ميلادُ الرحمة… وأنوارُ النبوّة
معانٍ نورانية في مولد خير البرية سيدنا محمد ﷺ
ليس ميلاد سيدنا محمد ﷺ كميلاد أحدٍ من البشر؛ فقد كان ميلاد خير خلق الله، وخاتم أنبيائه، ورحمته المهداة إلى العالمين.
قال الله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾
[الأنبياء: 107]
فكان مولده ﷺ إيذانًا بميلاد عهدٍ جديد من الهداية والرحمة والنور.
كان رسول الله ﷺ يعظّم يوم الاثنين، فلما سُئل عن صيامه قال:
«ذلك يوم وُلدت فيه».
فكان ﷺ يربط هذا اليوم بذكر نعمة مولده، ويصومه شكرًا لله تعالى.
وهنا يفتح لنا هذا الحديث بابًا عظيمًا للتأمل:
إذا كان رسول الله ﷺ قد تذكّر يوم مولده وربطه بعبادةٍ لله تعالى، فكيف لا يفرح المؤمن بنعمة بعثته، ويستحضر رحمته، ويتذاكر سيرته وشمائله وأخلاقه؟
نحن لا نقول إن صورة الاحتفال المعروفة اليوم هي نفسها التي فعلها النبي ﷺ؛ وإنما نقول إن أصل الفرح بميلاده ﷺ، وشكر الله على نعمة بعثته، وتذكّر سيرته، مع الالتزام بضوابط الشرع، معانٍ جليلة لا تنافي الشريعة.
لم تكن ولادته ﷺ ولادةً عادية في وجدان المؤمنين؛ فقد أكرم الله به البشرية، وأتم به النعمة، وختم به الرسالات.
وقد سبقت البشارة بمقدمه في كتب الأنبياء، قال الله تعالى على لسان عيسى عليه السلام:
﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾
[الصف: 6]
كما حكى الله تعالى دعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام:
﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾
[البقرة: 129]
فجاء محمد ﷺ بعد انتظارٍ طويل، ليكون رحمةً للعالمين، وهادياً إلى صراط الله المستقيم.
وقد ورد في بعض كتب السيرة أن السيدة آمنة رضي الله عنها رأت عند ولادته نورًا أضاء لها ما بين المشرق والمغرب.
ومهما اختلف الناس في تفاصيل الروايات الواردة في أحداث مولده ﷺ، فإن الحقيقة الكبرى التي لا خلاف عليها هي أن مولده كان بداية إشراق أعظم رسالة عرفتها البشرية.
أشرق القرآن.
وأشرقت التوحيد.
وأشرقت الرحمة.
وأشرقت مكارم الأخلاق.
وأشرقت الهداية في أمةٍ كانت غارقةً في ظلمات الجاهلية.
فلم يكن النور المحمدي مجرد حدثٍ تاريخي مضى، بل نورُ هدايةٍ بقي أثره ممتدًا في العالمين.
إن المحبة الصادقة تجعل القلب يفرح بكل ما يتصل بالمحبوب.
فإذا أحببتَ رسول الله ﷺ، أحببتَ سيرته.
وأحببتَ أخلاقه.
وأحببتَ شمائله.
وأكثرتَ من الصلاة والسلام عليه.
وفرحتَ بذكره.
وفرحتَ بنعمة الله تعالى التي أرسله بها رحمةً للعالمين.
ولهذا فإن اجتماع المسلمين لقراءة سيرته ﷺ، والصلاة عليه، وذكر أخلاقه وشمائله، وإطعام الطعام، والصدقة، وتعليم الناس سنته؛ يمكن أن يكون مناسبةً مباركةً لتجديد المحبة والاقتداء، ما دام خاليًا من المحرمات والمنكرات.
وهنا ينبغي أن نكون واضحين:
محبة النبي ﷺ لا تكون بالكلمات وحدها، ولا بالمظاهر وحدها، وإنما باتباعه والعمل بسنته.
فمن أحب النبي ﷺ فليحافظ على صلاته.
وليحسن أخلاقه.
وليصدق في كلامه.
وليرحم الضعيف.
وليصل رحمه.
وليحفظ لسانه.
وليكثر من الصلاة والسلام عليه.
فالمولد، عند من يراه مشروعًا، ليس بديلًا عن السنة، وإنما يمكن أن يكون مناسبةً للتذكير بالسنة وصاحبها ﷺ.
وقد اختلف أهل العلم في حكم الاحتفال بالمولد وكيفيته، فمنهم من أجازه واستحسنه إذا خلا من المنكرات، ومنهم من منعه باعتبار الصورة المحدثة.
وهذا خلاف فقهي ينبغي أن يُناقش بالدليل والأدب والإنصاف.
فلا يصح أن نجعل من يحتفل بالمولد مبغضًا للسنة، كما لا يصح أن نجعل من لا يحتفل به مبغضًا للنبي ﷺ.
فالقلوب لا يعلم ما فيها إلا الله.
والأجمل أن نجتمع جميعًا على ما لا خلاف عليه:
محبة رسول الله ﷺ، وتعظيم قدره، والصلاة والسلام عليه، ومعرفة سيرته، والاقتداء بأخلاقه وسنته.
يا من أرسلك الله رحمةً للعالمين…
في ذكراك تتجدد المحبة،
وفي سيرتك تتجدد العزيمة،
وفي أخلاقك نتعلم معنى الرحمة،
وفي سنتك نجد طريق الهداية.
فليست فرحتنا بالمولد فرحةً بيومٍ مضى فحسب؛
بل فرحةٌ برسالةٍ ما زالت حية،
وبنورٍ ما زال يهدي،
وبرحمةٍ ما زالت تصل إلى العالمين.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق