من أكثر ما يكشف ضعف الخطاب المتشنج حول المولد النبوي الشريف أن بعض المعترضين لا يكلفون أنفسهم حتى عناء تحديد ما الذي يعترضون عليه!
يقول لك:
«المولد بدعة!»
وينتهي الأمر!
لكن عندما تسأله:
أي مولد تقصد؟
وأي صورة؟
وما الذي يفعله المسلمون فيه؟
وما الاعتقاد الذي يصاحب ذلك؟
تجد أن الجواب يبدأ بالاضطراب؛ لأنهم جمعوا صورًا مختلفة تحت كلمة واحدة، ثم أصدروا عليها حكمًا واحدًا!
وهذا ليس تحريرًا علميًا للمسألة، بل تعميم لا يصمد أمام أول سؤال جاد.
وهنا تأتي كلمة تستحق أن تُقرأ بتأنٍّ
نُقل عن العلامة الحافظ الفقيه محمد الحسن ولد الددو الشنقيطي حفظه الله أنه فرّق في مسألة المولد بين ثلاث صور بحسب اعتقاد الإنسان فيه:
الأولى:
أن يعتقد الإنسان أن المولد عيد شرعي كعيد الفطر والأضحى.
فهذه صورة لها حكمها؛ لأن الأعياد الشرعية باب مخصوص.
الثانية:
أن يتخذه المسلم ذكرى للنبي ﷺ باعتباره نعمة من نعم الله، ويشكر الله على هذه النعمة بالأعمال الصالحة.
وهذه الصورة عدّها الشيخ مأذونًا فيها، بل ذكر أنها مطلوبة، مستدلًا بصيام النبي ﷺ يوم الاثنين شكرًا لله على مولده.
الثالثة:
أن تكون المناسبة مجرد مجال لبعض الأمور المباحة، كالملابس والطعام ونحو ذلك.
فهذه في أصلها من العادات المباحة ما لم يشتمل الأمر على محرم.
لاحظوا جيدًا:
ثلاث صور… وثلاثة أحكام مختلفة.
فكيف يصح بعد ذلك أن يأتي شخص ويضع عليها جميعًا لافتة واحدة:
«بدعة!»
وينتهي من القضية؟!
المشكلة ليست في المولد… المشكلة في التعميم
إذا كان هناك شخص يعتقد أن المولد عيد شرعي ثالث، فناقش هذا الاعتقاد.
وإذا كان شخص يجعل فيه أعمالًا محرمة، فأنكر المحرم.
وإذا كان شخص يغلو في النبي ﷺ غلوًا يخالف الشرع، فبيّن له خطأ الغلو.
كل هذا مفهوم.
لكن ماذا عن المسلم الذي يقول:
أنا أفرح بمولد رسول الله ﷺ، وأحمد الله على نعمة بعثته، وأقرأ سيرته، وأصلي عليه، وأطعم الطعام، وأذكر الناس بأخلاقه وشمائله؟
ما الذي تريد تحريمه تحديدًا؟
الفرح؟
أم الصلاة على النبي ﷺ؟
أم قراءة السيرة؟
أم إطعام الطعام؟
أم شكر الله على نعمة الرسالة؟
أم أن المشكلة فقط أن هذه الأعمال اجتمعت في مناسبة المولد؟!
إذن قل ذلك بوضوح.
لا تختبئ خلف كلمة:
«بدعة»
وكأنها تغني عن تحرير محل النزاع.
وهنا يظهر الخلل الأكبر
بعض المعترضين يتعاملون مع المولد وكأنه عبادة واحدة محددة لها هيئة واحدة، بينما الواقع أن ما يسمى بالمولد يختلف اختلافًا كبيرًا من مكان إلى آخر ومن شخص إلى آخر.
فقد يكون:
مجلس سيرة.
وقد يكون:
مجلس صلاة على النبي ﷺ.
وقد يكون:
اجتماعًا لإطعام الطعام والصدقة.
وقد يكون:
محاضرة في شمائل النبي ﷺ.
وقد يجمع هذه الأمور كلها.
وقد تضاف إليه أمور أخرى، منها ما هو مباح ومنها ما هو ممنوع.
فكيف تجعل كل هذه الصور شيئًا واحدًا ثم تعطيها حكمًا واحدًا؟!
هذا هو الاختزال الذي ينبغي أن يُرفض.
وهل العادات تصبح بدعًا لمجرد ارتباطها بالمولد؟
هنا أيضًا يقع بعضهم في خلط غريب.
الطعام في الأصل مباح.
واللباس في الأصل مباح.
والاجتماع في الأصل مباح.
والدعوة إلى الطعام مباحة.
والحديث عن السيرة مشروع.
والصلاة على النبي ﷺ مشروعة.
والصدقة مشروعة.
فإذا اجتمعت بعض هذه الأمور في مناسبة معينة، فليس من العلم أن تتحول جميعها فجأة إلى:
«عبادة مبتدعة»
لمجرد أنها وقعت في ربيع الأول!
نعم، التخصيص التعبدي مسألة تحتاج إلى بحث.
لكن لا تجعل كل عادة عبادة بمجرد وقوعها في مناسبة دينية.
فهذا هو الخلط بعينه.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح على المعترض
عندما تقول:
«المولد بدعة.»
نسألك:
ماذا تقصد بالمولد؟
هل تقصد:
اعتقاد أنه عيد شرعي ثالث؟
ناقش هذه المسألة.
أم تقصد:
الاجتماع لقراءة السيرة؟
فهذا شيء آخر.
أم تقصد:
الصلاة على النبي ﷺ؟
فأين البدعة في أصل الصلاة عليه؟
أم تقصد:
إطعام الطعام والصدقة؟
فأين البدعة في أصل الصدقة؟
أم تقصد:
الفرح بمولد رسول الله ﷺ؟
فهنا نعود إلى أصل القضية:
من أين جاء تحريم الفرح؟
وهنا نقلب الطاولة
بدل أن يبقى المسلم في موضع الدفاع قائلًا:
«هل يجوز أن أفرح؟»
نسأل نحن:
ما الذي تحرّمه بالضبط؟
و:
ما دليلك على تحريمه؟
و:
هل تحرّم أصل الفرح أم هيئة معينة؟
و:
هل تحرّم العمل نفسه أم تخصيص زمانه؟
و:
هل تحرّم الاعتقاد بأنه سنة مستقلة، أم تحرّم مجرد الاجتماع على أعمال مشروعة؟
فإذا لم تستطع تحديد محل التحريم، فكيف أصدرت الحكم أصلًا؟
حتى الحديث عن المولد النبوي يحتاج إلى فقه لا إلى شعارات
النبي ﷺ لما سُئل عن صيام يوم الاثنين قال:
«ذاك يوم وُلدت فيه»
وهذا لا يعني أن النبي ﷺ أقام احتفالًا سنويًا بالمولد، ولا نقول ذلك.
لكن الحديث يكشف لنا شيئًا مهمًا:
أن مولده ﷺ كان أمرًا استحضره النبي ﷺ وربطه بعبادة وشكر لله.
فلا يصح أن يتحول أصل استحضار نعمة مولده ﷺ إلى أمر مستنكر في ذاته.
ويبقى النقاش بعد ذلك:
ما صور التعبير عن هذا الفرح؟
وهذا هو النقاش الفقهي الحقيقي.
لا تجعلوا الخلاف في «الصورة» خلافًا في «المحبة»
من أكبر الأخطاء أن تقول لمسلم:
«أنت تحتفل بالمولد إذن أنت لا تتبع السنة.»
من أين أتيت بهذه النتيجة؟
هل الاحتفال ـ على فرض جوازه ـ يمنع اتباع السنة؟
هل قراءة السيرة تمنع العمل بالسنة؟
هل الصلاة على النبي ﷺ تمنع اتباعه؟
هل الصدقة تمنع اتباعه؟
هل الفرح بنعم الله يمنع اتباعه؟
لماذا تصنعون تعارضًا بين أمور يمكن أن تجتمع؟
المسلم يستطيع أن يقول:
أنا أحب النبي ﷺ، وأفرح بمولده، وأقرأ سيرته، وأصلي عليه، وفي الوقت نفسه أحرص على اتباع سنته في عبادتي وأخلاقي ومعاملاتي.
ولا يوجد في هذا أي تناقض.
بل إن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تجعل رأيك معيارًا للإسلام
إذا كنت لا ترى الاحتفال بالمولد مشروعًا:
فلا تحتفل.
لكن لا تنتقل من:
«أنا لا أراه مشروعًا»
إلى:
«كل من فرح بمولد النبي ﷺ مبتدع.»
فهذه قفزة تحتاج إلى دليل.
ولا تنتقل من:
«أرى أن تخصيص هذه المناسبة غير مشروع»
إلى:
«هؤلاء لا يحبون السنة.»
فهذه قفزة أخرى.
ولا تنتقل من:
«في بعض الموالد مخالفات»
إلى:
«أصل الفرح بالمولد باطل.»
فهذه ثالثة.
ثلاث قفزات في جملة واحدة!
فهل المولد عيد أم ذكرى أم مناسبة اجتماعية؟
هذه ليست كلمة واحدة يجوز أن نرميها على الجميع.
إن اعتقد شخص أنه عيد شرعي، فهذه مسألة.
وإن اتخذه ذكرى لنعمة مولد النبي ﷺ وشكر الله عليها، فهذه مسألة أخرى.
وإن اجتمع فيه على أعمال مشروعة، فهذه مسألة ثالثة.
وإن دخلت فيه مخالفات شرعية، فهذه مسألة رابعة.
فمن العجيب بعد ذلك أن يأتي شخص ويقول:
«كل هذا بدعة واحدة!»
بل الأصح أن تقول:
حرّر محل النزاع أولًا، ثم احكم.
الخلاصة
المشكلة في كثير من الخطاب الرافض للمولد ليست أنهم يملكون دليلًا قاطعًا على كل صورة من صوره، وإنما أنهم يتعاملون مع موضوع متشعب وكأنه صورة واحدة وحكم واحد.
ولهذا نقول:
قبل أن تقول: «المولد بدعة»… حدّد لنا أي مولد تقصد.
وقبل أن تقول:
«الاحتفال حرام»
حدّد لنا:
ما الذي تحرّمه؟
وقبل أن تقول:
«أنتم تشرّعون من عند أنفسكم»
اسأل أولًا:
هل ادعى هؤلاء أن المولد فرض أو سنة نبوية مستقلة؟
وقبل أن تتهم المسلم بأنه يترك السنة لأنه يفرح بمولد النبي ﷺ، اسأل نفسك:
هل يمكن لمسلم أن يحب النبي ﷺ ويفرح بمولده ويقرأ سيرته ويصلي عليه، ثم يكون في الوقت نفسه حريصًا على سنته؟
نعم، يمكن.
بل لا يوجد أي تعارض بين الأمرين.
ولهذا فالمطلوب اليوم ليس أن نكرر:
«المولد ليس بدعة، المولد ليس بدعة...»
بل أن نقول:
حرّروا المصطلحات، وميّزوا بين العبادة والعادة، وبين العيد والذكرى، وبين الفرح والتشريع، وبين أصل المناسبة وما يقع فيها من ممارسات.
ثم بعد ذلك:
احكموا.
أما إطلاق الأحكام قبل تحرير محل النزاع، فليس قوة في الاستدلال.
إنه جهل بالمسألة التي يتحدثون عنها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق