الخميس، 24 سبتمبر 2026

السلفيون والجرح والتعديل… من نقد الرجال إلى تصنيف المسلمين

 

السلفيون والجرح والتعديل… من نقد الرجال إلى تصنيف المسلمين

هناك علم جليل من علوم الإسلام اسمه:

علم الجرح والتعديل

وهو من العلوم التي حفظ الله بها سنة رسول الله ﷺ، وعرف به العلماء أحوال رواة الحديث، وتميّز به الصحيح من الضعيف.

لكن هل هذا هو المقصود عندما يتحدث إبراهيم العسعس في كتابه:

📚 «السلف والسلفيون: رؤية من الداخل»

عن «السلفيين والجرح والتعديل»؟

لا.

المؤلف يوضح أنه لا يتحدث عن علم الجرح والتعديل بالمعنى الاصطلاحي عند المحدثين، وإنما يناقش ظاهرة أوسع؛ وهي تحويل مجموعة من القيم والاختيارات والمواقف إلى ميزان للحكم على الأشخاص، ثم استعمال عبارات مثل:

سلفي، غير سلفي، مبتدع، منحرف، ثقة، مجروح…

بطريقة تتجاوز حدود البحث العلمي.


🔹 الجرح والتعديل علم… وليس سلاحًا

علم الجرح والتعديل له قواعده وأصوله.

فالمحدث لا يقول عن راوٍ:

ضعيف

لمجرد أنه لا يعجبه.

ولا يقول:

ثقة

لمجرد موافقته له في الرأي.

بل هناك معايير دقيقة وضعها العلماء لمعرفة:

العدالة، والضبط، والاتصال، والعلل، والرواية، وغير ذلك.

ولهذا فإن نقل فكرة الجرح والتعديل من ميدان نقد الرواية إلى ميدان الحكم على الدعاة والعلماء والجماعات يحتاج إلى قدر كبير من الاحتياط.

فهل كل مخالفة فقهية تجعل صاحبها «مجروحًا»؟

وهل كل اختلاف في ترتيب الأولويات يجعل الرجل غير موثوق؟

وهل كل خطأ في الاجتهاد يتحول إلى وصف دائم لصاحبه؟

هنا تبدأ المشكلة التي يناقشها المؤلف.


🔹 متى يتحول الخلاف العلمي إلى «جرح»؟

من أخطر ما يلفت إليه الكتاب أن بعض المسائل التي تحتمل الاجتهاد والخلاف أصبحت تُعامل أحيانًا وكأنها من الثوابت العقدية.

فقد يختلف العلماء في:

🔸 مسألة فقهية.
🔸 هيئة من هيئات العبادة.
🔸 مسألة في اللباس.
🔸 ترتيب الأولويات.
🔸 قضية من قضايا الواقع.
🔸 أو طريقة التعامل مع قضية دعوية.

ثم يتحول الخلاف من:

«هذا اجتهاد أخطأ فيه فلان أو أصاب»

إلى:

«فلان ليس سلفيًا».

ثم لا تتوقف المسألة هنا.

فقد يصبح الوصف وسيلة لإسقاط الرجل كله، والتحذير منه، ورفض كلامه في سائر القضايا.

وهنا يسأل المؤلف:

هل كل خلاف يصلح أن يكون ميزانًا للجرح والتعديل؟


🔹 ليس كل ما اختلف فيه العلماء معيارًا للولاء والبراء

هذه قاعدة مهمة جدًا في الكتاب.

هناك مسائل:

واضحة، ثابتة، مجمع عليها.

وهناك مسائل:

مختلف فيها، ويسوغ فيها الاجتهاد.

والخلط بين النوعين يؤدي إلى نتائج خطيرة.

فالمسألة التي اختلف فيها الفقهاء لا يصح أن تتحول لمجرد اختيار أحد الأقوال فيها إلى:

معيار للسلفية وعدمها.

ولا يجوز أن يصبح من أخذ بقول فقهي معين:

«سلفيًا»

ومن أخذ بالقول الآخر:

«غير سلفي»

لمجرد أن مجموعة من الناس اختارت قولًا دون آخر.


🔹 «ليس سلفيًا»… عبارة أصبحت حكمًا!

من العبارات التي ينتقدها المؤلف بشدة:

«ليس سلفيًا».

فقد أصبحت هذه العبارة ـ بحسب نقده ـ من العبارات التي تستخدم في إسكات المخالف وإخراجه من الدائرة.

لكن السؤال:

ماذا تعني هذه العبارة تحديدًا؟

هل تعني أنه خالف نصًا قطعيًا؟

أم خالف إجماعًا؟

أم خالف اجتهاد عالم؟

أم خالف جماعة معينة؟

أم خالف شيخًا معينًا؟

هذه الأسئلة ضرورية.

لأن الحكم على الشخص بأنه:

«ليس سلفيًا»

إذا لم يكن وراءه معيار واضح، فإنه يتحول إلى حكم فضفاض يمكن استخدامه ضد أي مخالف.


🔹 من «سلفي العقيدة» إلى التصنيف المركب!

ومن الظواهر التي يناقشها المؤلف استعمال أوصاف مركبة من قبيل:

سلفي العقيدة، إخواني.

أو:

سلفي العقيدة، تحريري.

أو:

سلفي العقيدة، سروري.

وهنا تظهر مشكلة أخرى:

إذا كان الرجل يتبع منهج السلف في أصول الاعتقاد، فلماذا يصبح انتماؤه أو اختياره في مجال آخر سببًا لإخراجه من دائرة الانتساب إلى المنهج؟

المؤلف يريد هنا التفريق بين:

منهج الفهم والاستدلال

وبين:

اختيارات العالم أو الداعية في مسائل أخرى.

فلا ينبغي أن تتحول كل اختيارات الشخص إلى جزء من تعريف «منهج السلف».


🔹 هل فقه الواقع مخالف لمنهج السلف؟

ويذكر المؤلف مثالًا لافتًا في هذا السياق، يتعلق بمن يهتم بـ:

«فقه الواقع»

فقد يوصف شخص بأنه:

«سلفي العقيدة، لكنه إخواني»

لمجرد اهتمامه بفقه الواقع أو بقضايا الحياة والمجتمع.

وهنا يطرح المؤلف السؤال:

هل الاهتمام بفقه الواقع خارج عن منهج السلف؟

إذا كان السلف أنفسهم يعيشون واقعهم، ويتفاعلون مع الأحداث، ويعرفون أحوال الناس، ويواجهون الانحرافات التي تظهر في عصرهم، فمن أين جاء القول بأن دراسة الواقع أو الاهتمام به أمر خارج عن المنهج؟

هذه النقطة ستقود المؤلف لاحقًا إلى الحديث عن فقه الواقع وترتيب الأولويات.


🔹 المشكلة في «المعيار»

القضية في النهاية ليست في وجود معيار.

فلا بد من معيار للحكم على الأقوال والأفعال.

ولكن السؤال:

من الذي وضع المعيار؟

وما هو؟

وهل هو:

الكتاب والسنة؟

أم:

إجماع السلف؟

أم:

قول عالم معين؟

أم:

مجموعة اختيارات فقهية؟

أم:

موقف جماعة معاصرة؟

الخلط بين هذه المستويات هو الذي يؤدي إلى المشكلة.

فإذا أصبح اختيار عالم معين هو نفسه:

«منهج السلف»

فإن مخالفة العالم ستصبح مخالفة للسلف!

وهذه نتيجة خطيرة.


🔹 السلف لا يُختزلون في اختيار عالم

المؤلف يؤكد في هذا السياق معنى سبق أن مر معنا:

اختيار العالم ليس هو منهج السلف بالضرورة.

قد يكون العالم مجتهدًا، وله أدلته، وقد يكون قوله هو الراجح عنده.

لكن هذا لا يعني أن مخالفه أصبح مخالفًا للسلف.

وقد يكون قول العالم صحيحًا، لكن لا يعني ذلك أن كل ما قاله يدخل في باب الإجماع.

وهنا يجب التفريق بين:

الإجماع

و

قول العالم

و

اختيار جماعة من العلماء

و

اجتهاد الفرد.

فلكل واحد منها درجته وحكمه.


🔹 «الجرح» يحتاج إلى علم وعدل

ومن أخطر ما يمكن أن يحدث في المجال الدعوي أن يتحول الكلام عن الأشخاص إلى انطباعات شخصية.

فإذا أخطأ داعية في مسألة، قيل:

منحرف.

وإذا خالف شيخًا:

ليس سلفيًا.

وإذا اهتم بقضية لا يهتم بها الآخرون:

عنده خلل في المنهج.

ثم تتراكم الأوصاف حتى يصبح الرجل عند الناس شخصًا لا يُسمع له ولا يُنتفع بعلمه.

وهنا يجب أن نسأل:

هل هذا جرح علمي منضبط؟

أم أنه مجرد تصنيف انفعالي؟

فالفرق بين الأمرين كبير.


🔹 والمفارقة الأكبر!

المؤلف يلفت النظر إلى مفارقة تستحق التأمل:

قد يكون بعض الناس شديد الحساسية تجاه أخطاء الآخرين، فيبحث عن كل صغيرة وكبيرة في كلامهم، ثم يصدر أحكامًا قاسية عليهم.

لكن عندما يكون الخطأ صادرًا عن شخص ينتمي إلى دائرته، تبدأ سلسلة طويلة من التبريرات:

اجتهد.

لم يقصد.

له سابقة.

له فضل.

لعله أخطأ في التعبير.

أما المخالف، فقد يكفيه خطأ واحد حتى يصبح:

«منحرفًا» أو «ليس سلفيًا».

وهنا لا يعود المعيار هو الحق، وإنما يصبح المعيار:

من قال؟ وإلى أي جهة ينتمي؟

وهذا هو الخلل الذي يريد المؤلف كشفه.


🔻 الخلاصة

ليس الاعتراض على نقد الأخطاء.

ولا على التحذير من الانحرافات.

ولا على بيان الخطأ في العقيدة أو الفقه أو المنهج.

وإنما الاعتراض على:

تحويل كل خلاف إلى جرح.

وعلى:

تحويل كل اجتهاد إلى معيار للسلفية.

وعلى:

تحويل أسماء التصنيف إلى أدوات لإسكات المخالف.

فالعدل يقتضي أن نقول:

أخطأ فلان في هذه المسألة.

بدل أن نقول:

فلان كله منحرف.

وأن نقول:

هذا القول ضعيف أو مرجوح.

بدل أن نقول:

صاحب هذا القول ليس من أهل السنة.

وأن نفرّق بين:

نقد القول

و

إسقاط القائل.

وبين:

تصحيح الخطأ

و

تحويل الخطأ إلى هوية دائمة لصاحبه.

فالمنهج العلمي لا يُبنى على التصنيف، وإنما على الدليل والعدل والإنصاف.

وإذا كان الجرح والتعديل علمًا له قواعده، فلا ينبغي أن يتحول في المجال الدعوي إلى سيف مسلط على رقاب المسلمين، يُشهر كلما اختلف شخص مع شيخ أو جماعة أو اختيار فقهي.

📚 مستفاد من مبحث «السلفيون والجرح والتعديل» في كتاب: «السلف والسلفيون: رؤية من الداخل» — إبراهيم العسعس.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق