🌿 «لا تُطروني»… هل يمنع حديثُ الغلوّ من الفرح بمولد النبي ﷺ؟
حوار هادئ حول حديثٍ يُستدل به على منع الاحتفال بالمولد النبوي ﷺ
الشاب:
يا شيخ، يقول بعض المانعين من الاحتفال بالمولد:
قال رسول الله ﷺ:
«لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم».
فكيف تحتفلون بالمولد، أليس هذا من الغلو في النبي ﷺ؟
الشيخ:
سؤالك مهم، لكن قبل أن نحكم على المولد بهذا الحديث، ينبغي أن نفهم ما الذي نهى عنه النبي ﷺ في الحديث؟
هل نهى عن محبته؟
الشاب:
لا.
الشيخ:
هل نهى عن الصلاة والسلام عليه؟
الشاب:
لا.
الشيخ:
هل نهى عن ذكر فضائله وشمائله وسيرته؟
الشاب:
لا.
الشيخ:
إذن ما الذي نهى عنه؟
إنه ﷺ نهى عن الغلو والإطراء الذي يتجاوز الحد الشرعي، حتى لا يُرفع النبي ﷺ إلى مقام لا يليق إلا بالله تعالى، كما فعلت النصارى بعيسى ابن مريم عليه السلام.
وهذا أمر لا خلاف فيه.
🌿 الشاب:
لكن أليس الاحتفال بالمولد تعظيمًا للنبي ﷺ؟
الشيخ:
نعم، هو تعظيم ومحبة، ولكن ينبغي أن نفرق بين التعظيم المشروع والغلو الممنوع.
أليس الله تعالى قد قال:
﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾؟
وأليس من الإيمان محبة رسول الله ﷺ؟
وقد قال ﷺ:
«لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين».
فهل محبة النبي ﷺ غلو؟
الشاب:
لا، بل هي من الإيمان.
الشيخ:
إذن المشكلة ليست في محبة النبي ﷺ وتعظيمه، وإنما في تجاوز الحد الذي شرعه الله تعالى.
🌿 الشاب:
لكن ما الذي تفعله في المولد حتى تقول إنه ليس غلوًا؟
الشيخ:
إذا اجتمع الناس على قراءة القرآن، والصلاة على النبي ﷺ، وذكر سيرته وشمائله، وتعليم الناس أخلاقه، وإطعام الطعام، والصدقة على الفقراء، وإظهار الفرح بنعمة بعثته ﷺ؛ فأين الغلو في ذلك؟
هل قراءة القرآن غلو؟
هل الصلاة على النبي ﷺ غلو؟
هل الصدقة غلو؟
هل إطعام الطعام غلو؟
هل تعليم الناس سيرة رسول الله ﷺ غلو؟
الشاب:
لا، هذه كلها أعمال مشروعة.
الشيخ:
إذن لا يصح أن نُحرّم هذه الأعمال لمجرد اجتماعها في مناسبة اسمها «المولد».
🌿 الشاب:
ولكن النبي ﷺ لم يحتفل بمولده بهذه الطريقة!
الشيخ:
صحيح، وهذه نقطة ينبغي ألا نهرب منها.
لم يثبت أن النبي ﷺ أقام احتفالًا سنويًا بالمولد بالصورة المعروفة في زماننا.
لكن عدم فعل النبي ﷺ لصورة معينة لا يعني تلقائيًا أن كل ما فيها حرام.
وهنا يجب أن نفرق بين أمرين:
الترك النبوي
و
النهي النبوي.
فالتحريم يحتاج إلى دليل يدل عليه.
والسؤال الصحيح ليس فقط:
«هل فعل النبي ﷺ هذه الصورة؟»
بل:
«ما الذي يُفعل في هذه الصورة؟ وهل هو مشروع أم محرم؟»
🌿 الشاب:
وماذا عن يوم الاثنين؟ هل له علاقة بالمولد؟
الشيخ:
نعم، وهذه نقطة مهمة جدًا.
فقد سُئل النبي ﷺ عن صيام يوم الاثنين فقال:
«ذلك يوم وُلدت فيه».
فالنبي ﷺ ربط عبادةً لله تعالى بيوم مولده.
نحن لا نقول إن هذا الحديث يثبت صورة الاحتفال المعروفة اليوم، فهذا أمر آخر.
لكن الحديث يدل على أن تذكر يوم مولده ﷺ وربطه بشكر الله تعالى وعبادته ليس أمرًا ممنوعًا في ذاته.
🌿 الشاب:
لكن ألا تخشى أن يتحول المولد إلى غلو؟
الشيخ:
بلى، ولهذا نقول بوضوح:
كل ما كان فيه غلو أو مخالفة شرعية فهو مردود.
لا نعبد النبي ﷺ.
ولا ننسب إليه خصائص الربوبية.
ولا نرفع مقامه فوق ما رفعه الله تعالى.
ولا نقول فيه إلا الحق.
لكن في الوقت نفسه لا يجوز أن نجعل الخوف من الغلو سببًا لتحريم المحبة المشروعة والصلاة عليه وذكر سيرته والفرح بنعمة بعثته.
🌿 الشاب:
إذن أنت تقول إن حديث «لا تطروني» لا علاقة له بالمولد؟
الشيخ:
بل له علاقة من جهة الضابط، لا من جهة التحريم.
فالحديث يعلمنا أن محبتنا للنبي ﷺ يجب أن تكون محبةً شرعية منضبطة.
وهذا هو الذي نقوله أصلًا:
نفرح بمولده ﷺ، لكن لا نغلو فيه.
نمدحه، لكن لا نتجاوز الحد.
نعظمه، لكن لا نعبده.
نحبه، لكن نجعل محبتنا له ﷺ وفق ما شرع الله.
🌿 الشاب:
فما المشكلة إذن في الاحتفال بالمولد؟
الشيخ:
المشكلة ليست في الاسم، وإنما في المضمون.
إن كان الاجتماع على القرآن، والصلاة على النبي ﷺ، وذكر سيرته، وتعليم سنته، وإطعام الطعام، والصدقة، وإظهار المحبة والفرح بنعمة بعثته؛ فهذه معانٍ لها أصل في الشريعة.
أما إن اشتمل على محرمات أو غلو أو إسراف أو منكرات، فهذه المنكرات تُنكر بذاتها.
وهذا هو الإنصاف.
🌹 الخلاصة
حديث «لا تُطروني» ليس دعوة إلى جفاء النبي ﷺ، وإنما هو تحذير من الغلو فيه.
والفرق كبير بين:
الغلو في النبي ﷺ
وبين
محبة النبي ﷺ وتعظيمه والفرح بمولده وذكر سيرته.
فلا تجعلوا الحديث حجةً على ما لم يدل عليه.
إن كان في المولد غلو أو منكر، فنحن أول من يرفضه.
وإن كان فيه قرآن، وصلاة على النبي ﷺ، وذكر لسيرته، وصدقة، وإطعام للطعام، وتعليم للناس محبته والاقتداء به؛ فهذه أعمال مشروعة في أصلها.
فالمشكلة ليست في أن نحب رسول الله ﷺ، وإنما في أن نختلف: كيف نعبّر عن هذه المحبة في حدود الشرع؟
وهنا يكون الحوار العلمي أجمل من التبديع، والإنصاف أحق من التشنيع.
🌿 وأجمل ما نختم به:
نحن لا نعبد محمدًا ﷺ… بل نعبد الله الذي أرسله.
ولا نغلو في محمد ﷺ… بل نحبه ونوقره كما أمرنا الله.
ولا نجعل المولد بديلًا عن السنة… بل نجعله مناسبةً لتذكير الناس بالسنة وسيرة صاحبها ﷺ.
فاللهم ارزقنا صدق محبته، وحسن اتباعه، واجمعنا معه في جنات النعيم.
آمين يا رب العالمين. 🌹
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق