لا حرج في دين الله
التيسير وسعة الاجتهاد وأدب الاختلاف
إن من محاسن الشريعة الإسلامية أنها شريعة رحمة ويُسر، جاءت لرفع الحرج عن الناس، ومراعاة أحوالهم، وتحقيق مصالحهم في الدنيا والآخرة.
ومن مظاهر هذه الرحمة أن الشريعة لم تجعل جميع مسائلها على درجة واحدة من القطع والوضوح، بل منها ما هو قطعي لا يسوغ الخلاف فيه، ومنها ما كان مجالًا للاجتهاد والنظر، فتنوّعت فيه أنظار العلماء، واختلفت فيه اجتهاداتهم.
وهذا الاختلاف الاجتهادي السائغ ليس عيبًا في الشريعة، ولا نقصًا في كمالها، بل هو من المسائل التي اتسعت فيها أنظار أهل العلم، مع بقاء الجميع ملتزمين بأصل الاحتكام إلى الكتاب والسنة.
أولًا: الشريعة شريعة يُسر ورفع للحرج
لقد جاءت نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية مؤكدةً أن الله تعالى لم يُرد بهذه الأمة العنت والمشقة، وإنما أراد بها اليسر والرحمة.
قال الله تعالى:
﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6].
وقال سبحانه:
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78].
وقال تعالى:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].
وجاءت السنة النبوية مؤكدةً لهذا الأصل العظيم، فقال رسول الله ﷺ:
«يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا».
وقال ﷺ:
«إنما بُعثتم ميسِّرين، ولم تُبعثوا معسِّرين».
وهذه النصوص تؤسس لمنهج شرعي واضح في الدعوة والتعليم والفتوى والتعامل مع الناس؛ منهج يجمع بين الالتزام بأحكام الدين، والرفق بالخلق، ومراعاة أحوال المكلَّفين.
وليس معنى التيسير أن تُعطَّل الأحكام أو تُتجاوز النصوص، وإنما معناه أن يُلتزم بشرع الله على الوجه الذي شرعه، من غير غلوٍّ ولا تنطّع، ولا تحميل للناس ما لم يكلّفهم الله به.
ثانيًا: اختلاف الاجتهادات من سعة الشريعة
لقد وقع الاختلاف في مسائل الاجتهاد بين الصحابة رضي الله عنهم، وهم الذين تلقّوا الوحي، وشهدوا التنزيل، وتعلّموا من رسول الله ﷺ مباشرةً.
وكان منشأ كثير من اختلافهم تفاوتَهم في فهم النصوص، أو في معرفة دلالاتها، أو في الجمع بينها، أو في تنزيلها على الوقائع.
وهذا أمر طبيعي في المسائل التي تحتمل أدلتها أكثر من وجه معتبر في الفهم والاستنباط.
فليست كل مسألة اختلف فيها العلماء مسألةً يجوز فيها الإنكار على المخالف، كما أن مجرد اختلاف الأقوال لا يجعلها جميعًا صحيحة أو سائغة.
وإنما يُنظر في طبيعة المسألة، وقوة الدليل، ووجه الاستدلال، ومدى اعتبار القول عند أهل العلم.
ومن هنا كانت المسائل الاجتهادية ميدانًا للنظر العلمي، والحوار المنضبط، واحترام أهل العلم، بعيدًا عن التعصب والتبديع والتشنيع بغير حق.
فالناس تتفاوت قدراتهم وأحوالهم، وقد يختلف المجتهدون في فهم النصوص مع اتفاقهم على تعظيم الوحي وطلب الحق.
ومن رحمة الله أن جعل في الشريعة أحكامًا ثابتةً لا تتغير، وأحكامًا ترتبط بأسبابها وشروطها وأحوال المكلَّفين، كما جعل مجالًا للاجتهاد في المسائل التي تقبل النظر والاستنباط.
لكن ينبغي التنبه إلى أن سعة الاجتهاد لا تعني أن للمكلَّف أن يختار من الأقوال ما يشاء بلا ضابط؛ بل يُرجع في ذلك إلى العلم والدليل، وإلى أهل الاختصاص، مع مراعاة أحكام التقليد والاجتهاد المعروفة عند الفقهاء.
ثالثًا: لا تتعمّق فيما عفا الله عنه
من مظاهر رحمة الله تعالى بعباده أنه لم يكلّفهم السؤال عن كل شيء، ولم يجعل كل مسكوت عنه بابًا للتشديد والتضييق.
قال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة: 101].
وقد ذكر الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره، عند حديثه عن هذه الآية، ما ورد في النهي عن كثرة السؤال الذي قد يفضي إلى التشديد، وبيّن أن ما سكت عنه الشرع مما عفا الله عنه لا ينبغي أن يُتكلّف السؤال عنه على وجه يفضي إلى التضييق.
ومن ذلك قول النبي ﷺ:
«ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم».
وثبت عنه ﷺ أنه قال:
«إن الله فرض فرائض فلا تضيّعوها، وحدّ حدودًا فلا تعتدوها، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمةً لكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها».
والمقصود ليس النهي عن السؤال النافع، أو طلب العلم، أو الاستفسار عما يحتاج إليه المسلم في عبادته ومعاملاته؛ فهذه أمور مشروعة، بل قد تجب عند الحاجة.
وإنما المقصود التحذير من السؤال المتكلَّف، والتعمّق الذي لا تقتضيه حاجة، أو الذي يُفضي إلى إيجاد تضييق لم يأت به الشرع.
ومن الأمثلة التي ذكرها القرآن الكريم قصة بني إسرائيل حين أُمروا بذبح بقرة، فبدل أن يمتثلوا الأمر بادروا إلى كثرة الأسئلة والتشديد على أنفسهم، حتى ضُيّق عليهم في وصف البقرة.
والعبرة هنا أن المسلم لا ينبغي أن يحوّل سعة الشريعة إلى سلسلة من القيود التي لم يفرضها الله، ولا أن يجعل الاحتياط الموهوم سببًا للتنطع والمشقة.
رابعًا: السعة في قراءة القرآن الكريم
ومن الشواهد العظيمة على التيسير ما ثبت في السنة من نزول القرآن على سبعة أحرف.
فقد أخرج البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع هشام بن حكيم رضي الله عنه يقرأ سورة الفرقان على وجه لم يكن قد سمعه من قبل، فذهب به إلى رسول الله ﷺ.
فاستمع النبي ﷺ إلى قراءة هشام، ثم إلى قراءة عمر، وأقرّهما، وقال:
«كذلك أُنزلت».
ثم بيّن ﷺ أن القرآن أُنزل على سبعة أحرف.
وفي هذا الحديث دلالة على أن ما أذن به الله تعالى من أوجه القراءة ليس موجبًا للتنازع أو الإنكار، متى ثبت الوجه وصحّ نقله.
وقد شرح الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله هذا الحديث في فتح الباري، وذكر الروايات الواردة في اختلاف الصحابة في القراءة، وإقرار النبي ﷺ لما صحّ منها.
وهذا أصل مهم في فهم الاختلاف المنضبط: فليس كل ما خالف ما اعتاده المرء من قول أو قراءة أو فهم يكون خطأً؛ بل لا بد من الرجوع إلى الدليل ومعرفة ما ثبت وما لم يثبت.
ومع ذلك، فإن مسألة الأحرف السبعة من المسائل التي توسّع العلماء في تفسيرها، فلا يصح اختزالها في دعوى أن كل اختلاف في القراءة مقبول، أو أن كل وجه يختاره القارئ جائز.
خامسًا: اختلاف الصحابة في بني قريظة… درس في أدب الاجتهاد
من أشهر الوقائع التي يستدل بها العلماء على اعتبار الاجتهاد، وعدم تعنيف المجتهد الذي بذل وسعه، ما رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما:
أن النبي ﷺ قال يوم الأحزاب:
«لا يصلينّ أحد العصر إلا في بني قريظة».
فأدرك بعض الصحابة وقت العصر في الطريق، فقال فريق منهم: لا نصلي حتى نأتي بني قريظة، أخذًا بظاهر الأمر.
وقال آخرون: بل نصلي، لأن المقصود هو الحث على الإسراع، لا إخراج الصلاة عن وقتها.
فلما ذُكر ذلك للنبي ﷺ لم يعنّف واحدًا منهم.
وقد استنبط العلماء من هذه الواقعة فوائد مهمة، منها:
أن النص الشرعي قد يقع الاختلاف في فهم المراد منه.
أن الاجتهاد قد يختلف باختلاف وجه الاستدلال.
أن المخالف في المسائل الاجتهادية لا يُشنّع عليه لمجرد مخالفته.
أن بذل الوسع في فهم النص له اعتباره، وإن لم يكن كل مجتهد مصيبًا في حكم الله في نفس الأمر.
وقد نقل الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري كلام أهل العلم في هذه المسألة، وذكر استدلال الجمهور بالحديث على عدم تأثيم من اجتهد وبذل وسعه، وأن النبي ﷺ لم يعنّف إحدى الطائفتين.
وهنا ينبغي التفريق بين أمرين: أن يكون المجتهد معذورًا في اجتهاده، وأن يكون قوله هو الصواب في نفس الأمر؛ فليس الأمران متلازمين عند جمهور الأصوليين.
وهذا التفريق مهم؛ لأنه يحفظ مكانة الاجتهاد، من غير أن يجعل جميع الأقوال المتعارضة حقًّا في آن واحد.
سادسًا: الخلاف الفقهي لا يبرر التعصب والتبديع
إذا كان الاختلاف قد وقع بين الصحابة رضي الله عنهم، وأقرّ النبي ﷺ بعض صور الاجتهاد فيه، فإن من الخطأ أن تتحول المسائل الفقهية التي يسوغ فيها الخلاف إلى أسباب للتنازع والتباغض والتشنيع.
وليس من المنهج العلمي أن يُجعل كل مخالف في مسألة فرعية مبتدعًا، أو متساهلًا، أو متبعًا للهوى، لمجرد أنه أخذ بقول فقهي معتبر.
كما لا يصح في المقابل أن يُتخذ شعار التيسير ذريعةً إلى رد النصوص الثابتة، أو التساهل في المحرمات، أو تتبع الأقوال الشاذة والرخص من غير ضابط.
فالمنهج الصحيح يقوم على أمرين متلازمين: تعظيم الدليل الشرعي، وحسن التعامل مع من خالفنا في المسائل التي تحتمل الاجتهاد.
ومن حق طالب العلم أن يناقش القول، ويبيّن ما يراه راجحًا، ويستدل لما ذهب إليه؛ لكن ينبغي أن يكون ذلك بالعلم والإنصاف، لا بالتشهير والاتهام، ولا بتحويل الخلاف الفقهي إلى خصومة شخصية.
فكم من مسألة اختلف فيها الأئمة، ولكل منهم دليله ووجه استنباطه، ثم جاء بعض المتأخرين فحوّلها إلى معيار للولاء والبراء، أو سبب للطعن في المخالف!
وهذا مسلك يحتاج إلى مراجعة؛ إذ ليس كل خلاف بدعة، وليس كل خطأ موجبًا للإثم، وليس كل قول مرجوح دليلًا على فساد قصد صاحبه.
الخلاصة: التيسير التزام بالشرع، لا خروج عليه
إن الدين الذي أنزله الله تعالى هو دين اليسر والرحمة، وقد جاءت نصوصه برفع الحرج عن المكلّفين، ودلّت السنة على الرفق بهم، كما كشفت وقائع الصحابة عن سعة الاجتهاد في مواضعه.
ومن ثمرات فهم هذا الأصل أن نعرف الفرق بين القطعي والاجتهادي، وبين الخطأ الذي يُعذر صاحبه فيه والخطأ الذي لا يُعذر، وبين التيسير المشروع والتساهل المذموم.
فلا نضيّق ما وسّعه الله، ولا نوسّع ما ضيّقه الله، ولا نجعل مسائل الاجتهاد ميدانًا للتعصب والتبديع والتنازع.
بل نزن الأقوال بميزان الدليل، ونحفظ لأهل العلم قدرهم، ونتعامل مع المخالف بالعدل والإنصاف، مستحضرين قول الله تعالى:
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.
وقول النبي ﷺ:
«يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا».
فالشريعة قائمة على الوحي، والاجتهاد خادم لفهمه، والرحمة والرفق من هديها، والإنصاف مع المخالف من أخلاق أهل العلم.
نسأل الله تعالى أن يفقّهنا في دينه، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجنبنا الغلوّ والتقصير، والتعصب والهوى، وأن يجعلنا من أهل الحق والعدل والإنصاف.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق