التوكل على الله لا يعني ترك الأسباب… بين التوكل والتواكل
كثيرًا ما يحدث الالتباس بين التوكل والتواكل، فيظن بعض الناس أن التوكل على الله يعني ترك العمل، أو عدم السعي، أو انتظار الرزق والنتائج من غير بذل للأسباب.
وهذا فهم غير صحيح.
فـالتوكل عبادة قلبية عظيمة، لكنه لا يعني تعطيل الجوارح، ولا ترك الأسباب التي جعلها الله سننًا في هذه الحياة.
بل حقيقة التوكل أن تأخذ بالأسباب المشروعة، وتبذل ما تستطيع من جهد، ثم تجعل اعتماد قلبك على الله وحده.
أما التواكل، فهو أن يترك الإنسان ما يستطيع من أسباب العمل، ثم يسمي عجزه وكسله «توكلًا».
وهنا يظهر الفرق الكبير بين الاثنين.
أولًا: ما التواكل؟
التواكل في اللغة يدور حول معنى العجز وترك الأمر إلى الغير اتكالًا عليه.
أما في الاصطلاح، فهو الركون إلى الكسل والبطالة، وترك السعي والأسباب مع القدرة عليها، بحجة أن الله هو الرازق، وأن الأمور مقدرة ومكتوبة.
وقد يصل التواكل بصاحبه إلى أن ينتظر النتائج دون مقدماتها، ويتمنى الثمار دون أن يزرع، والرزق دون أن يسعى، والنجاح دون أن يعمل.
وكأن المطلوب منه أن ينتظر خرق العادات، وأن ينزل عليه الرزق من غير سبب، بينما الله تعالى قد جعل لهذه الحياة سننًا وأسبابًا.
قال تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾
[الملك: 15]
فالآية جمعت بين المشي في الأرض والعمل والسعي، وبين الإيمان بأن الرزق من الله.
ثانيًا: صور التواكل
يمكن أن يظهر التواكل في صور متعددة، من أبرزها:
1 ـ ترك السعي مع القدرة عليه
يقول صاحبه: «أنا متوكل على الله»، ثم يترك العمل والبحث والكسب، وينتظر أن يأتيه رزقه دون أن يبذل سببًا.
وهذا ليس توكلًا، وإنما تعطيل للأسباب.
وقد نقل الخلال عن الإمام أحمد رحمه الله أنه سئل عن قوم يقولون: «نتوكل على الله ولا نكتسب»، فقال بمعنى كلامه: ينبغي للناس أن يتوكلوا على الله، ولكن يعودوا على أنفسهم بالكسب.
فالتوكل لا يناقض الكسب، بل الكسب المشروع من الأسباب التي أباحها الله وأمر بها.
2 ـ ترك الأسباب ثم سؤال الناس
ومن صور التواكل أن يترك الإنسان العمل الذي يستطيع القيام به، ثم يجعل اعتماده على سؤال الناس واستجدائهم.
وقد ذكر الله تعالى حال بعض أهل الجاهلية الذين كانوا يحجون بلا زاد، ويزعمون أنهم متوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى:
﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾
[البقرة: 197]
فالآية توجه إلى الأخذ بالزاد، وتبين أن التقوى خير الزاد.
وهذا أصل مهم:
التوكل لا يعني ترك ما يحتاج إليه الإنسان من أسباب.
ثالثًا: الفرق بين التوكل والتواكل
يمكن تلخيص الفرق بينهما في نقاط واضحة:
1 ـ التوكل مأمور به… والتواكل ليس كذلك
قال تعالى:
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾
[النمل: 79]
وقال سبحانه:
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾
[الأحزاب: 3]
أما تعطيل الأسباب وترك السعي فلم يأمر الله به، ولا جاءت السنة بالدعوة إليه.
2 ـ التوكل علمٌ وعمل
فالمتوكل يعرف أن الله هو المدبر والرازق، ثم يترجم هذا الإيمان إلى سلوك.
يعمل، ويسعى، ويأخذ بالأسباب، ثم يعتمد على الله.
أما المتواكل فقد يعرف معنى التوكل، لكنه لا يترجمه إلى عمل، فيبقى كلامه عن التوكل مجرد شعار.
3 ـ المتوكل يأخذ بالأسباب… لكنه لا يعتمد عليها
وهذه من أدق المسائل.
فالمتوكل لا يترك السبب، ولكنه أيضًا لا يجعل قلبه متعلقًا بالسبب.
يعمل، ويتعلم، ويزرع، ويتاجر، ويتداوى، ويخطط، ويجتهد، ثم يعلم أن النتائج بيد الله.
فالسبب لا يُترك، ولكن القلب لا يتعلّق به استقلالًا عن الله.
ولهذا قيل في معنى التوكل:
الأخذ بالأسباب بالجوارح، والاعتماد على الله بالقلب.
4 ـ التوكل تفويض… والتواكل إضاعة
التوكل تفويض الأمر إلى الله مع القيام بما يستطيع العبد من أسباب.
