الجمعة، 25 سبتمبر 2026

هكذا يُظلم العلماء والدعاة: الجرح بلا تثبت والتصنيف بلا إنصاف

 

الإنصاف قبل الجرح، والتثبت قبل التصنيف

ثماني قواعد شرعية للحكم على الناس


ليس كل خطأٍ يُسقط صاحبه، ولا كل جرحٍ يُقبل، ولا كل مظهرٍ يدل على التقوى، ولا كل كلمةٍ تُفهم بمعزل عن سياقها ومقصد قائلها.

ومن أخطر أبواب الفتن بين المسلمين: التسرع في تصنيف الناس، والحكم على العلماء والدعاة وطلبة العلم، ونقل الكلام عنهم دون تثبت، ثم بناء المواقف والأحكام على أخبار قد تكون ناقصة أو محرّفة أو أُخرجت من سياقها.

ولهذا كان من المهم أن نضع قضية الحكم على الناس والجرح والتعديل في ميزان من العدل والإنصاف، من خلال ثماني قواعد:


القاعدة الأولى: الإنسان يُنظر إلى مجموع حسناته وسيئاته

قال الله تعالى:

﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ۝ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾
[المؤمنون: 102-103]

فالإنسان لا يُختزل في زلةٍ واحدة، ولا تُمحى حسناته بسبب خطأ وقع فيه، كما أن كثرة الحسنات لا تعني عصمة صاحبها من الخطأ.

قال تعالى في وصف المتقين:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
[آل عمران: 135]

فالعبد الصالح قد يقع في الخطأ، وقد يزل، وقد يقع في معصية، لكن الفرق أن المؤمن لا يصر على خطئه، بل يرجع إلى الله ويتوب ويستغفر.

ولهذا قال الإمام الذهبي في مقدمة ميزان الاعتدال:

«ليس من شرط الثقة أن يكون معصومًا من الخطايا والخطأ، فالكامل الذي ليس فيه شيء عزيز نادر الوجود».

وهذه قاعدة عظيمة ينبغي ألا تغيب عنا عند الحديث عن العلماء والدعاة وطلبة العلم.

فلا نغلو في أحد، ولا نجعله معصومًا من الخطأ، وفي الوقت نفسه لا نبخسه حقه بسبب هفوة أو زلة.

ويقول الإمام الذهبي رحمه الله:

«إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعُلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعُرف صلاحه وورعه واتباعه للحق، يُغفر له زلله، ولا نضلله، ولا نطرحه، ولا ننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك».

وهذا هو الإنصاف.

نأخذ الحق من العالم، ونرد خطأه، من غير أن نحول خطأه إلى سبب لإهدار جميع فضائله.

وقد قرر الإمام السبكي معنى قريبًا من ذلك فقال:

«من ثبتت إمامته وعدالته، وكثر مادحوه ومزكوه، وندر جارحوه، وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره، فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه، ونعمل فيه بالعدالة».

فليس هناك إنسان كامل من كل وجه.

فمن ذا الذي سلم من الزلل؟ ومن ذا الذي صفا من كل كدر؟


القاعدة الثانية: التثبت في النقل، ومعرفة الصورة الكاملة

من أخطر أسباب الظلم في الحكم على الناس: نقل الأخبار مبتورة، أو الاعتماد على كلامٍ لم يثبت، أو بناء الأحكام على رواية سمعها الإنسان من طرف واحد.

يقول ابن حجر رحمه الله:

«إن الذي يتصدى لضبط الأفعال والأقوال والرجال يلزمه التحري في النقل، فلا يجزم إلا بما يتحققه، لا يكتفي بالقول الشائع».

فإذا سمعت أن عالمًا أو داعيةً قال قولًا معينًا، فلا تتعجل في نشره والحكم عليه.

ربما لم يقل ذلك أصلًا.

وربما قاله في سياق آخر.

وربما نُقل كلامه بالمعنى فأُفسد معناه.

وربما كان له كلام آخر يفسر كلامه الأول.

ولهذا فإن التثبت ليس ترفًا، بل هو من مقتضيات العدل.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
[الحجرات: 6]

فإذا ترتب على الخبر الطعن في إنسان أو إسقاطه أو التشهير به، كان التثبت أولى وأوجب.

لا تجعل «قيل» و«سمعت» و«بلغني» و«يقال» مصادرَ للأحكام على الناس.

بل ابحث عن الدليل، وتحقق من الكلام، وانظر في الملابسات والسياق.

فدلائل الأمور أقوى من مجرد الدعاوى، والوقائع الثابتة أولى بالاعتماد من الأخبار المرسلة.


القاعدة الثالثة: التثبت من كلام الأقران في بعضهم

من القواعد المهمة في هذا الباب: أن كلام الأقران في بعضهم يحتاج إلى مزيد من التثبت.

فقد يقع بين العلماء وطلبة العلم وأصحاب الاتجاهات المختلفة خلافٌ علمي أو مذهبي أو شخصي، وقد يؤثر ذلك في بعض الأحكام التي يطلقها أحدهم على الآخر.

ولهذا اشتهرت عند أهل العلم قاعدة:

«كلام الأقران يُطوى ولا يُروى».

والمقصود ليس إسقاط كلام الأقران مطلقًا، ولا أن كل جرح يصدر من قرين مردود، وإنما المقصود أن كلام المتنافسين أو المختلفين يحتاج إلى فحصٍ ودراسة ومعرفة سببه وملابساته، ولا يُقبل لمجرد صدوره.

فالعداوة قد تجعل الإنسان يرى عيوب خصمه أكثر مما يرى محاسنه.

وقد يجعل الخلاف المذهبي أو الفكري بعض الناس يحمل كلام مخالفه على أسوأ المحامل.

ولهذا ينبغي التفريق بين:

نقدٍ علمي قائم على الدليل، وبين كلامٍ تحركه الخصومة أو التعصب أو المنافسة.

والميزان في النهاية هو الدليل والعدل والإنصاف.


القاعدة الرابعة: فهم الألفاظ في سياقها ومقاصدها

ليست كل كلمة تُفهم بمجرد ظاهرها.

فقد يكون اللفظ شديدًا في ظاهره، لكنه لا يراد به التحقير أو الإساءة.

ومن ذلك قول النبي ﷺ لمعاذ رضي الله عنه:

«ثكلتك أمك يا معاذ...»

فهذا اللفظ في ظاهره شديد، لكنه لا يعني أن النبي ﷺ أراد الدعاء عليه حقيقة، بل جاء في سياق البيان والتعليم والتنبيه.

وقد قال له ﷺ:

«إني لأحبك يا معاذ»

فمعرفة السياق، والقرائن، وعادة المتكلم، والمقام الذي قيلت فيه العبارة أمور أساسية لفهم الكلام فهمًا صحيحًا.

ويقول الإمام السبكي:

«فكثيرًا ما رأيت من يسمع لفظة فيفهمها على غير وجهها، فيغير على الكتاب والمؤلف ومن عاشره ومن استن بسنته، مع أن المؤلف لم يرد بذلك الوجه الذي وصل إليه ذلك الرجل».

وهذه مشكلة تتكرر كثيرًا في عصرنا.

يأخذ شخصٌ جملة من كتاب، أو مقطعًا قصيرًا من محاضرة، ثم يبني عليها حكمًا كاملًا على صاحبها، دون أن يرجع إلى بقية كلامه.

وهذا ليس من الإنصاف في شيء.

فإذا كان الرجل معروفًا بالعلم والاستقامة، فلا ينبغي أن نحمل كلامه على أسوأ الاحتمالات لمجرد احتمالٍ بعيد، بل ننظر في كلامه كله، وفي أسلوبه، وفي سياقه، وفي مقصوده.


القاعدة الخامسة: لا تجرح من لا تحتاج إلى جرحه

من أعظم أبواب السلامة: أن يحفظ المسلم لسانه عن أعراض الناس.

فليس كل إنسان يحتاج إلى أن تبحث عن عدالته أو جرحه.

وليس كل خطأ يحتاج إلى إعلان.

وليس كل زلة تستحق أن تتحول إلى قضية عامة.

قال الله تعالى:

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾
[الإسراء: 36]

وقال سبحانه:

﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾
[الحجرات: 12]

وشأن المسلم أن ينشغل بما ينفعه، وأن يدعو إلى الخير، وأن يرد الخطأ بالحكمة، لا أن يجعل همَّه الأكبر تصنيف الناس وملاحقة زلاتهم وتتبع عيوبهم.

فكم من إنسان أضاع عمره في البحث عن أخطاء الآخرين، بينما غفل عن إصلاح نفسه!

وكم من إنسان انشغل بالمفضول عن الفاضل، وبالجدل عن العبادة، وبالخصومة عن العلم.

فليس كل ما تعرفه يجب أن تقوله، وليس كل ما تقوله يجب أن تنشره.


القاعدة السادسة: إذا اجتمع الجرح والتعديل فاذكر الأمرين بإنصاف

إذا كان الإنسان معروفًا بخيرٍ وشر، وصوابٍ وخطأ، فلا يجوز أن تنقل جانبًا واحدًا منه وتخفي الجانب الآخر إذا كان المقام يقتضي بيان الصورة كاملة.

فالإنصاف يقتضي أن تقول:

له جهود نافعة، وله أخطاء.

له علم وفضل، وعنده مسائل أخطأ فيها.

له أعمال مشكورة، وله مواقف لا نوافقه عليها.

وهذا أدق من اختزال الإنسان كله في وصف واحد.

ومن الظلم أن يتحول النقد من:

«أخطأ في هذه المسألة»

إلى:

«هو إنسان باطل من جميع الوجوه».

فالعدل يقتضي أن يُذكر للإنسان ما له وما عليه.

ولا يصح أن تكون نظرتنا إلى الأشخاص نظرة انتقائية؛ فنبحث عن أخطاء من نختلف معه، وعن محاسن من نوافقه فقط.

الإنصاف الحقيقي أن ترى الأمرين معًا.


القاعدة السابعة: لا تجعل حسن الهيئة وحده ميزانًا للناس

المظهر قد يكون صالحًا، لكنه ليس وحده دليلًا على صلاح الباطن.

قال الله تعالى عن المنافقين:

﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾
[المنافقون: 4]

فلا ينبغي أن نعطي الإنسان قدرًا أكبر من قدره لمجرد مظهره، كما لا ينبغي أن نحكم على إنسان بالفسق أو سوء الدين لمجرد أن مظهره لا يوافق ما نراه نحن.

الناس لا يُعرفون بالمظاهر وحدها، وإنما بالأقوال والأفعال والمواقف والصدق والأمانة والاستقامة.

فالمظهر لا يكفي وحده للحكم على الإنسان، كما أن مخالفة الإنسان في بعض المظاهر لا تعني بالضرورة الحكم على قلبه أو دينه كله.

والميزان هو العدل، والدليل، ومعرفة مجموع حال الإنسان.


القاعدة الثامنة: إذا جاز الجرح فلا يكن بقصد التحقير والتشفي

حتى عندما يكون الكلام عن خطأ شخص أو بيان انحراف قول أو تحذير من أمرٍ معين، ينبغي أن يكون المقصود:

بيان الحق، وحماية الناس من الخطأ، ونصرة الصواب.

لا التشفي، ولا الانتقام، ولا إسقاط الأشخاص، ولا إشباع الخصومات الشخصية.

ومن لطيف ما ذكره الإمام السبكي عن والده أنه قال له في قصة مشهورة:

«شرط الجواز عدم قصد التحقير».

وهذه قاعدة عظيمة في باب الكلام عن الناس.

فقد يذكر الإنسان وصفًا أو لقبًا للتعريف، ولا يقصد به الانتقاص، وقد يذكره بقصد السخرية والتحقير، فيختلف الحكم باختلاف القصد والسياق.

ولهذا ينبغي أن نسأل أنفسنا قبل أن نتكلم عن شخص أو جماعة:

هل أريد بيان الحق، أم أريد إسقاط الشخص؟

هل أريد التحذير من الخطأ، أم التشفي من صاحبه؟

هل أتكلم لله، أم أنتصر لنفسي ولخصومتي؟

فهذه الأسئلة كفيلة بأن تكشف للإنسان شيئًا كثيرًا من دوافعه.


الخلاصة: العدل قبل الحكم

هذه القواعد الثماني تجمع لنا منهجًا مهمًا في التعامل مع الناس:

لا تختزل الإنسان في خطأ.

ولا تقبل خبرًا بلا تثبت.

ولا تجعل كلام الخصوم وحده ميزانًا.

ولا تقتطع الكلام من سياقه.

ولا تبحث عن عيوب الناس بلا حاجة.

ولا تنقل الجرح وتترك التعديل.

ولا تجعل المظهر وحده معيارًا للصلاح.

ولا تجعل النقد وسيلة للتحقير والتشفي.

فالعدل ليس أن تحب من توافقه وتُنصفه، وتبغض من تخالفه وتظلمه.

العدل أن يكون ميزانك واحدًا مع الجميع.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾
[المائدة: 8]

وما أحوجنا اليوم إلى هذه الآية في زمنٍ أصبح فيه التصنيف أسرع من التثبت، والجرح أسرع من الفهم، ونشر المقطع أسرع من الرجوع إلى المصدر، والحكم على الأشخاص أسهل من دراسة أقوالهم.

فلنحفظ ألسنتنا، ولنعدل في أحكامنا، ولنفرق بين النقد العلمي والتشهير، وبين بيان الخطأ وإسقاط صاحبه.

فالإنصاف عبادة، والتثبت أمانة، وحفظ أعراض المسلمين من أعظم أبواب التقوى.

اللهم طهّر ألسنتنا من قول الزور، وقلوبنا من الغل والضغائن، وارزقنا العدل فيمن نحب وفيمن نختلف معه، واجعلنا هداةً مهتدين، لا ضالين ولا مضلين.

ليس كل خطأٍ يُسقط صاحبه، ولا كل جرحٍ يُقبل، ولا كل مظهرٍ يدل على التقوى

 

ثماني قواعد شرعية للحكم على الناس

الإنصاف قبل الجرح، والتثبت قبل التصنيف

ليس كل خطأٍ يُسقط صاحبه، ولا كل جرحٍ يُقبل، ولا كل مظهرٍ يدل على التقوى، ولا كل كلمةٍ تُفهم بمعزل عن سياقها ومقصد قائلها.

ومن أخطر أبواب الفتن بين المسلمين: التسرع في تصنيف الناس، والحكم على العلماء والدعاة وطلبة العلم، ونقل الكلام عنهم دون تثبت، ثم بناء المواقف والأحكام على أخبار قد تكون ناقصة أو محرّفة أو أُخرجت من سياقها.

ولهذا كان من المهم أن نضع قضية الحكم على الناس والجرح والتعديل في ميزان من العدل والإنصاف، من خلال ثماني قواعد:


القاعدة الأولى: الإنسان يُنظر إلى مجموع حسناته وسيئاته

قال الله تعالى:

﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ۝ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾
[المؤمنون: 102-103]

فالإنسان لا يُختزل في زلةٍ واحدة، ولا تُمحى حسناته بسبب خطأ وقع فيه، كما أن كثرة الحسنات لا تعني عصمة صاحبها من الخطأ.

قال تعالى في وصف المتقين:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
[آل عمران: 135]

فالعبد الصالح قد يقع في الخطأ، وقد يزل، وقد يقع في معصية، لكن الفرق أن المؤمن لا يصر على خطئه، بل يرجع إلى الله ويتوب ويستغفر.

ولهذا قال الإمام الذهبي في مقدمة ميزان الاعتدال:

«ليس من شرط الثقة أن يكون معصومًا من الخطايا والخطأ، فالكامل الذي ليس فيه شيء عزيز نادر الوجود».

وهذه قاعدة عظيمة ينبغي ألا تغيب عنا عند الحديث عن العلماء والدعاة وطلبة العلم.

فلا نغلو في أحد، ولا نجعله معصومًا من الخطأ، وفي الوقت نفسه لا نبخسه حقه بسبب هفوة أو زلة.

ويقول الإمام الذهبي رحمه الله:

«إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعُلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعُرف صلاحه وورعه واتباعه للحق، يُغفر له زلله، ولا نضلله، ولا نطرحه، ولا ننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك».

وهذا هو الإنصاف.

نأخذ الحق من العالم، ونرد خطأه، من غير أن نحول خطأه إلى سبب لإهدار جميع فضائله.

وقد قرر الإمام السبكي معنى قريبًا من ذلك فقال:

«من ثبتت إمامته وعدالته، وكثر مادحوه ومزكوه، وندر جارحوه، وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره، فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه، ونعمل فيه بالعدالة».

فليس هناك إنسان كامل من كل وجه.

فمن ذا الذي سلم من الزلل؟ ومن ذا الذي صفا من كل كدر؟


القاعدة الثانية: التثبت في النقل، ومعرفة الصورة الكاملة

من أخطر أسباب الظلم في الحكم على الناس: نقل الأخبار مبتورة، أو الاعتماد على كلامٍ لم يثبت، أو بناء الأحكام على رواية سمعها الإنسان من طرف واحد.

يقول ابن حجر رحمه الله:

«إن الذي يتصدى لضبط الأفعال والأقوال والرجال يلزمه التحري في النقل، فلا يجزم إلا بما يتحققه، لا يكتفي بالقول الشائع».

فإذا سمعت أن عالمًا أو داعيةً قال قولًا معينًا، فلا تتعجل في نشره والحكم عليه.

ربما لم يقل ذلك أصلًا.

وربما قاله في سياق آخر.

وربما نُقل كلامه بالمعنى فأُفسد معناه.

وربما كان له كلام آخر يفسر كلامه الأول.

ولهذا فإن التثبت ليس ترفًا، بل هو من مقتضيات العدل.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
[الحجرات: 6]

فإذا ترتب على الخبر الطعن في إنسان أو إسقاطه أو التشهير به، كان التثبت أولى وأوجب.

لا تجعل «قيل» و«سمعت» و«بلغني» و«يقال» مصادرَ للأحكام على الناس.

بل ابحث عن الدليل، وتحقق من الكلام، وانظر في الملابسات والسياق.

فدلائل الأمور أقوى من مجرد الدعاوى، والوقائع الثابتة أولى بالاعتماد من الأخبار المرسلة.


القاعدة الثالثة: التثبت من كلام الأقران في بعضهم

من القواعد المهمة في هذا الباب: أن كلام الأقران في بعضهم يحتاج إلى مزيد من التثبت.

فقد يقع بين العلماء وطلبة العلم وأصحاب الاتجاهات المختلفة خلافٌ علمي أو مذهبي أو شخصي، وقد يؤثر ذلك في بعض الأحكام التي يطلقها أحدهم على الآخر.

ولهذا اشتهرت عند أهل العلم قاعدة:

«كلام الأقران يُطوى ولا يُروى».

والمقصود ليس إسقاط كلام الأقران مطلقًا، ولا أن كل جرح يصدر من قرين مردود، وإنما المقصود أن كلام المتنافسين أو المختلفين يحتاج إلى فحصٍ ودراسة ومعرفة سببه وملابساته، ولا يُقبل لمجرد صدوره.

فالعداوة قد تجعل الإنسان يرى عيوب خصمه أكثر مما يرى محاسنه.

وقد يجعل الخلاف المذهبي أو الفكري بعض الناس يحمل كلام مخالفه على أسوأ المحامل.

ولهذا ينبغي التفريق بين:

نقدٍ علمي قائم على الدليل، وبين كلامٍ تحركه الخصومة أو التعصب أو المنافسة.

والميزان في النهاية هو الدليل والعدل والإنصاف.


القاعدة الرابعة: فهم الألفاظ في سياقها ومقاصدها

ليست كل كلمة تُفهم بمجرد ظاهرها.

فقد يكون اللفظ شديدًا في ظاهره، لكنه لا يراد به التحقير أو الإساءة.

ومن ذلك قول النبي ﷺ لمعاذ رضي الله عنه:

«ثكلتك أمك يا معاذ...»

فهذا اللفظ في ظاهره شديد، لكنه لا يعني أن النبي ﷺ أراد الدعاء عليه حقيقة، بل جاء في سياق البيان والتعليم والتنبيه.

وقد قال له ﷺ:

«إني لأحبك يا معاذ»

فمعرفة السياق، والقرائن، وعادة المتكلم، والمقام الذي قيلت فيه العبارة أمور أساسية لفهم الكلام فهمًا صحيحًا.

ويقول الإمام السبكي:

«فكثيرًا ما رأيت من يسمع لفظة فيفهمها على غير وجهها، فيغير على الكتاب والمؤلف ومن عاشره ومن استن بسنته، مع أن المؤلف لم يرد بذلك الوجه الذي وصل إليه ذلك الرجل».

وهذه مشكلة تتكرر كثيرًا في عصرنا.

يأخذ شخصٌ جملة من كتاب، أو مقطعًا قصيرًا من محاضرة، ثم يبني عليها حكمًا كاملًا على صاحبها، دون أن يرجع إلى بقية كلامه.

وهذا ليس من الإنصاف في شيء.

فإذا كان الرجل معروفًا بالعلم والاستقامة، فلا ينبغي أن نحمل كلامه على أسوأ الاحتمالات لمجرد احتمالٍ بعيد، بل ننظر في كلامه كله، وفي أسلوبه، وفي سياقه، وفي مقصوده.


القاعدة الخامسة: لا تجرح من لا تحتاج إلى جرحه

من أعظم أبواب السلامة: أن يحفظ المسلم لسانه عن أعراض الناس.

فليس كل إنسان يحتاج إلى أن تبحث عن عدالته أو جرحه.

وليس كل خطأ يحتاج إلى إعلان.

وليس كل زلة تستحق أن تتحول إلى قضية عامة.

قال الله تعالى:

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾
[الإسراء: 36]

وقال سبحانه:

﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾
[الحجرات: 12]

وشأن المسلم أن ينشغل بما ينفعه، وأن يدعو إلى الخير، وأن يرد الخطأ بالحكمة، لا أن يجعل همَّه الأكبر تصنيف الناس وملاحقة زلاتهم وتتبع عيوبهم.

فكم من إنسان أضاع عمره في البحث عن أخطاء الآخرين، بينما غفل عن إصلاح نفسه!

وكم من إنسان انشغل بالمفضول عن الفاضل، وبالجدل عن العبادة، وبالخصومة عن العلم.

فليس كل ما تعرفه يجب أن تقوله، وليس كل ما تقوله يجب أن تنشره.


القاعدة السادسة: إذا اجتمع الجرح والتعديل فاذكر الأمرين بإنصاف

إذا كان الإنسان معروفًا بخيرٍ وشر، وصوابٍ وخطأ، فلا يجوز أن تنقل جانبًا واحدًا منه وتخفي الجانب الآخر إذا كان المقام يقتضي بيان الصورة كاملة.

فالإنصاف يقتضي أن تقول:

له جهود نافعة، وله أخطاء.

له علم وفضل، وعنده مسائل أخطأ فيها.

له أعمال مشكورة، وله مواقف لا نوافقه عليها.

وهذا أدق من اختزال الإنسان كله في وصف واحد.

ومن الظلم أن يتحول النقد من:

«أخطأ في هذه المسألة»

إلى:

«هو إنسان باطل من جميع الوجوه».

فالعدل يقتضي أن يُذكر للإنسان ما له وما عليه.

ولا يصح أن تكون نظرتنا إلى الأشخاص نظرة انتقائية؛ فنبحث عن أخطاء من نختلف معه، وعن محاسن من نوافقه فقط.

الإنصاف الحقيقي أن ترى الأمرين معًا.


القاعدة السابعة: لا تجعل حسن الهيئة وحده ميزانًا للناس

المظهر قد يكون صالحًا، لكنه ليس وحده دليلًا على صلاح الباطن.

قال الله تعالى عن المنافقين:

﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾
[المنافقون: 4]

فلا ينبغي أن نعطي الإنسان قدرًا أكبر من قدره لمجرد مظهره، كما لا ينبغي أن نحكم على إنسان بالفسق أو سوء الدين لمجرد أن مظهره لا يوافق ما نراه نحن.

الناس لا يُعرفون بالمظاهر وحدها، وإنما بالأقوال والأفعال والمواقف والصدق والأمانة والاستقامة.

فالمظهر لا يكفي وحده للحكم على الإنسان، كما أن مخالفة الإنسان في بعض المظاهر لا تعني بالضرورة الحكم على قلبه أو دينه كله.

والميزان هو العدل، والدليل، ومعرفة مجموع حال الإنسان.


القاعدة الثامنة: إذا جاز الجرح فلا يكن بقصد التحقير والتشفي

حتى عندما يكون الكلام عن خطأ شخص أو بيان انحراف قول أو تحذير من أمرٍ معين، ينبغي أن يكون المقصود:

بيان الحق، وحماية الناس من الخطأ، ونصرة الصواب.

لا التشفي، ولا الانتقام، ولا إسقاط الأشخاص، ولا إشباع الخصومات الشخصية.

ومن لطيف ما ذكره الإمام السبكي عن والده أنه قال له في قصة مشهورة:

«شرط الجواز عدم قصد التحقير».

وهذه قاعدة عظيمة في باب الكلام عن الناس.

فقد يذكر الإنسان وصفًا أو لقبًا للتعريف، ولا يقصد به الانتقاص، وقد يذكره بقصد السخرية والتحقير، فيختلف الحكم باختلاف القصد والسياق.

ولهذا ينبغي أن نسأل أنفسنا قبل أن نتكلم عن شخص أو جماعة:

هل أريد بيان الحق، أم أريد إسقاط الشخص؟

هل أريد التحذير من الخطأ، أم التشفي من صاحبه؟

هل أتكلم لله، أم أنتصر لنفسي ولخصومتي؟

فهذه الأسئلة كفيلة بأن تكشف للإنسان شيئًا كثيرًا من دوافعه.


الخلاصة: العدل قبل الحكم

هذه القواعد الثماني تجمع لنا منهجًا مهمًا في التعامل مع الناس:

لا تختزل الإنسان في خطأ.

ولا تقبل خبرًا بلا تثبت.

ولا تجعل كلام الخصوم وحده ميزانًا.

ولا تقتطع الكلام من سياقه.

ولا تبحث عن عيوب الناس بلا حاجة.

ولا تنقل الجرح وتترك التعديل.

ولا تجعل المظهر وحده معيارًا للصلاح.

ولا تجعل النقد وسيلة للتحقير والتشفي.

فالعدل ليس أن تحب من توافقه وتُنصفه، وتبغض من تخالفه وتظلمه.

العدل أن يكون ميزانك واحدًا مع الجميع.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾
[المائدة: 8]

وما أحوجنا اليوم إلى هذه الآية في زمنٍ أصبح فيه التصنيف أسرع من التثبت، والجرح أسرع من الفهم، ونشر المقطع أسرع من الرجوع إلى المصدر، والحكم على الأشخاص أسهل من دراسة أقوالهم.

فلنحفظ ألسنتنا، ولنعدل في أحكامنا، ولنفرق بين النقد العلمي والتشهير، وبين بيان الخطأ وإسقاط صاحبه.

فالإنصاف عبادة، والتثبت أمانة، وحفظ أعراض المسلمين من أعظم أبواب التقوى.

اللهم طهّر ألسنتنا من قول الزور، وقلوبنا من الغل والضغائن، وارزقنا العدل فيمن نحب وفيمن نختلف معه، واجعلنا هداةً مهتدين، لا ضالين ولا مضلين.

قواعد في الحكم على الناس

 قواعد في الحكم على الناس

الشيخ محمد حسين يعقوب

 

قال فضيلة الشيخ محمد حسين يعقوب في كتابه ( الأخوَّة أيها الإخوة ) ما نصه :

 

وقبل أن ننتقل إلى سبب آخر لتعميق أواصر الأخوة ، ينبغي أن نضع هذه القضية الخطيرة "تصنيف الناس والحكم عليهم" في ميزانها الشرعي ، وذلك من خلال ثماني  قواعد .

القاعدة الأولى : الإنسان يوزن بـحسناته وسيئاته :

قال تعالى : ( فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُون  ) [ المؤمنون/102ـ103 ]

فأخبرنا الله ـ جل وعلا ـ أن من كانت حسناته هي الراجحة على سيئاته مع الندم على السيئات كان على سبيل النجاة ،وطريق الفوز والفلاح ، ومن مالت سيئاته بحسناته كان الهلاك والعذاب أولى به وهنا فوائد مهمة ينبغي علينا أن نحفظها جيداً ، فليس من شرط أولياء الله المتقين ألا يكونوا مخطئين.

قال تعالى – في وصف المتقين – : ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُون )  [ آل عمران/135]

 فالتقي قد يقع في كبيرة ، ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَة ) كبيرة من الكبائر ( أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ  ) صغيرة من الصغائر ، لكنهم يتوبون سريعاً حال يقظتهم من غفلة المعصية فلا يصرون على فعل المعاصي ، بل يستغفرون الله على فعلهم.

يقول الإمام الذهبي في (مقدمة ميزان الاعتدال) : " ليس من شرط الثقة أن يكون معصوماً من الخطايا والخطأ ، فالكامل الذي ليس فيه شيء عزيز نادر الوجود " .

 يقول ابن الأثير في ( اللباب في تهذيب الأنساب ) :" إنَّما السيد من عدت سقطاته ، وأخذت غلطاته ، فهي الدنيا لا يكمل بها شيء ". وقد صح عن النبي e حين سبقت ناقة اليهودي ناقته فقال عليه الصلاة والسلام : "حقٌ على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه" [2] والأمثلة الحية كثيرة  ، فاللهم ارحم الموحدين من المؤمنين.

إخوتاه ..

هذا الميزان ينبغي أن نطبقه مع إخواننا ومشايـخنا ، فلا نغلوا فيهم ، ولا نبخسهم حقهم لمجرد هفوة أو زلة صدرت من أحدهم فالمرء يوزن بتقواه ومن كثرت حسناته تُغوضِيَ عن سيئاته.

استمع لكلام سلفنا وتذكر قول الإمام الشافعي : " إني لأظفر بالمسألة لم أكن قد سمعتها من قبل ، فأود لو أن كل جسمي آذانٌ ليستمتعَ جسمي كما استمتعت أذني " .

     يقول الإمام الذهبي ـ والذهبي ذهبي الكلام ـ " إنَّ الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه ، وعُلم تحريه للحق ، واتسع علمه ، وظهر ذكاؤه ، وعُرف صلاحه وورعه واتباعه للحق يغفر له زلَله ، لا نضلله ، ولا نطرحه ، ولا ننسى محاسنه ، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه ، ونرجو له التوبة من ذلك " أهـ

لذلك علينا ألا نشهر بأحدٍ ، ولا نبالغ في إفشاء ستره ، فلو فتح هذا الباب لما سلم لنا أحدٌ من الأئمة والدعاة ، إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون ، وهلك فيه هالكون.

مثلاً : ضعف بعضهم الإمام البخاري فيرد ابن حجر – رحمه الله – فيقول : ومن ضعفه فهو الضعيف.

إخوتاه ..

يقول الإمام السبكي : " من ثبتت إمامته وعدالته وكثر مادحوه ومزكوه وندر جارحوه وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره فإنَّا لا نلتفت إلى الجرح فيه ، ونعمل فيه بالعدالة " ([3])

فهذا هو الأصل ليس صنف من الناس إلا وفيه عيب ، فمن ذا خلص من الآفات ، ومن ذا صفا من الكدورات ، فاللهم اجبر نقصنا ، واغفر زللنا إليك يا رب المشتكى .

القاعدة الثانية : التحري والتصور لجميع حال ذلك الإنسان:

يقول ابن حجر رحمه الله تعالى : " إن الذي يتصدى لضبط الأفعال والأقوال والرجال يلزمه التحري في النقل فلا يجزم إلا بما يتحققه لا يكتفي بالقول الشائع " أهـ

مثلاً : تجد من الإخوة من يحضر درساً فينقل عن الشيخ كلاماً ربما لم يقله ، أو فهمه بطريق الخطأ، في مثل هذه الأحوال ينبغي أن تتحرى فتسأل الشيخ أو الثقات الأثبات حتى لا تنتشر المقولات الكاذبة عن الدعاة والعلماء.

قال رسول الله e : " بئس مطية الرجل زعموا "(2) فهذه من علامات السند المنقطع ؛ لذلك لابدَّ من اتصال السند ، والتحقق والتحري بنفسك ، خاصةً إذا ترتب على ذلك مفسدة كالطعن في أحد من أهل العلم والصلاح ، وإن كان في الواقعة أمرٌ فادح كموقف أو قول أو فعل في حق المستور فينبغي ألا يبالغ في إفشائه ، بل يكتفي بالإشارة لئلا يكون الأمر فلتة ، أو على غير الوجه الذي تتصوره. لذلك يحتاج المسلم إلى أن يكون عارفاً بمقادير الناس ، وبأحوالهم ومنازلهم فلا يرفع الوضيع ، ولا يضع الرفيع. فيا لله لو أعطى الناس بدعواهم لذهبت أموال وأنفس كثيرة لا يعلمها إلا الله ، فإياك وسماع الدعاوى فإنَّها لا تثمر خيراً ، وأكثر الشرور تأتى من " قيل وقال وسمعت وظننت وبلغني " فإياك .. إياك فمن صحت عدالته ، وعُلم بالعلم عنايته ، وسلم من الكبائر ولزم المروءة ، وكان خيره غالباً ، وشره أقل عمله ، فهذا لا يُقبل فيه قول قائل لا برهان له به. فدلائل الأمور أشد تثبيتاً من شهادات الرجال ، إلا أن يكون في الخبر دليلٌ ، ومع الشهادة برهانٌ ؛ لأن الدليل لا يكذب ولا ينافق ، ولا يزيد ، ولا يبدل ، وشهادة الإنسان لا تمتنع من ذلك وهذا هو الحق – إن شاء الله – الذي لا حق غيره.

القاعدة الثالثة : التثبت من كلام الأقران وأرباب المذاهب والجماعات في بعضهم البعض:

     كلام الأقران لا يعبأ به خاصة إذا بدا لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد ، كذلك في الإخوة الأقران الذين بينهم وبين بعض تنافس كأصحاب المحلات الواحدة ، أو المهنة المشتركة ، أو أصحاب دعوات مختلفة أو أصحاب أفكار متباينة.

هؤلاء لا يقبل كلام بعضهم في بعض – كما يقول الإمام الذهبي – في قاعدته الذهبية:

" كلام الأقران يُطوى ولا يُروى ، فإن ذُكر تأمله المحدث فإن وجد له متابعاً ، وإلا أعرض عنه ".

مثلاً : يشيع أن تـجد العداوات بين الأصحاب إذا اختلفوا ، وناءت بهم السبل ، أو رجل كان متزوجاً من امرأة فطلقها فيبدأ في التقول عليها ، أو العكس فكل ذلك يُطوى ولا يُروى إلا إذا وُجد الدليل على صدق القائل. ينبغي أن نحمل الكلام محملاً حسناً ، وحسن الظن واجب ، والتأويل الحسن لازم لسلامة الصدر.

القاعدة الرابعة : الخبرة بمدلولات الألفاظ ومقاصدها :

يقول الأدباء : قد يوحش اللفظ ، وكله وُدّ. حين يقول رسول الله e لمعاذ – مثلاً – " ثكلتك أمك" (1) معناها فقدتك ، فاللفظ موحش ولكنه يفيض محبة ، فالرسول أراد أن يفهمه وقد قال له e " إني لأحبك يا معاذ "(2)

ففهم مدلولات الألفاظ ضرورة ، فمن الألفاظ ما يجرى على الألسنة بغير قصد لمدلوله الظاهر، بل يتعارف الناس فيه معنى آخر ، ويتداول بينهم حتى يعود هو المتبادر.

كمثل قولهم : ويله وويل أمه ، تربت يمينه ،... الخ هذه العبارات ، وهنا ينظر أصحاب العقول البصيرة ، فيتأملوا قرائن الحال والمتكلم ، فإن كان ولياً فهو الولاء ، وإن بدا القول خشناً ، وإن كان عدواً فهو البلاء حتى ولو بدا القول حسناً (1)

يقول الإمام السبكي : " فكثيراً ما رأيت من يسمع لفظة فيفهمها على غير وجهها ، فيغير على الكتاب والمؤلف ومن عاشره ومن استن بسنته مع أن المؤلف لم يرد بذلك الوجه الذي وصل إليه ذلك الرجل " .

 إذا كان الرجل ثقة مشهوداً له بالإيمان والاستقامة فلا ينبغي أن يُحمل كلامه وألفاظ كتاباته على غير ما تعود منه بل ينبغي التأويل الصالح ، وحسن الظن الواجب به وبأمثاله ، ليس شيء أنفع لمن لا يدري مدلول الألفاظ من أن يسيء الظن بنفسه ، وأن يرجع إلى غيره ، ليس في الدنيا إنسان إلا وهو في حاجة إلى تثقيف وزيادة علم ، والمستعين بغيره أبداً على خير ، فلذلك ينبغي أن نفهم مدلولات الألفاظ ، فإن فهم الألفاظ على وجه خطأ هو الذي يُفسد ويسيء.

القاعدة الخامسة : ألا يـجرح من لا يـحتاج إلى جرحه .

ينبغي على المسلم حفظ لسانه ، وصيانة جارحته عن أعراض  المسلمين ، فليس هو عليهم بحفيظ ولا بمسيطر.

وشأن المسلم أن ينشغل بدعوة الناس وردهم إلى الإسلام رداً جميلاً ، لا أن يوطن نفسه في تصنيف الناس والحكم عليهم.

ومن الناس من لا تحتاج إلى البحث عنه ، لا تفتش عن عدالته أو جرحه ، حتى وإن بدت أمارات حرص ، فلا ينبغي أن تنشغل بالمفضول  – أو قل ما هو من جنس المتروك – عن الفاضل من الأعمال والأقوال والطاعات .

القاعدة السادسة : عدم الاكتفاء بنقل الجرح فقط فيمن وجد فيه الجرح والتعديل:

     فإذا عُلم عن المرء خيره وشره ، فلا ينبغي أن نكون أصحاب نفوس ذبابية لا تقف إلا على الشيء القذر ، بل ينبغي أن نتحلى بصفة الإنصاف ، وإن كنا في زمان قل فيه من يعرف وأقل منه من يُنصف .

     مثلاً : يسألونك عن بعض الجماعات فتقول : أناسٌ على خير كثير ، نحسبهم مخلصين ، وفي الدعوة مجتهدين ، وأصحاب سمت وأدب وهدى صالح  لكن عندهم بعض البدع .

فلا تنقل أنهم مبتدعة أو على بدعة في بعض ما يصنعون ، ولكن تنقل التعديل والتجريح معاً.


القاعدة السابعة : الحذر من حسن الهيئة :

     فلا يوزن الناس بهيئاتهم ، فهذا مما يشترك فيه المجروحون وأهل العدالة، والصور خداعة ، بل يقاس الناس بأفعالهم ومواقفهم وأقوالهم على موجب الحق والعدل ، فلا نغتر بالشكل أو المظهر.

فليس أحدٌ حجةً على الإسلام بمظهره ، فلا يعظم المرء عندنا لمجرد حسن الهيئة وإظهاره للسنة والتزين بها.

فليس كل من حلق لحيته مجرماً فاسقاً ، ولا كل ملتحٍ صار بلحيته من أولياء الله الصالحين، وإن كنا نقول : حلق اللحية حرام ، وإدمان حلقها كبيرة من الموبقات ، لكن فيمن يحلقون لحاهم أتقياء ، وأنت لا تدرى فليس كل عُذر يذكر.

فليس الحكم على الأشخاص بالمظهر ، قال تعالى عن المنافقين : ( وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) [ المنافقين / 4]  فالمظهر ليس شرطاً للعدالة.

القاعدة الثامنة : شرط جواز الجرح عدم قصد التحقير :

     قال الإمام السبكي ـ رحمه الله ـ : " كنت جالساً بدهليز دارنا فأقبل كلب فقلت : اخسأ كلب ابن كلب "  قال : فزجرني والدي من داخل البيت ، قلت : سبحان الله أليس هو كلباً ابن كلب ، فقال: شرط الجواز عدم قصد التحقير ، قلت : وهذه فائدة " أهـ

     مثلاً : أحد الناس مشهور باسم الأعرج – مثلاً – ولا يُعرف إلا بهذه الكنية ، فلا يجوز أن تناديه بهذا إلا بغير قصد التحقير ، وإلا صارت غيبة ، أما إذا قيلت على وجه التعريف فليست بغيبة، وكذلك الشأن في كل الأمور ، إنك عندما تتكلم على جماعة من الجماعات ، أو دعوة من الدعوات ، أو شخص من الأشخاص فلا ينبغي أن تتكلم بنية التحقير والتهوين من شأنه لإيذائه ، وإنما تقصد بيان الحق ونصرة الدين ، فلا تنتصر لنفسك ، أو تكون نيتك طلب العلو بإنزال قدر خصمك ، فإن فعلت فإنك إذاً من الآثمين ، فاللهم طهر ألسنتنا عن قول الزور ، وطهر قلوبنا عن الضغائن والغل والجور ، واجعلنا هداة مهديين لا ضالين ولا مضلين.


الجرح بين العلماء: متى يكون معتبرًا؟ ومتى يكون من كلام الأقران؟

 

الجرح بين العلماء: متى يكون معتبرًا؟ ومتى يكون من كلام الأقران؟

تمهيد

من أدق أبواب العلم وأخطرها: الكلام في العلماء، والحكم على أقوالهم ومناهجهم وأشخاصهم.

فالعالم ليس معصومًا من الخطأ، والنقد العلمي باب معروف عند أهل العلم، وقد مارس أئمة الحديث والفقه والتفسير هذا الباب وفق ضوابط دقيقة، حمايةً للعلم وصيانةً للمنهج.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الخلاف العلمي إلى خصومة شخصية، أو المنافسة إلى تجريح، أو الاختلاف إلى إسقاط، ثم يُتعامل مع كل كلام يصدر من عالم في عالم آخر على أنه حكم نهائي لا يقبل النظر أو المناقشة.

ولهذا كان أئمة أهل السنة شديدي التنبيه إلى مسألة كلام الأقران بعضهم في بعض، ودعوا إلى التثبت والعدل والورع، وعدم قبول الجرح لمجرد صدوره.

فالسؤال المهم ليس:

هل تكلم العلماء بعضهم في بعض؟

فالجواب معروف: نعم.

وإنما السؤال:

متى يكون الجرح معتبرًا؟ ومتى يكون من كلام الأقران؟


أولًا: تحاسد العلماء والمنافسة بين الأقران

الحسد والمنافسة بين أهل العلم ليسا أمرين جديدين، فقد نبّه العلماء قديمًا إلى خطورتهما.

قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله:

«تأملت التحاسد بين العلماء، فرأيت منشأه من حب الدنيا، فإن علماء الآخرة يتوادون ولا يتحاسدون».

وبيّن رحمه الله أن علماء الآخرة لا يجعلون الرياسة وكثرة الأتباع والثناء غايتهم، بل كانوا يخافون من الشهرة والظهور، ويتدافعون الفتوى، ويدعو بعضهم لبعض، ويستفيد بعضهم من بعض.

ثم قال:

«والأمر الفارق بين الفئتين: أن علماء الدنيا ينظرون إلى الرياسة فيها، ويحبون كثرة الجمع والثناء، وعلماء الآخرة بمعزل من إيثار ذلك».

وقال أيضًا:

«ثم فيهم من الحسد للنظراء ما لا يوصف».

وهنا يظهر أصل مهم:

إذا دخل حب الرياسة والمنافسة وحب الظهور في العلاقة بين أهل العلم، فقد يتأثر الحكم على الأقران.

ولهذا لا بد من معرفة حال المتكلم، وحال المتكلم فيه، والظروف التي صدر فيها الكلام.


ثانيًا: السلف نبّهوا إلى خطورة كلام العلماء بعضهم في بعض

نُقل عن ابن عباس رضي الله عنهما:

«خذوا العلم حيث وجدتم، ولا تقبلوا قول الفقهاء بعضهم على بعض، فإنهم يتغايرون تغاير التيوس في الزريبة».

وقال مالك بن دينار رحمه الله:

«يؤخذ بقول العلماء والقراء في كل شيء إلا قول بعضهم في بعض؛ فإنهم أشد تحاسدًا من التيوس».

وقال عبد العزيز بن أبي حازم رحمه الله:

«العلماء كانوا فيما مضى من الزمان إذا لقي العالم من هو فوقه في العلم كان ذلك يوم غنيمة، وإذا لقي من هو مثله ذاكره، وإذا لقي من هو دونه لم يزهُ عليه... حتى كان هذا الزمان، فصار الرجل يعيب من هو فوقه ابتغاء أن ينقطع منه حتى يرى الناس أنه ليس به حاجة إليه، ولا يذاكر من هو مثله، ويزهى على من هو دونه، فهلك الناس».

ومعنى هذه الكلمات ليس إسقاط النقد العلمي، وإنما التنبيه إلى أن المنافسة بين الأقران قد تؤثر في بعض الأحكام والأقوال.

ولهذا كان العلماء يفرقون بين النقد القائم على البرهان وبين الكلام الذي تحركه النفس والخصومة والمنافسة.


ثالثًا: متى يكون الجرح معتبرًا؟

ليس كل جرح مردودًا، كما أنه ليس كل جرح مقبولًا.

فالجرح المعتبر هو الذي يقوم على علم وعدل وبينة وقرائن صحيحة، وليس مجرد دعوى أو خصومة.

وقد قرر ابن عبد البر رحمه الله أن من صحت عدالته، وثبتت أمانته في العلم، وعُرفت عنايته به، فلا يُلتفت إلى قول الطاعن فيه إلا إذا جاء بما يثبت جرحه على وجه معتبر.

وهذا يقرر قاعدة مهمة:

إسقاط العالم ليس بالأسماء، وإنما بالبراهين.

فليس السؤال:

من الذي تكلم فيه؟

فقط.

بل ينبغي أن يُسأل أيضًا:

ماذا قال؟ ولماذا قال؟ وما دليله؟ وهل فُسِّر جرحه؟ وهل وافقه غيره؟ وهل توجد قرائن تؤيد كلامه أم تدفعه؟

وهذه هي الروح العلمية التي تميز النقد المنضبط عن التشهير.


رابعًا: متى يكون الكلام من كلام الأقران؟

من أبرز القرائن التي تجعل كلام العالم في نظيره محتاجًا إلى مزيد من التأمل:

1 ـ وجود المنافسة

إذا كان المتكلم والمتكلم فيه من المتنافسين في مجال واحد، فلابد من مزيد من التثبت.

2 ـ وجود العداوة أو الخصومة

إذا ثبتت الخصومة بين الطرفين، فإن كلام أحدهما في الآخر لا يُتعامل معه كأنه صادر من شخص محايد.

3 ـ التعصب المذهبي أو الاتجاهي

قد يقع الطعن بسبب اختلاف المذهب أو الاتجاه، ولذلك لا بد من التمييز بين نقد القول بالدليل وبين إسقاط صاحبه بسبب الانتماء أو المخالفة.

4 ـ مخالفة الجرح لما عليه جمهور أهل العلم

إذا كان الرجل معروفًا بالإمامة والعدالة، ووثقه جماعة من الأئمة، ثم انفرد واحد أو عدد قليل بالطعن فيه، وجب النظر في سبب هذا الاختلاف وعدم التسرع في إسقاطه.

5 ـ عدم تفسير الجرح

فالجرح المجمل ليس كالنقد المفصل المبني على وقائع ثابتة.

وهذه الضوابط وغيرها هي التي تجعل الحكم على العلماء قائمًا على العدل والإنصاف، لا على مجرد تكرار العبارات.


خامسًا: ماذا قال الإمام الذهبي في كلام الأقران؟

من أكثر الأئمة وضوحًا في هذه المسألة: الإمام الذهبي رحمه الله.

قال:

«كلام الأقران بعضهم في بعض لا يؤبه به، لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد».

وقال:

«كلام الأقران إذا تبرهن أنه بهوى وعصبية لا يلتفت إليه، بل يطوى ولا يروى».

وقال:

«كلام النظير والأقران ينبغي أن يتأمل ويتأنى فيه».

وقال:

«وقد علم أن كثيرًا من كلام الأقران بعضهم في بعض مهدر لا عبرة به».

وقال في موضع آخر:

«قلت: هذا من كلام الأقران الذي لا يسمع».

وقال أيضًا:

«وبكل حال كلام الأقران بعضهم في بعض يحتمل، وطيه أولى من بثه».

وقال:

«فلا يعتد غالبًا بكلام الأقران، لا سيما إذا كان بينهما منافسة».

وهذه النقول المتعددة تكشف عن منهج واضح:

كلام الأقران لا يُرفض دائمًا، ولا يُقبل دائمًا؛ بل يُنظر فيه ويُوزن بالعدل والقرائن.


سادسًا: ابن حجر يحذر من قبول كلام الأقران بلا تفصيل

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله:

«إن كلام الأقران غير معتبر في حق بعضهم بعضًا إذا كان غير مفسر».

وقال أيضًا:

«واعلم أنه قد وقع من جماعة الطعن في جماعة بسبب اختلافهم في العقائد، فينبغي التنبه لذلك وعدم الاعتداد به إلا بحق».

وهذا يبين أن مجرد اختلاف العلماء في بعض المسائل لا يكفي وحده لإسقاط أحدهم.

فقد يختلف العلماء في العقائد أو الفروع أو المناهج، لكن الحكم على الأشخاص يحتاج إلى مزيد من التثبت، ولا سيما إذا كان الكلام صادرًا عن خصم أو منافس.


سابعًا: ابن عبد البر يحذر من إسقاط الأئمة بمجرد الطعن

قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله إن من صحت عدالته وثبتت إمامته وعُرفت عنايته بالعلم، لا ينبغي أن يُقبل فيه قول الطاعن بلا بينة عادلة.

ثم أشار إلى أن السلف أنفسهم وقع بينهم كلام بعضهم في بعض، وأن منه ما كان بسبب الغضب، ومنه ما حمل عليه الحسد، ومنه ما كان بسبب التأويل والاجتهاد.

وهذا يقرر أصلًا بالغ الأهمية:

وقوع العالم في كلامٍ على غيره لا يعني بالضرورة أن ذلك الكلام يمثل حكمًا علميًا نهائيًا على المتكلم فيه.

ولهذا لا بد من النظر في الملابسات، ومقارنة الأقوال، ومعرفة موقف بقية أهل العلم.


ثامنًا: السبكي وتحذير شديد من فتح باب التجريح بلا ضوابط

قال تاج الدين السبكي رحمه الله:

«والحذر الحذر من هذا الحسبان، بل إن الصواب عندنا أن من ثبتت إمامته وعدالته، وكثر مادحوه ومزكوه، وندر جارحوه، وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره، فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه، ونعمل فيه بالعدالة».

ثم قال:

«ولو فتحنا هذا الباب، وأخذنا تقديم الجرح على إطلاقه لما سلم لنا أحد من الأئمة».

وهذه قاعدة جديرة بالتأمل:

لو جعلنا كل جرح سببًا كافيًا لإسقاط العلماء، لما سلم لنا كثير من أئمة الأمة.

فالجرح ليس كلمة تُردد، وإنما مسؤولية علمية.


تاسعًا: التاريخ العلمي يشهد بوقوع الخلاف بين كبار الأئمة

عند قراءة كتب التراث نجد أمثلة كثيرة على كلام العلماء بعضهم في بعض.

فقد تكلم ابن أبي ذئب في الإمام مالك.

وتكلم سعيد بن المسيب في عكرمة.

وتكلم الثوري في أبي حنيفة.

وتكلم الإمام مالك في محمد بن إسحاق.

ومع ذلك لم يؤدِّ هذا إلى محو مكانتهم العلمية، ولا إلى إلغاء تراثهم، ولا إلى اعتبار كل كلمة قيلت فيهم حكمًا نهائيًا.

بل إن علماء النقد كانوا يدرسون سبب الكلام وملابساته، وقد يردون بعضه أو يؤولونه أو يبينون أنه لا يوجب إسقاط الرجل.

ومن هنا يتضح:

أن وجود الطعن في كتب التراث لا يعني بالضرورة صحة كل طعن، ولا وجوب العمل به على إطلاقه.


عاشرًا: البخاري والذهبي يقدمان أمثلة عملية

قال الإمام البخاري رحمه الله:

«ولم يلتفت أهل العلم إلى ذلك، ولا سقطت عدالة أحد إلا ببرهان ثابت وحجة».

وقال الذهبي رحمه الله في بعض الخلافات بين الأئمة:

«لا يسمع قول ربيعة فيه، فإنه كان بينهما عداوة ظاهرة».

وقال في قيس بن أبي حازم:

«أجمعوا على الاحتجاج به، ومن تكلم فيه فقد آذى نفسه، نسأل الله العافية وترك الهوى».

وقال في ابن صاعد بعد ذكر خصومة بينه وبين ابن أبي داود:

«ونحن لا نقبل كلام الأقران بعضهم في بعض وهما بحمد الله ثقتان».

وهذه التطبيقات العملية مهمة جدًا؛ لأنها تؤكد أن القاعدة لم تكن مجرد كلام نظري، بل مارسها أئمة النقد في أحكامهم على الرجال.


الحادي عشر: لا أحد يسلم من ألسنة الناس

بعد كل هذا، يبقى سؤال:

هل يمكن لعالم أو داعية أو طالب علم أن يسلم من كلام الناس؟

الجواب: ليس إلى ذلك سبيل.

قال الإمام الذهبي رحمه الله:

«وقل من برز في الإمامة ورد على من خالفه إلا عودي، نعوذ بالله من الهوى».

وقال أيضًا:

«فمن ذا الذي يسلم من ألسنة الناس؟! لكن إذا ثبتت إمامة الرجل وفضله لم يضره ما قيل فيه، وإنما الكلام في العلماء يفتقر إلى وزن بالعدل والورع».

وقال الإمام الشافعي رحمه الله:

«ليس إلى السلامة من الناس سبيل، فانظر الذي فيه صلاحك فالزمه».

ولهذا فإن طالب العلم العاقل لا يجعل كل طعن يسمعه سببًا للاضطراب، ولا يجعل كل رد عليه معركة جديدة.


الثاني عشر: ليس كل نقد من كلام الأقران

وهنا لا بد من تنبيه مهم جدًا.

القول بأن كلام الأقران يحتاج إلى تثبت لا يعني رفض كل نقد يصدر من عالم في عالم آخر.

فقد يكون العالم قد وقع في خطأ واضح، أو تبنى قولًا باطلًا، أو ثبتت عنه بدعة، أو صدر منه ما يستوجب التحذير منه، فيكون الكلام فيه من باب النقد العلمي والتحذير من الخطأ، وليس بالضرورة من باب الحسد أو المنافسة.

وقد أُشير في المادة الأصلية إلى هذا القيد عند الكلام على موقف الإمام أحمد رحمه الله من الحسن بن علي الكرابيسي وأبي الوليد هشام بن عمار، مع بيان أن التحذير من البدعة الثابتة لا يدخل لمجرد كونه «كلام أقران».

إذن لا يصح أن نقول:

«كل كلام عالم في عالم آخر مردود لأنه من كلام الأقران».

كما لا يصح أن نقول:

«كل جرح صدر من عالم فهو حجة قاطعة».

بل الصواب هو:

النظر في الدليل، والسبب، والقرائن، وحال المتكلم والمتكلم فيه.


الثالث عشر: المشكلة تبدأ عندما يتحول الجرح إلى وسيلة لإسقاط العلماء

من أخطر صور الخلل أن يتحول الجرح من أداة علمية لضبط الرواية والنقد إلى وسيلة لتصفية الخلافات، أو إسقاط المخالفين، أو احتكار الحق.

فيصبح السؤال:

من تكلم في فلان؟

ومن حذر من فلان؟

ومن بدّع فلانًا؟

ومن أسقط فلانًا؟

ثم لا يُسأل:

هل كان كلامه بدليل؟

هل كان مفسرًا؟

هل وافقه غيره؟

هل توجد قرائن تدل على الخصومة أو التعصب؟

وهنا يفقد الجرح قيمته العلمية، ويتحول إلى مجرد سلاح في الخصومة.

والواجب أن يبقى النقد علمًا له ضوابط، لا وسيلة لتوزيع الأحكام وإسقاط الناس.


الرابع عشر: طالب العلم بين الإنصاف والتعصب

طالب العلم المنصف لا يبحث عن عثرات العلماء ليجمعها.

ولا يجعل الخلافات الشخصية بين الأئمة ميزانًا للحكم على الناس.

ولا يقول:

«فلان تكلم في فلان، إذن فلان ساقط».

بل يتثبت، ويقرأ، ويوازن، ويعرف أن العلماء بشر يجتهدون ويصيبون ويخطئون.

وقد يكون العالم الذي أخطأ في شخصٍ ما هو نفسه مصيبًا في موضع آخر، وقد يكون كلامه في مسألة صحيحًا، وفي مسألة أخرى متأثرًا بخلاف أو خصومة.

ولهذا كان من أعظم أخلاق طالب العلم:

العدل.

والإنصاف.

وحسن الظن ما أمكن.

والتثبت قبل الحكم.


الخلاصة: ما الميزان إذن؟

بعد جمع هذه النقول يتضح أن التعامل مع الجرح بين العلماء لا يكون بالعاطفة، ولا بالتقليد الأعمى، وإنما بالميزان العلمي.

فإذا كان الجرح:

مفسرًا، ثابتًا، قائمًا على بينة، خاليًا من قرائن الهوى والتعصب، ومؤيدًا بالأدلة والقرائن؛ فهنا يُنظر فيه ويُعتبر.

أما إذا كان:

مجملًا، أو صادرًا في سياق منافسة، أو عداوة، أو تعصب، أو خصومة، أو انفرد به أحد الأقران مع قيام الأدلة على خلافه؛ فهنا يجب التثبت وعدم التعجل في إسقاط العالم.

وهذا هو معنى كلام الذهبي:

«كلام الأقران بعضهم في بعض لا يؤبه به، لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد».

ومعنى كلام ابن حجر:

«كلام الأقران غير معتبر في حق بعضهم بعضًا إذا كان غير مفسر».

ومعنى كلام السبكي:

«ولو فتحنا هذا الباب، وأخذنا تقديم الجرح على إطلاقه لما سلم لنا أحد من الأئمة».


الخاتمة

إن الكلام في العلماء أمانة عظيمة، والجرح باب دقيق لا يجوز أن يتحول إلى أداة للخصومة.

فلا ينبغي أن نرفض النقد العلمي الصحيح بحجة «كلام الأقران»، كما لا ينبغي أن نقبل كل طعن لمجرد أن قائله عالم.

الميزان هو الدليل والعدل والإنصاف.

ومن أراد أن يحكم على عالم، فليحكم بعلم.

ومن أراد أن ينتقد قولًا، فليأتِ بالبرهان.

ومن أراد أن ينقل جرحًا، فليتحقق من صحته وسياقه.

ومن أراد أن يختلف، فليختلف بأدب.

أما تحويل الخلافات بين العلماء إلى سلاح لإسقاط الأشخاص، وجمع العثرات، وتصفية الحسابات؛ فليس من الإنصاف في شيء.

فالجرح علمٌ له ضوابط، والكلام في العلماء أمانة، والعدل هو الميزان.

ومن أجمل ما يختم به هذا الباب قول الإمام الذهبي رحمه الله:

«فمن ذا الذي يسلم من ألسنة الناس؟! لكن إذا ثبتت إمامة الرجل وفضله لم يضره ما قيل فيه، وإنما الكلام في العلماء يفتقر إلى وزن بالعدل والورع».

وهكذا يكون طالب العلم: لا أسيرًا للمدح، ولا أسيرًا للجرح، وإنما أسيرًا للحق والدليل والإنصاف.

كلام الأقران ليس حُجّة مطلقة!

 

كلام الأقران ليس حُجّة مطلقة!

كيف حذّر أئمة أهل السنة من الطعن المتبادل بين العلماء؟

تمهيد

من أخطر الآفات التي قد تصيب أهل العلم وطلبته: الحسد والمنافسة والتعصب بين الأقران.

فقد يجتمع العلماء وطلبة العلم على ميدان واحد، ويتنافسون في المكانة العلمية، والقبول عند الناس، وكثرة الأتباع، والثناء، والرياسة؛ فإذا دخلت الأهواء في هذا التنافس تحوّل الاختلاف العلمي أحيانًا إلى طعن وتجريح وتبديع، وربما حمل بعض الناس كلام بعضهم في بعض على أنه حكم علمي نهائي لا يقبل النقاش.

ولهذا اعتنى أئمة أهل السنة بهذه المسألة، ونبّهوا إلى أن كلام الأقران يحتاج إلى تثبت وتأمل، ولا سيما إذا ظهرت المنافسة أو التعصب أو العداوة.


أولًا: تحاسد العلماء داء قديم

قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله:

«تأملت التحاسد بين العلماء، فرأيت منشأه من حب الدنيا، فإن علماء الآخرة يتوادون ولا يتحاسدون».

ثم ذكر رحمه الله أن علماء الآخرة لا يجعلون الرياسة وكثرة الأتباع والثناء غايتهم، بل كان بعضهم يحب الخمول، ويتدافعون الفتوى، ويدعو بعضهم لبعض، ويستفيد بعضهم من بعض.

ثم قال:

«الأمر الفارق بين الفئتين: أن علماء الدنيا ينظرون إلى الرياسة فيها، ويحبون كثرة الجمع والثناء، وعلماء الآخرة بمعزل من إيثار ذلك».

ويقول أيضًا في وصف بعض صور الخلطة بين العلماء:

«فلا تكاد ترى من تذاكره أمر الآخرة، إنما شغلهم الغيبة، وقصد الغلبة، واجتلاب الدنيا، ثم فيهم من الحسد للنظراء ما لا يوصف».

وهذه الكلمات تضع أيدينا على أصل مهم:

ليس كل خلاف بين العلماء خلافًا علميًا مجردًا؛ فقد تتدخل النفس، والمنافسة، وحب الظهور، والغيرة من المكانة العلمية.


ثانيًا: ماذا قال السلف في تحاسد الأقران؟

نُقل عن ابن عباس رضي الله عنهما:

«خذوا العلم حيث وجدتم، ولا تقبلوا قول الفقهاء بعضهم على بعض، فإنهم يتغايرون تغاير التيوس في الزريبة».

وقال مالك بن دينار رحمه الله:

«يؤخذ بقول العلماء والقراء في كل شيء إلا قول بعضهم في بعض؛ فإنهم أشد تحاسدًا من التيوس».

وقال عبد العزيز بن أبي حازم رحمه الله:

«العلماء كانوا فيما مضى من الزمان إذا لقي العالم من هو فوقه في العلم كان ذلك يوم غنيمة، وإذا لقي من هو مثله ذاكره، وإذا لقي من هو دونه لم يزهُ عليه، حتى كان هذا الزمان، فصار الرجل يعيب من هو فوقه ابتغاء أن ينقطع منه حتى يرى الناس أنه ليس به حاجة إليه، ولا يذاكر من هو مثله، ويزهى على من هو دونه، فهلك الناس».

والمعنى هنا بالغ الأهمية:

العالم الصادق يرى في العالم الآخر فرصة للاستفادة، لا خطرًا على مكانته.


ثالثًا: ابن عبد البر يضع قاعدة عظيمة

قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله في بيان هذه المسألة إن من صحت عدالته، وثبتت أمانته في العلم، وعُرفت عنايته به، لا يُلتفت إلى قول الطاعن فيه إلا إذا جاء ببينة معتبرة.

ثم نبّه إلى أن السلف أنفسهم وقع بينهم كلام في بعضهم بعضًا، وكان من أسبابه الغضب والحسد والتأويل والاجتهاد، ولذلك لا يصح أن يتحول كل ما نُقل من كلام العلماء بعضهم في بعض إلى حكم لازم.

وخلاصة كلامه:

أن العالم المعروف بالعدالة والإمامة لا يُسقط بمجرد قول طاعن، وإنما لا بد من برهان وحجة.


رابعًا: الذهبي يحذر من كلام الأقران

وهنا نصل إلى مجموعة من العبارات شديدة الوضوح للإمام الذهبي رحمه الله.

قال:

«كلام الأقران بعضهم في بعض لا يؤبه به، لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد».

وقال أيضًا:

«كلام الأقران إذا تبرهن أنه بهوى وعصبية لا يلتفت إليه، بل يطوى ولا يروى».

وقال في موضع آخر:

«كلام النظير والأقران ينبغي أن يتأمل ويتأنى فيه».

وقال رحمه الله:

«وقد علم أن كثيرًا من كلام الأقران بعضهم في بعض مهدر لا عبرة به».

وقال كذلك:

«قلت: هذا من كلام الأقران الذي لا يسمع».

وقال:

«وبكل حال كلام الأقران بعضهم في بعض يحتمل، وطيه أولى من بثه».

وقال أيضًا:

«فلا يعتد غالبًا بكلام الأقران، لا سيما إذا كان بينهما منافسة».

وقال:

«وقد عرف وهن كلام الأقران المتنافسين بعضهم في بعض».

هذه النقول المتعددة ترسم لنا قاعدة واضحة:

ليس كل جرح يصدر من عالم في نظيره جرحًا مقبولًا بمجرد صدوره.

بل لا بد من النظر في:

  • سبب الجرح.

  • حال المتكلم.

  • حال المتكلم فيه.

  • وجود المنافسة أو العداوة.

  • وجود التعصب المذهبي.

  • وجود الدليل والبرهان.

  • وهل وافق هذا الجرح كلام جماعة من أهل العلم أم انفرد به صاحبه؟


خامسًا: ابن حجر يفرق بين الجرح المعتبر وغيره

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:

«إن كلام الأقران غير معتبر في حق بعضهم بعضًا إذا كان غير مفسر».

وقال أيضًا:

«واعلم أنه قد وقع من جماعة الطعن في جماعة بسبب اختلافهم في العقائد، فينبغي التنبه لذلك وعدم الاعتداد به إلا بحق».

وهذا يبين أن مجرد اختلاف الاتجاه أو المذهب لا يكفي وحده لإسقاط العالم، وإنما لا بد من التثبت والنظر في حقيقة ما قيل.


سادسًا: لا تُسقط إمامة عالم بسبب دعوى مجردة

قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله:

«لو كان كل من ادُّعي عليه مذهب من المذاهب الرديئة ثبت عليه ما ادُّعي به، وسقطت عدالته، وبطلت شهادته بذلك، للزم ترك أكثر محدثي الأمصار».

وهذه قاعدة مهمة في التعامل مع الدعاوى:

ليس كل ما يُنسب إلى عالم يثبت بمجرد النسبة.

فالقول المنقول يحتاج إلى تحقق، والحكم يحتاج إلى بينة، وإسقاط العدالة والإمامة ليس أمرًا هينًا.


سابعًا: السبكي يحذر من فتح باب التجريح بلا ضوابط

قال تاج الدين السبكي رحمه الله:

«والحذر الحذر من هذا الحسبان، بل إن الصواب عندنا أن من ثبتت إمامته وعدالته، وكثر مادحوه ومزكوه، وندر جارحوه، وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره، فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه، ونعمل فيه بالعدالة».

ثم قال:

«ولو فتحنا هذا الباب، وأخذنا تقديم الجرح على إطلاقه، لما سلم لنا أحد من الأئمة».

وهذه العبارة جديرة بالتأمل:

لو جعلنا كل جرحٍ سببًا لإسقاط العالم، لما سلم لنا كثير من أئمة الأمة.

فليس المطلوب أن نغلق باب النقد العلمي، وإنما المطلوب أن نضع النقد في موضعه، ونفرّق بين النقد القائم على البرهان وبين الكلام الذي تحركه المنافسة أو التعصب أو الخصومة.


ثامنًا: التاريخ العلمي مليء بكلام العلماء بعضهم في بعض

من الخطأ أن يتصور طالب العلم أن العلماء جميعًا كانوا متفقين في كل شيء، أو أن أحدًا منهم لم يتكلم في أحد.

لقد وقع بين عدد من كبار الأئمة كلام ومناقشات وانتقادات، ومع ذلك لم يذهب ذلك بإمامتهم ولا بمكانتهم العلمية.

فقد تكلم ابن أبي ذئب في الإمام مالك.

وتكلم سعيد بن المسيب في عكرمة.

وتكلم الثوري في أبي حنيفة.

وتكلم الإمام مالك في محمد بن إسحاق.

ومع ذلك بقي هؤلاء أئمة في العلم، ولم يتعامل العلماء مع كل هذه الأقوال باعتبارها أحكامًا نهائية تسقط مكانة من قيلت فيه.

ولهذا نقل عن الإمام البخاري رحمه الله:

«ولم يلتفت أهل العلم إلى ذلك، ولا سقطت عدالة أحد إلا ببرهان ثابت وحجة».


تاسعًا: الذهبي يضرب أمثلة عملية

قال الذهبي رحمه الله في أبي الزناد:

«لا يسمع قول ربيعة فيه، فإنه كان بينهما عداوة ظاهرة».

وقال في قيس بن أبي حازم، بعدما نقل كلام بعض من تكلم فيه:

«أجمعوا على الاحتجاج به، ومن تكلم فيه فقد آذى نفسه، نسأل الله العافية وترك الهوى».

وقال في ابن صاعد، بعد ذكر الخصومة التي وقعت بينه وبين ابن أبي داود:

«ونحن لا نقبل كلام الأقران بعضهم في بعض وهما بحمد الله ثقتان».

بل إنه اشتد إنكاره على العقيلي عندما ذكر الإمام علي بن المديني في كتاب الضعفاء، وبيّن علو مكانة علي بن المديني ومنزلته في الحفظ والإمامة.

وهذه الأمثلة تؤكد أن النقاد أنفسهم لم يكونوا يتعاملون مع كل كلام صادر من ناقد في نظيره على أنه حقيقة مطلقة لا تقبل النظر.


عاشرًا: أدب العلماء مع خلافات العلماء

قال تاج الدين السبكي رحمه الله:

«ينبغي لك – أيها المسترشد – أن تسلك سبيل الأدب مع الأئمة الماضين، وأن لا تنظر إلى كلام بعضهم في بعض إلا إذا أتى ببرهان واضح».

ثم قال:

«فإن قدرت على التأويل وتحسين الظن فدونك، وإلا فاضرب صفحًا عما جرى بينهم، فإنك لم تخلق لهذا، فاشتغل بما يعنيك، ودع عنك ما لا يعنيك».

وقال أيضًا:

«فالقوم أئمة أعلام، ولأقوالهم محامل، وربما لم نفهم بعضها».

وهذا من أجمل ما ينبغي أن يتعلمه طالب العلم:

ليس كل ما وقع بين العلماء مطلوبًا من الطالب أن يخوض فيه.

فقد يكون الاشتغال بالعلم النافع، والعبادة، وإصلاح النفس، وتعليم الناس، أولى من تحويل الخلافات التاريخية إلى معارك معاصرة.


الحادي عشر: هل يسلم أحد من ألسنة الناس؟

الجواب: لا.

فمن برز في العلم، أو تصدر للتعليم، أو خالف الناس في مسألة، أو اشتهر بين المسلمين، فلن يسلم غالبًا من النقد والطعن.

قال الذهبي رحمه الله:

«وقل من برز في الإمامة ورد على من خالفه إلا عودي، نعوذ بالله من الهوى».

وقال أيضًا:

«فمن ذا الذي يسلم من ألسنة الناس؟! لكن إذا ثبتت إمامة الرجل وفضله لم يضره ما قيل فيه، وإنما الكلام في العلماء يفتقر إلى وزن بالعدل والورع».

وقال الإمام الشافعي رحمه الله:

«ليس إلى السلامة من الناس سبيل، فانظر الذي فيه صلاحك فالزمه».

إذن:

رضا الناس غاية لا تدرك، والسلامة من ألسنتهم أمر لا يكاد يتحقق.


الثاني عشر: لا تجعل كلام الطاعنين شغلك الشاغل

من أخطر ما يقع فيه طالب العلم أن يتحول من طالب للعلم إلى جامع للطعون.

كل يوم يبحث: من تكلم في فلان؟

ومن رد على فلان؟

ومن بدّع فلانًا؟

ومن حذر من فلان؟

ومن أسقط فلانًا؟

ثم تصبح هذه المعارك هي محور اهتمامه، بينما يتراجع العلم والعبادة والعمل والإصلاح إلى الخلف.

ولهذا قيل:

اشتغل بما يعنيك، ودع عنك ما لا يعنيك.

والعاقل لا يجعل كل كلمة جارحة مشروعًا للرد، ولا كل انتقاد معركة يجب أن يخوضها.


الثالث عشر: النقد الآثم لا يرفع صاحبه ولا يسقط غيره

قد يكون النقد الصادر عن حسد أو منافسة سببًا في انتشار ذكر من نُقد أكثر مما كان.

وكما قيل:

وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ
طويت أتاح لها لسان حسودِ

ولهذا فإن الإنسان لا ينبغي أن يجعل حياته العلمية قائمة على مطاردة كلام الآخرين عنه.

بل يعمل، ويتعلم، وينفع الناس، ويترك الحكم لله ولأهل العلم المنصفين.


تنبيه مهم: ليس كل نقد من كلام الأقران

وهنا لا بد من التنبيه إلى أمر مهم حتى لا تُفهم القاعدة على غير وجهها.

ليس المقصود أن كل طعن في عالم مردود، ولا أن كل كلام من عالم في عالم آخر سببه الحسد.

فقد يكون العالم صاحب بدعة ظاهرة، أو قول باطل ثابت، أو منهج منحرف ثبت بالأدلة، فيكون التحذير منه من باب النقد العلمي والتحذير من الخطأ، وليس من باب تحاسد الأقران.

وقد أُشير إلى ذلك في المادة الأصلية بوضوح، مع ذكر مثال كلام الإمام أحمد رحمه الله في الحسن بن علي الكرابيسي، وفي أبي الوليد هشام بن عمار، وأن العبرة في مثل ذلك بحقيقة المسألة وثبوتها، لا بمجرد كون المتكلم من أقران المتكلم فيه.

إذن القاعدة ليست:

«لا تقبل أي نقد لعالم».

وإنما القاعدة:

«لا تقبل كلام الأقران بعضهم في بعض بلا تثبت، ولا تجعل مجرد الجرح حجةً قاطعة دون النظر في سببه ودليله وقرائنه».


الخلاصة

من مجموع كلام هؤلاء الأئمة تتضح لنا جملة من القواعد المهمة:

① كلام الأقران يحتاج إلى التثبت والتأمل.

② المنافسة والعداوة والتعصب قد تؤثر في أحكام بعض الناس على بعض.

③ لا يجوز إسقاط إمام معروف بالعلم والعدالة بمجرد كلام طاعن لا تقوم على قوله حجة.

④ ليس كل جرح معتبرًا، ولا كل مادح صادقًا، والعبرة بالدليل والعدل والإنصاف.

⑤ التاريخ العلمي نفسه يشهد بوقوع خلافات بين كبار الأئمة دون أن يؤدي ذلك إلى إسقاط إمامتهم.

⑥ من الواجب التفريق بين النقد العلمي المبرهن وبين الطعن الناشئ عن الهوى والمنافسة.

⑦ لا يصح تحويل الخلافات بين العلماء إلى وسيلة لتصفية الحسابات في عصرنا.

⑧ طالب العلم مطالب بالأدب والعدل، لا بجمع العثرات والطعن في العلماء.

وفي النهاية، تبقى كلمة ابن عبد البر رحمه الله من أجمع ما يقال في هذا الباب:

«فهذا هو الحق الذي لا يصح غيره إن شاء الله».

فإذا ثبتت عدالة العالم وإمامته، فلا يُسقطه كلام قائل بلا برهان.

وإذا وُجد نقد صحيح موثق، قُبل بالعدل والإنصاف دون ظلم أو غلو.

وهذا هو الطريق الذي يجمع بين حفظ مكانة العلماء، وقبول النقد العلمي، ورفض التعصب، والتحرز من الهوى.

فالعلم أمانة، والجرح أمانة، والكلام في العلماء أمانة... والعدل هو الميزان.

الحسد وأثره على العلماء

 تـحاسد العلماء

جاء في رسالة ( الحسد وأثره على العلماء ) مباحث مهمة نقتطع منها المباحث التالية بتصرف يسير :

[[ المبحث التاسع : تـحاسد العلماء

 التـحاسد بين العلماء وطلبة العلم داء خطير قاصم للظهر ، وإذا ظهر التـحاسد بين طلبة العلم تفرقت الأمة ودخلت الأهواء والضلالات على أفرادها .

   والحسد بين العلماء نوع من أنواع التـحاسد بين الأقران ، وسبب تـحاسدهم هو اجتماعهم على شيء واحد هو طلب العلم ، فكما يـحسد التاجر التاجر ، والطبيب الطبيب ، والمهندس المهندس، فكذلك يـحسد العالم العالم .

     قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله : (  تأملت التـحاسد بين العلماء ، فرأيت منشأه من حب الدنيا ، فإن علماء الآخرة يتوادون و لا يتـحاسدون ، كما قال عز و جل : [ و لا يـجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ] و قال الله تعالى : [ والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا و لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان و لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ] و قد كان أبو الدرداء يدعو كل ليلة لجماعة من إخوانه و قال الإمام أحمد بن حنبل لولد الشافعي : "أبوك من الستة الذين أدعو لهم كل ليلة وقت السحر" و الأمر الفارق بين الفئتين : أن علماء الدنيا ينظرون إلى الرياسة فيها ، و يـحبون كثرة الجمع والثناء ، و علماء الآخرة ، بمعزل من إيثار ذلك ، و قد كانوا يتخوفونه ، و يرحمون من بلي به ، و كان النخعي لا يستند إلى سارية . و قال علقمة : أكره أن يوطأ عقبي ، و كان بعضهم  إذا جلس إليه أكثر من أربعة قام عنهم . و كانوا يتدافعون الفتوى ، و يـحبون الخمول ، مثل القوم كمثل راكب البحر ، و قد خب ، فعنده شغل إلى أن يوقن بالنــجاة و إنما كان بعضهم يدعوا لبعض ، و يستفيد منه لأنهم ركب تصاحبوا فتوادوا ، فالأيام و الليالي مراحلهم إلى سفر الجنة ) (1) .

وقال رحمه الله في حثه على العزلة وذكره لبعض مساوئ الخلطة : ( وإن وقعت المخالطة للعلماء فأكثرهم على غير الجادة ، مقصودهم صورة العلم لا العمل به . فلا تكاد ترى من تذاكره أمر الآخرة ، إنما شغلهم الغيبة ، و قصد الغلبة ، واجتلاب الدنيا ، ثم فيهم من الحسد للنظراء ما لا يوصف ) (2) .

  ولعلي أذكر بعض أقوال السلف في هذا الموضوع لنعلم من خلالها أن كثيراً من الجرح الذي يـحصل في هذا العصر لا يعتد به أصلاً عند السلف ، ولو عاصروه لعدوه من تـحاسد الأقران لا غير .


المبحث العاشر : نقولات من أقوال السلف في تـحاسد الأقران

- قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: " خذوا العلم حيث وجدتم ، ولا تقبلوا قول الفقهاء بعضهم على بعض ، فإنهم يتغايرون تغاير التيوس في الزريبة " (3).

- وقال مالك بن دينار رحمه الله : " يؤخذ بقول العلماء والقراء في كل شيء إلا قول بعضهم في بعض ؛ فإنهم أشد تـحاسداً من التيوس " (4) .

- وقال عبد العزيز بن أبي حازم رحمه الله : " العلماء كانوا فيما مضى من الزمان إذا لقي العالم من هو فوقه في العلم كان ذلك يوم غنيمة ، وإذا لقي من هو مثله ذاكره ، وإذا لقي من هو دونه لم يزهُ عليه حتى كان هذا الزمان ، فصار الرجل يعيب من هو فوقه ابتغاء أن ينقطع منه حتى يرى الناس أنه ليس به حاجة إليه ، ولا يذاكر من هو مثله ، ويزهى على من هو دونه ، فهلك الناس " (5)

- وقال ابن عبد البر رحمه الله: " هذا باب غلط فيه كثير من الناس ، وضلت به نابتة جاهلة لا تدري ما عليها في ذلك ، والصحيـح في هذا الباب : أن من صحت عدالته وثبتت في العلم أمانته وبانت ثقته وعنايته بالعلم ، لم يُلتفَت فيه إلـى قول أحد إلا أن يأتي في جرحته ببينة عادلة تصح بها جرحتـه على طريق الشهادات والعمل فيها من المشاهدة والمعاينة لذلك بما يوجب قوله من جهة الفقه والنظر ، وأما من لم تثبت إمامته ولا عرفت عدالته ، ولا صحت – لعدم الحفظ والإتقان – روايته فإنه ينظر فيه إلى ما اتفق أهل العلم عليه ويـجتهد في قبول ما جاء به على حسب ما يؤدي النظر إليه ، والدليل على أنه لا يقبل فيمن اتخذه جمهور من جماهير المسلمين إماماً في الدين قول أحد من الطاعنين : أن السلف رضوان الله عليهم قد سبق من بعضهم في بعض كلام كثير في حال الغضب ، ومنه ما حمل عليه الحسد كما قال ابن عباس ومالك ابن دينار وابن أبي حازم، ومنه على جهة التأويل مما لا يلزم القول فيه ما قاله القائل فيه ، وقد حمل بعضهم على بعض بالسيف تأويلاً واجتهاداً لا يلزم تقليدهم في شيء منه دون برهان ولا حجة توجبه" (6)

- وقال الإمام الذهبي رحمه الله : " كلام الأقران بعضهم في بعض لا يؤبه به ، لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد ، وما ينــجو منه إلا من عصمه الله، وما علمت أن عصراً من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين ولو شئتُ لسردتُّ من ذلك كراريس!! "(7)

- وقال رحمه الله : " كلام الأقران إذا تبرهن أنه بهوى وعصبية لا يلتفت إليه ، بل يطوى ولا يروى" (8)

- وقال رحمه الله في ترجمة عفان الصفار : "كلام النظير والأقران ينبغي أن يتأمل ويتأنى فيه" (9) .

- وقال رحمه الله في ترجمة الإمام الشافعي – رحمه الله - : "ونال بعض الناس منه غضاً فما زاده ذلك إلا رفعة وجلالة ، ولاح للمنصفين أن كلام أقرانه فيه بهوى ، وقلَّ من برز في الإمامة ورَدََّ

على من خالفه إلا عودي ، نعوذ بالله من الهوى" (10) .

- وقال رحمه الله : "لسنا ندعي في أئمة الجرح والتعديل العصمة من الغلط النادر ، ولا من الكلام بنفس حاد فيمن بينه وبينه شحناء وإحنة ، وقد علم أن كثيراً من كلام الأقران بعضهم في بعض مهدر لا عبرة به، لا سيما إذا وثق الرجل جماعة ، يلوح على قولهم الإنصاف" (11) .

- وقال رحمه الله عند ذكره لبعض كلام العلماء في بعض: " قلت هذا من كلام الأقران الذي لا يسمع " (12)

- وقال رحمه الله : " وبكل حال كلام الأقران بعضهم في بعض يـحتمل وطيه أولى من بثه " (13).

- وقال رحمه الله : " فلا يعتد غالبا بكلام الأقران لا سيما إذا كان بينهما منافسة " (14) .

- وقال رحمه الله : " وقد عرف وهن كلام الأقران المتنافسين بعضهم في بعض نسأل الله السماح " (15) .

- وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "إن كلام الأقران غير معتبر في حق بعضهم بعضاً إذا كان غير مفسر" (16) .

- وقال أيضاً رحمه الله : " واعلم أنه قد وقع من جماعة الطعن في جماعة بسبب اختلافهم في العقائد ، فينبغي التنبه لذلك وعدم الاعتداد به إلا بحق " (17).

- وقال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله: " لو كان كل من ادُّعِيَ عليه مذهب من المذاهب الرديئة ثبت عليه ما ادُّعِي به ، وسقطت عدالته ، وبطلت شهادته بذلك ، للزم ترك أكثر محدثي الأمصار ؛ لأنه ما منهم إلا وقد نسبه قوم إلى ما يرغب به عنه" (18)

- وقال السبكي رحمه الله : " والحذر الحذر من هذا الحسبان ، بل إن الصواب عندنا أن من ثبتت إمامته وعدالته ، وكثر مادحوه ومزكوه ، وندر جارحوه ، وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره ، فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه ، ونعمل فيه بالعدالة ، ولو فتـحنا هذا الباب ، وأخذنا تقديم الجرح على إطلاقه لما سلم لنا أحد من الأئمة، إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون ، وهلك فيه هالكون" (19) .

- وقال رحمه الله: "عرفانك أن الجارح لا يقبل منه الجرح وإن فسَّره ، في حق من غلبت طاعته على معاصيه ، ومادحوه على ذاميه ، ومزكوه على جارحيه ، إذا كانت هناك منافسة دنيوية كما يكون بين النظراء أو غير ذلك" (20) .

المبحث الحادي عشر : كلام العلماء في بعضهم

   في كتاب ( منطلقات طالب العلم ) لفضيلة الشيخ محمد حسين يعقوب حفظه الله ذكرٌ لبعض العلماء الذين تكلموا في بعضهم (21) ومع ذلك فلم تذهب مكانتهم في الأمة ولم يعتد السلف بهذا الجرح لأنهم علموا أن ذلك قد يكون من تقادح الأقران ، وقد ذكر الإمام ابن عبد البر رحمه الله في (جامعه) هذه المواقف بالتفصيل ورد عليها (22) لكني أسوقها هنا مجملة لما أرى من المصلحة في إجمالها وعدم ذكرها مفصلة ، فقد :

- تكلم ابن أبي ذئب في مالك لأنه بلغه أن مالكاً رحمه الله لا يأخذ بحديث: ( البيعان بالخيار ... ) فاشتدت مقالة ابن أبي ذئب رحمه الله في الإمام مالك، ولم يعول العلماء على ذلك ، فبقيت إمامتهما معتبرة ، ولكنهما كانا عالمي المدينة ، فحدث بينهما ما يكون بين الأقران في البلد الواحد.

- وتكلم سعيد بن المسيب رحمه الله في عكرمة رحمه الله .

- وتكلم الثوري رحمه الله في الإمام أبي حنيفة رحمه الله .

- ولم يقبل العلماء قول الأمام مالك في محمد بن إسحاق صاحب المغازي.

وقد طوى العلماء هذه المقالات وطعنوا في صحتها أحياناً ، ووجهوا بعضها بأن هذا هو شأن المعاصرة والمنافرة ونـحوهما ، وقد قال علماء الجرح والتعديل : ( لا يقبل جرح المعاصر على المعاصر – أي إذا كان بلا حجة – لأن المعاصرة تفضي غالباً إلى المنافرة ) .

قال الإمام البخاري رحمه الله : " ولم ينــج كثير من الناس من كلام بعض الناس فيهم ، وذلك نـحو ما يذكر عن إبراهيم في كلامه في الشعبي ، وكلام الشعبي في عكرمه، وكذلك من كان قبلهم ، وتناول بعضهم في العرض والنفس ، ولم يلتفت أهل العلم إلى ذلك ، ولا سقطت عدالة أحد إلا ببرهان ثابت وحجة " .

- وقال الإمام الذهبي رحمه الله في ترجمة محمد بن إسحاق المعروف بابن منده الأصبهاني : "أقذع الحافظ أبو نعيم في جرحه لما بينهما من الوحشة ، ونال منه واتهمه فلم يلتفت إليه لما بينهما من العظائم نسأل الله العفو ، فلقد نال ابن منده من أبي نعيم وأسرف أيضاً" (23) .

- وقال في ترجمة أبي الزناد عبد الله بن ذكوان : "لا يسمع قول ربيعة فيه ، فإنه كان بينهما عداوة ظاهرة" (24) .

- وقد أجمع النقَّاد على توثيق قيس بن أبي حازم حتى قالوا عنه : "كاد أن يكون صحابياً" ، إلا أن بعض النقاد تكلموا فيه فقال الإمام الذهبي : "أجمعوا على الاحتجاج به ، ومن تكلم فيه فقد آذى نفسه ، نسأل الله العافية وترك الهوى" (25)

- ولما أورد العقيلي رحمه الله عليَّ ابن المديني الإمام الحجة الحافظ في (الضعفاء) قال الذهبي : "ذكره العقيلي في كتاب الضعفاء فبئس ما صنع ...، ولو تركت حديث علي وصاحبه محمد وشيخه عبد الرزاق وعثمان بن أبي شيبة ...، لغلقنا الباب ، وانقطع الخطاب ولماتت الآثار واستولت الزنادقة ولخرج الدجال ، أفمالك عقل أي عقيلي ؟ أتدري فيمن تتكلم ؟!!...، كأنك لا تدري أن كل واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات، بل أوثق من ثقات كثيرين لم توردهم في كتابك ...إلخ" (26)

- وقال رحمه الله في ترجمة ابن صاعد رحمه الله : " وقد ذكرنا مخاصمة بينه وبين ابن أبي داود وحط كل واحد منهما على الآخر في ترجمة ابن أبي داود ونـحن لا نقبل كلام الأقران بعضهم في بعض وهما بحمد الله ثقتان "

- قال التاج السبكي رحمه الله في طبقات الشافعية : " ينبغي لك – أيها المسترشد – أن تسلك سبيل الأدب مع الأئمة الماضين ، وأن لا تنظر إلى كلام بعضهم في بعض إلا إذا أتى ببرهان واضح ، ثم إن قدرت على التأويل وتـحسين الظن فدونك ، وإلا فاضرب صفحاً عما جرى بينهم ، فإنك لم تخلق لهذا، فاشتغل بما يعنيك، ودع عنك ما لا يعنيك ، ولا يزال طالب العلم نبيلاً حتى يخوض فيما جرى بين الماضين " (27) .

   وبعد أن ذكر كلام الأئمة في بعض قال رحمه الله : " فإنك إن اشتغلت بذلك خفتُ عليك الهلاك ؛ فالقوم أئمة أعلام ، ولأقوالهم محامل ، وربما لم نفهم بعضها ، فليس لنا إلا الترضي عنهم والسكوت عما جرى بينهم كما يفعل فيما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم " (28) .

   وأختم الكلام عن هذا الموضوع بكلام قيم للإمام ابن عبد البر رحمه الله إذ يقول: " فمن أراد أن يقبل قول العلماء الثقات الأئمة الأثبات بعضهم في بعض فليقبل قول من ذكرنا قوله من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين بعضهم في بعض ، فإن فعل ذلك ضل ضلالاً بعيداً وخسر خسراناً مبيناً ، وكذلك إن قبل في سعيد بن المسيب قول عكرمة ، وفي الشعبي والنخعي وأهل الحجاز وأهل مكة وأهل الكوفة وأهل الشام على الجملة، وفي مالك والشافعي وسائر من ذكرنا في هذا الباب ، ما ذكرنا عن بعضهم في بعض، فإن لم يفعل – ولن يفعل إن هداه الله وألهمه رشده – فليقف عند ما شرطنا : أن لا يقبل فيمن صحت عدالته وعلمت بالعلم عنايته ، وسلم من الكبائر ، ولزم المروءة والتعاون ، وكان خيره غالباً ، وشره أقل عمله ، فهذا لا يقبل فيه قول قائل لا برهان له به فهذا هو الحق الذي لا يصح غيره إن شاء الله " (29) .

المبحث الثاني عشر : هل هناك أحد يسلم من ألسنة الناس ؟

   بعد ذكر كلام العلماء في مسألة الحسد الحاصل بين أهل العلم وتـحذيرهم من قبول الجرح إذا تبين أنه لحسد أو منافرة لعل سائلاً أن يسأل : هل يسلم أحد من ألسنة الناس الطاعنين بلا دليل ؟ وهل إلى إسكات الحساد عن قولهم الإفك من سبيل ؟  وللإجابة على هذا السؤال أقول وبالله التوفيق :

   إن رضى الناس غاية لا تدرك ، وأمنية لا تتـحقق ، فإن اختلاف أمزجة الناس وأفكارهم كفيل بتـحقيق الاختلاف بينهم مما يـجر كلام بعضهم في بعض .

ليس يخلو المرء من ضد وإن *** حاول العزلة في رأس جبل

   قال الإمام الذهبي رحمه الله : "وقلَّ من برز في الإمامة ورد على من خالفه إلا عودي ، نعوذ بالله من الهوى" (30) .

وقال أيضاً : " فمن ذا الذي يسلم من ألسنة الناس ؟!! لكن إذا ثبتت إمامة الرجل وفضله لم يضره ما قيل فيه ، وإنما الكلام في العلماء يفتقر إلى وزنٍ بالعدل والورع " (31) .

ولستُ بناجٍ من مقالة طاعن *** ولو كنتُ في غارٍ على جبل وعرِ

ومن ذا الذي ينــجو من الناس سالماً *** ولو غاب عنهم بين خافيتي نسرِ

قال الإمام الشافعي رحمه الله : " ليس إلى السلامة من الناس سبيل، فانظر الذي فيه صلاحك فالزمه " (32)

وفي أبيات جميلة لأبي العتاهية :

فيا رب إن الناس لا ينصفونني *** فكيف ولو أنصفتهم ظلموني

وإن كان لي شيء تصدوا لأخذه ***وإن شئت أبغي شيئهم منعوني

وإن نالهم بذلي فلا شكر عندهم *** وإن أنا لم أبذل لهم شتموني

وإن طرقتني نكبة فكهوا بها *** وإن صحبتني نعمة حسدوني

سأمنع قلبي أن يـحن إليهمو *** وأحجب عنهم ناظري وجفوني

وعلى العاقل أن لا يتأثر بكلام الناس ولا يشتغل بالرد عليه وأن يشغل نفسه بالعمل الجاد المثمر ، يقول صاحب كتاب ( لا تـحزن ) : " من الفوائد والتجارب : لا ترد على كلمة جارحة فيك أو مقولة أو قصيدة ، فإن الاحتمال دفن المعايب ، والحلمَ عز ، والصمتَ يقهر الأعداء ، والعفو مثوبة وشرف ، ونصف الذين يقرؤون الشتم فيك نسوه، والنصف الآخر ما قرؤوه ، وغيرهم لا يدرون ما السبب وما القضية ! فلا ترسخ ذلك أنت وتعمقه بالرد على ما قيل " (33)

هذا وإن النقد الآثم دليل على قيمة المنتقَد ووزنه ، وعن طريقه تنتشر فضائله وتعرف مكانته ، وكما قال الشاعر :

وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ *** طويت أتاح لها لسان حسودِ

لولا اشتعال النار في جزل الغضا *** ما كان يعرف طيب ريـح العودِ

لولا التخوف للعواقب لم يزل *** للحاسد النعمى على المحسودِ

تنبيه : علق فضيلة الشيخ فخر الدين عثمان حفظه الله تعالى عند هذا الموضع قائلاً :

 قد يكون الإنسان عالماً ضليعاً ولكن يثبت عنه باليقين الجازم أنه صاحب بدعة كبيرة ، فالكلام فيه تـحذيراً من البدعة لا يدخل في كلام الأقران ، ويؤخذ ما عنده من علم نافع .

     وعلى هذا كان الإمام أحمد يتكلم في الحسن بن علي الكرابيسي ، انظر " ميزان الاعتدال " (2/300) و " الكامل " لابن عدي (2/365)

     وكذلك كلام الإمام أحمد رحمه الله في أبي الوليد هشام بن عمار السلمي .

     وعلة الرجلين مسألة " اللفظ " .


والكرابيسي في رواية الحديث قال عنه ابن عدي في " الكامل " (3/243): ( وللكرابيسي كتب مصنفة ذكر فيها الاختلاف وكان حافظاً لها ، ولم أجد له منكراً غير ما ذكرت ، والذي حمل أحمد عليه كلامه في القرآن، فأما الحديث فلم أر به بأساً ) ا.هـ

---------------------------

الهوامش :

 (1) صيد الخاطر (ص : 32 – 33)

(2) المرجع السابق (ص :  445)

(3) ، (4) جامع بيان العلم وفضله (2 / 151)

(5) المرجع السابق (2 / 151 – 152)

(6) المرجع السابق (2 / 152)

(7) ميزان الاعتدال (1 / 111)

(8) السير (10 / 92)

(9) ميزان الاعتدال (3 / 81)

(10) السير (10 / 8 – 9)

(11) السير (7 / 40 – 41 )

(12) السير (11 / 451)

(13) السير (11 / 432)

(14) السير (14 / 42)

(15) السير (17 / 462)

(16) تهذيب التهذيب (8 / 81)

(17) هدي الساري (ص : 385)

(18) المرجع السابق (ص :  428)

(19) قاعدة في الجرح والتعديل (ص : 13)

(20) طبقات الشافعية (1 / 190)

(21) الطبعة الرابعة المزيدة 2003 م (ص : 308 – 312)

(22) جامع  بيان العلم وفضله ، باب : " حكم قول العلماء بعضهم في بعض " ، (2 / 150 – 163)

(23) ميزان الاعتدال (3 / 479)

(24) المرجع السابق (2 / 418)

(25) المرجع السابق ( 3 / 393)

(26) المرجع السابق (3 / 138 – 140) وهذا النقل وبعض النقول غيره من كتاب (فقه التعامل مع الأخطاء على ضوء منهج السلف) للدكتور عبد الرحمن بن أحمد علوش حفظه الله ، وهو من أفضل ما جمع في بابه.

(27) السير (14 / 505)

(28) طبقات الشافعية (1 / 188)

(29) جامع بيان العلم وفضله (ص : 162)

(30) السير (10 / 8 – 9)

(31) السير (8 / 448)

(32) السير (10 / 42 ، 89)

(33) لا تـحزن (ص : 100)