السبت، 22 مارس 2025

من أجاز إخراج زكاة الفطر نقداً سوى السادة الأحناف ؟

 من أجاز إخراج زكاة الفطر نقداً سوى السادة الأحناف ؟



هذا بحثنا المطول فيمن أجاز إخراج زكاة الفطر نقداً سوى السادة الأحناف
( ملاحظة : أجيز لمن أحب الأخذ منه أو نسخه أو الاجتزاء منه ...حتى لو لم يُشر لجامعه )
من قال بجواز إخراج زكاة الفطر نقداً من العلماء
(المنشور الأول)
* نصوص في جواز إخراج (زكاة الفطر) نقوداً :
(مجموعة من التابعين )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من كتاب: ( الأموال) لابن زنجويه
و( ابن زنجويه) هو حُميد بن مخلد بن قتيبة الأزدي ( وُلد 180هـ وتوفي 251هـ)..
وهو من علماء الحديث الثقات ....وثّقه النسائي وابن حبان والذهبي وغيرهم
أورد في كتابه ( الأموال) باباً تحت عنوان: ( بَابٌ: الرُّخْصَةُ فِي إِخْرَاجِ الدَّرَاهِمِ بِالْقِيمَةِ)(3/ 1267) ، وسردُ فيه ما أورده مسنداً من فتاوى السلف الصالح ...وهو قريب العهد بهم...وأنا أنقل ما سرده مع تعليق بسيط على كل نص :
2452 - أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ قال :أنبأنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قال: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قال:حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: "أَخَذَتِ الْأَئِمَّةُ فِي الدِّيوَانِ زَكَاةَ الْفِطْرِ فِي أُعْطِيَاتِهِمْ"
تعليق : ابن شهاب هو المشهور بـ( ابن شهاب الزهري) واسمه : محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري القرشي ...وهو من أئمة التابعين ...وُلد سنة 58هـ ...وتوفي سنة 124هـ
وهو في هذا النص يتحدّث عن الولاة والحكام بأنه كان من عادتهم في زمانه استقطاع قيمة زكاة الفطر من أعطيات الناس ....وهذا في زمن الدولة الأموية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2453 - أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ قال: حدثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَوْفٍ قَالَ:
قُرِئَ عَلَيْنَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي صَدَقَةِ رَمَضَانَ:
«وَاجْعَلْ عَلَى أَهْلِ الدِّيوَانِ نِصْفَ دِرْهَمٍ مِنْ كُلِّ إِنْسَانٍ، يُؤْخَذُ مِنْ أُعْطِيَاتِهِمْ»
تعليق : وهذا كتاب الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز ( خلافته كانت من 99هـ إلى 101هـ) إلى مسؤولي ديوان المال ...لتحديد المبلغ المخصوم قبل توزيع الأعطيات ...وهذا المبلغ ( نصف درهم) يُخصم من أجل ( صدقة رمضان) ، والمقصود: زكاة فطر رمضان.....وعمر لم يكن خليفةً فقط ...بل درس الفقه في المدينة وكان في شبابه والياً على المدينة المنورة ....وكان مستشاروه كلهم من الفقهاء العلماء .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2454 - أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ قال: أنبأنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قال: حدثَنَا يُوسُفُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ:
"إِذَا أَعْطَى الدِّرْهَمَ مِنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ أَجْزَأَ عَنْهُ"
قَالَ سُفْيَانُ: إِذَا أَعْطَى قِيمَةَ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ أَجْزَأَ عَنْهُ
تعليق :
وهنا نصٌّ في مذهب الحسن البصري سيد التابعين وفقيههم ( توفي سنة 120هـ) ...فهو يرى أن دفع الدراهم مجزئ في زكاة الفطر ......وكذلك كانت فتوى الفقيه سفيان الثوري (توفي سنة 161هـ) في جواز إخراج القيمة بدل القوت ....وقد وردت فتوى الحسن البصري أيضاً في مصنف ابن أبي شيبة (2/ 398) :
(10370 - حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: " لَا بَأْسَ أَنْ تُعْطِيَ الدَّرَاهِمَ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ" ) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2455 - حدثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرُّومِيُّ، قال: أنبأنا زُهَيْرٌ أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ قَالَ: «كَانُوا يُعْطُونَ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ بِحِسَابِ مَا يُقَوَّمُ مِنَ الْوَرِقِ»
تعليق : أبو إسحاق الهمداني هو : عمرو بن عبد الله السبيعي ...من فقهاء التابعين ...توفي سنة 129 هـ ....وهو هنا قد أخبر عن زمانه ( أيام التابعين) وأنهم كانوا يدفعون زكاة الفطر فضةً بقيمة الصاع من القوت المقرّر شرعاً ...وقد وردت رواية أبي إسحاق في مصنف ابن أبي شيبة (2/ 398) أيضاً :
(10371 - حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ زُهَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ، يَقُولُ: «أَدْرَكْتُهُمْ وَهُمْ يُعْطُونَ فِي صَدَقَةِ رَمَضَانَ الدَّرَاهِمَ بِقِيمَةِ الطَّعَامِ») .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2456 -أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ مَالِكٍ وَسُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَكُونُ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ طَعَامٌ، أَيُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرَ دَرَاهِمَ؟
قَالَ: لَا وَاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: وَيَكُونُ أَحَدٌ بِمَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ طَعَامٌ، فَأَيُّ شَيْءٍ يَأْكُلُ؟ فَقِيلَ: إِنَّهُ يُقِيمُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ الشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ، قَالَ: إِذَا رَجَعَ أَخْرَجَ ذَلِكَ طَعَامًا، وَلَا يُعْطِي غَيْرَ الطَّعَامِ
2457 - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَالَ حُمَيْدٌ: الْقِيمَةُ تُجْزِي فِي الطَّعَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَالطَّعَامُ أَفْضَلُ
تعليق : هنا ينقل ابن زنجويه رأي الإمام مالك في منع دفع القيمة والدراهم ....ثم يختم ابن زنجويه الباب باجتهاده في الأمر : القيمة تجزئ في الطعام إن شاء الله ...فهو مذهبه إذن أيضاً رحمه الله
فهذه جملة من الأقوال للسلف الصالح : الحسن البصري وعمر بن عبدالعزيز وأبي إسحاق السبيعي الهمداني وابن شهاب الزهري ...والله الموفق
#زكاة_الفطر_نقوداً
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
المنشور الثاني
* نصوص في جواز إخراج (زكاة الفطر) نقوداً :
( عمل الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الخليفة عمر بن عبدالعزيز الأموي ...العادل الزاهد الفقيه
تولّى الخلافة لمدة 30 شهراً تقريباً ..وتوفي رحمه الله سنة 101 هـ .
في عهده ...كان يأخذ زكاة الفطر من الناس نقوداً ....بل وكان يقتطع مقدار زكاة الفطر من رواتب الجند والناس !
وأرسل تعميماً لولاته بمقدار زكاة الفطر من النقود في عهده ....
يُخبرنا ابنُ عون عن كتاب عمر لواليه على البصرة ( عدي بن أرطأة الفزاري ...( حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ:
سَمِعْتُ كِتَابَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يُقْرَأُ إِلَى عَدِيٍّ بِالْبَصْرَةِ «يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ مِنْ أَعْطِيَّاتِهِمْ، عَنْ كُلِّ إِنْسَانٍ نِصْفُ دِرْهَمٍ» )مصنف ابن أبي شيبة (2/ 398) حديث 10368
ويحدّنا الفقيه قُرّة بن خالد عن كتاب عمر :
( حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ قُرَّةَ بن خالد قَالَ:
جَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ «نِصْفُ صَاعٍ عَنْ كُلِّ إِنْسَانٍ أَوْ قِيمَتُهُ نِصْفُ دِرْهَمٍ»)مصنف ابن أبي شيبة (2/ 398) حديث 10369
وجاء في كتاب الأموال :
أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ قال: حدثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ، قال: حدثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ: يُؤْخَذُ مِنْ عَطَاءِ كُلِّ رَجُلٍ نِصْفُ دِرْهَمٍ زَكَاةَ الْفِطْرِ "
قَالَ يَزِيدُ: فَهُمْ حَتَّى الْآنَ يَأْخُذُونَهُمْ بِهِ) الأموال لابن زنجويه (3/ 1267)حديث2451 -
قلتُ: وقوله : (فهم حتى الآن يأخذونهم به) يعني: أن العمل استمرّ بذلك سنين بعد عهد عمر بن عبدالعزيز رحمه الله.
وجاء أيضاً:
(حدثنا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَوْفٍ قَالَ:
قُرِئَ عَلَيْنَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي صَدَقَةِ رَمَضَانَ: «وَاجْعَلْ عَلَى أَهْلِ الدِّيوَانِ نِصْفَ دِرْهَمٍ مِنْ كُلِّ إِنْسَانٍ، يُؤْخَذُ مِنْ أُعْطِيَاتِهِمْ» ) الأموال لابن زنجويه (3/ 1268) حديث2453
وعن معمر قال : كتب عمر بن عبد العزيز :
" على كل اثنين درهم ؛ يعني زكاة الفطر " ، قال معمر : هذا على حساب ما يعطى من الكيل .
رواه عبد الرزاق في المصنف (3/ 316 برقم 5778).وهو أثر صحيح
وهذه الآثار أسانيدها حسنة ومرضية ...وقد أثبت الفقهاء فتوى عمر بن عبدالعزيز في أداء القيمة في زكاة الفطر .
قال ابن حزم في المحلى (6/ 130-131) :
" وصح عن عمر بن عبد العزيز إيجاب نصف صاع من بر على الإنسان في صدقة الفطر، أو قيمته على أهل الديوان نصف درهم ، من طريق وكيع عن قرة بن خالد قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلينا بذلك ، وصح أيضاً عن طاووس ، ومجاهد ، وسعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، وأبى سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف ، وسعيد بن جبير ، وهو قول الأوزاعي ، والليث ، وسفيان الثوري" .
#زكاة_الفطر_نقوداً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( المنشور الثالث)
* نصوص في جواز إخراج (زكاة الفطر) نقوداً :
( من الشافعية)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ فخر الإسلام القاضي عبدالواحد بن إسماعيل الروياني الطبري:
المولود في 415هـ والمتوفى في 502 هـ ...الشهير بـ( الروياني) ....وبـ(صاحب البحر) ـ والبحر:كتابٌ ضخمٌ له في الفقه الشافعي ـ ....وهو من (أصحاب الوجوه ) في المذهب...وكان يُلقّب بـ ( الشافعي الصغير) ...وقال عن نفسه: لو احترقت كتب الشافعي لأمليتُها من حفظي!)
قال الإمام ابن كثير الشافعي عنه في كتابه ( طبقات الشافعيين) (1 / 525 :
" ومن غرائب اختياراته : جواز صرف زكاة الفطر إلى فقيرٍ واحد ، وإخراجُ القيمة عنها كمذهب أبي حنيفة" .
2ـ شهاب الدين أحمد بن حمزة الأنصاري الرملي الشافعي
(المتوفى: 957هـ)....الشهير بـ( الشهاب الرملي) ...وهو من فقهاء الشافعية ....وله كتابٌ بالفتاوى ...جمعه ابنه شمس الدين محمد مؤلف نهاية المحتاج (المتوفى 1004هـ)....
ففي باب ( زكاة الفطر :
قال ابنه شمس الدين الرملي :
(سُئِلَ) عَنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ الْوَاجبَةِ ........وَهَلْ إذَا لَمْ يَجِدْ الْمَرْءُ قَمْحًا فَقَلَّدَ مَذْهَبَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ النُّعْمَانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَخْرَجَ دَرَاهِمَ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ ؟
ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخَالِفَ مَذْهَبَهُ فِي الْعِبَادَاتِ أَوْ لَا؟
فَأَجَابَ:
" وأما المسألة فَيَجُوزُ فِيهَا لِلْمَرْءِ الْمَذْكُورِ تَقْلِيدُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي إخْرَاجِ بَدَلِ الزَّكَاةِ دَرَاهِمَ ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُقَلِّدَهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ" .
فتاوى الشهاب الرملي ( 2 / 55)
#زكاة_الفطر_نقوداً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المنشور الرابع
* نصوص في جواز إخراج (زكاة الفطر) نقوداً :
(المالكية)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ الإمام مالك رحمه الله
رُوي هذا في كتب الفقهاء المالكية كقولٍ ثانٍ منسوبٍ للإمام مالك وبعضِ أصحابه ...
يقول الإمام ابن عبد البر الأندلسي(المتوفى 463هـ) في كتابه : (الكافي في فقه أهل المدينة ـ 1 / 323) ، باب صدقة الفطر :
(ولا يجزأ فيها ولا في تغيرها من الزكاة القيمة عند أهل المدينة وهو الصحيح عن مالك وأكثر أصحابه، وقد (رُوي عنه ) وعن طائفة من أصحابه أنه (تجزأ القيمة) عمن أخرجها في زكاة الفطر قياساً على جواز فعل الساعي إذا أخذ عن السنِّ غيرها أو بدل العين منها على ما تقدم في آخر الباب قبل هذا ، والأول هو المشهور في مذهب مالك وأهل المدينة.)
إذن فهناك رواية عن مالكٍ بالإجزاء ....
2 ـ ابن القاسم
وابن القاسم من أجلّ فقهاء المالكية ....وهو أبو عبد الله عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي بالولاء ....تفقه على الإمام مالك رضي الله عنه ونظرائه، وصحب مالكاً عشرين سنة، وانتفع به أصحاب مالك بعد موت مالك، وهو صاحب " المدونة " في مذهبهم ، توفي 194 هـ .
يقول الفقيه ابن رشد (أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي المتوفى: 520هـ) في كتابه [البيان والتحصيل: 2/486] في: باب دفع القيمة في زكاة الفطر :
(وسئل ـ أي مالك ـ عن الرجل لا يكون عنده قمح يوم الفطر، فيريد أن يدفع ثمنه إلى المساكين يشترونه لأنفسهم، ويرى أن ذلك أعجل؛ قال: لا يفعل ذلك، وليس كذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن رواية عيسى قال (ابن القاسم): ولو فعل لم أر به بأساً.
قال محمد بن رشد: رواية عيسى هذه عن ابن القاسم خلافُ رواية أبي زيد عنه بعد هذا، وقد قيل: إنها ليس بمخالفة لها، وإنما خفف ذلك) .
ونلاحظ تفسير ابن رشد لاختلاف الروايات عن ابن القاسم بأن ذلك من باب التخفيف ...أي: إنه في البداية كان يفتي بعدم جواز دفع القيمة ، لكنه لاحقاً خفّف في فتواه بناءً على معطيات تتعلق بمصلحة الفقير أو مدى الحاجة أو تخفيفاً للناس
وقد أثبتَ هذه الرواية عن ابن القاسم الفقيهُ المواق المالكي (وهو محمد بن يوسف بن أبي القاسم بن يوسف العبدري الغرناطي، أبو عبد الله المواق المالكي المتوفى: 897هـ) حيث قال في كتابه : التاج والإكليل لمختصر خليل ( 3 / 258):
(قَالَ مَالِكٌ: لَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَدْفَعَ فِي الْفِطْرَةِ ثَمَنًا.
وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنْ فَعَلَ أَجْزَأَهُ.)
3ـ ابن عرفة المالكي
وهو محمد بن محمد ابن عرفة الورغمي، أبو عبد الله( ولد 716هـ وتوفي 803هـ).... إمام تونس وعالمها وخطيبها في عصره. مولده ووفاته فيها..... تولى إمامة الجامع الكبير فيها وخطابته ، ومن مؤلفاته المطبوعة في الفقه المالكي ( المختصر الكبير) و(الحدود)
قال البرزلي من فقهاء المالكية في ( فتاوي البرزلي 1 / 582 :
"كان شيخنا الفقيه الإمام - رحمه الله - ( يقصد شيخه ابن عرفة المالكي)..يفتي لأهل البلاد إذا أخذها منهم العمال أول الشهر قيمة أنها تجزي ، فخالف في الأمرين جميعاً ؛ للضرورة إلى ذلك" .
أي: إن ابن عرفة خالف المُفتَى به في مسألة تقديم صدقة الفطر من أول شهر رمضان ، وإخراجها نقداً للضرورة ، لحاجة العمال لذلك .
وأكّد ذلك الفقيه الآخر المالكي ( الونشريسي التلمساني) المتوفى 914هـ ...ونقلها من غير أن ينكرها في كتابه : المعيار ( 1 / 373)
#زكاة_الفطر_نقوداً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المنشور الخامس
* نصوص في جواز إخراج (زكاة الفطر) نقوداً :
( الحنابلة)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ الإمام أحمد رحمه الله :
المشهور المنصوص عليه أن الإمام أحمد لا يجيز إخراج النقود في زكاة الفطر ....
(قال أبو داود : قيل لأحمد : وان أعطى دراهم ـ يعني في صدقة الفطر ـ قال: أخاف أن لا يجزيه خلافُ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . الشرح الكبير لأبن قدامة(2/524)
ويمكن ملاحظة عبارة الإمام أحمد ...حين قال : ( أخافُ أن لا يجزيه.....)!
كأنها تشعر بعدم جزمه بالبطلان ...
لكن الشيخ الفقيه الحنبلي علي بن سليمان المرداوي ( توفي سنة 885 هـ) ذكر في كتابه : الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (3/ 182) ما نصّه :
( تَنْبِيهٌ:
دَخَلَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ قَوْلُهُ " وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُ ذَلِكَ " الْقِيمَةُ ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ( أي: عن إمام المذهب أحمد ) رِوَايَةٌ مُخَرَّجَةٌ : يُجْزِئُ إخْرَاجُهَا ) .
فنسب المرداويُّ روايةً مخرجةً في المذهب الحنبلي للإمام أحمد أنه يجزئه القيمة بدل القوت .
2 ـ ابن تيمية :
يقول ابن تيمية ( أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام ، توفي سنة 728هـ) :
(وَأَمَّا إذَا أَعْطَاهُ الْقِيمَةَ فَفِيهِ نِزَاعٌ: هَلْ يَجُوزُ مُطْلَقًا؟ أَوْ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا؟ أَوْ يَجُوزُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ لِلْحَاجَةِ أَوْ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ - فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ وَهَذَا الْقَوْلُ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ.) مجموع الفتاوى (25/ 79).
وهو هنا يرجّح جواز إعطاء القيمة للحاجة أو المصلحة الراجحة .
ويقول في موضعٍ آخر :
(وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَمَّنْ أَخْرَجَ الْقِيمَةَ فِي الزَّكَاةِ؛ فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَكُونُ أَنْفَعَ لِلْفَقِيرِ: هَلْ هُوَ جَائِزٌ؟ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
وَأَمَّا إخْرَاجُ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَالْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ وَأَحْمَد - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَدْ مَنَعَ الْقِيمَةَ فِي مَوَاضِعَ وَجَوَّزَهَا فِي مَوَاضِعَ فَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ أَقَرَّ النَّصَّ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَالْأَظْهَرُ فِي هَذَا: أَنَّ إخْرَاجَ الْقِيمَةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا مَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ مَمْنُوعٌ مِنْهُ وَلِهَذَا قَدَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُبْرَانَ بِشَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا وَلَمْ يَعْدِلْ إلَى الْقِيمَةِ وَلِأَنَّهُ مَتَى جَوَّزَ إخْرَاجَ الْقِيمَةِ مُطْلَقًا فَقَدْ يَعْدِلُ الْمَالِكُ إلَى أَنْوَاعٍ رَدِيئَةٍ وَقَدْ يَقَعُ فِي التَّقْوِيمِ ضَرَرٌ وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ مَبْنَاهَا عَلَى الْمُوَاسَاةِ وَهَذَا مُعْتَبَرٌ فِي قَدْرِ الْمَالِ وَجِنْسِهِ وَأَمَّا إخْرَاجُ الْقِيمَةِ لِلْحَاجَةِ أَوْ الْمَصْلَحَةِ أَوْ الْعَدْلِ فَلَا بَأْسَ بِهِ)
ثم يقول متابعاً في نفس السياق بعد بضع كلمات:
(وَمِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَحِقُّونَ لِلزَّكَاةِ طَلَبُوا مِنْهُ إعْطَاءَ الْقِيمَةِ لِكَوْنِهَا أَنْفَعَ فَيُعْطِيهِمْ إيَّاهَا أَوْ يَرَى السَّاعِي أَنَّ أَخْذَهَا أَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ) .مجموع الفتاوى (25/ 83).
وهو هنا يعيد ذكر ضابط ( المصلحة الراجحة) و( الحاجة) .
وقد شكك البعض بأن ابن تيمية يقصد زكاة الفطر هنا ....
لكن البرهان ابن القيم ذكر في كتابه : ((اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية)) ص 138 : ((وأنه يجوز إخراج القيمة في زكاة المال وزكاة الفطر إذا كان أنفع للمساكين )
وهو نص واضح في بيان اجتهاد ابن تيمية في زكاة الفطر وقيمتها .
وله كلام كالقاعدة العامة لديه ...يقول فيه :
"ولا يتعيّن على صاحب المال الإخراج من عين المال، لا في هذه الصورة ولا في غيرها، بل من كان معه ذهب أو فضة أو عرض تجارة، أو له حب أو ثمر يجب فيه العشر، أو ماشية تجب فيها الزكاة، وأخرج مقدار الواجب المنصوص من غير ذلك المال أجزأه ..."مجموع الفتاوى 25/56
#زكاة_الفطر_نقوداً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المنشور السادس
* نصوص في جواز إخراج (زكاة الفطر) نقوداً :
الإمام المحدّث (يحيى بن معين)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
الإمام (يحيى بن معين) ....المتوفى سنة 233هـ ....وهو أحد أئمة الجرح والتعديل ....وأحد الخبراء في علل رواية الحديث النبوي ....
ورد في ( تاريخ ابن معين) رواية الدوري عنه (3 / 476) :
( قال يحيى في زكاة الفطر: لا بأس أن يعطي فضةً)
ثم قال أيضاً في ( 3 / 563) :
(سَمِعت يحيى يَقُول: لَيْسَ بِهِ بَأْس أَن يُعْطي زَكَاة رَمَضَان فضَّة)
وزكاة رمضان هي: صدقة الفطر...كما هو عادة بعض الفقهاء في التعبير عنها
وقد أثبتها عنه ( إجازته إخراج الفضة عن زكاة الفطر) أيضاً:
الحافظ المزي في تهذيب الكمال ( 31 / 561)
والحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء ( 9 / 136)
والحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب ( 11 / 287)
#زكاة_الفطر_نقوداً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المنشور السابع
* نصوص في جواز إخراج (زكاة الفطر) نقوداً :
( أمير المؤمنين في الحديث سفيان الثوري )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أبو عبدالله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري التميمي.....ولد سنة 97هـ وتوفي سنة 161هـ
أطلق عليه علماء الحديث كشُعْبة وابن معين وابن عيينة لقبَ : ( أمير المؤمنين في الحديث) ...لعلمه وفقهه واجتهاده .
من أهم تلاميذه : أبو حنيفة وعبدالله بن المبارك والأوزاعي ....
وكان مجتهداً صاحبَ مذهب مستقل .....وله تلايذ وأتباع ....لكن مذهبه اندثر مع مستهل القرن السادس الهجري .
فمن أشهر من كان على مذهب الثوري: إمام الصوفية ببغداد ( الجنيد بن محمد القواريري ...الشهير بالجنيد البغدادي رحمه الله توفي سنة 297هـ)
وقال أبو المظفر السمعاني( توفي 489هـ) في كتابه " الأنساب " ( مادة : السفياني ) :
(السفياني: بضم السين المهملة، وسكون الفاء، بعدها الياء المنقوطة باثنتين من تحتها، وفي أخرها النون. هذه النسبة لجماعة على مذهب سفيان الثوري، وهم عدد كثير لا يحصون، وإلى الساعة أهل الدِّينور أكثرهم على مذهبه). اهـ .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثبت عنه أنه كان يفتي بجواز إخراج زكاة الفطر دراهم ونقوداً ...
ـ ذكر المحدّث ابن زنجويه ( واسمه: حميد بن مخلد الأزدي توفي سنة 251هـ وهو من علماء الحديث ) في كتابه ( الأموال) (3/ 1268):
(2454 - أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ قال: أنبأنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قال: حدثَنَا يُوسُفُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: «إِذَا أَعْطَى الدِّرْهَمَ مِنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ أَجْزَأَ عَنْهُ»
قَالَ سُفْيَانُ: إِذَا أَعْطَى قِيمَةَ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ أَجْزَأَ عَنْهُ )
وسفيان هنا هو سفيان الثوري ....وهو هنا يجيز دفع قيمة نصف صاع من الحنطة في الفطر ...وتجزئه .
ـ ذكر الفقيه ابن المنذر ( محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري ...توفي سنة 318هـ) في كتابه (الإشراف على مذاهب العلماء) (3/ 80):
( باب إخراج قيمة المكيلة بدلاً منها:
1068 - واختلفوا في إخراج قيمة صدقة الفطر بدلاً منها.
فكان الثوري، وأصحاب الرأي، يجيزون ذلك، وروى معنى قولهم عن عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري.......وفي قول مالك، والشافعي: لا يجوز البدل منه....)
فأثبت ابن المنذر مذهب الثوري في جواز إخراج قيمة زكاة الفطر بدلاً من القوت ..وجاء تعبير ابن المنذر هنا بـ( المكيلة) أي: ما يُكال ....والكَيْل: وزن معروف مستخدم .
ـ جاء في( موسوعة فقه سفيان الثوري) لأستاذنا الدكتور الموسوعي محمد رواس قلعجي رحمه الله تعالى( توفي عام 2014م):
(لا يشترط إخراج التمر أو الشعير أو البر في زكاة الفطر بل لو أخرج قيمتها مما هو أنفع للفقير جاز لأن المقصد منها إغناء الفقراء عن المسألة وسد حاجتهم في هذا اليوم ) (ص 473)
#زكاة_الفطر_نقوداً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المنشور الثامن
* نصوص في جواز إخراج (زكاة الفطر) نقوداً :
( الإمام البخاري صاحب الصحيح)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
الإمام ( أبو عبدالله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي ) المشهور بـ( الإمام البخاري) نسبةً لمولده في مدينة ( بُخارى = تقع اليوم في دولة أوزبكستان) .
ولد سنة 194هـ وتوفي 256هـ ....وهو عند علماء السنة: صاحبُ أضبطِ كتابٍ في رواية الحديث النبوي صحةً .
وهو صاحبُ مذهبٍ فقهي اجتهادي مستقل ...قد بلغ رتبة الاجتهاد
يقول الحافظ الذهبي:
( كان إماماً حافظاً حجةً رأساً في الفقه والحديث ، مجتهداً من أفراد العالَم) ( الكاشف للذهبي2/156)
يقول الدكتور نور الدين عتر ـ حفظه الله ـ:
( والأمثلة التي ضمَّها بحثُنا عن فقهه ....يدلُّ على أنه مجتهد بلغ رتبة المجتهدين ، وليس مقلداً لمذهب كما يدعي بعض أتباع المذاهب) (الترمذي والموازنة بين جامعه والصحيحين للعتر 1/391) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وكان للبخاري طريقةٌ في وضع فقهه واختياراته الاجتهادية عبر وضع عناوين وتراجم للأحاديث التي يذكرها ...فَيَفهمُ العلماء من عنوان الباب (فقهَ البخاري واختياره).
في كتاب الزكاة من صحيح البخاري أورد البخاري ما يلي:
(بَابُ العَرْضِ فِي الزَّكَاةِ
وَقَالَ طَاوُسٌ: قَالَ مُعَاذٌ رَضِيَ الله عَنْهُ لِأَهْلِ اليَمَنِ:
«ائْتُونِي بِعَرْضٍ ثِيَابٍ خَمِيصٍ - أَوْ لَبِيسٍ - فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ وَخَيْرٌ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ» وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَأَمَّا خَالِدٌ فَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ» فَلَمْ يَسْتَثْنِ صَدَقَةَ الفَرْضِ مِنْ غَيْرِهَا، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي خُرْصَهَا وَسِخَابَهَا، وَلَمْ يَخُصَّ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ مِنَ العُرُوضِ "
1448 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ، أَنَّ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ لَهُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ وَيُعْطِيهِ المُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا، وَعِنْدَهُ ابْنُ لَبُونٍ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ» .) ا.هـ
__________
شرح المفردات: و(العَرْضُ) : هو كل شيء ما عدا النقود ، و(خميص) ثوب ذو خطوط. و(لبيس) ملبوس أو كل ما يلبس. و(احتبس) وَقَفَ. (أدراعه) جمع دِرْع وهو ما يلبس للحرب. (أعتده) جمع عتد وهو ما يعده الرجل من الدواب والسلاح وغير ذلك للحرب. (حليكن) جمع حلي وهو ما تتخذه المرأة للزينة من سوار وخاتم وغيره. (خرصها) الحلقة التي تعلق في الأذن. (سخابها) قلادتها.
(كتب له التي أمر الله رسوله) بين له - كتابة - فريضة زكاة الحيوان التي أمر الله تعالى بها رسوله صلى الله عليه وسلم. (صدقته) زكاته. (بنت مخاض) الأنثى من الإبل التي تمَّ لها سنة. (بنت لبون) التي تم لها سنتان. (المصدق) العامل الذي يجمع الزكاة. (على وجهها) الوجه الذي فرضه الله تعالى في الزكاة بلا تعد]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقول الحافظ ابن حجر في شرحه لصحيح البخاري المُسمى ( فتح الباري) 3/ 312 :
(قَوْلُهُ بَابُ الْعَرْضِ فِي الزَّكَاةِ)
أَيْ: جَوَازُ أَخْذِ الْعَرْضِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ وَالْمُرَادُ بِهِ مَا عَدَا النَّقْدَيْنِ . قَالَ ابن رَشِيدٍ( السبتي توفي 721هـ): وَافَقَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْحَنَفِيَّةَ مَعَ كَثْرَةِ مُخَالَفَتِهِ لَهُمْ لَكِنْ قَادَهُ إِلَى ذَلِكَ الدَّلِيلُ )
ثم يقول ابن حجر بعد ذلك : (إِلَّا أَنَّ إِيرَادَهُ لَهُ فِي مَعْرِضِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ يَقْتَضِي قُوَّتَهُ عِنْدَهُ وَكَأَنَّهُ عَضَّدَهُ عِنْدَهُ الْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الْبَابِ) .
فابن رشيد البستي وابن حجر يؤكدان أن جواز إخراج القيمة أوالعرض بدل العين المتعينة في الزكاة هو مذهب البخاري واختياره ....ويوافق الأحناف في هذه النقطة ....بل ويستدل بعمل الصحابي الجليل أعلم الناس بالحلال والحرام ( معاذ بن جبل) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الشيخ المالكي ( محمد مولود بن أحمد اليعقوبي الشنقيطي ـ توفي 1323هـ) في منظومته في الفقه المالكي:( كفاف المبتدي ) ، في معرض الحديث عن زكاة الفطر وإخراج القيمة بدل القوت:
وقيمةُ الزكاة عنها تكفي ...... لدى الإمام الحنفي والجُعْفي
وهو الذي به يقول أشهبُ ....... ومثله للعتقيّ ينسبُ
و(الحنفي) :نسبة لأبي حنيفة ، و(الجُعْفي) :هو البخاري صاحب الصحيح فقد كان جده من موالي أمير بخارى محمد الجُعفي ـ جعفة قبيلة يمانية ـ، و( أشهب) من كبار علماء المالكية وله قولٌ بجواز إخراج زكاة الفطر دراهم ، و(العتقي) : هو ابن القاسم المالكي ...وينسب له قولٌ بجواز إخراج زكاة الفطر نقداً .
#زكاة_الفطر_نقوداً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المنشور التاسع
* نصوص في جواز إخراج (زكاة الفطر) نقوداً :
( المحدث الفقيه إسحاق بن راهويه والفقيه أبو ثور)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( فقهاء أجازوا القيمة في زكاة الفطر للضرورة)
ذكر إمام ابن المنذر (أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري المتوفى سنة 319هـ) في كتابه : (الإشراف على مذاهب العلماء ) (3/ 80) تحت باب : (باب إخراج قيمة المكيلة بدلاً منها) يقول :
(واختلفوا في إخراج قيمة صدقة الفطر بدلاً منها.
فكان الثوري، وأصحاب الرأي، يجيزون ذلك، وروى معنى قولهم عن عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري.
وفي قول مالك، والشافعي: لا يجوز البدل منه.
وقال إسحاق، وأبو ثور: لا يجوز ذلك إلا عند الضرورة.) ا.هـ
فأما (أبو ثور) فهو: إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي البغدادي ....وهو فقيهٌ من بغداد .....صاحبُ مذهب مستقل ومن أصحاب الإمام الشافعي، ونقل الأقوال القديمة عنه،. ..توفي في سنة 246هـ ببغداد .
وأما (إسحاق ) فهو إسحاق بن راهويه الحنظلي التميمي ..(ولد سنة 161 هـ- وتوفي سنة 238 هـ ) ....من أئمة الحديث والاستنباط.
#زكاة_الفطر_نقوداً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المنشور العاشر
* نصوص في جواز إخراج (زكاة الفطر) نقوداً :
يجوز إخراج زكاة الفطر وباقي أنواع الزكوات نقداً عند الشافعي وأصحاب عند الضرورة !!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنقل نصَّ محرّرِ المذهب وأحد شيوخه الإمام النووي ( يحيى بن شرف الحزامي النووي 631هـ - 676هـ ) في كتابه : المجموع شرح المهذب (5/ 431) ...حيث يقول:
(
* (فَرْعٌ)
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا إخْرَاجُ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ
قَالَ أَصْحَابُنَا :
هَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ (أي: مذهب الشافعية جواز إخراج القيمة في مختلف أنواع الزكاة ومنها زكاة الفطر عند الضرورة)
وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ فِي مَسْأَلَةِ اجْتِمَاعِ الْحِقَاقِ وَبَنَاتِ اللَّبُونِ فِي مِائَتَيْنِ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُمْ قَالُوا: يُعْدَلُ فِي الزَّكَاةِ إلَى غَيْرِ الْجِنْسِ الْوَاجِبِ لِلضَّرُورَةِ كَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَاةٌ فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ فَفَقَدَ الشَّاةَ وَلَمْ يُمْكِنْهُ تَحْصِيلُهَا فَإِنَّهُ (يُخْرِجُ قِيمَتَهَا دَرَاهِمَ وَيُجْزِئُهُ) كَمَنْ لَزِمَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ فَلَمْ يَجِدْهَا وَلَا ابْنَ لَبُونٍ لَا في ماله ولا بالثمن فإنه يعدل إلى الْقِيمَةِ .
وَسَبَقَ هُنَاكَ أَنَّهُ إذَا وَجَبَ أَخْذُ الْأَغْبَطِ وَأَخَذَ السَّاعِي غَيْرَهُ وَأَوْجَبْنَا التَّفَاوُتَ ( يَجُوزُ إخْرَاجُهُ دَرَاهِمَ إنْ لَمْ يُمْكِنْ تَحْصِيلُ شِقْصٍ بِه )ِ وَكَذَا إنْ أَمْكَنَ عَلَى الْأَصَحِّ وَذَكَرْنَا هُنَاكَ نَظَائِرَهُ وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي بَابِ النِّيَّةِ فِي الزَّكَاةِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فِي التَّفَاوُتِ عِنْدَ إمْكَانِ الشِّقْصِ ....
* قَالَ( إمام الحرمين الجويني): وَلَوْ لَزِمَهُ شَاةٌ عَنْ أَرْبَعِينَ ثُمَّ تَلِفَ الْمَالُ كُلُّهُ بَعْدَ إمْكَانِ الْأَدَاءِ وَعَسُرَ تَحْصِيلُ شَاةٍ (وَمَسَّتْ حَاجَةُ الْمَسَاكِين)ِ فَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّهُ (يُخْرِجُ الْقِيمَةَ لِلضَّرُورَةِ وَلَا سَبِيلَ إلَى تأخيز حَقِّ الْمَسَاكِين) .....) .
يقول الإمام النووي:
(* وَمِنْ مَوَاضِعِ الضَّرُورَةِ الَّتِي تُجْزِئُ فِيهَا الْقِيمَةُ :
ـ مَا إذَا (أَلْزَمَهُمْ السُّلْطَانُ بِالْقِيمَةِ وَأَخَذَهَا مِنْهُمْ فَإِنَّهَا تُجْزِئُهُم) ......وهكذا قَطَعَ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِإِجْزَاءِ القيمة التي أخذها الساعي ونقله أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ كَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ وَصَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُمْ فِي بَابِ الْخُلْطَةِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْأُمِّ ، قَالُوا : نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ (أَنَّهُ تُجْزِئُهُ الْقِيمَةُ) وَأَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى خَلِيطِهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْقِيمَةِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ (حُكْمٌ مِنْ السَّاعِي فِيمَا يَسُوغُ فيه الاجتهاد فوجب إمضاؤه ) .
قالوا وهذا هُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالُوا:
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: لَا تُجْزِئُهُ الْقِيمَةُ الَّتِي يَأْخُذُهَا السَّاعِي وَلَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى خَلِيطِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ الْوَاجِبِ .
يقول النووي: وَهَذَا الْوَجْهُ غَلَطٌ ظَاهِرٌ مُخَالِفٌ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلِلْأَصْحَابِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تعالي وللدليل وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ) ا.هـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعليق من أبي عبدالله محمد سالم :
ـ زكاة الفطر عند أصل مذهب الشافعية لا يُجزئ فيها إخراج القيمة بدل الصاع المنصوص.
ـ أجاز الأصحاب ( أصحاب الوجوه في المذهب) إخراج القيمة في الزكاة عند ( الضرورة ) .
ـ جمع الإمام النووي بعضَ صور الضرورة في كتابه ( المجموع شرح المهذب) :
1ـ من وجب عليه نوع من الشياه ( في زكاة الإبل أو الشياه أو البقر) ...ففقده ولم يجده ...فيجوز العدول للقيمة ( ما يماثل قيمةَ الواجب دراهم )
2 ـ إذا وجب النوع الأعلى من الشياه ...فأخذ الساعي النوع الأدنى ...فيمكن تعويض الفارق بالقيمة ( دراهم) .
3 ـ إذا ألزمَ السلطانُ الناسَ بإخراج القيمة بدل الأعيان ....فيجوز دفع القيمة للساعي (الموكّل بجمع الزكاة من طرف السلطان) ..وتجزئ المُؤدّي .
قلتُ: والنص الذي أشار له النووي نقلاً عن مراجع الفقه الشافهي منسوباً للإمام الشافعي وجدتُه في كتاب الأم باب صدقة الخلطاء (2/15) حيث قال الشافعي رحمه الله :
( كَذَلِكَ لَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِمَا شَاةٌ فَأَخَذَ بِقِيمَتِهَا دَرَاهِمَ، أَوْ دَنَانِيرَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ إلَّا بِقِيمَةِ نِصْفِ الشَّاةِ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِمَا )
وجبت عليهما: أي الشريكين ، فأخذ : الساعي الجامع للزكاة ...لأن كلام الشافعي كان في سياق أخذ الساعي لصدقة الخلطاء / لم يرجع عليه: أي لم يرجع أحد الشركاء الذي دفع القيمة دراهم أو دنانير على شريكه إلا بنصف قيمة الشاة المدفوعة .
وهناك ملاحظة مهمة جداً:
وهي طريقة فهم العلماء للخلافات المذهبية ....لأن الأصحاب حين أيّدوا فتوى الإمام الشافعي بقبول أخذ الساعي للقيمة في الزكوات وإجزائها قالوا : ( لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ مِنْ السَّاعِي فِيمَا يَسُوغُ فيه الاجتهاد فوجب إمضاؤه ) .
فلاحظ أيها القارئ حسنَ تعليلهم : (فيما يسوغ فيه الاجتهاد ) ....فأين المتفيقهون في زماننا من هذا الفهم والأدب ؟!
#زكاة_الفطر_نقوداً
وكتبه أبو عبدالله محمد عبدالله سالم في الكويت المحروسة في أصله 15/6/2017 ...وأعاد ترتيبه في 6/6/2018 في مبدإ ليلة الثاني والعشرين من رمضان المعظم 1439هـ.
في أبريل 18, 2022 

الاثنين، 17 مارس 2025

سُئل الشيخ بن عثيمين في لقاء الباب المفتوح رقم الشريط (س211): ما حكم المشاركة في الانتخابات ؟

 سُئل الشيخ بن عثيمين في لقاء الباب المفتوح رقم الشريط (س211): ما حكم المشاركة في الانتخابات ؟

فأجاب الشيخ رحمه الله تعالى:
((أنا أرى أنَّ الانتخابات واجبة, يجب أن نعين من نرى أنَّ فيه خيراً, لأنه إذا تقاعس أهل الخير من يحل محلهم؟ أهل الشر, أو الناس السلبيون الذين ليس عندهم لا خير ولا شر؛ أتباع كل ناعق، فلا بد أن نختار من نراه صالحاً.
فإذا قال قائل: اخترنا واحداً لكن أغلب المجلس على خلاف ذلك؟
نقول: لا بأس, هذا الواحد إذا جعل الله فيه بركة وألقى كلمة الحق في هذا المجلس سيكون لها تأثير ولابد, لكن ينقصنا الصدق مع الله, نعتمد على الأمور المادية الحسية ولا ننظر إلى كلمة الله عز وجل,
ماذا تقول في موسى عليه السلام عندما طلب منه فرعون موعداً ليأتي بالسحرة كلهم, واعده موسى ضحى يوم الزينة -يوم الزينة هو: يوم العيد؛ لأنَّ الناس يتزينون يوم العيد- في رابعة النهار وليس في الليل, في مكان مستوٍ, فاجتمع العالم، فقال لهم موسى عليه الصلاة والسلام: "وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى" كلمة واحدة صارت قنبلة, قال الله عز وجل: "فَتَنَازَعُوا أمرهُمْ بَيْنَهُمْ" الفاء دالة على الترتيب والتعقيب والسببية, من وقت ما قال الكلمة هذه تنازعوا أمرهم بينهم, وإذا تنازع الناس فهو فشل, كما قال الله عز وجل: "وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا"؛ "فَتَنَازَعُوا أمرهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى", والنتيجة أنَّ هؤلاء السحرة الذين جاءوا ليضادوا موسى صاروا معه, ألقوا سجداً لله, وأعلنوا: "آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى", وفرعون إمامهم, أثرت كلمة الحق من واحد أمام أمة عظيمة زعيمها أعتى حاكم.
فأقول: حتى لو فرض أنَّ مجلس البرلمان ليس فيه إلا عدد قليل من أهل الحق، والصواب سينفعون, لكن عليهم أن يصدقوا الله عز وجل.
أما القول: إنَّ البرلمان لا يجوز، ولا مشاركة الفاسقين, ولا الجلوس معهم؟
هل نقول: نجلس لنوافقهم؟!
نجلس معهم لنبين لهم الصواب.
بعض الإخوان من أهل العلم قالوا: لا تجوز المشاركة, لأنَّ هذا الرجل المستقيم يجلس إلى الرجل المنحرف!, هل هذا الرجل المستقيم جلس لينحرف أم ليقيم المعوج؟!
نعم؛ ليقيم المعوج ويعدل منه, إذا لم ينجح هذه المرة نجح في المرة الثانية))
*
- فتوى للشيخ بن عثيمين حول حكم المشاركة في الانتخابات ؟مسجلة على اليوتيوب

الأحد، 16 مارس 2025

رسالة إلى المتشددين في حكم اللحية: حكم حلق اللحية والأخذ منها :

رسالة إلى المتشددين في حكم اللحية:


حكم حلق اللحية والأخذ منها :
قال ابن عبد البر في الاستذكار 4/317: ( وفي أخذ بن عمر من آخر لحيته في الحج دليل على جواز الأخذ من اللحية في غير الحج لأنه لو كان غير جائز ما جاز في الحج لأنهم أمروا أن يحلقوا أو يقصروا إذا حلوا محل حجهم ما نهوا عنه في حجهم, وابن عمر روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعفوا اللحى وهو أعلم بمعنى ما روى فكان المعنى عنده وعند جمهور العلماء الأخذ من اللحية ما تطاير والله أعلم ...
وعن مالك : أنه بلغه أن سالم بن عبد الله كان إذا أراد أن يحرم دعا بالجلمين فقص شاربه وأخذ من لحيته قبل أن يركب وقبل أن يهل محرما
قال أبو عمر : هذا أحسن لأنه معلوم أن الشعر يطول ويسمح ويثقل فتأهب لذلك, وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وطائفة من أصحابه في الطيب قبل الإحرام ما يدفع عنهم ريح عرق أبدانهم هذا واضح والقول فيه تكلف لوضوحه, وفيه أنه جائز أن يأخذ الرجل من لحيته وذلك إن شاء الله كما قال مالك يؤخذ ما تطاير منها وطال وقبح)اه
وفي الاستذكار أيضا 8/429 :(قال أبو عمر : روى أصبغ عن بن القاسم قال سمعت مالكا يقول: لا بأس أن يأخذ ما تطاير من اللحية وشذ, وقال : فقيل لمالك : فإذا طالت جدا فإن من اللحى ما تطول قال : أرى أن يؤخذ منها وتقصر...
قال أبو عمر : قد صح عن ابن عمر ما ذكرناه عنه في الأخذ من اللحية وهو الذي روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى وهو أعلم بما روى ) اه
وقال في التمهيد 24/145 : (اختلف أهل العلم في الأخذ من اللحية : فكره ذلك قوم وأجازه آخرون, وأخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد قال حدثنا أبي قال حدثنا محمد بن فطيس قال حدثنا يحيى بن إبراهيم قال حدثنا أصبغ عن ابن القاسم قال سمعت مالكا يقول : لا بأس أن يؤخذ ما تطايل من اللحية وشذ قال فقيل لمالك : فإذا طالت جدا فإن من اللحى ما تطول قال : أرى أن يؤخذ منها وتقصر... قال أبو عمر : هذا ابن عمر روى اعفوا اللحى وفهم المعنى فكان يفعل ما وصفنا, وقال به جماعة من العلماء في الحج وغير الحج ) اه
وفي المنتقى شرح الموطأ 7/165 : (فصل) : وقوله صلى الله عليه وآله وسلم أعفوا اللحى قال : أبو عبيد معناه وفروا اللحى لتكثر يقال منه عفا بنو فلان إذا كثروا . وقال القاضي أبو الوليد رضي الله عنه: ويحتمل عندي أن يريد أن تعفى اللحى من الإحفاء ; لأن كثرتها أيضا ليس بمأمور بتركه) اه
وفي شرح الزرقاني على الموطأ 4/426 : (روى الترمذي وقال غريب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها بالسوية
أي ليقرب من التدوير من كل جانب لأن الاعتدال محبوب والطول المفرط قد يشوه الخلق ويطلق ألسنة المغتابين ففعل ذلك مندوب ما لم ينته إلى تقصيص اللحية وجعلها طاقات فيكره أو يقصد الزينة والتحسين لنحو النساء
فلا منافاة بين فعله وأمره لأنه في الأخذ منها لغير حاجة أو لنحو تزيين وفعله فيما احتيج إليه لتشعث أو إفراط طول يتأذى به, وقال الطيبي : المنهي عنه قصها كالأعاجم أو وصلها كذنب الحمام وقال الحافظ : المنهي عنه الاستئصال أو ما قاربه بخلاف الأخذ المذكور ) اه
وفي الثمر الداني 1/683 : (قال مالك ولا بأس بالأخذ) بمعنى يستحب الأخذ (من طولها إذا طالت كثيرا ) والمعروف لا حد للأخذ منها إلا أنه لا يتركها لنحو الشهرة ( و ) ما قاله مالك ( قاله ) قبله ( غير واحد ) أي أكثر من واحد ( من الصحابة والتابعين ) رضي الله عنهم أجمعين ) اه
وفي الفواكه الدواني 2/306 : ( ولا بأس بحلق غيرها أي غير العانة من شعر الجسد كشعر اليدين والرجلين ونحوهما من بقية شعر الجسد حتى شعر حلقة الدبر إلا الرأس واللحية فإن حلقهما بدعة محرمة في اللحية وغير محرمة في الرأس لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يحلق رأسه إلا في التحلل من الحج والظاهر من لا بأس الإباحة ) اه
وفي الفواكه الدواني أيضا 2/307 : (والمتبادر من قوله (وأمر) الوجوب وهو كذلك إذ يحرم حلقها إذا كانت لرجل وأما قصها فإن لم تكن طالت فكذلك, وأما لو طالت كثيرا فأشار إلى حكمه بقوله: قال مالك رضي الله عنه: ولا بأس بالأخذ من طولها إذا طالت طولا كثيرا بحيث خرجت عن معتاد غالب الناس فيقص الزائد لأن بقاءه يقبح به المنظر
وحكم الأخذ الندب فلا بأس هنا لما هو خير من غيره, والمعروف لا حد للمأخوذ وينبغي الاقتصار على ما تحسن به الهيئة, وقال الباجي: يقص ما زاد على القبضة ويدل عليه فعل ابن عمر وأبي هريرة فإنهما كانا يأخذان من لحيتهما ما زاد على القبضة والمراد بطولها طول شعرها فيشمل جوانبها فلا بأس بالأخذ منها أيضا...)اه
وفي الفواكه الدواني أيضا 2/308 : (تنبيهان :
الأول : ظاهر كلام المصنف أنه لا يجوز إلا أخذ الزائد على المعتاد فيفهم منه أنه لا يجوز حلق ما تحت الحنك وهو كذلك فقد نقل عن مالك كراهته حتى قال إنه من فعل المجوس ونقل عن بعض الشيوخ أن حلقه من الزينة فتكون إزالته من الفطرة
وأقول: يمكن الجمع بحمل كلام الإمام على ما يلزم على بقائه تضرر الشخص ولا تشويه خلقته وكلام غيره على ما يلزم على بقائه قبح منظر صاحبه أو تضرره به وقد روي أن عليه الصلاة والسلام كان يأخذ من عرض لحيته وطولها وكان يأمر أن يؤخذ من باطن اللحية وأما شعر الخد فالذي اختاره ابن عرفة جواز إزالته ... وأما شعر العنفقة فيحرم إزالته كحرمة إزالة شعر اللحية وقيدنا ذلك بالرجل لما مر من أن المرأة يجب عليها إزالة ما عدا شعر رأسها
الثاني : لم يتكلم المصنف على نتف الشيب من اللحية وقال مالك حين سئل عنه : لا أعلمه حراما وتركه أحب إلي أي إزالته مكروهة على الصواب كما يكره تخفيف اللحية والشارب بالموسى تحسينا وتزيينا وإن قصد بذلك التلبيس على النساء كان أشد في النهي ) اه
وفي كفاية الطالب الرباني 2/580: ( وأمر النبي ) صلى الله عليه وآله وسلم في الموطأ ( أن تعفى ) أي توفر ( اللحية ) وقوله ( وتوفر ولا تقص ) تأكيد وقوله ( قال مالك ) رحمه الله ( ولا بأس بالأخذ ) بمعنى يستحب الأخذ ( من طولها إذا طالت كثيرا ) والمعروف لا حد للأخذ منها إلا أنه لا يتركها لنحو الشهرة ( و ) ما قاله مالك ( قاله ) قبله ( غير واحد ) أي أكثر من واحد ( من الصحابة والتابعين ) رضي الله عنهم أجمعين ) اه
وفي حاشية العدوي عليه 2/580 : (من طولها ) وكذا يندب الأخذ من عوارضها كما قال ابن ناجي, قوله ( إذا طالت كثيرا ) أي لا إن لم تطل أو طالت قليلا وفسر بعض الشراح الكثرة بأن خرجت عن المعتاد لغالب الناس أي فيندب له أن يقص الزائد لأن بقاءه يقبح به المنظر
فإن قلت : وما حكم القص عند عدم الطول أو الطول القليل قلت : صرح بعض الشراح بأنه يحرم القص إن لم تكن طالت كالحلق والظاهر أن محل الحرمة كما أفدناك سابقا إذا كان يحصل بالقص مثلة وهو ظاهر عند عدم الطول أو الطول القليل وتجاوز في القص وأما إذا طالت قليلا وكان القص لا يحصل به مثلة فالظاهر أنه خلاف الأولى وحرر
قوله ( والمعروف لا حد للأخذ منها ) أي أنها إذا طالت كثيرا وقلنا لا بأس بالأخذ منها فاختلف على قولين, المعروف منهما أنه لا حد للأخذ أي فيقتصر على ما تحسن به الهيئة ومقابل المعروف ما قاله الباجي أنه يقص ما زاد على القبضة ويدل له ما روي أن ابن عمر وأبا هريرة كانا يأخذان من اللحية ما زاد على القبضة إلا أنك خبير بأن هذا المقابل لا يقضي بأن محل الخلاف إذا طالت كثيرا كما هو مفاد شارحنا فتدبر...
واختار ابن عرفة جواز إزالة شعر الخد وندب قص شعر الأنف لا نتفه لأن بقاءه أمان من الجذام ونتفه يورث الأكلة ويحرم إزالة شعر العنفقة كما يحرم إزالة شعر اللحية وإزالة الشيب مكروهة كما يكره تخفيف اللحية والشارب بالموسى تحسينا وتزيينا ) اه
وفي مواهب الجليل1/217 : (وحلق اللحية لا يجوز وكذلك الشارب وهو مثلة وبدعة!! ويؤدب من حلق لحيته أو شاربه إلا أن يريد الإحرام بالحج ويخشى طول شاربه
قال ابن يونس في جامعه: قال مالك فيمن أحفى شاربه يوجع ضربا وهو بدعة!! وإنما الإحفاء المذكور في الحج إذا أراد أن يحرم فأحفى شاربه خشية أن يطول في زمن الإحرام ويؤذيه وقد رخص له فيه وكذلك إذا دعت ضرورة إلى حلقه أو حلق اللحية لمداواة ما تحتها من جرح أو دمل أو نحو ذلك والله تعالى أعلم ) اه
وقال القرطبي في المفهم في شرح صحيح مسلم 1/512: ( لا يجوز حلق اللحية ، ولا قصها ، ولا قص الكثير منها، فأما أخذ ما تطاير منها من المشوه ويدعو إلى الشهرة طولاً وعرضاً فحسن عند مالك وغيره من السلف)اه