الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

عثمان رضي الله عنه أحدث أذانًا لم يفعله النبي ﷺ… فهل كل محدثة بدعة محرمة؟ وهل كل تركٍ نبوي دليلٌ على التحريم؟!

عثمان رضي الله عنه أحدث أذانًا لم يفعله النبي ﷺ… فهل كل محدثة بدعة محرمة؟ وهل كل تركٍ نبوي دليلٌ على التحريم؟!

من القواعد التي يكثر الاستدلال بها في مسائل المحدثات قولهم:

«لم يفعله النبي ﷺ»، ثم يُبنى على ذلك مباشرةً:

«إذن هو بدعة محرمة»!

لكن هل هذه القاعدة بهذه الصورة صحيحة على إطلاقها؟

لننظر إلى واقعة ثابتة في السنة، تتعلق بأذان الجمعة الذي لم يكن موجودًا في عهد رسول الله ﷺ، ولا في عهد أبي بكر ولا عمر رضي الله عنهما، وإنما أحدثه عثمان رضي الله عنه.

وهنا تبدأ المسألة التي تستحق التأمل.


🔹 ماذا أحدث عثمان رضي الله عنه؟

روى البخاري عن السائب بن يزيد رضي الله عنه:

«إن الأذان يوم الجمعة كان أوله حين يجلس الإمام يوم الجمعة على المنبر، في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما كان في خلافة عثمان رضي الله عنه وكثروا، أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث، فأُذِّن به على الزوراء، فثبت الأمر على ذلك».

وفي رواية:

«فأمر عثمان بالأذان الأول».

إذن المسألة واضحة:

هذا الأذان لم يكن في عهد النبي ﷺ، وإنما أحدثه عثمان رضي الله عنه عندما كثر الناس.

فلو كان مجرد عدم فعل النبي ﷺ للفعل كافيًا للحكم عليه بالتحريم، لكانت هذه الواقعة من أوضح الأمثلة التي تحتاج إلى تفسير.


🔸 ولكن لماذا أحدثه عثمان؟

لم يُحدث عثمان رضي الله عنه هذا الأذان عبثًا، وإنما كان هناك سبب ومصلحة.

فقد كثر الناس واتسعت المدينة، فاحتاج المسلمون إلى وسيلة إضافية تُعلمهم بقرب وقت الجمعة، وتدعوهم إلى الاستعداد لها وترك البيع والتوجه إلى المسجد.

ولهذا قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله:

«وتبين بما مضى أن عثمان أحدثه لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة قياسًا على بقية الصلوات، فألحق الجمعة بها وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب، وفيه استنباط معنى من الأصل لا يبطله».

وهذه العبارة جديرة بالتأمل:

«استنباط معنى من الأصل لا يبطله».

أي أن عثمان رضي الله عنه لم ينشئ مقصدًا دينيًا منقطعًا عن الشريعة، وإنما استنبط وسيلة تحقق مقصدًا شرعيًا قائمًا.


🔹 وهل عثمان هو أول من فعل ذلك؟

قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله:

«وأما الأذان الأول يوم الجمعة فلا أعلم خلافًا أن عثمان أول من فعل ذلك وأمر به».

فالأمر إذن ليس مجرد احتمال تاريخي، وإنما هو أمر معروف عند أهل العلم.

بل قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله في شرح حديث البخاري:

«فثبت الأمر على ذلك» يدل على أن هذا من حين حدده عثمان استمر، ولم يترك بعده.

ثم أشار إلى أن عليًا رضي الله عنه أقر عليه، فقال:

«فقد اجتمع على فعله خليفتان من الخلفاء الراشدين».


🔸 لكن ابن عمر رضي الله عنهما سماه «بدعة»!

وهنا تظهر نقطة مهمة جدًا.

روى ابن أبي شيبة عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال:

«الأذان الأول يوم الجمعة: بدعة».

فكيف يجتمع هذا مع ثبوت فعل عثمان واستمرار العمل به؟

بيّن الحافظ ابن حجر ذلك فقال:

«فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الإنكار، ويحتمل أنه يريد أنه لم يكن في زمن النبي ﷺ، وكل ما لم يكن في زمنه يسمى: بدعة، لكن منها ما يكون حسنًا، ومنها ما يكون بخلاف ذلك».

وهذا يبين أن لفظ البدعة قد يُستعمل بمعنى أوسع من البدعة المحرمة المذمومة.

فمجرد وصف الشيء بأنه «محدث» أو «بدعة» باعتبار أنه لم يكن موجودًا في العهد النبوي، لا يكفي وحده لإثبات أنه حرام أو ضلالة.

بل لا بد من النظر في:

أصله، ومقصده، ووسيلته، وموافقته لأصول الشريعة أو مخالفته لها.


🔹 أذان عثمان لم يكن عبادة مستقلة جديدة

وهذه نقطة مهمة في تحرير المسألة.

لم يقل عثمان رضي الله عنه للناس:

«لقد شرع النبي ﷺ أذانًا جديدًا للجمعة».

