الخميس، 3 يونيو 2021

هل حرّم الإسلام الغناء والموسيقى؟!


 هل حرّم الإسلام الغناء والموسيقى؟!

حينها كنتُ في السجن، وكنت اقرأ روايًة لأحلام مستغانمي، وجاء في إحدى صفحاتها : (خلق الله العالم كيّ يؤلف بيتهوفين سيمفونيّته التاسعة)، حينها – وبالرغم من اعتراضي على النصّ من ناحية شرعية – اضطرمت في نفسي الرغبة لأسمع هذه السمفونيّة التي قيل فيها لشدّة حسنها أنّ الله خلق العالم من أجل أنّ يؤلفها بيتهوفين، ولسوء طالعي، أنّ هذه الرغبة المضطرمة في نفسي لم يكن بإمكاني تحقيقها بحكم واقع السجن، ولمّا أن منّ الله عليّ بالإفراج، اخمدت النار المضطرمة في نفسي بسماع هذه السيمفونيّة، وقد لمست فيها بحقّ جمالًا باهرًا تستلذ به النفس وتعجب به.
الموسيقى يا سادة، آيةٌ من آيات الجمال في هذا الكون، وإذا كان الله -عزّ وجلّ- قد خلق هذا الكون الخضّم وأفاض فيه من آيات الجمال ما لا يحصى ولا يعدّ.. فإنّ الفنّ المحكوم بالذوق والأدب، هو وسيلةٌ من وسائل استشعار هذا الجمال المسكوب في آفاق هذا الكون الفسيح.. والحقّ إنّ المرء ليعجب- بحكم فطرته الإنسانيّة الميّالة لتذوق الجمال الذي تأنس به النفس وتعجب لرؤيته وسماعه- لآراء اولئك الغلاة، الذين يريدون قمع الفطرة الإنسانيّة المحبّة لتذوق الجمال، بلّ وليّ اعناق نصوص دين الفطرة، الذي جاء ينظم الغريزة الإنسانيّة ويهذبها لا ليقوم بقمعها والقضاء عليها.
يقول د. محمد عمارة: سماع الآلات ذات النغمات أوّ الأصوات الجميلة، لا يمكن أنّ يحرم باعتباره صوت آلة، أو صوت إنسان، أو صوت حيوان، وإنما يحرم إذا استعين به على محرّم، أو أتخذّ وسيلة إلى محرم.."
لقد شنّ بعض من الدعاة حَملات، وخاضوا معارك حامية الوطيس للقضاء على ظاهرة الغناء والموسيقى، بل وشاهدت في أحد الأيام مقطع يقوم فيه داعية إلى الله بتحطيم آلةٍ موسيقية، وكأنّها سبب انتكاس الإسلام وارتكاسه، أو كأنّها سبب من الأسباب التي حوّلت هذه الأمّة من خير أمّة أخرجت للناس إلى أمّة غثاء السيل، وبعضهم يحرّم الغناء والموسيقى مستدلًا بالآية: "وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ..".
إنّ اللهو يندرج تحت إطار المناشط الإنسانيّة المباحة، وهو كلّ ما يشتغل به الإنسان وينشغل به عن سواه، وقد ورد ذُكر اللهو في موضعٍ آخر في القرآن الكريم مع المناشط الإنسانيّة الأخرى، منها الفرائض والضرورات والمباحات : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11)" لقمان.. فالبيع ليس حرامًا إذا لم يلهنا عن الفرائض كالصلاة، واللهو ليس حرامًا إذا لم يلهنا عن الفرائض أيضًا.. فاللهو ليس حرامًا لذاته وعينه، وإنّما يحرّم إذا شُغل به الإنسان عن الواجبات.
ولله درّ حجة الإسلام أبو حامد الغزالي إذّ يقول: "إن الأصل في الأصوات حناجر الحيوانات، وانما وضعت المزامير على أصوات الحناجر، وهو تشبيه للصنعة بالخلقة التي استأثر الله تعالى باختراعها، فمنه تعلّم الصناع، وبه قصدوا الاقتداء.. فسماع هذه الأصوات يستحيل أن يحرم لكونها طيبة أو موزونة، فلم يذهب أحد الى تحريم صوت العندليب، ولا فرق بين حنجرة وحنجرة، ولا بين جماد وحيوان، فينبغي أن يقاس على صوت العندليب الأصوات الخارجة من سائر الأجسام باختيار الآدمي، كالذي يخرج من حلقه أو من القضيب والطبل والدف وغيرها.. ومن لم يهزه العود وأوتاره، والروض وازهاره، فهو فاسد المزاج، ليس له علاج!". فإذا كان من غير المنطقي تحريم الأصوات الجميلة إذا جاءت من حنجرة بلبل أو عندليب أو كروان، فمن غير المنطقي أيضًا أنّ تحرّم إذا جاءت من حنجرة إنسان، وإذا كان من غير المنطقي تحريم أنغام الأشجار والأوراق حينما تهزّها الرياح، فإنّه من غير المنطقي أيضًا تحريم الأنغام إذا صدرت من آلة موسيقية في عصرٍ من الإعصار.
ولقد أُقرّ الغناء في عهد النبيّ محمد -عليه الصلاة والسلام- كما ورد ذلك في عددٍ من الأحاديث الصحيحة التي تدلّ على حلّ الغناء، ومنها ما رواه البخاري عن عائشة: "دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- وعندي جاريتان تغنيّان بغناء بُعاث، فاضجع على الفراش وحوّل وجهه، فدخل أبو بكر، فانتهرني، وقال: مزمار الشيطان عند رسولِ الله، فاقبل عليه رسول الله وقال: دعهما»، ونحن هنا أمام حادثة أقرّ فيها النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- حلّ الغناء، وتحويل الوجه كما ذكر أهل العلم إنمّا هو لغضّ البصر. ومنها ما رواه البخاري -أيضًا- عن عائشة أنّها زفّت امرأة إلى رجلٍ من الأنصار، فقال عليه الصلاة والسلام: "يا عائشة، أما كان معكم لهو؟ فإنّ الأنصار يعجبهم اللهو"، بلّ ورشّح لها النبيّ الكلمات كما ذُكر في الرواية. ويروي النسائي عن السائب بن يزيد، أنّ امرأة جاءت إلى رسول الله، فقال لعائشة: «يا عائشة، أتعرفين هذه؟ قلت: لا يا نبي الله، قال: قنية بني فلان، تحبين تغنيك؟ فغنتها".
ويروي النسائي أيضًا عن عامر بن سعد يقول: دخلت على قرظة بن كعب، وأبي مسعود الأنصاري في عرس، وإذا جوار يغنين، فقلت: أنتما صاحبا رسول الله، ومن أهل بدر، يفعل هذا عندكم؟ فقالا: «اجلس إن شئت فاسمع معنا، وإن شئت اذهب، فقد رُخّص لنا في اللهو عند العرس". وقد ورد تسعة عشر حديثًا تنهى عن الغناء والمعازف أوّ تحرّمها، وهذه الأحاديث علاوة على أنّها تعارض الأحاديث الصحيحة المذكورة، لم يسلم منها حديث واحد من القدح برواته!.. وفي بعض الأحاديث والفتاوى ما يحرّم الغناء ليس لذاته ولعينه، وإنمّا لما يُقرن به من المحرمات، كمجالس الخمر، أوّ لصدّ الناس عن القرآن كالتغبير -وهو لون من الغناء- افتعله الزنادقة ليصدوا الناس عن القرآن.
"وإذن.. فسماع الآلات، ذات النغمات أوّ الأصوات الجميلة، لا يمكن أنّ يحرم باعتباره صوت آلة، أو صوت إنسان، أو صوت حيوان، وإنما يحرم إذا استعين به على محرّم، او أتخذّ وسيلة إلى محرم، أو ألهى عن واجب".. د. محمد عمارة. وهكذا.. وبحكم المنطقّ السويّ في التفكير، ينظر الإسلام -دين الفطرة- الذي جاء يحثّ على الجمال، وينظم غرائز الإنسان ويهذبها، إلى الغناء والمعازف. لم يكن الإسلام يومًا دينًا أسود، مقطّب الجبين، يحرم الإنسان من التلذذ باللهو والجمال، بلّ أحلها وجعلها من المباحات في ضوابط.
في النهاية أقول: أنّه ينبغي على الإنسان الذي أكرمه الله -عزّ وجلّ- بالعقل، ومنّ عليه أن خلقه بفطرةٍ سويّة، أنّ يُخضع كلّ ما يسمع لعقله، ولفطرته الإنسانيّة، حتّى يستطيع أنّ يكشف زيوف ما يكرره بعض الدعاة من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، والاسرائيليات المكذوبة، والقصص والمنامات الواهية!

الثلاثاء، 1 يونيو 2021

فتوى جديدة للشيخ محمد علي فركوس في حكم الإنكار العَلَني على ولاة الأمر!!

 



#جديد فركوس في حكم الإنكار العَلَني على ولاة الأمر

السؤال:
يعتقدُ جماعةٌ من طلبةِ العلمِ عدمَ جوازِ الإنكارِ العَلَني على وُلاة الأمرِ مُطلقًا، وأضافوا ذلك الحكمَ إلى مذهبِ السَّلف قاطبةً، مُستدلِّينَ بالنُّصوصِ الآمرةِ بنُصحِهم سِرًّا، ونسبوا المُخالِفين لهم ـ في هذا الحكم ـ إلى الجهلِ بأصولِ منهجِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ في التَّعامُل مع الحُكَّامِ.
فنرجو مِنْ شيخِنا ـ حفظه الله ـ تجليةَ هذه المَسألةِ التي أخذت حَيِّزًا واسعًا مِنَ المُجادلةِ والنِّقاشِ بين طلبةِ العِلمِ ـ حاليًّا ـ بين مُؤيِّدٍ ومُعارِضٍ، لا سِيَّمَا على مواقعِ التَّواصُلِ في الشَّبكةِ العنكبوتيَّةِ، وجزاكم اللهُ خيرًا.
الجواب:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسَّلام على مَن أرْسَله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعدُ:
اعلم ـ رحمك الله ـ أنَّ مِنْ وجوهِ النَّصيحةِ لأئمَّةِ المُسلمين: تذكيرَهم بالمَسؤوليَّةِ المُلْقاةِ على عاتِقِهم، وتعريفَهم بالأخطاء والمُخالَفات التي وَقَعوا فيها برِفقٍ وحِكمةٍ ولُطْفٍ، والأصلُ في وَعْظِهم أَنْ يكون سِرًّا عند الإمكانِ مِنْ غيرِ فضحٍ ولا توبيخٍ ولا تشنيعٍ، قال الشافعيُّ ـ رحمه الله ـ: «مَنْ وَعَظَ أخاهُ سِرًّا فقَدْ نَصَحَه وَزَانَه، ومَنْ وَعَظَه عَلَانِيَةً فقَدْ فَضَحَه وشانَهُ»(١)، وقال ابنُ رجبٍ ـ رحمه الله ـ: «وكان السَّلفُ إذا أرادوا نصيحةَ أحَدٍ وَعَظوهُ سرًّا، حتَّى قال بعضُهم: «مَنْ وَعَظَ أخاهُ فيما بينه وبينه فهي نصيحةٌ، ومَنْ وَعَظَهُ على رؤوسِ النَّاس فإنَّما وبَّخهُ»، وقال الفضيلُ ـ رحمه الله ـ: «المُؤمنُ يَسْتُرُ ويَنصَحُ، والفاجرُ يَهْتِكُ ويُعيِّرُ»، وقال عبد العزيز بنُ أبي روَّادٍ ـ رحمه الله ـ: «كان مَنْ كان قبلَكم إذا رأى الرجلُ مِنْ أخيه شيئًا يأمره في رِفقٍ فيُؤْجَرُ في أَمْرِه ونَهْيِه، وإنَّ أَحَدَ هؤلاء يخرق بصاحِبِه فيَسْتَغْضِبُ أخاهُ ويَهْتِكُ سِتْرَهُ»، وسُئِلَ ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما عن أَمْرِ السُّلطان بالمَعروف ونَهْيِه عن المُنْكَرِ فقال: «إِنْ كُنْتَ فاعلًا ولا بُدَّ ففيما بينك وبينه»»، وقال يحيى بنُ مَعِينٍ: «مَا رَأَيْتُ عَلَى رَجُلٍ خَطَأً إِلَّا سَتَرتُهُ وَأَحْبَبْتُ أَنْ أُزَيِّنَ أَمرَهُ، وَمَا اسْتَقبَلتُ رَجُلًا فِي وَجْهِهِ بِأَمرٍ يَكرَهُهُ، وَلَكِنْ أُبَيِّنُ لَهُ خَطَأَهُ فِيمَا بَينِي وَبَيْنَهُ، فَإِنْ قَبِلَ ذَلِكَ وَإِلَّا تَرَكتُهُ»(٢).
ويتمُّ وَعْظُ وُلاةِ الأُمورِ سِرًّا؛ إمَّا عن طريقِ خِطابٍ سِرِّيٍّ مُرْسَلٍ إليهم عبرَ البريدِ الخاصِّ أو الإلكترونيِّ، وإمَّا بتسليمِه لهم يدويًّا بواسطةِ ثِقَةٍ، أو بطلبِ لقاءٍ أَخَويٍّ يُسِرُّ إليهم فيه بالنَّصيحةِ، ونحوِ ذلك مِنْ أسبابِ حُصولِ الانتفاعِ بالنَّصيحةِ في مَجالِ الدَّعوةِ والتَّعليمِ والإعلامِ؛ وعلى هذا يُحمَل حديثُ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِذِي سُلْطَانٍ فَلَا يُبْدِهِ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ يَأْخُذُ بِيَدِهِ فَيَخْلُو بِهِ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ وَإِلَّا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ»(٣).
أمَّا إذا لم يُمكِنْ وَعظُهُم سِرًّا في إزالةِ مُنكرٍ وقَعوا فيه علنًا، وغَلَبَ على الظَّنِّ تحصيلُ الخيرِ بالإنكارِ العَلَني مِنْ غيرِ تَرَتُّبِ أيِّ مفسدةٍ فإنَّه يجوزُ ـ والحال هذه ـ نصيحتُهم والإنكارُ عليهم عَلَنًا دون هتكٍ ولا تعييرٍ ولا تشنيعٍ، وهو ما تقتضيه الحِكمةُ مِنْ إنكارِ المُنكرِ وإحقاقِ الحقِّ وتحصيلِ الخيرِ، فقد أنكر الصَّحابيُّ الجليلُ أبو سعيدٍ الخُدريُّ رضي اللهُ عنه على مروانَ بنِ الحَكَمِ في تقديمِهِ الخُطبةَ على صلاة العيد من غير تشهيرٍ ولا تأليبٍ، ولكنَّه كان علنًا على مَرْأًى وَمَسْمَعٍ مِنَ الصَّحابةِ وغيرِهم مِنْ غيرِ نكيرٍ(٤)، ويؤيِّدُه ما قاله أبو قلابة: «كُنْتُ بِالشَّامِ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ، فَجَاءَ أَبُو الْأَشْعَثِ، قَالَ: قَالُوا: أَبُو الْأَشْعَثِ، أَبُو الْأَشْعَثِ، فَجَلَسَ، فَقُلْتُ لَهُ: حَدِّثْ أَخَانَا حَدِيثَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: نَعَمْ، غَزَوْنَا غَزَاةً وَعَلَى النَّاسِ مُعَاوِيَةُ، فَغَنِمْنَا غَنَائِمَ كَثِيرَةً، فَكَانَ فِيمَا غَنِمْنَا آنِيَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا أَنْ يَبِيعَهَا فِي أَعْطِيَاتِ النَّاسِ، فَتَسَارَعَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ، فَبَلَغَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، فَقَامَ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ، إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، عَيْنًا بِعَيْنٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى»، فَرَدَّ النَّاسُ مَا أَخَذُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ فَقَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ: أَلَا مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ قَدْ كُنَّا نَشْهَدُهُ وَنَصْحَبُهُ فَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُ! فَقَامَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ فَأَعَادَ القِصَّةَ، ثُمَّ قَالَ: «لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَرِهَ مُعَاوِيَةُ ـ أَوْ قَالَ: وَإِنْ رَغِمَ ـ مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَصْحَبَهُ فِي جُنْدِهِ لَيْلَةً سَوْدَاءَ»»(٥).
وهذا غيضٌ مِن فَيْضٍ من إنكارِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم على الأمراءِ والوُلاةِ، وفي هذا السِّياق قال ابنُ القيِّمِ ـ رحمه الله ـ: «ما قاله عبادةُ بنُ الصَّامِتِ وغيرُه: بايعنا رسولَ الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم على أن نقولَ بالحقِّ حيث كُنَّا، ولا نخافَ في اللهِ لومةَ لائمٍ ونحن نشهدُ [بالله] أنَّهم وَفَّوْا بهذه البَيعةِ، وقالوا بالحقِّ، وصَدعوا به، ولم تأخذهم في اللهِ لومةُ لائمٍ، ولم يكتموا شيئًا منه مخافةَ سوطٍ ولا عصًا ولا أميرٍ ولا والٍ كما هو معلومٌ لِمَن تأمَّلَهُ مِنْ هديهِم وسيرتِهم، فقد أنكر أبو سعيدٍ على مروانَ وهو أميرٌ على المَدينةِ، وأنكر عُبادةُ بنُ الصَّامِتِ على معاويةَ وهو خليفَةٌ، وأنكر ابنُ عمرَ على الحَجَّاج مع سَطوتِهِ وبأسِهِ، وأنكرَ على عمرٍو بنِ سعيدٍ وهو أميرٌ على المَدينةِ، وهذا كثيرٌ جِدًّا مِن إنكارِهم على الأمراءِ والولاةِ إذا خرجوا عن العَدلِ لم يخافوا سَوْطَهُم ولا عقوبتَهم، ومَن بعدَهم لم تكن لهم هذه المَنزلةُ، بل كانوا يتركون كثيرًا مِنَ الحقِّ خوفًا مِنْ وُلاةِ الظُّلم وأمراءِ الجَوْرِ، فمِنَ المُحالِ أن يُوفَّق هؤلاءِ للصَّوابِ ويُحرَمَهُ أصحابُ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم»(٦).
عِلمًا أنَّ النَّصيحةَ العَلَنيةَ تُؤدَّى مِنْ غيرِ هَتْكٍ ولا تعييرٍ ولا تشنيعٍ لمُنافاتِها للجانب الأخلاقيِّ، ولا خروجٍ بالقول والفِعلِ لمُخالَفتِه لِمَنهجِ الإسلامِ في الحُكمِ والسِّياسةِ، بَلْهَ إذا أجازوا تقديمَ النَّصيحةِ أمامهم عَلَنًا، وفَتَحوا على أَنْفُسهم بابَ إبداءِ الرَّأي والانتقادِ وأَذِنوا فيه، وهذا متضمَّنٌ في قولِ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه: «وإِنْ رَأَيْتُمُونِي عَلَى بَاطِلٍ فَسَدِّدُونِي»، وفي لفظٍ: «وَإِنْ زِغْتُ فَقَوِّمُونِي»(٧)، قال النَّووي ـ رحمه الله ـ: «وَفيهِ الأَدبُ مع الأُمَرَاءِ واللُّطفُ بِهم وَوَعْظُهُمْ سِرًّا وَتَبْلِيغُهُمْ ما يقولُ النَّاسُ فِيهِم لِيَنْكَفُّوا عَنهُ، وَهَذَا كُلُّه إذا أَمكَنَ ذلك، فإِنْ لم يُمكنِ الوَعظُ سِرًّا وَالإِنكارُ فَلْيَفْعَلْهُ عَلانيَةً؛ لِئَلَّا يَضِيعَ أَصلُ الحَقِّ»(٨)، وقال ـ رحمه الله ـ في موضعٍ آخر: «قال العلماءُ: ولا يَختصُّ الأمرُ بالمَعروفِ والنَّهيُ عن المُنكَرِ بأصحابِ الولاياتِ، بل ذلك جائزٌ لآحادِ المُسلمينَ؛ قال إمامُ الحَرمَينِ: والدَّليلُ عليه: إجماعُ المُسلمينَ، فإنَّ غَيْرَ الوُلاةِ في الصَّدرِ الأَوَّلِ والعَصرِ الَّذي يليهِ كانوا يَأمرونَ الوُلاةَ بِالمَعروفِ ويَنهَوْنَهم عَنِ المُنكَرِ، مع تقريرِ المُسلمِينَ إيَّاهم وتركِ توبيخِهم على التَّشاغُل بالأمرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ مِنْ غيرِ وِلايةٍ»(٩)، علمًا أنَّ كلمةَ الحقِّ تَعْلُو على منصبِ الإمامةِ، وهَيبةُ السُّلطانِ لا تمنعُ الرَّدَّ عليه وإنكارَ مَقالتِهِ بالتلطُّف واللِّين بضوابطِ النَّصيحةِ وشُروطِهَا المُتقدِّمةِ مِنْ باب إرادةِ الخير وكراهةِ الشرِّ له، وذلك مِنْ حقِّ الإمام على الأمَّة، وفيه إحياءٌ له وإنقاذٌ له مِنَ التقاحم في النَّارِ، ويشهدُ لذلك ما أخرجه الطَّبَرَانِيُّ في «المُعجم الكبير»(١٠) و«الأوسط»(١١)، وأبو يعلى في «مسنده»(١٢)، وابنُ عساكر في «تاريخ دمشق»(١٣)، مِن حديثِ مُعاويةَ رضي الله عنه أنَّه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «سَتَكُونُ أَئِمَّةٌ مِنْ بَعْدِي يَقُولُونَ فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُمْ يَتَقَاحَمُونَ فِي النَّارِ كَمَا تَقَاحَمُ القِرَدَةُ»(١٤)، قال الصَّنعانِيُّ ـ رحمه الله ـ شارحًا معنى الحديث: ««سَتَكُونُ أَئِمَّةٌ مِنْ بَعْدِي يَقُولُونَ» أي: المُنْكَرَ مِنَ القَوْلِ، بدليل قوله: «فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُمْ» مهابةً لهم وخوفًا مِن بطشهِم، «يَتَقَاحَمُونَ فِي النَّارِ»، أي: يقعونَ فيها كما يَقتحِمُ الإنسانُ الأمرَ العظيمَ ويرمي نفسَهُ فيه بلا رَوِيَّةٍ، «كَمَا تَقَاحَمُ القِردةُ» أي: في الأمرِ الذي يثبت عليه هذا، ويحتملُ أنَّ الضَّميرَ «يَتَقَاحَمُونَ» للأئمَّةِ ولِمَن لم يَرُدَّ عليهِم مُداهنَةً وتهاوُنًا في الدِّينِ»(١٥).
وجديرٌ بالتنبيه أنَّه إذا غَلَبَ على الظَّنِّ عدمُ زوالِ المَفسدةِ والمُنكَرِ بالوعظِ العَلَني، بل قد يترتَّبُ عليه نتائجُ عكسيَّةٌ مُضِرَّةٌ بالدَّعوةِ إلى اللهِ وبالنَّاصحين علنًا، فإنَّ ما تقتضيه المَصلحةُ ـ والحال هذه ـ تجنُّبُ الإنكارِ العَلَنيِّ والاكتفاءُ بوعظهم سِرًّا عند الإمكان، قال ابن العثيمين ـ رحمه الله ـ: «فإذا رأينا أنَّ الإنكار علنًا يزولُ به المُنكَرُ ويحصلُ به الخيرُ فلنُنْكِرْ عَلَنًا، وإذا رأينا أنَّ الإنكارَ عَلَنًا لا يزول به الشَّرُّ، ولا يحصل به الخيرُ بل يزدادُ ضغطُ الوُلاةِ على المُنكرينَ وأهلِ الخيرِ، فإنَّ الخيرَ أَنْ نُنكرَ سِرًّا، وبهذا تجتمعُ الأدلَّة، فتكونُ الأدلَّةُ الدَّالَّةُ على أنَّ الإنكارَ يكون علنًا: فيما إذا كُنَّا نتوقَّعُ فيه المَصلحةَ، وهي حصولُ الخيرِ وزوالُ الشَّرِّ، والنُّصوصُ الدَّالَّةُ على أنَّ الإنكارَ يكونُ سِرًّا: فيما إذا كان إعلانُ الإنكارِ يزدادُ به الشَّرُّ ولا يحصلُ به الخيرُ»(١٦).
والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.
المـوافــق ﻟ:٢٩ ماي ٢٠٢١م
(١) «حلية الأولياء» لأبي نُعَيْم (٩/ ١٤٠)، «شرح مسلم» للنَّوويِّ (٢/ ٢٤).
(٢) «جامِع العلوم والحِكَم» (٧٧) وانظر: «سِيَر أعلام النُّبلاء» للذَّهبي (١١/ ٨٣).
(٣) أخرجه ابنُ أبي عاصمٍ في «السُّنَّة» (٢/ ٥٢١)، وصحَّحه الألبانيُّ في «ظلال الجنة» (١٠٩٦).
(٤) أخرجه البخاريُّ في «أبواب العيدين» (٢/ ١٧) باب الخروج إلى المُصلَّى بغير منبرٍ، ومسلمٌ في «صلاة العيدين» (١/ ٦٩) باب بيانِ كونِ النَّهيِ عن المُنكَرِ مِنَ الإيمانِ، مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه
(٥) أخرجه مسلم في «المساقاة» (١١/ ١٣)، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا.
(٦) «إعلام الموقعين» لابن القيم (٤/ ١١٠).
(٧) أخرجه ابن جرير في «التاريخ» (٢/ ٢٣٧)، وابن هشام في «السِّيرة النَّبوية» مِنْ طريق محمَّدِ بنِ إسحاق بن يسار عن الزُّهري عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال ابنُ كثيرٍ [في «البداية والنهاية» (٥/ ٢٤٨، ٦/ ٣٠١)]: «وهذا إسناد صحيح».
(٨) «شرح مسلم» (١٨/ ١١٨)
(٩) المصدر السابق (٢/ ٢٣).
(١٠) (١٩/ ٣٩٣).
(١١) (٥/ ٢٧٩).
(١٢) (١٣/ ٣٧٣).
(١٣) (٥٩/ ١٦٨).
(١٤) الحديث صَحَّحه الألبانيُّ في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٤/ ٣٩٨)، وحسين أسد مُحقِّق «مسند أبي يعلى» (١٣/ ٣٧٣).
(١٥) «التَّنوير شرح الجامع الصغير» (٦/ ٣٩٠).
(١٦) «لقاء الباب المفتوح» (٦٢/ ١٠).
#منقول

الجمعة، 28 مايو 2021

بهدوء حكم النمص ؟!

الحوار لتبسيط الدليل

قالت لي صديقتي : قول الشافعية بجواز النمص يخالف مذهب السلف ، فإن عبد الله بن مسعودٍ قد أفتى بحرمته .
🙋 قلتُ : هذا كذبٌ ع عبد الله مسعودٍ رضي الله عنها ؛ فإن الرواية ف المحاورة التي دارت بين ابن مسعودٍ داخل الصحيحين وخارجهما لم تبين #مقصود_المرأة ، ففي الرواية أن ابن مسعود حدث بالحديث ، فقالت له المرأة : «فإني أرى شيئًا من ذلك ع امرأتك» .
➖#السؤال_الآن : أيُّ شيء من الأشياء الثلاثة التي ذكرها ابن مسعودٍ رضي الله عنه ؟!
لم تبين الرواية ذلك ، فحملك لكلمة «ذلك» ع النمص رجم بالغيب ، وشيءٌ من عند نفسِك .
• ولم تأتِ رواية مبينة لمراد المرأة اللهم إلا روايتين :
🔘 الأولى : رواية البزار ف «مسنده» (ج4/ص295) قال : حدثنا يوسف بن موسى قال: نا جرير قال : نا منصور بن المعتمر أبو عتاب عن إبراهيم، عن علقمة قال: قال عبد الله: «لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله» ، فاعترضت المرأة ، ثم قالت [ركزي ف دي الله يسترك] : «إن أوَّلَ شيءٍ من ذلك ع امرأتك» .
👈 جميل ، وما أول شيءٍ من ذلك ؟! إنه الوشم ، فدخلت المرأة ، فلم ترَ شيئًا
👈👈 انتبهي ! المرأة ف هذه الرواية قصدت الوشم لا النمص.
• ورغم أن هذه الرواية رجالها ثقات رجال البخاري ، إلا أن يوسف بن موسى تفرد بهذا الحرف عن مخرج الحديث (جرير بن عبد الحميد) ، فكلهم رووا اللفظ مجملًا (أي : إني أرى شيئًا من ذلك ع امرأتك) ، ورواه هو ع هذا النحو (أي : قال : إن أول شيءٍ من ذلك ع امرأتك) .
• فقد رواه بالإجمال [أي : بلفظ : (شيئًا من ذلك ع امرأتك)] : إسحاق بن إبراهيم وعثمان بن أبي شيبة (كما عند مسلم 3/1678) ، ومحمد بن عيسى الطباع (كما عند أبي داود 30/151) ، وهم ثلاثة من الثقات الأثبات .
• أما يوسف بن موسى القطان فتفرد عنهم فقال : (إن أول شيء من ذلك ع امرأتك) ، ومثل هذا التفرد عن الثلاثة قد لا يحتمل ف مسالك المحدثين .
🔘الثانية : رواية الشاشي ف «مسنده» (ج2/ص377) ، التي يرويها عبد الملك بن عمير عن العريان بن الهيثم عن قبيصة بن جابر قال : «كنا نشارك المرأة ف السورة من القرآن نتعلمها ، فانطلقت مع عجوز من بني أسد إلى ابن مسعود ف بيته ، فرأى #جبينها_يبرق ، فقال : أتحلقينه ؟ فغضبت ، ثم قالت : التي تحلق جبينها امرأتك» ، قال : فادخلي عليها ، فإن كانت تفعله فهي مني بريئة ، فانطلقت ، ثم جاءت فقالت : لا والله ما رأيتها تفعله» .
🙋 وهي رواية #عرجاء_شلاء من طريق العريان بن الهيثم ، ولم يوثقه إلا ابن حبان ، ومن ثم لا تقوى ع مجابهة الرواية السابقة المفسرة لموضع الإنكار بالوشم (مع المقال السابق فيها) ، ولا الرواية المجملة المشهورة (وهي صحيحة).
🔘 الحاصل أن لا يصح عن ابن مسعودٍ تفسير للنمص .
➖ والعجيب أن الشيخ الألباني رحمه الله وطيب ثراه ضعَّف أثر عائشة المشهور ف الحفِّ ؛ احتجاجًا بأن امرأة أبي إسحاق السبيعي مجهولة لم يوثقها إلا ابن حبان ، وحسَّن هذه الرواية ، #وهذا_عجيب_جدًّا ؛ إذ يلزم مَنْ ضَعَّفَ أثر عائشة مهدرًا توثيق ابن حبان أن يضعف رواية ابن مسعودٍ ؛ فكلٌّ من العريان بن الهيثم وامرأة أبي إسحاق مجهولا لم يوثقهما إلا ابن حبان ، أما أن يعتبر توثيق ابن حبان ف موضع دون موضع ، فهذا مسلك عجيبٌ .
▪فقالت صديقتي : سلمنا لكَ أن الرواية لم تحدد موضع الإنكار أهو النمص أو الوصل أو التفلج ، فيشهد لي أن عبد الله بن مسعودٍ حمل هذه الألفاظ الثلاثة ع عمومها ، ولم يخصصها ، ولم يفصل للمرأة ، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة .
🙋 قلتُ : وهذا كلام ف الظاهر أصوليٌّ ، ولكن ساقطٌ ، وفيه ثلاثة أغلاط :
#وغلط_ع_ابن_مسعودٍ رضي الله عنه .
1⃣ أما غلطك ف التكييف الأصولي للنص محل البحث فهو توصيفك للوقت بأنه وقت حاجة ، وليس ذلك وقت حاجةٍ ، وإنما يسمى عند الأصوليين #وقتَ_خطابٍ ، ووقت الحاجة هو الوقت الذي يتوجب عليه المكلف العملُ بأمر الشارع ع الفور ، ويجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب عند أكثر الأصوليين ، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة اتفاقًا .
2⃣ وأما غلطك ف تنزيل القاعدة الأصولية فهو أن هذه القاعدة ليس محلها الصحابة باتفاق ، إنما محلها النبي صلى الله عليه وسلم ، تستصحب فيه ، لا يجوز له صلى الله عليه وسلم تأخير البيان عن وقت الحاجة ، أما الصحابة فلا ؛ إذ لا يجوز له صلى الله عليه وسلم أن يؤخر البلاغ عن وقت الحاجة ، بخلاف غيره .
👈 ومع ذلك فيجوز للعالم أن يترك النصَّ ع عمومه للمستفتي منعًا من استهانته ، كما كان سفيان بن عيينة يكره تفسير «من غشنا فليس منا» .
• والمفتي لا يتعين عليه الجواب أو التفصيل إلا بشرائط سبعة ليست متوافرة ف هذه الحالة .
3⃣ وأما غلطك ع ابن مسعود رضي الله عنه فإنك قد وكلت نفسك ف تفسير النمص بالنيابة عن ابن مسعودٍ ، وفسرته بأنه نتف الشعر من الحاجب ، ولا ندري من أين لكِ نسبة (ركزي ف كلمة «نسبة» ) ذلك لابن مسعودٍ ؟!
🌀 فإن النمص مختلف ف تعريفه لغة ع ثلاثة أقوال :
1⃣ فيعرفه أهل اللغة بأنه نتف الشعر من الوجه مطلقًا ، ولا يخصصون ذلك بالحاجب إلا إذا دلت قرينة ف الكلام ع إرادته.
➖ قال الجوهريُّ رحمه الله ف «الصحاح» (ج3/ص1060) : «النَمْصُ: نتفُ الشَعْرِ. وقد تَنَمَّصَتِ المرأةُ ، ونَمَّصَتْ أيضاً ... والنامصة: المرأة التى تزين النساء بالنمص. والمنمص والمنماص: المنقاش» .
➖ وقال الأزهريُّ ف «تهذيب اللغة» (ج12/ص148) : «قال الفراء: النامصة: التي تنتف الشعر من الوجه، ومنه قيل للمنقاش : (منماص)، لأنه ينتف به والمتنمصة هي التي يفعل ذلك بها ... وامرأة نمصاء تتنمص، أي: تأمر نامصة فتنمص شعر وجهها نمصًا؛ أي: تأخذه عنها بخيط» .
2⃣ القول الثاني ف المسألة ، هو قول أبي داود رحمه الله ، حيث فسَّر النمص ف «سننه» فقال : «والنامصة التى تنقش الحاجب #حتى_ترقه والمتنمصة المعمول بها» .
3⃣ القول الثالث : هو قول الماوردي ف «الحاوي الكبير» (ج2/ص257) : «فأما النامصة والمتنمصة : فهي التي تأخذ الشعر من حول الحاجبين وأعالي الجبهة» .
➖ فهذه ثلاثة أقوال ف بيان معنى النمص ف اللغة (نتف الشعر من الوجه ، نتفه من الحاجب ، نتفه من الحاجب وأعلى الجبهة) ، فيلزمك فيها أمران :
• الأول : أن تثبتي نسبة أحدها لعبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه ، وهذا سبيلٌ دونه خرط القتاد .
• الثاني : أن ترجحي بينها ؛ طالما أنك مجتهدة ترجحي بين المذاهب الأربعة والظاهرية، وتختاري منها قولًا .
• وإن رجحتِ فدللي ع ترجيحك من لغة العرب .
• فهيَّا ي صديقتي رجِّحي لنا بين الفراء والجوهري والأزهري ، ف مقابلة أبي داود ، ف مقابلة الماوردي !
👈وإذا أحببتي أن أساعدك فاعلمي أن العرب تقول : «رجلٌ أنمص الجبين» ، وقال امرؤ القيس :
• ويَأْكُلْنَ من قَوٍّ لَعاعًا ورِبَّةً * تَجَبَّرَ بعد الأكل وهو نميصُ .
🙋 الأمر ليس بهذه البساطة ي صديقتي !
➖ قال الشافعيُّ رضي الله عنه ف «الرسالة» (ص510) : «ولا يكونُ لأحدٍ أن يقيسَ حتى يكون عالمًا بما مضى قبله من السنن وأقاويل السلف وإجماع الناس واختلافهم ولسان العرب» .
• وهذا ف القياس ، فما بالك #بمنطوق_الشارع !
• طبعًا إذا قلتِ لي : إن النمص من الألفاظ المنقولة من المعنى اللغوي لمعنى شرعي ساعتها ينتهي النقاش ، وتحتاجي إلى مطالعة كتاب مبتدئ ف أصول الفقه ؛ لتعرفي معنى اللفظ المنقول .
▪ فقالت لي : دعكِ من تفسير النمص ، فلتسلمي لي جدلًا أن النمص هنا بمعنى نتف شعر الحاجب لا غيرُ ، فما الحجة ع تخصيص الحديث بالمُغَرِّرَة بالخطاب ، وعدم العمل بعمومه ، أجاء نصٌّ عن رسول الله صلى الله عليه يفيد هذا التخصيص ؟
🙋 قلتُ : هذا هو الإشكال الذي يعشش ف رأسك ، ويحدث دخنًا يحول بينك وبين فهم مدارك الفقهاء ، وهو أنك تتصوري أن النص لا يتخصص عمومُه إلا بنصٍّ آخر ، والفقهاء يخصصون بغير ذلك كما هو معلومٌ عند الأصوليين .
➖ وقد حكى الإسنوي عن الشافعي رضي الله عنه «التمهيد ف تخريج الفروع ع الأصول» (ص375) جوازَ أنْ يستنبطَ المجتهدُ من النصِّ معنى يخصصه .
👈 ووجه التخصيص هنا : أن لا فرقَ معتبرٌ بين أخذ شعر الجبين والشارب واللحية ، وشعر الحاجب : من حيث كون كل منها #زينةً_تعتادها_المرأة .
• فأجزنا أخذ شعر اللحية والشارب وأطراف الوجه بمقتضى التخصيص بالعادة (وهو أنه من المعلوم ضرورة أن نساء المسلمين سلفًا وخلفًا لم يكنَّ يُمْنَعْنَ من هذا الأمر ، ولو منعن لعرف ذلك ، وتوارثه الناس ، مع استقباحه عند جميع العقلاء) .
• وأجزنا أخذ شعر الحاجب بالتخصيص بالمعنى المستنبط ؛ فلا فرقَ مؤثرٌ بين شعر الحاجب وبقية شعور الوجه ، والفروق الموجودة فروقٌ طردية غير مؤثرة
👈 فوجب حمل النصِّ ع المُغَرِّرَة ، فتكون العلة التغرير بالخُطَّابِ ، وليس مجرد الأخذ .
▪ فإن قلتِ ي صديقتي : بل ثم فرقٌ مؤثرٌ ، وهو أن النمص جاء فيه النصٌّ ؟
🙋 قلتُ لكِ : هذا استدلالٌ بمحل النزاع ، وهو لا يجوز ، فألزمك أثبات ذلك بالترجيح بين الأقوال اللغوية الثلاثة السابق سردها ، والتدليل ع ترجيحك من لسان العرب .
▪ فقالت صديقتي : ولكن النمصَ تغيير لخلق الله سبحانه ، وكلُّ تغيير لخلق الله سبحانه محرمٌ .
🙋 قلتُ : قولك : «كلُّ تغيير لخلق الله محرم» غلطٌ ، ليس كل تغيير لخلق الله محرمًا ، بل تغيير خلق الله سبحانه تعتريه #الأحكام_التكليفية_الخمسة ، فقد يكون محرمًا ، وقد يكون مكروهًا ، وقد يكون مباحًا ، وقد يكون مستحبًّا ، وقد يكون واجبًا .
👈 #فقد_يكون_محرمًا : نحو نص الفقهاء ع تحريم الخصاء وتعليلهم ذلك بأنه تغيير لخلق الله ، كما ذكر الحافظ ف «فتح الباري» (9/119) ، وقال النووي رحمه الله ف «المجموع» (6/177) : «قال البغويُّ والرافعيُّ : لا يجوزُ خصاءُ حيوانٍ لا يؤكل ، لا ف صغره ، ولا ف كبره ، قال : ويجوز خصاء المأكول ف صغره ؛ لأن فيه غرضًا وهو طيب لحمه ، ولا يجوز ف كبره ، ووجه قولهما أنه داخل ف عموم قوله تعالى إخبارًا عن الشيطان : (ولآمرنهم فليغيرن خلق الله) ، فخصص منه الختان والوسم ونحوهما ، وبقي الباقي داخلًا ف عموم الذم والنهي» .
👈 #وقد_يكون_مكروهًا : نحو نص الشافعية ع كراهة أخذ شعر الحاجبين للرجل إذا طالا ، قال النووي رحمه الله ف «المجموع» (ج1/ص290) : «وأمَّا الأخذُ من الحاجبين إذا طالا فلم أرَ فيه شيئًا لأصحابنا ، وينبغى أن يُكرَهَ ؛ لأنه تغييرٌ لخلق الله لم يثبت فيه شيءٌ ، فَكُرِهَ» ، وكذا نحوُ نصِّ أصحابنا ع كراهة تنف اللحية وخضابها للرجل ؛ لأنه تغيير لخلق الله ، كما نص ع ذلك الماوردي ف «الحاوي الكبير» (ج17/ص151) والروياني ف «بحر المذهب» (ج14/ص275) ، حيث قالا : «نتف اللحية من السفه الذي ترد به الشهادة ، وكذلك خضاب اللحية من السفه الذي ترد به الشهادة ، لما فيها من تغيير خلق الله تعالى» .
👈 #وقد_يكون_مباحًا : وذلك نحو جواز أخذ الرجل شعر صدره ونحو ذلك .
👈 #وقد_يكون_مستحبًّا : كنص الفقهاء ع أنه إذا نبتت للمرأة لحية أو شارب استحب لها أن تزيلها
قال النووي رحمه الله ف «المجموع» (ج1/ص290) : «أما المرأة إذا نبتت لها لحيةٌ فيستحب حلقها صرَّحَ به القاضي حسين وغيره ، وكذا الشاربُ والعنفقةُ لها ، هذا مذهبنا ، وقال محمد بن جرير : لا يجوز لها حلقً شيءٍ من ذلك ، ولا تغـــــــيير شئ من خلقتها بزيادة ولا نقص» .
#وقد_يكون_واجبًا : كنص أصحابنا ع وجوب الختان ، قال النووي – ودلالة كلامه إشارية – ف «المجموع» (6/177) : «قوله تعالى - إخبارًا عن الشيطان - (ولآمرنهم فليغيرن خلق الله) فخصص منه الختان» .
➖ وبهذا يتبدى أن تغيير خلق الله ليس كله محرمًا ، بل تعتريه الأحكام الخمسة .
🔘وإذا نظرنا ف فروع الأصحاب نأخذ من كلامهم أن #ضابط_تغيير_خلق_الله المحرم عندهم هو : «تغييرُ أصلِ الخِلقةِ ، #ع_وجه_الدوام ، دون مقتضٍ من علاج أو إزالة عيب أو إذن الشارع صراحة أو سكوتًا»
📎 فقولنا : «تغييرُ أصل الخلقة» يخرُجُ به تغييرُ طارِئها ، كما رُوي أنَّ عرفجة لقد قطعت أنفه يوم الكلاب من فضة ، فأنتن ، فاتخذ أنفًا من ذهب ، والحديث مختلف ف تحسينه وتضعيفه ، وقد نص الأصحاب ع جواز ذلك .
📎 ويخرج بقولنا : «ع وجه الدوام» ما لو كان التغييرُ لا ع وجه الدوام ، فما لا يكون باقيًا لا يكون محرمًا كتكحيل المرأة عينيها وتحمير وجنتيها وشفتيها ونحو ذلك بما يتزين به ، قال ابن الملقن ف «التوضيح» (ج23/ص371) : « قال تعالى مخبرًا عنه: {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ} [النساء: 119] وهذا إنما #فيما_يكون_باقيًا ، فأما ما لا يكون باقيًا كالكحل والتزين ؛ فقد أجازه مالك وغيره، حكاه القرطبي» ، وهو مستقيم ع طريقة الأصحاب .
📎 وقولنا : «دون مقتضٍ من علاج أو إزالة عيب» يخرج ما لو كان التغيير ع وجه العلاج أو إزالة العيب فلا يحرم ، قال ابن الملقن رحمه الله ف «التوضيح» (ج23/ص371) : «إذا احتيج إليه لعلاج أو عيب ف السن وتحدبه فلا بأس به».
📎 وقولنا : «أو إذن الشارع» يخرج به ما لو كان مأذونًا فيه من الشارع.
📎 وقولنا : «صراحة» كأن يرد فيه أمرٌُ محمول ع الوجوب أو الندب .
📎 وقولنا : «سكوتًا» كأن يسكت الشارع عنه .
🙋وحاصل ذلك : أنه ليس كل تغيير يكون محرمًا ، وضابط التغيير المحرم : «تغييرُ أصلِ الخِلقةِ ، ع وجه الدوام ، دون مقتضٍ من علاج أو إزالة عيب أو إذن الشارع صراحة أو سكوتًا » .
• فقالت لي صديقتي : ولكن النمصَ زينة ، ومن تكشف وجهها متنمصة تعدُّ متبرجة بزينة ، فهلا قلتم : من تتنمص إنما عليها أن تغطي وجهها .
• أما كون النمص زينة فنعم ، ولكن السؤال : هل كلُّ زينة يحرم إبدائها عند من لا يوجب تغطية الوجه ؟
• الجواب : ليس كلُّ زينة يحرم إبداؤها ، فأخذ المرأة شعر شاربها ولحيتها وجوانب وجهها وجبتها إنما هي التكييف الفقهي زينة ، ولكن لا يحرم إبداؤها ، فكذلك أخذ المرأة شعر حاجبها ، وكل زينة متصلةٍ لا يحرم إبداؤها عند من جوَّز كشف الوجه ، بخلاف المنفصلة كأحمر الشفاة ومبيض الوجه ونحو ذلك .
• ولذلك نجد من متقدمي الشافعية من ينص ع جواز كشف المرأة لوجهها ، وينص كذلك ع جواز النمص .
• وذلك مثل الإمام الماوردي رحمه الله ف «الحاوي الكبير» حيث قال ف النمص (ج2/ص257) : «فأما النامصة والمتنمصة : فهي التي تأخذ الشعرَ من حول الحاجبين وأعالي الجبهة ، والنهي ف هذا كله ع معنى النهي ف الواصلة والمستوصلة» .
▪ أي : ع التفصيل المذكور ف الواصلة والمستوصلة .
• وقد قال فيه قبله بأسطر : «أن تكون ذات زوج تفعل ذلك للزينة عند زوجها ، أو أمة تفعل ذلك لسيدها ، فهذا غير حرام ؛ لأن المرأة مأمورة بأخذ الزينة لزوجها من الكحل والخضاب .... وحكي عن أحمد بن حنبل : أنه منع من ذلك بكل حال : لأن النهي عام ، وما ذكرناه أصح» .
➖ فالماوردي ينص ع جواز النمص بإذن الزوج .
➖ وهو أيضًا ينص ع جواز إبداء الوجه ، حيث قال ف الحاوي الكبير(ج2/ص170) : «وأما العورة فضربان صغرى وكبرى : فأما الكبرى فجميع البدن إلا الوجه والكفان .وأما الصغرى فما بين السرة والركبة . وما يلزمها ستر هاتين العورتين من أجله ع ثلاثة أضرب : أحدها : أن يلزمها ستر العورة الكبرى ، وذلك ف ثلاثة أحوال : أحدها : ف الصلاة ، وقد مضى حكمها .والثاني : مع الرجال الأجانب ، عورة المرأة ف حضورهم ، ولا فرق بين مسلمهم وكافرهم ، وحرهم وعبدهم ، وعفيفهم وفاسقهم ، وعاقلهم ومجنونهم ف إيجاب ستر العورة الكبرى من جميعهم .... إلى آخر كلامه رحمه الله» .
▪ ققالت صديقيي : وما دليلكم معاشر الشافعية ع أن العلة إذن الزوج ؟
🙋 قلتُ : وهذا خطأ ف فهم نصوص مدوناتنا الفقهية ؛ فإن الحكم هو التحريم ، وعلته : التغرير ، إذا وجدت العلة (التغرير) وجد الحكم (التحريم) ، وإذا انتفت العلة (التغرير) انتفى الحكم ، لذلك قلنا يحرم ع الخَلِيَّة (غير المتزوجة) التنمصُ ، أما المزوجة فلا يحرم ؛ لانتفاء التغرير ف حقها ؛ إذ ليست تخطب للأزواج .
• أما اشتراطنا إذن الزوج لا من جهة العليَّة ، وإنما من جهة قاعدة معلومة من الشرع ، وهي أن كل ما تعلق بالاستمتاع بالبضع وتوابعه يجب فيه إذن الزوج ، وزينة المرأة من متعلقات الاستمتاع فوجب فيها استئذان الزوج ؛ إذ قد يكره الزوج النمص من #جهة_الطبع ، فتمنع منه المرأة.
▪ قالت لي : فهل يحرم ع الخَلِيَّة (غير المتزوجة) مطلقًا .
🙋 قلتُ : بل يحرم إذا كان تغريرًا بخاطبٍ ، فإذا لم يكن كذلك لم يحرم ، كأن تعلمه ونحو ذلك ؛ تخريجًا ع قول أصحابنا ف التصرية بعلم المشتري وارتفاع الحرمة وعدم ثبوت الخيار .
▪قالت لي : وما أنتم ي معاشر المتمذهبة إلا قومًا من المُمَيِّعة ، تفتون الناس بحل النمص بإذن الزوج ، واستحباب النقاب ، وكراهة الإسبال لغير خيلاء تنزيهًا ، وجواز الألوان للمرأة .
🙋 قلتُ : ع رِسلك ،دعيني أسألك ، والحجة بيني وبينك السلف الذين هم فوقنا ف علم وفضل .
▪ قالت : سلِ .
🙋 قلتُ : ألم يُفتِكَ شيخُك بأن الإسبالَ لغير خيلاء محرمٌ ع الراجح ، وليس مكروهًا كراهة تنزيه.
▪ قالت : بلى ، وهذا هو الراجح ، وليس يصح ف الأذهان شيءٌ ... إذا احتاج النهارُ إلى دليل .
🙋 قلتُ : لقد ثبت عن ابن عباس وابن مسعودٍ بالأسانيد الصحيحة ما يقتضي قولهما بكراهته كراهة تنزيه [انظري : «الآحاد والمثاني» (ج1/ص314) ، «مصنف ابن أبي شيبة» (ج8/ص202)] .
• فهل كان ابن عباس وابن مسعود والمذاهب المتبوعة ف معتمدها مميعين ،👈 وأنتِ وشيخُك أهل التمسك والدليل ؟!
🙋 قلتُ : ألم يُفتِك شيخُك بأن النقابَ فرضٌ قولًا واحدًا .
▪ قالت صديقتي : بلى .
🙋 قلتُ : لقد ثبت عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما بالأسانيد الصِّحَاح المِلاح ما يفيد قولهما بعدم وجوبه ، ورواية العين الواحدة عن ابن عباس رواية ضعيفة (مع مخالفة ابن مسعود) . [انظري : «مصنف ابن أبي شيبة (ج4/ص283 – ص284)] .
• فهل كان ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما ومن تابعهما من جمهور الفقهاء مميعين ؟!
🙋 قلتُ : ألم تفتِك المعلمة الجسورُ بأن الألوان لا تجوزُ ، وأن عليك لبس السواد أو البياض .
▪ قالت : بلى .
🙋 قلتُ : لقد صحَّ عن إبراهيم النخعي أنه كان يدخل مع علقمة والأسود ع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، فيراهن ف اللحف الحمر ، وصحَّ عن سعيد بن جبير أنه رأى بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تطوف بالبيت ، وعليها ثياب معصفرة [انظري : «مصنف ابن أبي شيبة» (ج8/ص184)].
🙋 قلتُ : ألم يُفتِك شيخُك بأنه لا يجوز لك الأخذ من اللحية .
▪ قالت : بلى .
🙋 قلتُ : لقد ثبت بالأسانيد الصِّحَاح عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما أنهما كان يأخذان من لِحَاهما ما زاد عن القبضة ، وصحَّ عن إبراهيم النخعي أنه قال واصفًا حال من أدركهم : «كانوا يأخذون من عوارضها» [انظر : «مصنف ابن أبي شيبة» (ج8/ص376)] .
🙋 قلتُ : ألم يُفتِك شيخُك بأن الكحل أمام الأجانب حرامٌ قولًا واحدًا .
▪ قالت : بلى .
🙋 قلتُ : وكذلك هو معتمد الشافعية ، ولكن الشافعية وأهل المذاهب لا يدلسون ع الناس ، ولا يحكون إجماعًا ف غير محله ، ولا يرمون غيرهم بالتمييع ، فقد ثبت عن عطاء أنه فسر الزينة الظاهرة ف الآية بـ«الخضاب والكحل» ، وصحَّ عن قتادة أنه فسرها بـ«بالكحل والسوارين والخاتم» ، وصحَّ عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه قال : «الكحل والخضاب والخاتم» ، وصحَّ عن الشعبي أنه فسرها بـ«الكحل والثياب» ، وصحَّ عن عكرمة أنها فسرها بـ«الثياب والكحل والخضاب» [انظري : «مصنف ابن أبي شيبة» (ج4/ص273-ص284) ، «تفسير الطبري» (ج19/ص157-ص158) ، «جزء يحيى بن معين» (ص201].
• فهل كان عطاء وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم والشعبي وعكرمة مميعين يدعون النساء للفتنة ؟!
• والشافعية ف معتمدهم يخالفون هؤلاء جميعًا ، ويأخذون بقول غيرهم من السلف ، ولكنهم لا يتهمون غيرهم بالتمييع .
▪ فقالت لي صديقتي : هكذا أنتم تجرون الناس بعرض هذه الأقوال إلى تتبع الرخص ، ومن #تتبع_الرخص فقد اجتمع فيه الشرُّ كله .
🙋 قلتُ : ما ذنبي وما ذنب الناس إذا كنتِ تحفظي ما لا تعرفي ضابطه عند أهل العلم ، فليس معنى تتبع الرخص أخذ المكلف بالقول اليسير ف بضعة مسائل من الفقه
👈 وإنما تتبع الرخص ضابطه أن يختار المكلف الأيسر له من كل المذاهب ف المسائل بحيث #تنحل_ربقة_التكليف_من_عنقه ، كما ذكره الهيتمي وغيره .
🙋 ي صديقتي ؛ إن شراح كتب السنة إنما هم علماء المذاهب الأربعة ، فهل تتصوري أن يطبق أكثرهم ع مخالفة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويغفلون عن القاعدة الأصولية الرياضية التي تحفظيها : «العام المُحَلَّى بأل الجنس يفيد الإستغراق» ، أم خفي عليه حديثٌ مشهورٌ ف الصحيحين !
🙋 ي صديقتي ؛ إن أعلم الناس بوفاق السلف وخلافهم إنما هم علماء المذاهب الأربعة ، فالبيهقيُّ الشافعي استدل ع كل كلمة قالها الشافعي – بل وغيره - بآثار السلف الكرام ف «السنن الكبرى» و«معرفة السنن والآثار» ، والطحاوي الحنفي صنف «شرح معاني الآثار» ، وهي عاجة بآثار السلف ع مسائل أبي حنيفة رضي الله عنه ، وابن قدامة الحنبلي لا ترى له مسألة ف «المغني» إلا ويعقبها لكَ بقوله : «وهذا قول فلان وفلان» ، ويذكر لك القائلين به من الصحابة والتابعين ، وابن عبد البر ف المالكية لا يذكر مسألة إلا وغاص فقه السلف راويًا لكَ من قال به من السلف ، أتراهم يطبقون ع مخالفة السلف !
🙋 ي صديقتي ؛ هوني عليك ، ليسَ الفقهُ حفظَ مذاهب الناس ، ولا أنْ يُحسنَ المرءُ سردَ الأقاويلِ وأدلَّتِها ، وإنما الفقهُ : #ملَكَةٌ_ف_النفس ، تحْصُل بإدْمَان النَّظر ف آلافِ الفروع الفقهيّة ، والتأمُّل ف تصرُّف المجتهدِ فيها ، والغوصِ ف غَوْر الدِّلالاتِ ومَسَالكها ، وسبْر قَوَادِحها ونوَاقِضَها ، حتى تصيرَ للناظرِ ملكةٌ يتكلمُ بها ف غير المنصُوص ككلامِه ف المنصُوص
➖ لذَا قالَ الغزاليُّ - رحمه الله - : « إذَا لم يتكلم الفقيهُ ف مسألةٍ لم يَسْمَعْها ككلامِه ف مسألةٍ سَمِعَها فليس بفقيه» .