أما التواكل فهو أن يترك الإنسان الأسباب التي يقدر عليها، ثم يحتج بالقدر أو بالتوكل لتبرير تركه وعجزه.
والفرق بين الاثنين كبير:
المتوكل يقول: سأبذل ما أستطيع، وأفوّض النتيجة إلى الله.
أما المتواكل فيقول بلسان الحال: لن أفعل شيئًا، وسأنتظر النتيجة.
الأول يعمل ويستعين بالله.
والثاني يعطل العمل ثم يطلب النتائج.
رابعًا: التوكل ثقة بالله… لا غرور بالقدر
من الأخطاء أن يترك الإنسان ما أمره الله به، ثم يزعم أنه واثق بالله.
الثقة بالله لا تعني أن تتخلى عن مسؤوليتك.
فالفلاح يزرع، والتاجر يعمل، والطالب يدرس، والمريض يتداوى، وصاحب المشروع يخطط، ثم الجميع يعلمون أن تحقق النتائج ليس بأيديهم استقلالًا.
ولهذا ضرب ابن القيم رحمه الله مثالًا بالغ الوضوح:
كغارس الشجرة وباذر الأرض.
فهو يفعل ما يستطيع، ثم ينتظر الثمرة من الله.
أما أن يترك الزراعة ويطالب بالثمر، فليس هذا توكلًا، بل تعطيل للسبب.
خامسًا: التوكل لا يعني ضمان النتائج
وهنا نقطة مهمة جدًا:
ليس معنى التوكل أنك إذا أخذت بالأسباب حصلت حتمًا على النتيجة التي تريدها.
فالإنسان مأمور بالسعي، وليس مأمورًا بامتلاك النتائج.
قد تدرس ولا تنجح من أول مرة.
وقد تعمل ولا يفتح لك باب الرزق الذي أردته.
وقد تخطط لأمر ثم تأتي النتائج على خلاف توقعاتك.
وهنا يظهر صدق التوكل.
فالمتوكل لا يقول:
«بما أنني فعلت الأسباب، فلا بد أن يحدث ما أريد».
بل يقول:
«فعلت ما أستطيع، وأسأل الله الخير، وأرضى بما يقدره لي».
سادسًا: من ثمرات التوكل الرضا بالله
من ثمار التوكل أن يطمئن القلب إلى الله.
فالمتوكل يسعى في أسباب الخير، لكنه لا يجعل قلبه أسيرًا للنتيجة.
إن حصل له ما يريد حمد الله، وإن جاءت الأمور على غير ما أراد، علم أن وراء أقدار الله حكمة، وأن العبد لا يعلم الغيب ولا يملك المستقبل.
أما التواكل فقد يجمع بين أمرين متناقضين:
ترك الأسباب في وقت القدرة عليها، ثم التسخط عند عدم حصول النتائج.
فيترك العمل، ثم يغضب من النتائج.
ويترك السعي، ثم يلوم الحياة.
ويعطل الأسباب، ثم يحمّل القدر مسؤولية تقصيره.
سابعًا: المتوكل يعتمد على الله لا على الخلق
من أعظم آثار التوكل أن يتحرر القلب من التعلق بالمخلوقين.
فالمتوكل قد يتعامل مع الناس، ويستفيد من خبراتهم، ويطلب منهم ما يستطيعون تقديمه، لكنه لا يجعل قلبه متعلقًا بهم.
أما المتواكل فقد يترك العمل ثم يصبح معتمدًا على أيدي الناس، يسألهم ويستجديهم، مع قدرته على السعي والكسب.
وهكذا يتحول الخطأ في فهم التوكل إلى اعتماد على الخلق بدل الاعتماد على الخالق.
الخلاصة
التوكل ليس أن تجلس وتنتظر.
وليس أن تترك العمل بحجة أن كل شيء مقدر.
وليس أن تهمل الأسباب ثم تقول: «أنا متوكل على الله».
بل التوكل الحقيقي هو:
أن تعمل بالأسباب، وتبذل جهدك، وتفعل ما تستطيع، ثم تجعل قلبك معلقًا بالله، لا بالسبب.
فـالتوكل عمل الجوارح والقلب معًا:
الجوارح تبذل السبب، والقلب يعتمد على الله.
أما التواكل فهو أن يعطل الإنسان الأسباب، ويستسلم للكسل، ثم يلبس عجزه ثوب التوكل.
ولهذا فليست المشكلة في أن تقول:
«أنا متوكل على الله».
وإنما السؤال الأهم:
هل أخذت بالأسباب التي تستطيعها؟
فإن كنت قد سعيت وبذلت واجتهدت، ثم فوضت أمرك إلى الله، فأنت على طريق التوكل.
أما أن تترك ما تستطيع فعله، ثم تنتظر أن تأتيك النتائج وحدها، فذلك ليس توكلًا…
بل تواكلٌ وتعطيلٌ للأسباب.
اعمل بالأسباب، ولا تعتمد عليها.
وثق بالله، ولا تتكل على عجزك.
وابذل وسعك، ثم فوّض أمرك إلى الله.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق