السبت، 26 سبتمبر 2026

🌿 «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ»… هكذا كان رسول الله ﷺ

 

🌿 «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ»… هكذا كان رسول الله ﷺ

لم يكن رسول الله ﷺ معلّمًا للناس الأحكام فحسب، بل كان رحمةً تمشي بينهم، وقدوةً في الرفق واللين وحسن التعامل.

قال الله تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾
[الأنبياء: 107]

وقال ﷺ عن نفسه:

«إنما أنا رحمةٌ مهداة».

فالرحمة ليست صفةً عارضة في سيرته ﷺ، وإنما هي جزء أصيل من منهجه في التعليم والدعوة والتعامل مع الناس.


🌿 «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ»

قال الله تعالى:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾
[آل عمران: 159]

يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية، مبينًا أثر الرحمة في شخصية النبي ﷺ:

«فبما رحمة من الله لنت لهم...»

ثم يبين أن المقصود بالفظاظة هنا غلظة الكلام وقسوة القلب، وأنه لو كان ﷺ سيئ الكلام قاسي القلب لتفرق الناس من حوله، ولكن الله جمع القلوب عليه، وألان جانبه لهم تأليفًا لقلوبهم.

وهذا يبين لنا أن اللين ليس ضعفًا، والرحمة ليست تهاونًا، وحسن الخلق ليس تنازلًا عن الحق.

بل قد يكون الرفق هو الطريق الأقرب إلى إيصال الحق إلى القلوب.


🌿 «ليس بفظ ولا غليظ»

ومن جميل ما ورد في وصف النبي ﷺ ما ذكره عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما من صفته في الكتب المتقدمة:

«ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح».

فهذا هو النموذج النبوي الذي ينبغي أن نتأمله حين نتحدث عن الدعوة والتعليم والنصح وتصحيح الأخطاء.

فليس المقصود أن نسكت عن الخطأ، ولا أن نترك بيان الحق، وإنما المقصود أن نفرّق بين بيان الحق وبين طريقة بيانه، وبين تصحيح الخطأ وبين تعنيف المخطئ.


🌿 «فلم يُعنِّف»

ومن المواقف الدالة على هذا المنهج ما وقع لعمرو بن العاص رضي الله عنه.

فقد ذكر البخاري رحمه الله أن عمرو بن العاص أجنب في ليلة شديدة البرد، فتيمم، ثم صلى بأصحابه، فلما ذُكر ذلك للنبي ﷺ لم يعنّفه.

وقد روى أبو داود والحاكم القصة بلفظ أن عمرو رضي الله عنه قال للنبي ﷺ إنه خشي على نفسه من الاغتسال، واحتج بقوله تعالى:

﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾

قال:

«فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا».

والشاهد هنا ليس مجرد الحكم الفقهي في التيمم، وإنما طريقة النبي ﷺ في التعامل مع اجتهاد صاحبه؛ فلم يكن منهجُه التعنيفَ والتشهيرَ والتقريعَ لمجرد وقوع المخالف في اجتهاد رآه سائغًا.


🌿 وفي الحج: «لا حرج… لا حرج»

وتظهر الرحمة النبوية بصورة أوضح في حجة الوداع.

فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يسألون النبي ﷺ عن تقديم بعض أعمال الحج وتأخير بعضها، فيجيبهم:

«لا حرج».

سُئل ﷺ عمن حلق قبل أن يذبح فقال:

«لا حرج».

وقال له رجل:

زرتُ قبل أن أرمي.

فقال:

«لا حرج».

وقال آخر:

حلقت قبل أن أذبح.

فقال:

«لا حرج».

وقال آخر:

ذبحت قبل أن أرمي.

فقال:

«لا حرج».

وهكذا تكرر الجواب النبوي:

«لا حرج»… «لا حرج»… «لا حرج».

وليس معنى ذلك أن النبي ﷺ كان يلغي الأحكام أو لا يهتم بترتيب العبادات، وإنما يدل على أن ليس كل مخالفة في الترتيب تستوجب التشديد والتعنيف، وأن معرفة مواضع الحرج ومواضع السعة جزء من الفقه.


🌿 ليس كل خلافٍ تشددًا… وليس كل اختلافٍ إنكارًا

وهنا نصل إلى قضية مهمة.

ينبغي للمسلم أن يحرص على دينه، وأن يتعلم أحكام عباداته، وأن يعظم ما ثبت بدليل قطعي واضح، ولا يجعل شعار «التيسير» ذريعةً للتفلت من الأحكام.

لكن في المقابل، فإن المسائل الاجتهادية التي اختلف فيها أهل العلم، وتعددت فيها أقوال الفقهاء، وكان لكل قول دليله ومستنده، لا ينبغي أن تتحول إلى ساحة للتبديع والتفسيق والتعنيف والتشديد على الناس.

فإذا اختلف أئمة العلم في مسألة، فليس من الحكمة أن نجعل أحد الأقوال وكأنه لا يحتمل غيره، ثم نعامل المخالف وكأنه خالف أصل الدين.

بل من أدب العلم أن نعرف:

متى يكون الأمر قطعيًا؟
ومتى يكون اجتهاديًا؟
ومتى يكون الإنكار واجبًا؟
ومتى يكون الخلاف سائغًا؟
ومتى يكون التيسير هو الموافق لمقصد الشريعة؟


🌿 «فليسعنا ما وسعهم»

إن من أعظم ما نحتاج إليه اليوم أن نتعلم فقه الخلاف كما تعلمناه فقه الأحكام.

فليس كل من خالفنا في مسألة اجتهادية جاهلًا، ولا كل من أخذ بقول فقهي آخر متساهلًا، ولا كل اختلاف دليلًا على فساد القصد أو سوء الاتباع.

لقد اختلف الصحابة رضي الله عنهم في مسائل كثيرة، واختلف الأئمة من بعدهم، ومع ذلك بقي بينهم قدر عظيم من الأدب، وحسن الظن، ومعرفة فضل المخالف، والتمييز بين القطعي والاجتهادي.

ولهذا ينبغي أن تكون القاعدة:

ما كان من القطعيات فنعظّمه ونحافظ عليه، وما كان من مسائل الاجتهاد والخلاف السائغ، فلنُحسن التعامل معه، ولنسع الناس فيه بما وسع أهل العلم من قبلنا.

فالرحمة لا تعني ترك الحق،
واللين لا يعني إلغاء الأحكام،
والتيسير لا يعني التسيب،
كما أن التشدد لا يعني مزيدًا من التقوى.

وإنما الفقه الحقيقي أن تضع كل مسألة في موضعها، وأن تعرف متى تشدد الشريعة، ومتى تفتح باب السعة، وأن تقتدي برسول الله ﷺ في جمعه بين الحق والرحمة، وبين العلم وحسن الخلق.

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾

فإذا كان هذا خطاب الله لنبيه ﷺ، أفلا يكون لنا فيه أعظم درس في الدعوة والتعليم والخلاف؟ 🌿

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق