخراج الفضة عن زكاة الفطر) أيضاً:
الحافظ المزي في تهذيب الكمال ( 31 / 561)
والحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء ( 9 / 136)
والحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب ( 11 / 287)
#زكاة_الفطر_نقوداً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المنشور السابع
* نصوص في جواز إخراج (زكاة الفطر) نقوداً :
( أمير المؤمنين في الحديث سفيان الثوري )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أبو عبدالله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري التميمي.....ولد سنة 97هـ وتوفي سنة 161هـ
أطلق عليه علماء الحديث كشُعْبة وابن معين وابن عيينة لقبَ : ( أمير المؤمنين في الحديث) ...لعلمه وفقهه واجتهاده .
من أهم تلاميذه : أبو حنيفة وعبدالله بن المبارك والأوزاعي ....
وكان مجتهداً صاحبَ مذهب مستقل .....وله تلايذ وأتباع ....لكن مذهبه اندثر مع مستهل القرن السادس الهجري .
فمن أشهر من كان على مذهب الثوري: إمام الصوفية ببغداد ( الجنيد بن محمد القواريري ...الشهير بالجنيد البغدادي رحمه الله توفي سنة 297هـ)
وقال أبو المظفر السمعاني( توفي 489هـ) في كتابه " الأنساب " ( مادة : السفياني ) :
(السفياني: بضم السين المهملة، وسكون الفاء، بعدها الياء المنقوطة باثنتين من تحتها، وفي أخرها النون. هذه النسبة لجماعة على مذهب سفيان الثوري، وهم عدد كثير لا يحصون، وإلى الساعة أهل الدِّينور أكثرهم على مذهبه). اهـ .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثبت عنه أنه كان يفتي بجواز إخراج زكاة الفطر دراهم ونقوداً ...
ـ ذكر المحدّث ابن زنجويه ( واسمه: حميد بن مخلد الأزدي توفي سنة 251هـ وهو من علماء الحديث ) في كتابه ( الأموال) (3/ 1268):
(2454 - أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ قال: أنبأنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قال: حدثَنَا يُوسُفُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: «إِذَا أَعْطَى الدِّرْهَمَ مِنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ أَجْزَأَ عَنْهُ»
قَالَ سُفْيَانُ: إِذَا أَعْطَى قِيمَةَ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ أَجْزَأَ عَنْهُ )
وسفيان هنا هو سفيان الثوري ....وهو هنا يجيز دفع قيمة نصف صاع من الحنطة في الفطر ...وتجزئه .
ـ ذكر الفقيه ابن المنذر ( محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري ...توفي سنة 318هـ) في كتابه (الإشراف على مذاهب العلماء) (3/ 80):
( باب إخراج قيمة المكيلة بدلاً منها:
1068 - واختلفوا في إخراج قيمة صدقة الفطر بدلاً منها.
فكان الثوري، وأصحاب الرأي، يجيزون ذلك، وروى معنى قولهم عن عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري.......وفي قول مالك، والشافعي: لا يجوز البدل منه....)
فأثبت ابن المنذر مذهب الثوري في جواز إخراج قيمة زكاة الفطر بدلاً من القوت ..وجاء تعبير ابن المنذر هنا بـ( المكيلة) أي: ما يُكال ....والكَيْل: وزن معروف مستخدم .
ـ جاء في( موسوعة فقه سفيان الثوري) لأستاذنا الدكتور الموسوعي محمد رواس قلعجي رحمه الله تعالى( توفي عام 2014م):
(لا يشترط إخراج التمر أو الشعير أو البر في زكاة الفطر بل لو أخرج قيمتها مما هو أنفع للفقير جاز لأن المقصد منها إغناء الفقراء عن المسألة وسد حاجتهم في هذا اليوم ) (ص 473)
#زكاة_الفطر_نقوداً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المنشور الثامن
* نصوص في جواز إخراج (زكاة الفطر) نقوداً :
( الإمام البخاري صاحب الصحيح)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
الإمام ( أبو عبدالله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي ) المشهور بـ( الإمام البخاري) نسبةً لمولده في مدينة ( بُخارى = تقع اليوم في دولة أوزبكستان) .
ولد سنة 194هـ وتوفي 256هـ ....وهو عند علماء السنة: صاحبُ أضبطِ كتابٍ في رواية الحديث النبوي صحةً .
وهو صاحبُ مذهبٍ فقهي اجتهادي مستقل ...قد بلغ رتبة الاجتهاد
يقول الحافظ الذهبي:
( كان إماماً حافظاً حجةً رأساً في الفقه والحديث ، مجتهداً من أفراد العالَم) ( الكاشف للذهبي2/156)
يقول الدكتور نور الدين عتر ـ حفظه الله ـ:
( والأمثلة التي ضمَّها بحثُنا عن فقهه ....يدلُّ على أنه مجتهد بلغ رتبة المجتهدين ، وليس مقلداً لمذهب كما يدعي بعض أتباع المذاهب) (الترمذي والموازنة بين جامعه والصحيحين للعتر 1/391) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وكان للبخاري طريقةٌ في وضع فقهه واختياراته الاجتهادية عبر وضع عناوين وتراجم للأحاديث التي يذكرها ...فَيَفهمُ العلماء من عنوان الباب (فقهَ البخاري واختياره).
في كتاب الزكاة من صحيح البخاري أورد البخاري ما يلي:
(بَابُ العَرْضِ فِي الزَّكَاةِ
وَقَالَ طَاوُسٌ: قَالَ مُعَاذٌ رَضِيَ الله عَنْهُ لِأَهْلِ اليَمَنِ:
«ائْتُونِي بِعَرْضٍ ثِيَابٍ خَمِيصٍ - أَوْ لَبِيسٍ - فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ وَخَيْرٌ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ» وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَأَمَّا خَالِدٌ فَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ» فَلَمْ يَسْتَثْنِ صَدَقَةَ الفَرْضِ مِنْ غَيْرِهَا، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي خُرْصَهَا وَسِخَابَهَا، وَلَمْ يَخُصَّ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ مِنَ العُرُوضِ "
1448 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ، أَنَّ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ لَهُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ وَيُعْطِيهِ المُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا، وَعِنْدَهُ ابْنُ لَبُونٍ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ» .) ا.هـ
__________
شرح المفردات: و(العَرْضُ) : هو كل شيء ما عدا النقود ، و(خميص) ثوب ذو خطوط. و(لبيس) ملبوس أو كل ما يلبس. و(احتبس) وَقَفَ. (أدراعه) جمع دِرْع وهو ما يلبس للحرب. (أعتده) جمع عتد وهو ما يعده الرجل من الدواب والسلاح وغير ذلك للحرب. (حليكن) جمع حلي وهو ما تتخذه المرأة للزينة من سوار وخاتم وغيره. (خرصها) الحلقة التي تعلق في الأذن. (سخابها) قلادتها.
(كتب له التي أمر الله رسوله) بين له - كتابة - فريضة زكاة الحيوان التي أمر الله تعالى بها رسوله صلى الله عليه وسلم. (صدقته) زكاته. (بنت مخاض) الأنثى من الإبل التي تمَّ لها سنة. (بنت لبون) التي تم لها سنتان. (المصدق) العامل الذي يجمع الزكاة. (على وجهها) الوجه الذي فرضه الله تعالى في الزكاة بلا تعد]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقول الحافظ ابن حجر في شرحه لصحيح البخاري المُسمى ( فتح الباري) 3/ 312 :
(قَوْلُهُ بَابُ الْعَرْضِ فِي الزَّكَاةِ)
أَيْ: جَوَازُ أَخْذِ الْعَرْضِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ وَالْمُرَادُ بِهِ مَا عَدَا النَّقْدَيْنِ . قَالَ ابن رَشِيدٍ( السبتي توفي 721هـ): وَافَقَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْحَنَفِيَّةَ مَعَ كَثْرَةِ مُخَالَفَتِهِ لَهُمْ لَكِنْ قَادَهُ إِلَى ذَلِكَ الدَّلِيلُ )
ثم يقول ابن حجر بعد ذلك : (إِلَّا أَنَّ إِيرَادَهُ لَهُ فِي مَعْرِضِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ يَقْتَضِي قُوَّتَهُ عِنْدَهُ وَكَأَنَّهُ عَضَّدَهُ عِنْدَهُ الْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الْبَابِ) .
فابن رشيد البستي وابن حجر يؤكدان أن جواز إخراج القيمة أوالعرض بدل العين المتعينة في الزكاة هو مذهب البخاري واختياره ....ويوافق الأحناف في هذه النقطة ....بل ويستدل بعمل الصحابي الجليل أعلم الناس بالحلال والحرام ( معاذ بن جبل) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الشيخ المالكي ( محمد مولود بن أحمد اليعقوبي الشنقيطي ـ توفي 1323هـ) في منظومته في الفقه المالكي:( كفاف المبتدي ) ، في معرض الحديث عن زكاة الفطر وإخراج القيمة بدل القوت:
وقيمةُ الزكاة عنها تكفي ...... لدى الإمام الحنفي والجُعْفي
وهو الذي به يقول أشهبُ ....... ومثله للعتقيّ ينسبُ
و(الحنفي) :نسبة لأبي حنيفة ، و(الجُعْفي) :هو البخاري صاحب الصحيح فقد كان جده من موالي أمير بخارى محمد الجُعفي ـ جعفة قبيلة يمانية ـ، و( أشهب) من كبار علماء المالكية وله قولٌ بجواز إخراج زكاة الفطر دراهم ، و(العتقي) : هو ابن القاسم المالكي ...وينسب له قولٌ بجواز إخراج زكاة الفطر نقداً .
#زكاة_الفطر_نقوداً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المنشور التاسع
* نصوص في جواز إخراج (زكاة الفطر) نقوداً :
( المحدث الفقيه إسحاق بن راهويه والفقيه أبو ثور)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( فقهاء أجازوا القيمة في زكاة الفطر للضرورة)
ذكر إمام ابن المنذر (أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري المتوفى سنة 319هـ) في كتابه : (الإشراف على مذاهب العلماء ) (3/ 80) تحت باب : (باب إخراج قيمة المكيلة بدلاً منها) يقول :
(واختلفوا في إخراج قيمة صدقة الفطر بدلاً منها.
فكان الثوري، وأصحاب الرأي، يجيزون ذلك، وروى معنى قولهم عن عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري.
وفي قول مالك، والشافعي: لا يجوز البدل منه.
وقال إسحاق، وأبو ثور: لا يجوز ذلك إلا عند الضرورة.) ا.هـ
فأما (أبو ثور) فهو: إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي البغدادي ....وهو فقيهٌ من بغداد .....صاحبُ مذهب مستقل ومن أصحاب الإمام الشافعي، ونقل الأقوال القديمة عنه،. ..توفي في سنة 246هـ ببغداد .
وأما (إسحاق ) فهو إسحاق بن راهويه الحنظلي التميمي ..(ولد سنة 161 هـ- وتوفي سنة 238 هـ ) ....من أئمة الحديث والاستنباط.
#زكاة_الفطر_نقوداً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المنشور العاشر
* نصوص في جواز إخراج (زكاة الفطر) نقوداً :
يجوز إخراج زكاة الفطر وباقي أنواع الزكوات نقداً عند الشافعي وأصحاب عند الضرورة !!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنقل نصَّ محرّرِ المذهب وأحد شيوخه الإمام النووي ( يحيى بن شرف الحزامي النووي 631هـ - 676هـ ) في كتابه : المجموع شرح المهذب (5/ 431) ...حيث يقول:
(
* (فَرْعٌ)
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا إخْرَاجُ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ
قَالَ أَصْحَابُنَا :
هَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ (أي: مذهب الشافعية جواز إخراج القيمة في مختلف أنواع الزكاة ومنها زكاة الفطر عند الضرورة)
وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ فِي مَسْأَلَةِ اجْتِمَاعِ الْحِقَاقِ وَبَنَاتِ اللَّبُونِ فِي مِائَتَيْنِ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُمْ قَالُوا: يُعْدَلُ فِي الزَّكَاةِ إلَى غَيْرِ الْجِنْسِ الْوَاجِبِ لِلضَّرُورَةِ كَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَاةٌ فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ فَفَقَدَ الشَّاةَ وَلَمْ يُمْكِنْهُ تَحْصِيلُهَا فَإِنَّهُ (يُخْرِجُ قِيمَتَهَا دَرَاهِمَ وَيُجْزِئُهُ) كَمَنْ لَزِمَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ فَلَمْ يَجِدْهَا وَلَا ابْنَ لَبُونٍ لَا في ماله ولا بالثمن فإنه يعدل إلى الْقِيمَةِ .
وَسَبَقَ هُنَاكَ أَنَّهُ إذَا وَجَبَ أَخْذُ الْأَغْبَطِ وَأَخَذَ السَّاعِي غَيْرَهُ وَأَوْجَبْنَا التَّفَاوُتَ ( يَجُوزُ إخْرَاجُهُ دَرَاهِمَ إنْ لَمْ يُمْكِنْ تَحْصِيلُ شِقْصٍ بِه )ِ وَكَذَا إنْ أَمْكَنَ عَلَى الْأَصَحِّ وَذَكَرْنَا هُنَاكَ نَظَائِرَهُ وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي بَابِ النِّيَّةِ فِي الزَّكَاةِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فِي التَّفَاوُتِ عِنْدَ إمْكَانِ الشِّقْصِ ....
* قَالَ( إمام الحرمين الجويني): وَلَوْ لَزِمَهُ شَاةٌ عَنْ أَرْبَعِينَ ثُمَّ تَلِفَ الْمَالُ كُلُّهُ بَعْدَ إمْكَانِ الْأَدَاءِ وَعَسُرَ تَحْصِيلُ شَاةٍ (وَمَسَّتْ حَاجَةُ الْمَسَاكِين)ِ فَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّهُ (يُخْرِجُ الْقِيمَةَ لِلضَّرُورَةِ وَلَا سَبِيلَ إلَى تأخيز حَقِّ الْمَسَاكِين) .....) .
يقول الإمام النووي:
(* وَمِنْ مَوَاضِعِ الضَّرُورَةِ الَّتِي تُجْزِئُ فِيهَا الْقِيمَةُ :
ـ مَا إذَا (أَلْزَمَهُمْ السُّلْطَانُ بِالْقِيمَةِ وَأَخَذَهَا مِنْهُمْ فَإِنَّهَا تُجْزِئُهُم) ......وهكذا قَطَعَ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِإِجْزَاءِ القيمة التي أخذها الساعي ونقله أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ كَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ وَصَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُمْ فِي بَابِ الْخُلْطَةِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْأُمِّ ، قَالُوا : نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ (أَنَّهُ تُجْزِئُهُ الْقِيمَةُ) وَأَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى خَلِيطِهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْقِيمَةِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ (حُكْمٌ مِنْ السَّاعِي فِيمَا يَسُوغُ فيه الاجتهاد فوجب إمضاؤه ) .
قالوا وهذا هُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالُوا:
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: لَا تُجْزِئُهُ الْقِيمَةُ الَّتِي يَأْخُذُهَا السَّاعِي وَلَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى خَلِيطِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ الْوَاجِبِ .
يقول النووي: وَهَذَا الْوَجْهُ غَلَطٌ ظَاهِرٌ مُخَالِفٌ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلِلْأَصْحَابِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تعالي وللدليل وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ) ا.هـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعليق من أبي عبدالله محمد سالم :
ـ زكاة الفطر عند أصل مذهب الشافعية لا يُجزئ فيها إخراج القيمة بدل الصاع المنصوص.
ـ أجاز الأصحاب ( أصحاب الوجوه في المذهب) إخراج القيمة في الزكاة عند ( الضرورة ) .
ـ جمع الإمام النووي بعضَ صور الضرورة في كتابه ( المجموع شرح المهذب) :
1ـ من وجب عليه نوع من الشياه ( في زكاة الإبل أو الشياه أو البقر) ...ففقده ولم يجده ...فيجوز العدول للقيمة ( ما يماثل قيمةَ الواجب دراهم )
2 ـ إذا وجب النوع الأعلى من الشياه ...فأخذ الساعي النوع الأدنى ...فيمكن تعويض الفارق بالقيمة ( دراهم) .
3 ـ إذا ألزمَ السلطانُ الناسَ بإخراج القيمة بدل الأعيان ....فيجوز دفع القيمة للساعي (الموكّل بجمع الزكاة من طرف السلطان) ..وتجزئ المُؤدّي .
قلتُ: والنص الذي أشار له النووي نقلاً عن مراجع الفقه الشافهي منسوباً للإمام الشافعي وجدتُه في كتاب الأم باب صدقة الخلطاء (2/15) حيث قال الشافعي رحمه الله :
( كَذَلِكَ لَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِمَا شَاةٌ فَأَخَذَ بِقِيمَتِهَا دَرَاهِمَ، أَوْ دَنَانِيرَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ إلَّا بِقِيمَةِ نِصْفِ الشَّاةِ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِمَا )
وجبت عليهما: أي الشريكين ، فأخذ : الساعي الجامع للزكاة ...لأن كلام الشافعي كان في سياق أخذ الساعي لصدقة الخلطاء / لم يرجع عليه: أي لم يرجع أحد الشركاء الذي دفع القيمة دراهم أو دنانير على شريكه إلا بنصف قيمة الشاة المدفوعة .
وهناك ملاحظة مهمة جداً:
وهي طريقة فهم العلماء للخلافات المذهبية ....لأن الأصحاب حين أيّدوا فتوى الإمام الشافعي بقبول أخذ الساعي للقيمة في الزكوات وإجزائها قالوا : ( لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ مِنْ السَّاعِي فِيمَا يَسُوغُ فيه الاجتهاد فوجب إمضاؤه ) .
فلاحظ أيها القارئ حسنَ تعليلهم : (فيما يسوغ فيه الاجتهاد ) ....فأين المتفيقهون في زماننا من هذا الفهم والأدب ؟!
#زكاة_الفطر_نقوداً
وكتبه أبو عبدالله محمد عبدالله سالم في الكويت المحروسة في أصله 15/6/2017 ...وأعاد ترتيبه في 6/6/2018 في مبدإ ليلة الثاني والعشرين من رمضان المعظم 1439هـ.
في أبريل 18, 2022 

الاثنين، 17 مارس 2025

سُئل الشيخ بن عثيمين في لقاء الباب المفتوح رقم الشريط (س211): ما حكم المشاركة في الانتخابات ؟

 سُئل الشيخ بن عثيمين في لقاء الباب المفتوح رقم الشريط (س211): ما حكم المشاركة في الانتخابات ؟

فأجاب الشيخ رحمه الله تعالى:
((أنا أرى أنَّ الانتخابات واجبة, يجب أن نعين من نرى أنَّ فيه خيراً, لأنه إذا تقاعس أهل الخير من يحل محلهم؟ أهل الشر, أو الناس السلبيون الذين ليس عندهم لا خير ولا شر؛ أتباع كل ناعق، فلا بد أن نختار من نراه صالحاً.
فإذا قال قائل: اخترنا واحداً لكن أغلب المجلس على خلاف ذلك؟
نقول: لا بأس, هذا الواحد إذا جعل الله فيه بركة وألقى كلمة الحق في هذا المجلس سيكون لها تأثير ولابد, لكن ينقصنا الصدق مع الله, نعتمد على الأمور المادية الحسية ولا ننظر إلى كلمة الله عز وجل,
ماذا تقول في موسى عليه السلام عندما طلب منه فرعون موعداً ليأتي بالسحرة كلهم, واعده موسى ضحى يوم الزينة -يوم الزينة هو: يوم العيد؛ لأنَّ الناس يتزينون يوم العيد- في رابعة النهار وليس في الليل, في مكان مستوٍ, فاجتمع العالم، فقال لهم موسى عليه الصلاة والسلام: "وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى" كلمة واحدة صارت قنبلة, قال الله عز وجل: "فَتَنَازَعُوا أمرهُمْ بَيْنَهُمْ" الفاء دالة على الترتيب والتعقيب والسببية, من وقت ما قال الكلمة هذه تنازعوا أمرهم بينهم, وإذا تنازع الناس فهو فشل, كما قال الله عز وجل: "وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا"؛ "فَتَنَازَعُوا أمرهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى", والنتيجة أنَّ هؤلاء السحرة الذين جاءوا ليضادوا موسى صاروا معه, ألقوا سجداً لله, وأعلنوا: "آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى", وفرعون إمامهم, أثرت كلمة الحق من واحد أمام أمة عظيمة زعيمها أعتى حاكم.
فأقول: حتى لو فرض أنَّ مجلس البرلمان ليس فيه إلا عدد قليل من أهل الحق، والصواب سينفعون, لكن عليهم أن يصدقوا الله عز وجل.
أما القول: إنَّ البرلمان لا يجوز، ولا مشاركة الفاسقين, ولا الجلوس معهم؟
هل نقول: نجلس لنوافقهم؟!
نجلس معهم لنبين لهم الصواب.
بعض الإخوان من أهل العلم قالوا: لا تجوز المشاركة, لأنَّ هذا الرجل المستقيم يجلس إلى الرجل المنحرف!, هل هذا الرجل المستقيم جلس لينحرف أم ليقيم المعوج؟!
نعم؛ ليقيم المعوج ويعدل منه, إذا لم ينجح هذه المرة نجح في المرة الثانية))
*
- فتوى للشيخ بن عثيمين حول حكم المشاركة في الانتخابات ؟مسجلة على اليوتيوب

الأحد، 16 مارس 2025

رسالة إلى المتشددين في حكم اللحية: حكم حلق اللحية والأخذ منها :

رسالة إلى المتشددين في حكم اللحية:


حكم حلق اللحية والأخذ منها :
قال ابن عبد البر في الاستذكار 4/317: ( وفي أخذ بن عمر من آخر لحيته في الحج دليل على جواز الأخذ من اللحية في غير الحج لأنه لو كان غير جائز ما جاز في الحج لأنهم أمروا أن يحلقوا أو يقصروا إذا حلوا محل حجهم ما نهوا عنه في حجهم, وابن عمر روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعفوا اللحى وهو أعلم بمعنى ما روى فكان المعنى عنده وعند جمهور العلماء الأخذ من اللحية ما تطاير والله أعلم ...
وعن مالك : أنه بلغه أن سالم بن عبد الله كان إذا أراد أن يحرم دعا بالجلمين فقص شاربه وأخذ من لحيته قبل أن يركب وقبل أن يهل محرما
قال أبو عمر : هذا أحسن لأنه معلوم أن الشعر يطول ويسمح ويثقل فتأهب لذلك, وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وطائفة من أصحابه في الطيب قبل الإحرام ما يدفع عنهم ريح عرق أبدانهم هذا واضح والقول فيه تكلف لوضوحه, وفيه أنه جائز أن يأخذ الرجل من لحيته وذلك إن شاء الله كما قال مالك يؤخذ ما تطاير منها وطال وقبح)اه
وفي الاستذكار أيضا 8/429 :(قال أبو عمر : روى أصبغ عن بن القاسم قال سمعت مالكا يقول: لا بأس أن يأخذ ما تطاير من اللحية وشذ, وقال : فقيل لمالك : فإذا طالت جدا فإن من اللحى ما تطول قال : أرى أن يؤخذ منها وتقصر...
قال أبو عمر : قد صح عن ابن عمر ما ذكرناه عنه في الأخذ من اللحية وهو الذي روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى وهو أعلم بما روى ) اه
وقال في التمهيد 24/145 : (اختلف أهل العلم في الأخذ من اللحية : فكره ذلك قوم وأجازه آخرون, وأخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد قال حدثنا أبي قال حدثنا محمد بن فطيس قال حدثنا يحيى بن إبراهيم قال حدثنا أصبغ عن ابن القاسم قال سمعت مالكا يقول : لا بأس أن يؤخذ ما تطايل من اللحية وشذ قال فقيل لمالك : فإذا طالت جدا فإن من اللحى ما تطول قال : أرى أن يؤخذ منها وتقصر... قال أبو عمر : هذا ابن عمر روى اعفوا اللحى وفهم المعنى فكان يفعل ما وصفنا, وقال به جماعة من العلماء في الحج وغير الحج ) اه
وفي المنتقى شرح الموطأ 7/165 : (فصل) : وقوله صلى الله عليه وآله وسلم أعفوا اللحى قال : أبو عبيد معناه وفروا اللحى لتكثر يقال منه عفا بنو فلان إذا كثروا . وقال القاضي أبو الوليد رضي الله عنه: ويحتمل عندي أن يريد أن تعفى اللحى من الإحفاء ; لأن كثرتها أيضا ليس بمأمور بتركه) اه
وفي شرح الزرقاني على الموطأ 4/426 : (روى الترمذي وقال غريب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها بالسوية
أي ليقرب من التدوير من كل جانب لأن الاعتدال محبوب والطول المفرط قد يشوه الخلق ويطلق ألسنة المغتابين ففعل ذلك مندوب ما لم ينته إلى تقصيص اللحية وجعلها طاقات فيكره أو يقصد الزينة والتحسين لنحو النساء
فلا منافاة بين فعله وأمره لأنه في الأخذ منها لغير حاجة أو لنحو تزيين وفعله فيما احتيج إليه لتشعث أو إفراط طول يتأذى به, وقال الطيبي : المنهي عنه قصها كالأعاجم أو وصلها كذنب الحمام وقال الحافظ : المنهي عنه الاستئصال أو ما قاربه بخلاف الأخذ المذكور ) اه
وفي الثمر الداني 1/683 : (قال مالك ولا بأس بالأخذ) بمعنى يستحب الأخذ (من طولها إذا طالت كثيرا ) والمعروف لا حد للأخذ منها إلا أنه لا يتركها لنحو الشهرة ( و ) ما قاله مالك ( قاله ) قبله ( غير واحد ) أي أكثر من واحد ( من الصحابة والتابعين ) رضي الله عنهم أجمعين ) اه
وفي الفواكه الدواني 2/306 : ( ولا بأس بحلق غيرها أي غير العانة من شعر الجسد كشعر اليدين والرجلين ونحوهما من بقية شعر الجسد حتى شعر حلقة الدبر إلا الرأس واللحية فإن حلقهما بدعة محرمة في اللحية وغير محرمة في الرأس لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يحلق رأسه إلا في التحلل من الحج والظاهر من لا بأس الإباحة ) اه
وفي الفواكه الدواني أيضا 2/307 : (والمتبادر من قوله (وأمر) الوجوب وهو كذلك إذ يحرم حلقها إذا كانت لرجل وأما قصها فإن لم تكن طالت فكذلك, وأما لو طالت كثيرا فأشار إلى حكمه بقوله: قال مالك رضي الله عنه: ولا بأس بالأخذ من طولها إذا طالت طولا كثيرا بحيث خرجت عن معتاد غالب الناس فيقص الزائد لأن بقاءه يقبح به المنظر
وحكم الأخذ الندب فلا بأس هنا لما هو خير من غيره, والمعروف لا حد للمأخوذ وينبغي الاقتصار على ما تحسن به الهيئة, وقال الباجي: يقص ما زاد على القبضة ويدل عليه فعل ابن عمر وأبي هريرة فإنهما كانا يأخذان من لحيتهما ما زاد على القبضة والمراد بطولها طول شعرها فيشمل جوانبها فلا بأس بالأخذ منها أيضا...)اه
وفي الفواكه الدواني أيضا 2/308 : (تنبيهان :
الأول : ظاهر كلام المصنف أنه لا يجوز إلا أخذ الزائد على المعتاد فيفهم منه أنه لا يجوز حلق ما تحت الحنك وهو كذلك فقد نقل عن مالك كراهته حتى قال إنه من فعل المجوس ونقل عن بعض الشيوخ أن حلقه من الزينة فتكون إزالته من الفطرة
وأقول: يمكن الجمع بحمل كلام الإمام على ما يلزم على بقائه تضرر الشخص ولا تشويه خلقته وكلام غيره على ما يلزم على بقائه قبح منظر صاحبه أو تضرره به وقد روي أن عليه الصلاة والسلام كان يأخذ من عرض لحيته وطولها وكان يأمر أن يؤخذ من باطن اللحية وأما شعر الخد فالذي اختاره ابن عرفة جواز إزالته ... وأما شعر العنفقة فيحرم إزالته كحرمة إزالة شعر اللحية وقيدنا ذلك بالرجل لما مر من أن المرأة يجب عليها إزالة ما عدا شعر رأسها
الثاني : لم يتكلم المصنف على نتف الشيب من اللحية وقال مالك حين سئل عنه : لا أعلمه حراما وتركه أحب إلي أي إزالته مكروهة على الصواب كما يكره تخفيف اللحية والشارب بالموسى تحسينا وتزيينا وإن قصد بذلك التلبيس على النساء كان أشد في النهي ) اه
وفي كفاية الطالب الرباني 2/580: ( وأمر النبي ) صلى الله عليه وآله وسلم في الموطأ ( أن تعفى ) أي توفر ( اللحية ) وقوله ( وتوفر ولا تقص ) تأكيد وقوله ( قال مالك ) رحمه الله ( ولا بأس بالأخذ ) بمعنى يستحب الأخذ ( من طولها إذا طالت كثيرا ) والمعروف لا حد للأخذ منها إلا أنه لا يتركها لنحو الشهرة ( و ) ما قاله مالك ( قاله ) قبله ( غير واحد ) أي أكثر من واحد ( من الصحابة والتابعين ) رضي الله عنهم أجمعين ) اه
وفي حاشية العدوي عليه 2/580 : (من طولها ) وكذا يندب الأخذ من عوارضها كما قال ابن ناجي, قوله ( إذا طالت كثيرا ) أي لا إن لم تطل أو طالت قليلا وفسر بعض الشراح الكثرة بأن خرجت عن المعتاد لغالب الناس أي فيندب له أن يقص الزائد لأن بقاءه يقبح به المنظر
فإن قلت : وما حكم القص عند عدم الطول أو الطول القليل قلت : صرح بعض الشراح بأنه يحرم القص إن لم تكن طالت كالحلق والظاهر أن محل الحرمة كما أفدناك سابقا إذا كان يحصل بالقص مثلة وهو ظاهر عند عدم الطول أو الطول القليل وتجاوز في القص وأما إذا طالت قليلا وكان القص لا يحصل به مثلة فالظاهر أنه خلاف الأولى وحرر
قوله ( والمعروف لا حد للأخذ منها ) أي أنها إذا طالت كثيرا وقلنا لا بأس بالأخذ منها فاختلف على قولين, المعروف منهما أنه لا حد للأخذ أي فيقتصر على ما تحسن به الهيئة ومقابل المعروف ما قاله الباجي أنه يقص ما زاد على القبضة ويدل له ما روي أن ابن عمر وأبا هريرة كانا يأخذان من اللحية ما زاد على القبضة إلا أنك خبير بأن هذا المقابل لا يقضي بأن محل الخلاف إذا طالت كثيرا كما هو مفاد شارحنا فتدبر...
واختار ابن عرفة جواز إزالة شعر الخد وندب قص شعر الأنف لا نتفه لأن بقاءه أمان من الجذام ونتفه يورث الأكلة ويحرم إزالة شعر العنفقة كما يحرم إزالة شعر اللحية وإزالة الشيب مكروهة كما يكره تخفيف اللحية والشارب بالموسى تحسينا وتزيينا ) اه
وفي مواهب الجليل1/217 : (وحلق اللحية لا يجوز وكذلك الشارب وهو مثلة وبدعة!! ويؤدب من حلق لحيته أو شاربه إلا أن يريد الإحرام بالحج ويخشى طول شاربه
قال ابن يونس في جامعه: قال مالك فيمن أحفى شاربه يوجع ضربا وهو بدعة!! وإنما الإحفاء المذكور في الحج إذا أراد أن يحرم فأحفى شاربه خشية أن يطول في زمن الإحرام ويؤذيه وقد رخص له فيه وكذلك إذا دعت ضرورة إلى حلقه أو حلق اللحية لمداواة ما تحتها من جرح أو دمل أو نحو ذلك والله تعالى أعلم ) اه
وقال القرطبي في المفهم في شرح صحيح مسلم 1/512: ( لا يجوز حلق اللحية ، ولا قصها ، ولا قص الكثير منها، فأما أخذ ما تطاير منها من المشوه ويدعو إلى الشهرة طولاً وعرضاً فحسن عند مالك وغيره من السلف)اه

الخميس، 13 مارس 2025

حكم دفع القيمة في الزكاة الفطر ؟!

 


#دفع_القيمة_في_الزكاة #الأول
هذا المبحث يتألف من عدة نقاط سأتكلم عن النقطة الأولى
#أولا: إخراج الزكاة من الجنس:
خرّج أبو داود عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن فقال: ( خذ الحب من الحب والشاة من الغنم والبعير من الإبل والبقر من البقر )". 
إخراج  القيمة في زكاة الفطر
قبل كل شيء ينبغي أن يعلم أن مسألة إخراج قيمة زكاة الفطر مختلف فيه بين الفقهاء، وذهب الأحناف إلى جواز إخراج القيمة على حسب نفعه للفقراء، فإن كان الفقير ينفعه القيمة كما في الغالب في زمننا يعطى القيمة، وإن كان الطعام فيعطى الطعام
أليس أجمع العلماء على جواز الخلاف في الفروع من الفقه؟ وهذا منه.
قال الحنفية تفريعاً على مبدئهم أن الواجب في الزكاة جزء من النصاب إما صورة ومعنى أو معنى فقط: يجوز دفع القيمة في الزكاة، وكذا في العشر والخراج وزكاة الفطر والنذر والكفارة غير الإعتاق، وتعتبر القيمة يوم الوجوب عند الإمام أبي حنيفة، وعند الصاحبين: يوم الأداء، وفي السوائم يوم الأداء بالاتفاق بينهم، ويقوم الواجب في البلد الذي فيه المال، فإن كان في مفازة ففي أقرب الأمصار إليه.
ورد في كتاب البناية شرح الهداية: ويجوز دفع القيمة في الزكاة عندنا، وهو قول عمر وابنه وابن مسعود وابن عباس ومعاذ وطاووس رضي الله عنهم، وقال الثوري: يجوز إخراج العروض في الزكاة إذا كانت بقيمتها، وهو مذهب البخاري وإحدى الروايتين عند أحمد، ولو أعطى عرضاً عن ذهب أو فضة، وقال أشهب يجزئه، قال الطرطوشي : وهذا قول بين في جواز إخراج القيم في الزكاة، قال: وأجمع أصحابنا على أنه لو أعطى فضة عن ذهب أجزأه، وكذلك إذا أعطى ذهباً عن فضة عند مالك، وقال سحنون : لا يجزئه، وهو وجه عند الشافعية، واختار ابن حبيب  دفع القيمة إذا رآه أحسن للمساكين. 
ودليلهم أن الواجب أداء الجزء من النصاب من حيث إنه مال، ولأن في ذلك تيسيراً على المزكي، وتوفيراً لحرية الفقير في التصرف بالمال بحسب الحاجة. 
وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( رأى في إبل الصدقة ناقة كوماء، فغضب على المصدِّق – العامل -، وقال: ألم أنهكم عن أخذ كرائم أموال الناس؟ فقال: أخذتها ببعيرين من إبل الصدقة )، وفي رواية: ( ارتجعتها، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ) 
وقال الجمهور: لا يجزئ إخراج القيمة في شيء من الزكاة، لأن الحق لله تعالى، وقد علقه على ما نص عليه، فلا يجوز نقل ذلك إلى غيره، كالأضحية لما علقها على الأنعام لم يجز نقلها إلى غيرها، وبما أن الزكاة قربة لله تعالى، فلا سبيل إلى ذلك إلا اتباع أمر الله تعالى، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( في أربعين شاة شاة، وفي مائتي درهم خمسة دراهم )، وهو وارد بياناً لمجمل قوله تعالى { وآتوا الزكاة } البقرة ٢٧٧. فتكون الشاة المذكورة هي الزكاة المأمور بها، والأمر يقتضي الوجوب، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: ( خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقر من البقر ) 
وهو نص يجب التزامه، ولا يتجاوز عنه إلى القيمة، لأنه يكون أخذاً من غير المأمور به في الحديث، ولأن مخرج القيمة قد عدل عن المنصوص، فلم يجزئه، كما لو أخرج الرديء مكان الجيد، وهذا كله يدل على أن الزكاة واجبة في العين. 
ومع أن مذهبي شافعي، لكنني أميل مع من رجح رأي الحنفية، لأن المقصود من الزكاة إغناء الفقير وسد حاجة المحتاج، وهذا يتحقق بأداء القيمة، كما يحصل بأداء جزء من عين المال المزكى، ولأن الفقير يرغب الآن في القيمة أكثر من رغبته في أعيان الأموال، ولأن إعطاء القيمة أهون على الناس وأيسر في الحساب. 
أما من حيث الدليل فلكل له دليل ووجهة وفهم للنصوص، ونرى أن  بعض العلماء يحجر الخلاف على رأيه، ليس في هذه المسألة فقط، بل في كل المسائل الفقهية.
#دفع_القيمة_في_الزكاة #الثاني
#بعض_الأدلة
هذه بعض الأدلة على جواز دفع القيمة:
رَوَى الشيخان عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعَاً مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعَاً مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعَاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعَاً مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعَاً مِنْ زَبِيبٍ.
وفي رواية { كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من طعام ، أو صاعا من تمر ، أو صاعا من شعير ، أو صاعا من زبيب ، أو صاعا من أقط ، فلم نزل كذلك حتى قدم علينا معاوية المدينة ، فقال : إني لأرى مدين من سمراء الشام يعدل صاعا من تمر ، فأخذ الناس بذلك ; قال أبو سعيد : فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه } . رواه الجماعة ، لكن البخاري لم يذكر فيه قال : أبو سعيد فلا أزال . . . إلخ ، . وابن ماجه لم يذكر لفظة أو شيئا منه . وللنسائي عن أبي سعيد قال : ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعا من طعام أو صاعا من شعير ، أو صاعا من تمر ، أو صاعا من أقط ) وهو حجة في أن الأقط أصل .
( عن ابن عمر قال : { فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحر ، والذكر والأنثى ، والصغير والكبير من المسلمين } . رواه الجماعة . ولأحمد والبخاري وأبي داود وكان ابن عمر يعطي التمر إلا عاما واحدا أعوز التمر فأعطى الشعير . وللبخاري وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين ) .
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم الحكمة من صدقة الفطر بقوله: ( أَغْنُوهُمْ فِي هَذَا اليَوْمِ )
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم النوع وذكر الغاية، وهي إغناء الفقير، وقد يكون الفقير محتاجاً إلى غير الحنطة، وفي هذا عون للفقير وسد لحاجته.
روى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ تُعْطِيَ الدَّرَاهِمَ فِي صَدَقَةِ الفِطْرِ.
وروى كَذَلِكَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ زُهَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يَقُولُ: أَدْرَكْتُهُمْ وَهُمْ يُعْطُونَ فِي صَدَقَةِ رَمَضَانَ الدَّرَاهِمَ بِقِيمَةِ الطَّعَامِ.
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ:
فَيَجُوزُ إِخْرَاجُ القِيمَةِ في زَكَاةِ الفِطْرِ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الإِمَامُ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في صَحِيحِهِ، وَعَقَدَ في كِتَابِ الزَّكَاةِ تَرْجَمَةً بِعُنْوَانِ (بَابُ العَرْضِ في الزَّكَاةِ).
وَهَذَا مَا عَمِلَ بِهِ بَعْضُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ كَسَيِّدِنَا عُمَرَ وَوَلَدِهِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ.
وَبِهِ قَالَ بَعْضُ التَّابِعِينَ، وَالإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ؛ هذا أولاً.
ثانياً: بِإِخْرَاجِ القِيمَةِ في زَكَاةِ الفِطْرِ يَتَحَقَّقُ الهَدَفُ مِنْ فَرْضِيَّتِهَا، وَهُوَ إِغْنَاءُ الفَقِيرِ، وَبِهَا يُمْكِنُهُ قَضَاءُ حَوَائِجِهِ.
ثالثاً: في إِخْرَاجِ القِيمَةِ حِمَايَةٌ للفُقَرَاءِ مِنَ اسْتِغْلَالِ التُّجَّارِ.
وَخِتَامَاً: مَنْ أَرَادَ أَنْ يُقَلِّدَ الإِمَامَ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ تعالى بِإِخْرَاجِ القِيمَةِ فَلَا حَرَجَ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ قُوتِ البَلَدِ فَلَا حَرَجَ، وَالكُلُّ عَلَى صَوَابٍ إِنْ شَاءَ اللهُ تعالى. هذا، والله تعالى أعلم.
ممن أجازوا ذلك...عللوا أنها شرعت لسد رمق الفقير وإغنائه؛ وإذا كان ذلك.. فإعطاء القيمة لا تخرج عن هذه العلة.
ويعجبني ممن يقول : ننظر ما هو أصلح للفقير إن كان قيمة أو طعاما فذلك حكمه.

#دفع_القيمة_في_الزكاة #الثالث
من الذين أجازوا دفع القيمة في زكاة الفطر :
1 _الإمام البخاري ( رحمه الله تعالى ) : وهو الظاهر من مذهبه في صحيحه، قال ابن رشيد: "وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم لكن قاده إلى ذلك الدليل".
2_مذهب عطاء بن أبي رباح ( رحمه الله ) .
3_الحسن البصري ( رحمه الله ) .
4_عمر بن عبد العزيز ( رحمه الله ) .
5 _سفيان الثوري ( رحمه الله ) .
6_ إسحاق بن راهويه ( رحمه الله ) .
7_مذهب ابن تيمية : أن إخراج القيمة في زكاة الفطر وغيرها يجوز للمصلحة الراجحة، قال في مجموع الفتاوى: "وأما إذا أعطاه القيمة ففيه نزاع: هل يجوز مطلقاً؟ أو لا يجوز مطلقاً؟ أو يجوز في بعض الصور للحاجة، أو المصلحة الراجحة؟ على ثلاثة أقوال ـ في مذهب أحمد وغيره ـ وهذا القول أعدل الأقوال" يعني القول الأخير.
وقال في موضع آخر: "وأما إخراج القيمة في الزكاة والكفارة ونحو ذلك، فالمعروف من مذهب مالك والشافعي أنه لا يجوز، وعند أبي حنيفة يجوز، وأحمد ـ رحمه الله ـ قد منع القيمة في مواضع، وجوزها في مواضع، فمن أصحابه من أقر النص، ومنهم من جعلها على روايتين. والأظهر في هذا: أن إخراج القيمة لغير حاجة ولا مصلحة راجحة ممنوع منه... إلى أن قال رحمه الله: "وأما إخراج القيمة للحاجة، أو المصلحة، أو العدل فلا بأس به" أ هـ ,
ورد في الإنصاف: لا تجوز إخراج القيمة، هذا المذهب مطلقاً، أعني سواء كان لحاجة أم لا، لمصلحة أم لا، لفطرة وغيرها، وعليه أكثر الأصحاب، وقيل تجزئ القيمة مطلقاً، وتجزئ في غير الفطرة، وتجزئ للحاجة، نقلها جماعة، منهم القاضي في التعليق، صححها جماعة منهم ابن تميم وابن حمدان، واختاره الشيخ تقي الدين، وقيل لمصلحة أيضاً واختاره الشيخ تقي الدين أيضاً، وذكر بعضهم رواية تجزئ للحاجة.
وقال النووي: زكاة التجارة ربع العشر، فالمذهب الجديد المشهور يخرج من القيمة، والثاني يخرج من العين، والثالث يتخير بينهما.
وقال في موضع آخر: فإذا وجبت شاة عن خمس من الإبل فأخرج بعيراً أجزأه وإن كان قيمته أقل من قيمة الشاة، هذا هو المذهب الصحيح.
فالمشهور عند الشافعية: جواز إخراج القيمة في عروض التجارة، وإن كانوا لا يقولون بالقيمة في غيرها.
وروي عن مالك وجماعة من أصحابه أنه تجزئ القيمة في زكاة الفطر قياساً على جواز فعل الساعي إذا أخذ عن السن غيرها.
8_تنبين مما سبق أن للإمام أحمد ( رحمه الله ) قولاً آخرا بجواز دفع القيمة .
9- أبو إسحاق السبيعي - وهو أحد أئمة التابعين- : قال :" أدركتهم وهم يؤدون في صدقة رمضان الدراهم بقيمة الطعام ".
وقد أدرك أبو إسحاق السبيعي ( رحمه الله ) أكثر من ثلاثين صحابياً , ومن بينهم علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) .
من هذا تبين أن غير أبي حنيفة وأصحابه أجاز دفع القيمة , فمنهم أجازها مطلقاً , ومنهم من جعل الحاجة والضرورة شرطاً لجواز دفع القيمة..

#دفع_القيمة_في_الزكاة #الرابع

#تكملة الفقهاء الذين قالوا بالجواز وأدلتهم
جواز دفع القيمة في الزكاة في المذاهب الأربعة:
الذين قالوا بالجواز:
1- يجوز دفع القيمة في الزكاة عند الحنفية والشافعي في الجديد
2- عند المالكية والحنبلية والشافعي في القديم قولان قول بالجواز وقول بالكراهة ، ففي المغني لابن قدامة 3/65 : ظاهر مذهب احمد عدم الجواز وروي عن احمد الجواز ، واما عند المالكية ففي شرح الرسالة لابن ناجي قول الاشهب وابن قاسم : اخراج القيمة مطلقا جائز وقيل بعكسه .
3- ادلة جواز دفع القيمة :
- قوله تعالى في صدقة الفطر (( خذ من اموالهم صدقة )) فالتنصيص هنا على أن المأخوذ مال والقيمة مال
- روى البخاري عن طاووس ، قال : قال معاذ رضي الله عنه لأهل اليمن: ( ائتوني بعرض ثياب خميص - أو لبيس - في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة )
- روى البخاري عن أنس رضي الله عنه حدثه:( أن أبا بكر رضي الله عنه كتب له فريضة الصدقة التي أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم: «من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة، وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهما )
- قال ابن قدامة في المغني: روى سعد بن منصور في سننه عن عطاء قال : كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأخذ العروض من الصدقة بالدراهم .
- روى الامام احمد عن الصنابجي قال: ( رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في إبل الصدقة ناقة مسنة، فغضب وقال: « ما هذه؟ » فقال: يا رسول الله، إني ارتجعتها ببعيرين من حاشية الصدقة، فسكت ).
- روى البخاري عن ابن عباس انه قال لمعاذ : ((فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس )) فهذا دليل العدول إلى اخذ القيمة لذلك كان يأخذ المال الثياب كقيمة.
- روى ابن ابي شيبة ، عن عمرو بن حماس ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : ( يا حماس أد زكاتك مالك )) فقال : والله مالي مال إنما أبيع الأدم والجعاب ، فقال عمر : (( قوّمه وادّ زكاته ).
- روى الدار قطني في سننه عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام فرض صدقة الفطر وقال : (( اغنوهم في هذا اليوم )) فدل أن اغناء الفقير ليس فقط بالشعير والتمر لكن بقيمة ذلك لباسا او دراهم .

#دفع_القيمة_في_الزكاة #الخامس

مسألة: حكم إخراج زكاة الفطر بالقيمة :
أ.د. علي محيي الدين القره داغي / الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المســـــلمين

اختلف فيه الفقهاء قديماً وحديثاً على ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: عدم جواز دفع القيمة مطلقاً، بل يجب دفع صاع من غالب قوت البلد ، او نصف صاع من القمح عند جماعة منهم ، وهذا هو المذهب المعتمد عند المالكية، والشافعية ، والحنابلة على المذهب.
وهو رأي الظاهرية أيضاً ، بل ذكر بأنه لا يصح إلاّ التمر والشعير. يراجع المحلى لابن حزم.
المذهب الثاني: جواز دفع القيمة مطلقاً في جميع الأحوال، وهو مذهب أبي حنيفة، وأبي يوسف ، واختاره الفقيه المحدث أبو جعفر الطحاوي وهو المعتمد عند الحنفية ، وهو مروي عن سفيان الثوري ، وعمر بن عبدالعزيز ، والحسن البصري ، وغيرهم ، ورواية عن أحمد للحاجة أو مصلحة راجحة ، وهو رأي معظم المعاصرين اليوم، والهيئة العالمية لقضايا الزكاة المعاصرة ، وشيخ الأزهر السابق الشيخ محمود شلتوت والشيخ القرضاوي . يراجع المصادر الفقهية السابقة
فقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن قرة : قال : ( جاءنا كتاب عمر بن عبدالعزيز في صدقة الفطر نصف صاع - أي من بُرّ - عن كل إنسان ، أو قيمته نصف درهم)، وعن الحسن قال : لا بأس أن تعطى الدرهم في صدقة الفطر ، وأبو اسحاق قال : (أدركتهم وهم يعطون في صدقة رمضان الدراهم بقيمة الطعام.
وذكر الإمام السرخسي : ( أن الفقيه أبا جعفر رحمه الله يقول : أداء القيمة أفضل ، لأنه أقرب إلى منفعة الفقير ، فإنه يشتري بها ما يحتاج إليه ، والتنصيص على الحنطة والشعير كان ، لأن البياعات في ذلك الوقت بالمدينة يكون بها ، فأما في ديارنا البياعات تجري بالنقود ، وهي أعز الأموال فالأداء بها أفضل) ، بل إنه أسند هذا القول السابق إلى أبي يوسف فقال : ( والدراهم أولى من الدقيق ، لأنها أدفع لحاجة الفقير ، وأعجل به ، كما أن الدقيق أفضل من القمح).
المذهب الثالث : هو أن الأصل دفع صاع من الطعام ، ولكن يجوز للمصلحة الراجحة، او الحاجة دفع القيمة، أو بعبارة أخرى أن يكون النقد أنفع للفقراء من الطعام .
وهذا رأي أبي اسحاق بن راهويه وأبي ثور، فقد جاء في موسوعة فقه سفيان الثوري: ( لو أخرج قيمتها مما هو أنفع للفقير جاز، لأن المقصد منها إغناء الفقراء عن المسألة ، وسدّ حاجتهم في هذا اليوم)
أدلة المذاهب الفقهية :
أولاً - استدل المانعون من دفع القيمة في زكاة الفطر بما يأتي :
1- الأحاديث الصحيحة الدالة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر صاعاً من تمر ... الخ ، حيث لم يذكر القيمة وأنها لو جازت لبيّنها ، وبالتالي فإنه من يدفع القيمة لم ينفذ ما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم به .
2- إن الزكاة عبادة وقربة إلى الله ، فالأصل والواجب فيها الاتباع دون الابتداع ، وبعبارة فقهية فهي تعبدية لا تخضع للقياس والاجتهاد.
تلك هي أهم الأدلة التي استدل بها المانعون قديماً وحديثاً، ولكن يمكن أن يناقش ذلك بما يأتي:
أ- أن ما ورد في الأحاديث النبوية الشريفة من أن الرسول صلى الله عليه وسلم فرض صاعاً من تمر...الخ ، هو تعبير الصحابي عما فرضه الرسول صلى الله عليه وسلم وليس قوله صلى الله عليه وسلم بصيغة تدل على منع ما سواه ، حيث لا يوجد نص صحيح صريح ثابت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على حصر هذه الفريضة في صاع مما ذكر في جميع الأحاديث الواردة في هذا الشأن ، وبالتالي فلا تدل على منع ما سواه ، وأكبر دليل على ذلك هو أن جمهور المانعين يجيزون دفع صاع من القمح زكاة فطر ، وهو لم يرد في الأحاديث الصحيحة الصريحة بالاتفاق ، كما أن جمهورهم أيضاً يجيزون دفع صاع ما لأرز صدقة فطر، وهو لم يرد في أي حديث لا صحيح ولا صريح.
فإذا كان القياس هنا صحيحاً ومقبولاً فما الفرق بينه وبين الاجتهاد بجواز دفع القيمة بل إن دفع قيمة التمر، أو الشعير الوارد في النص أقرب من إلحاق أنواع أخرى من حبوب لم ترد في نصوص الشريعة.
ب- إن الزكاة بصورة عامة، وزكاة الفطر بصورة خاصة ليست من الشعائر التعبدية المحضة ، وإنما من العبادات التي تدخل في المعقولة المعاني التي يمكن الاجتهاد فيها ، وقد رأينا أن جمهور المانعين اجتهدوا وقاسوا فيها بالنسبة لدفع القمح ، أو الأرز ، أو نحوهما ما دام يمثل غالب قوت البلد.
وبذلك قلب دليلهم عليهم فأصبح حجة عليهم ، ولم يلتزموا بكونها تعبدية محضة لا قياس فيها ، فإذا كان هذا القياس المجتهد فيه جائزا فلماذا لا يكون الاجتهاد بدفع القيمة جائزاً؟
ج- ثم إن ما ذكر في حديث ابن عمر من التمر والشعير والأقط كان من أنواع طعام ذلك العصر بدليل أنه لما دخلت أنواع أخرى اعتمدت ، كما قال أبو سعيد الخدري في شأن القمح.
#ثانياً - واستدل المجيزون لدفع قيمة صدقة الفطر بما يأتي :
1- الأصل في صدقة الفطر ، ومقاصد الشريعة منها إغناء الفقراء في يوم العيد ، وإدخال السرور والفرح في قلوبهم من خلال توفير احتياجاتهم الأساسية ، وهذا بلا شك إنما يتحقق في عصرنا الحاضر في الغالب بدفع النقود إليهم ليشتروا بها حاجياتهم الأساسية التي لا تنحصر في التمر ، والقمح ، والشعير ، والأرز ونحوها .
وهذا ما فهمه الصحابة الكرام حيث لم يكتفوا بما قرره الرسول صلى الله عليه وسلم في عصره من التمر والشعير ، والأقط بل جعلوها قمحاً ، بل إن معظمهم جعل نصف صاع منه يعدل صاعاً من تمر أو شعير - كما سبق-
2- إن من أقوى الأدلة : ما رآه معاوية رضي الله عنه وعرضه على الصحابة الكرام في حجته أو عمرته ، من أن نصف صاع من سمراء الشام (القمح) يعدل صاعاً من التمر ، ووافقه الصحابة كما قال الصحابي الجلي أبو سعيد الخدري ، ما عداه .
فهذا الاجتماع لجمهورهم دليل قوي على جواز دفع القيمة لأن معادلة نصف صاع من القمح بصاع لا تتحقق إلاّ من خلال القيمة ، وهذه المعادلة مروية عن عمر رضي الله عنه - كما سبق.
3- ثبت في نصوص شرعية صحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاءَهُ الراشدين قبلوا القيمة في زكاة بعض الأعيان في حالات متعددة ، مثل قبول الدراهم أو الدنانير مكان الفارق في العمر المطلوب في زكاة الابل ، حيث قدر الجبران بشاتين أو عشرين درهماً .
4- كما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن لجمع الصدقات المفروضة قال لهم : (ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس أسهل عليكم وخير لمن في المدينة من المهاجرين والأنصار) رواه البخاري معلقاً في باب العرض في الزكاة ، وقال طاوس : ( قال معاذ لأهل اليمن : ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم.... ).
ولهم أدلة أخرى لا يسع المجال لذكرها .
ثالثاً - وأما أدلة المذهب الثالث ، فهي نفس أدلة المذهب الثاني ( المجيزين) مع التقييد بالمصلحة الراجحة ، وبما هو أنفع للفقراء ، وبالتالي فهو راجع إليه مع هذا القيد المذكور ، وهو الراجح.
الرأي الراجح :
بعد استعراض ما أمكن من الأدلة ، والمناقشات العلمية الكثيرة حول هذه المسألة التي لم يسعفنا الوقت لسردها كلها ، يتبيّن لي رجحان القول الثاني مع ضبطه بما قاله أصحاب القول الثالث من أن يكون دفع القيمة أنفع للفقراء ، وبالتالي فإذا كان دفع الطعام والحبوب أنفع لهم فيبقى هو الأصل والله أعلم ، في ضوء ما يأتي :
أولاً - أنه لا خلاف بين الفقهاء أبداً في جواز الأخذ بظاهر هذه النصوص ودفع صاع من غالب قوت البلد أو مما ذكره الحديث الشريف (حسب التفصيل السابق) .
ثانياً - بما أن الخلاف في دفع القيمة في صدقة الفطر خلاف قوي جداً ، فلا يجوز الاعتراض عليه ، ولا إبطال من يأخذ بهذا الرأي ولا التشنيع على أحد الرأيين ، فهو خلاف مشروع يجوز لكل مسلم أن يستفتي قلبه في الأخذ برأي المانعين او المجوزين ، ولا يجوز للوعاظ وخطباء المساجد إثارة هذا الموضوع في الوعظ والخطب حتى لا تحدث مشكلة أو بلبلة بين المسلمين ، فالمنابر ليست مكاناً لإثارة النزاعات ، وهذا هو منهج علمائنا الربانيين من القبول بالخلاف المشروع واحترامه حتى ولو كان مخالفاً لرأي الآخر.
ثالثاً- إن هذا الدين يقوم على اليسر ورفع الحرج في الدفع والأخذ والعطاء وفي الدعوة والفتاوى ، وبالتالي فإن دفع صدقة الفطر نقداً أيسر للطرفين من دفع التمور ، والشعير ، والقمح ونحوها ، وأن هناك حرجاً وعسراً في جميع صدقات الفطر من التمور أو القمح أو الأرز في المدن الكبيرة في عصرنا الحاضر ، بالإضافة إلى أننا لو أعطيناهم اليوم للفقراء لتوجه معظمهم إلى بيعها بثمن قليل لسد حاجاته الأخرى ، ومن جانب آخر نرى أن منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في الزكاة وغيرها يقوم على التيسير على الناس ، فمن لم يكن لديه الأصل الواجب في الزكاة يأخذ منه بدله ، أو الفارق كما في زكاة الابل .
رابعاً - أن مقاصد الشريعة في صدقة الفطر واضحة وهي إغناء الفقير عن حاجياته ومما لا شك فيه أن الاحتياجات اليوم لا تنحصر في أكل التمر ، والخبز من القمح ، أو الرز فهي أكثر ومتنوعة ، ولذلك فالنقود تحقق هذه الأغراض بصورة أفضل ، إذن فهي جديرة بقبولها إن لم يكن دفعها أفضل ، ومن المعلوم أن الشريعة مبنية على رعاية المصالح بجميع أنواعها .
خامساً - أن هذا القول ليس للحنفية فقط على الرغم من أن هذا يكفي وزيادة ، بل هو رأي جماعة من الصحابة والتابعين ، فجميع الصحابة أو التابعين الذين قالوا بجواز دفع نصف صاع من القمح بدل صاع من شعير أو تمر ، لا يتأتّى إلاّ من خلال القول بالقيمة والتقويم بالقيمة ، وبالتالي فهذا رأي عمر ، وابن عباس ، ومعاوية ، وجميع من أخذوا برأيه عندما عرضه عليهم في حجته أو عمرته .
والقول بدفع القيمة صراحة ثابت عن عمر بن عبدالعزيز ، وعن الحسن البصري ، وأبي اسحاق ، والثوري ، وهو قول جماعة من المالكية كابن حبيب وابن أبي جازم ، وابن دينار ، وابن وهب .
وقد ترجم الإمام الحافظ ابن أبي شيبة باب إعطاء الدراهم في زكاة الفطر، فروى عن عمر بن عبدالعزيز والحسن البصري ، وأبي اسحاق ، حيث قال : ( أدركتهم وهم يعطون في صدقة الفطر الدراهم بقيمة الطعام) وهذا القول من هذا التابعي الذي أدرك علياً وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم جميعاً ، يدل على أن دفع النقود (أي القيمة) كان شائعاً في ذلك العصر ، وفي خير القرون قرن الصحابة.
وقد ألف في هذه المسألة أحد علماء اليمن - وهو الحافظ أبو الفيض أحمد بن محمد بن الصديق الغماري - في القرن الرابع عشر كتاباً رائعاً سماه : تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال ، نشره الشيخ نظام يعقوبي ، حيث ذكر آراء كثير من الصحابة والتابعين والفقهاء في مختلف العصور مع الأدلة المعتبرة ، فقال: (فمن كان مقلداً فحسبه تقليد هؤلاء الأئمة ولو من غير مذهبه .. ، فهذا جائز في كل المذاهب ، وأما من كان من أهل العلم والنظر وقبول الحجة والدليل فليعلم أن استدلالنا لهذه المسألة من وجوه) ثم سردها ، ومنها : (أن أخذ القيمة في الزكاة (أي في زكاة المال) ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن جماعة من الصحابة في عصره ، وبعد عصره) ثم سرد الأسانيد المقبولة لاثبات ذلك .
ثم إن هذا الرأي إذا كان بعض العلماء المعاصرين لم يأخذوا به مثل الشيخ ابن باز ، وابن عثيمين ، ومعظم علماء السعودية ، فإن جمهور المعاصرين أمثال شيوخ الأزهر السابقين في القرن السابق ، ومعظم علماء العراق والشام ، وفلسطين قد قالوا به ، واختاره بقوة الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه فقه الزكاة ، بل إنه صدرت فتوى جماعية من الندوة السادسة لقضايا الزكاة المعاصرة التي عقدت في الشارقة عام 1996 نصت على أنه : ( ويجوز إخراج زكاة الفطر نقداً بقيمة الواجب، ويمكن للجهات المعنية تقدير هذه القيمة سنوياً). هذا والله أعلم وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. كتبه الفقير إلى ربه: أ.د. علي محيي الدين القره داغي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المســـــلمين.

#دفع_القيمة_في_الزكاة #السادس

#القياس_أقوى_من_المفهوم
فإخراج القيمة دليله القياس على زكاة الزروع والعروض والمواشي ، وعدم جواز القيمة دليله المفهوم المخالف
والذي يجيز اخراج الارز مثلا يقيس على الحنطة ، فالارز غير مذكور في الاصناف .

قال ابن أبي شيبة: حدثنا أبو أسامة عن زهير قال: سمعت أبا إسحاق يقول: «أَدْرَكْتُهُمْ وَهُمْ يُعْطُونَ فِي صَدَقَةِ رَمَضَانَ الدَّرَاهِمَ بِقِيمَةِ الطَّعَامِ». رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"، ورجاله ثقات.
قوله: "أدركتهم"، أي: الصحابة رضي الله عنهم.
وقد كتب دكتور نزال
إن طريقة إخراج الزكاة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ..ليس كما يظن الكثير من طلبة العلم و ممن يتصدرون للفتوى، في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان هناك موظفون لجمع زكاة الفطر ، ويجمعونها قبل العيد بيوم أويومين، ويضع عليها حراساً مثل أبي هريرة عندما جاءه شيطان بصورة رجل ليسرق من اموال الصدقة، ثم يقسمها النبي صلى الله عليه وسلم على الفقراء بعد صلاة الفجر فإذا أنهى التوزيع استعد لصلاة العيد .
فهذه طريقة وأسلوب للجمع والتوزيع ليست تعبدية، وإنما حسب اعتبارات عدة منها:
1- طبيعة المجتمع كعدد سكان، والمساحة الجغرافية، وبساطة المجتمع وتخففه من الكماليات والمجاملات و الارتباطات الاجتماعية، وقلة التواصل و المواصلات.
* مثال: سابقاً لم يكونوا ملزمين بعيديات الأولاد والأرحام ...هل سمعتم ان النبي زار اخته من الرضاعة (الشيماء) في ديار بني سعد؟ .لم يثبت . فهل كان النبي قاطعاً للرحم ؟ حاشاه، ولكن كانت هذه طبيعة المجتمع، وعندما زارته في المدينة أكرمها أحسن إكرام وعرض عليها أن تبقى عنده ليستمر في صلتها وإكرامها . لكنها فضلت ان تعود الى ديارها . فحملها بالهدايا والطعام وذهبت، وربما لم تره بعد ذلك . )) .وغيرها الكثير
2- تغير احتياجات الناس ...سابقا كانوا يحتاجون للطعام فقط ، ولا يحتاج أسطوانة غاز و دفع فواتير كهرباء وماء وآجار بيت ومواصلات وقود للتدفئة، دواء و مصروف يومي للأولاد وملابس في الأعياد والمدارس و ملابس الصيف والشتاء .. وغير ذلك.
مثال: جمع محسن طرود مواد التموين الأساسية، ورافقه دليل فقال الدليل للفقير : إذا وجد الطعام والشراب الباقي يهون، فقال الفقير : لكن أقنع هؤلاء، وأشار الى أطفاله.
3- سابقاً كان النقد نادراً وجوده، فلم تكن إلا الدنانير الذهبية الرومية، والدراهم الفضية الفارسية، ولذلك كانوا يعتمدون على المقايضة، طعام بطعام مختلف، أو سلعة أو خدمة بطعام، فكان الطعام يقوم مقام النقد في كثير من الأحيان.
ملاحظة: كان عليها صور ملوكهم ومع ذلك تعامل بها النبي صلى الله عليه وسلم.
4- سابقاً إذا أعطيته نقداً يذهب ليشتري به طعاماً، لأن هذا أهم ما يحتاجه، وفي هذا الزمن إذا أعطيته طعاماً يذهب ليبيعه ليمتلك النقد حتى يقضي به حوائجه والتزاماته العائلية والاجتماعية وأقساطه الشهرية، وأحياناً يقدم بطاقات شحن التلفون على الطعام، لأنها أصبحت حاجة بشرية.
ثالثاً: هناك مذاهب وآراء علماء اعتبرت إخراج النقد بدل الطعام من وجوه إخراج زكاة الفطر، مع التأكيد أن الطعام هو الأصل، والنقد بديل يُلجأ إليه عند الحاجة وحسب الظروف
رابعاً: لا بد من اعتبار مقصد التشريع وعلته وهو سد حاجة الفقير، بغض النظر عن صحة الحديث أو ضعفه ( أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم )
فلا خلاف أن أحد مقاصد تشريع زكاة الفطر هو سد حاجة الفقراء وتحقيق مصلحتهم مع كونها طهرة للصائم، وهذا ما جعل بعض المذاهب تقول بجواز إخراج الزكاة نقداً
خامساً: من يحاكمون الناس بالنص، ويحكمون بعدم جواز إخراج القيمة لعدم وجود النص ويجعلون النص سيفاً مصلتاً يقطعون به أعناق الآراء الأخرى ويردونها قتيلة بإبطالها وعدم جوازها ، وبعد ذلك هم لا يلتزمون بالنص، فيخرجون:(الأرز و العدس والزيوت و المعلبات )
وحجتهم أن هذا من قوت البلد،
والسؤال: هل ((قوت البلد ))نص في الحديث أم هو تأويل وفهم لأحد الصحابة رضي الله عنهم، وليس نصاً للنبي عليه الصلاة والسلام ؟
ومن ألزم نفسه بالنص فعليه ان يخرج الاصناف التي ذكرت بالنص .(تمر . شعير .بر . أقط )
وغير ذلك فهو تأويل واجتهاد كما اجتهد الصحابي ففهم أن المقصود هو قوت البلد ،وهذا الاجتهاد لا ينقض اجتهاد من اجتهد بالنص ففهم منه جواز اخراج القيمة.
دكتور محمد سعيد السلمو