بل أحدث وسيلة لتحقيق غرض شرعي معروف:

إعلام الناس واستعدادهم للصلاة.

ولهذا ذكر العلماء أن الزيادة كانت مرتبطة بالحاجة، لا بتغيير أصل صلاة الجمعة.

قال الماوردي رحمه الله:

«فأما الأذان الأول فمحدث، فعله عثمان بن عفان ليتأهب الناس لحضور الخطبة عند اتساع المدينة وكثرة أهلها».

وقال القرطبي رحمه الله إن عثمان زاد النداء حين كثر الناس بالمدينة حتى إذا سمعوه أقبلوا.

إذن:

المحدث هنا وسيلة لتحقيق مقصد شرعي، وليس تشريع عبادة مستقلة بلا أصل.


🔸 وهنا نصل إلى القضية الأهم: هل كل تركٍ نبوي دليلٌ على التحريم؟

النبي ﷺ لم يزد هذا الأذان.

هذه حقيقة لا خلاف فيها.

لكن عثمان رضي الله عنه زاده.

فماذا نستفيد من ذلك؟

نستفيد أن مجرد الترك النبوي لا يكفي وحده لإثبات التحريم.

فالترك قد يكون لأسباب متعددة، منها:

🔹 عدم وجود الحاجة إلى الفعل في ذلك الوقت.

🔹 وجود مانع أو تغير في الظروف.

🔹 أن الفعل وسيلة لتحقيق مقصد شرعي، وتتغير الحاجة إلى الوسيلة بتغير الأحوال.

🔹 أو أن النبي ﷺ ترك الفعل دون أن يدل ذلك بمجرده على تحريمه.

ولهذا لا يصح أن تتحول قاعدة:

«لم يفعله النبي ﷺ»

إلى قاعدة أخرى ملازمة لها:

«إذن هو حرام».

فالانتقال من الأولى إلى الثانية يحتاج إلى دليل مستقل.


🔹 وماذا عن كلام الشيخ الألباني؟

هنا تأتي فائدة مهمة في تحرير المسألة.

فالشيخ الألباني رحمه الله لا ينكر أن عثمان رضي الله عنه زاد الأذان، وإنما يناقش الاقتداء بفعل عثمان على الإطلاق دون النظر إلى علته.

وقد قال في الأجوبة النافعة ما خلاصته أن عثمان رضي الله عنه إنما زاد الأذان لعلة معقولة، وهي كثرة الناس وتباعد منازلهم، وأن من صرف النظر عن هذه العلة وتمسك بفعل عثمان مطلقًا لا يكون مقتديًا به على الوجه الصحيح.

إذن حتى في هذا الاتجاه من النظر، لا تُلغى الواقعة ولا يُنكر أصل فعل عثمان، وإنما يقع البحث في مدى ارتباط الحكم بعلته وسببه.

وهذا يؤكد أن المسألة أعمق من مجرد:

«هل فعله النبي ﷺ أم لم يفعله؟»

بل السؤال العلمي هو:

ما طبيعة الفعل؟ وما أصله؟ وما علته؟ وما مقصده؟ وهل هو عبادة مستقلة أم وسيلة لتحقيق مقصد شرعي؟


🔸 الخلاصة

قصة أذان الجمعة الذي أحدثه عثمان رضي الله عنه تعلمنا أمرًا مهمًا في باب السنة والبدعة:

ليس كل ما لم يفعله النبي ﷺ يكون حرامًا لمجرد أنه لم يفعله.

وفي الوقت نفسه، لا يصح أن نجعل قصة عثمان رضي الله عنه ذريعة للقول بأن كل محدث في الدين مشروع.

فالميزان أدق من ذلك:

المحدثات ليست درجة واحدة.

منها ما يكون له أصل شرعي ومقصد معتبر، ومنها ما يكون مخالفًا لأصول الشريعة أو قائمًا على اعتقاد تشريعي لا دليل عليه.

ولهذا فإن الحكم على أي فعل بأنه بدعة محرمة لا ينبغي أن يُبنى على مجرد السؤال:

«هل فعله النبي ﷺ؟»

بل لا بد أن يُنظر أيضًا:

هل له أصل في الشريعة؟

هل هو عبادة مستقلة أم وسيلة؟

ما المقصد الذي يحققه؟

هل توجد قرينة على التحريم؟

وهل خالف نصًا أو أصلًا شرعيًا ثابتًا؟

وهنا تتضح قيمة قول الحافظ ابن حجر في فعل عثمان رضي الله عنه:

«وفيه استنباط معنى من الأصل لا يبطله».

فليس كل ما لم يفعله النبي ﷺ حرامًا.

وليس كل ما أُحدث بعده بدعةً مذمومة.

وإنما العبرة — قبل إطلاق الأحكام — بفهم النصوص، ومعرفة الأصول، وتمييز العبادة عن الوسيلة، والنظر في المقاصد والعلل.

البدعة_المحمودة

#البدعة
#الترك_النبوي
#أذان_الجمعة
#عثمان_بن_عفان
#السنة_والبدعة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق