الخميس، 13 أغسطس 2026

الشيخ الاشعري الفاكهاني بين إنكار المولد وتعظيم آثار النبي ﷺ

 

الفاكهاني بين إنكار المولد وتعظيم آثار النبي ﷺ
هل قرأ المداخلة كلام الإمام كاملًا؟
من أكثر ما يُستدل به في إنكار المولد النبوي الشريف كلام الإمام تاج الدين الفاكهاني المالكي رحمه الله، حيث ينقل بعضهم قوله:
«لا أعلم لهذا المولد أصلًا في كتاب ولا سنة... بل هو بدعة أحدثها البطالون، وشهوة نفس اغتنى بها الأكالون».
ولا ننكر أن هذه العبارة ثابتة عنه في رسالته المورد في عمل المولد، ولذلك فالإنصاف العلمي يقتضي أن نقول: الفاكهاني كان ممن أنكر الصورة التي ناقشها من عمل المولد.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح هو:
هل كان الإمام الفاكهاني يرى أن كل ما لم يفعله الصحابة يكون ممنوعًا أو بدعة محرمة؟ وهل كان يرفض مظاهر محبة النبي ﷺ وتعظيم آثاره التي لم يثبت أن الصحابة فعلوها بهذه الصورة؟
هنا تظهر لنا واقعة عجيبة تستحق التأمل.
الفاكهاني نفسه وتعظيم نعل النبي ﷺ!
ينقل الإمام ابن فرحون المالكي في الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب عن الفاكهاني قصة زيارته لنعل النبي ﷺ الموجودة بدار الحديث الأشرفية بدمشق، فيقول إن الفاكهاني لما رأى النعل المكرمة:
«حسر عن رأسه وجعل يقبله ويمرغ وجهه عليه ودموعه تسيل».
ثم أنشد شعرًا في شدة محبته وتعظيمه لذلك الأثر.
وهذا النقل أورده ابن فرحون في ترجمة الفاكهاني، وتناقله عدد من المصادر التي اعتنت بترجمته.
وهنا نسأل أصحاب شعار:
«لم يفعله الصحابة!»
هل ثبت عن الصحابة أنهم كانوا يقبّلون نعلًا منسوبة إلى النبي ﷺ ويمرغون وجوههم عليها بهذه الصورة؟
فإن قيل: لا.
قلنا:
إذن اتفقنا على أن مجرد عدم ثبوت الفعل عن الصحابة لا يكفي وحده لإثبات التحريم؛ بل لا بد من النظر في حقيقة الفعل، ومقصده، وهل يشتمل على محرم، وهل يندرج تحت أصل شرعي عام أم لا.
فالصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا بحاجة إلى إقامة احتفال سنوي بمولد النبي ﷺ، لأنهم عاشوا معه ورأوه وسمعوا كلامه وشاهدوا آثاره، بينما جاء من بعدهم أناس امتلأت قلوبهم محبة له وتعظيمًا، فعبّروا عن هذه المحبة بصور متعددة.
وهل كان الفاكهاني يرفض محبة النبي ﷺ؟
حاشاه.
بل إن هذه القصة نفسها تدل على أن الإمام الفاكهاني كان يحمل محبة عظيمة للنبي ﷺ وتعظيمًا لآثاره.
فكيف يصح أن نقتطع جملة من رسالته في المولد، ثم نجعلها وكأنها قاعدة عامة تقول:
كل ما لم يفعله النبي ﷺ والصحابة فهو حرام؟
هذا تعميم لا يلزم من كلامه.
والأدق أن نقول:
الفاكهاني أنكر اجتماع المولد بالصورة التي ناقشها، لكنه لم يكن منكرًا لأصل محبة النبي ﷺ ولا لتعظيم آثاره.
وهذه نقطة جوهرية ينبغي ألا تضيع في الجدل.
والمفارقة الأهم!
الفاكهاني إمام مالكي، وينسبه بعض كتب التراجم إلى المدرسة الأشعرية أيضًا، فلا يصح تقديم كلامه على أنه يمثل «المنهج السلفي» أو أنه حجة ملزمة على جميع المسلمين في هذه المسألة.
بل المسألة قديمة ومختلف فيها بين العلماء، ولم يكن علماء الأمة على قول واحد في حكم الاجتماع للمولد.
ولهذا فالاحتجاج بقول الفاكهاني ينبغي أن يكون في حدود قوله هو، لا أن يتحول إلى قاعدة مذهبية عامة.
وهل قصة النعل دليل على جواز المولد؟
لا نقول ذلك.
فالإنصاف يقتضي ألا ننسب إلى الفاكهاني ما لم يقله.
لكن القصة تهدم حجة أخرى، وهي أن:
«كل فعل لم يفعله الصحابة فهو بدعة محرمة».
فهذا الاستدلال بهذه الصورة غير منضبط؛ لأن الفاكهاني نفسه نُقل عنه فعل يدل على شدة تعظيمه لأثر من آثار النبي ﷺ، مع أن هذه الصورة المعينة لم تكن عبادة منصوصة بحديث خاص.
إذن القضية ليست:
«هل فعلها الصحابة أم لا؟»
فحسب.
بل القضية:
ما حقيقة الفعل؟ وما مقصده؟ وهل فيه مخالفة للشرع؟ وهل يندرج تحت أصل مشروع؟
وهنا يكون النقاش علميًا، بدل الاكتفاء بشعار «لم يفعله السلف».
الخلاصة
نحن لا نحتاج إلى الكذب على الفاكهاني، ولا إلى إنكار ما ثبت عنه.
بل نقول بكل وضوح:
نعم، الإمام الفاكهاني أنكر المولد في رسالته.
لكننا نقول أيضًا:
هو نفسه كان شديد المحبة والتعظيم للنبي ﷺ، حتى نُقل عنه أنه قبّل نعلًا منسوبة إليه ومرّغ وجهه عليها وبكى عند رؤيتها.
فإذا كان تعظيم آثار النبي ﷺ ومحبتها لا يُحكم عليه بمجرد القول: «الصحابة لم يفعلوا ذلك»، فلماذا يُجعل مجرد عدم وجود اجتماع المولد في عصر الصحابة دليلًا كافيًا وحده على التحريم؟
إن الخلاف في المولد ينبغي أن يُناقش بالدليل والقواعد الأصولية، لا بالانتقاء من كلام العلماء ولا بتحويل قول عالم واحد إلى إجماع على الأمة.
ومحبة رسول الله ﷺ وتعظيمه ليستا بدعة.
أما الوسائل والصور التي يُعبَّر بها عن هذه المحبة، فهذه هي التي تحتاج إلى نظر في أحكامها وتفاصيلها.
صلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. ❤️


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق