ليس كل ما قيل عنه «عقيدة السلف» هو قولٌ اتفق عليه السلف!
وقفة مع ظاهرة احتكار «مذهب السلف» في مسائل العقيدة
من أكثر العبارات تردادًا في النقاشات العقدية المعاصرة:
«هذا هو مذهب السلف»
«هذه عقيدة السلف»
«هذا ما عليه السلف الصالح»
ولا حرج في الاستدلال بأقوال السلف والاستفادة من تراثهم؛ فالسلف الصالح لهم مكانتهم، وعلمهم، وفضلهم.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه العبارة من نسبة قولٍ إلى بعض السلف إلى دعوى أن جميع السلف كانوا على قول واحد في كل مسألة عقدية، ثم يُجعل كل مخالف لذلك القول مخالفًا للسلف، أو مبتدعًا، أو منحرفًا عن منهجهم.
وهنا ينبغي أن نتوقف قليلًا:
هل كان السلف الصالح فعلًا على رأي واحد في جميع مسائل العقيدة؟
الجواب الذي تكشفه صفحات التاريخ العقدي ليس بهذه البساطة.
فالكتاب الذي بين أيدينا يقرر أن هناك أصولًا عقدية كبرى لا خلاف فيها، لكن توجد إلى جانبها فروع ومسائل وقع فيها الخلاف بين السلف أنفسهم.
وهذا التفريق مهم جدًا؛ لأن الخلط بين الأصول المتفق عليها والمسائل المختلف فيها يؤدي إلى نتائج خطيرة، من أهمها تحويل الاجتهادات إلى عقائد قطعية، ثم محاكمة المسلمين إليها.
السلف لم يكونوا نسخة واحدة
من يتتبع كتب العقيدة والتراجم يجد أن العلماء الأوائل لم يكونوا جميعًا على رأي واحد في كل التفاصيل.
بل وقع بينهم الاختلاف في مسائل عقدية متعددة.
والكتاب يعرض عددًا من الأمثلة لهذا الاختلاف، لا ليقول إن السلف لم تكن لهم عقيدة، ولا ليهدم مكانتهم، وإنما ليقرر حقيقة مهمة:
ليس من الإنصاف أن نختار قولًا لأحد العلماء، ثم نقول: هذا هو قول السلف، وكأن جميع السلف قد اتفقوا عليه.
فالخلاف بين العلماء شيء، والخلاف في أصول الإسلام الكبرى شيء آخر.
وقد يكون القول قويًا أو ضعيفًا، وقد يكون أحد الأقوال أرجح من غيره، لكن مجرد وجود الخلاف بين أئمة معتبرين يجعل من الخطأ تصوير المسألة وكأنها لم تعرف إلا قولًا واحدًا قط.
مثال أول: مسألة اللفظ بالقرآن
يعرض الكتاب مسألة من أشهر مسائل العقيدة التي وقع فيها خلاف بين العلماء، وهي قضية:
هل لفظ القارئ بالقرآن مخلوق أم غير مخلوق؟
وهذه المسألة وحدها تكشف لنا أن التاريخ العقدي لم يكن بالصورة التي يصورها البعض أحيانًا: إمام واحد يتكلم، وجميع علماء السلف يرددون قوله بلا اختلاف.
فالكتاب ينقل عن عدد من العلماء مواقف مختلفة في هذه القضية، ويعرض كلام أئمة كبار فيها، ثم يطرح سؤالًا مهمًا:
إذا اختلف هؤلاء الأئمة في التعبير عن هذه المسألة، فهل يصح أن نختار قولًا منهم ثم ننسبه إلى جميع السلف؟
وهنا تظهر ضرورة التفريق بين:
القرآن كلام الله تعالى،
وبين الكلام عن أفعال العباد وأصواتهم وحركاتهم عند التلاوة.
وهذه الدقة هي التي جعلت المسألة موضع نقاش طويل بين أهل العلم.
فليس من الصواب أن نأخذ عنوانًا مجملًا ونبني عليه أحكامًا ضخمة، دون أن نفهم حقيقة المصطلح الذي اختلف فيه العلماء.
مثال ثانٍ: الاختلاف في مسائل الصفات
ومن أكثر الأبواب التي يكشف فيها الكتاب عن تنوع مناهج العلماء:
باب أسماء الله وصفاته.
فقد وجد عند العلماء من يثبت النصوص مع نفي التشبيه والتكييف، ووجد من يتكلم في بعض النصوص بتأويلها وفق دلالة اللغة والسياق والقرائن.
ويعرض الكتاب نماذج من ذلك، ومنها تفسير بعض السلف لقوله تعالى:
﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾
بما يدل على العلو، ونقله عن مجاهد وغيره.
كما يورد أمثلة أخرى يرى المؤلف أنها تدل على وجود التأويل عند بعض المتقدمين، ومنها تفسير قوله تعالى:
﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾
بمعنى القوة، وينقل ذلك عن عدد من المفسرين من السلف.
وهنا لا بد من الانتباه إلى أمر بالغ الأهمية:
ليس المقصود من إثبات وجود التأويل عند بعض السلف إلغاء منهج الإثبات، ولا المقصود من إثبات منهج الإثبات إلغاء كل قول آخر.
وإنما المقصود أن التاريخ العلمي أكثر تنوعًا مما تصوره بعض الخطابات المعاصرة.
مثال ثالث: الميزان يوم القيامة
ومن الأمثلة التي يذكرها الكتاب كذلك:
مسألة الميزان يوم القيامة.
فالكتاب ينقل عن أبي حيان أن العلماء اختلفوا:
- فمنهم من قال إن الميزان حقيقة.
- ومنهم من حمله على التمثيل للعدل والقسط.
وينقل أن هذا القول الثاني نُسب إلى مجاهد وقتادة والضحاك.
ومهما كان الترجيح في هذه المسألة، فإن المثال يكشف قضية منهجية مهمة:
إذا ثبت اختلاف العلماء في تفسير مسألة عقدية، فلا يصح أن نتعامل مع المسألة وكأنها لم تعرف إلا رأيًا واحدًا، ثم نجعل مخالفة هذا الرأي خروجًا عن «عقيدة السلف».
ومثال آخر: تفضيل بعض الصحابة
ويورد الكتاب مثالًا آخر يتعلق بمسألة المفاضلة بين الصحابة.
فينقل اختلافًا في الموقف من تقديم علي رضي الله عنه في الفضل، ويبين أن بعض السلف كان له موقف، بينما كان لبعضهم موقف آخر أشد في هذه القضية.
والمقصود هنا ـ كما يوضح الكتاب ـ ليس الدخول في معركة حول من هو الأفضل، وإنما إظهار أن السلف أنفسهم لم يكونوا دائمًا على رأي واحد في كل مسألة.
وهذا درس مهم جدًا:
وجود الاختلاف بين العلماء لا يعني بالضرورة أن أحد الطرفين خارج عن الإسلام، ولا يعني أن أحدهما لا ينتسب إلى السلف.
وحتى داخل المدرسة السلفية وقع الاختلاف
وهذه نقطة أكثر أهمية.
فالكتاب لا يقف عند اختلاف السلف المتقدمين، بل ينتقل إلى المنتسبين إلى المدرسة السلفية في العصور المتأخرة، ويذكر أن الاختلاف وقع بينهم أيضًا.
ويضرب مثالًا بالشيخ الألباني، الذي ينتسب إلى المدرسة السلفية، وأنه خالف ابن تيمية في بعض المسائل العقدية.
وهنا يبرز السؤال:
إذا كان عالمان كبيران ينتسبان إلى المدرسة السلفية قد اختلفا في بعض مسائل العقيدة، فكيف يصح أن يقال في كل مسألة:
«هذا هو قول السلف، ومن خالفه فقد خالف السلف»؟
الأدق أن نقول:
هذا قولٌ قال به بعض السلف.
أو:
هذا أحد الأقوال المنقولة عن أهل العلم.
ثم نناقش الأدلة، وننظر في الترجيح، دون أن نحول المسألة الاجتهادية إلى معيار لإخراج المخالف من دائرة السنة.
الخطأ ليس في الاستدلال بالسلف… بل في احتكار السلف
ليس المقصود أن نرفض أقوال السلف.
وليس المقصود أن نقول إن جميع الأقوال صحيحة.
وليس المقصود أن نساوي بين الحق والباطل.
وإنما المقصود شيء أكثر دقة:
أن نعرف ما اتفقوا عليه، وما اختلفوا فيه.
فإذا كانت المسألة من الأصول المتفق عليها، فلا يجوز أن نحولها إلى مسألة اجتهادية.
وإذا كانت المسألة مما وقع فيه الخلاف بين العلماء، فلا يجوز أن نقدم قولًا واحدًا على أنه الإجماع المطلق للسلف.
فالإنصاف العلمي يقتضي أن نفرق بين:
قول السلف
و
أقوال السلف
فالأول قد يوهم الاتفاق، أما الثاني فيترك الباب مفتوحًا أمام الحقيقة التاريخية: أن العلماء قد يختلفون، مع بقاء انتسابهم إلى أهل السنة والسلف الصالح.
لماذا هذه القضية مهمة اليوم؟
لأن بعض الخلافات المعاصرة لم تعد تناقش الأدلة فقط، وإنما أصبحت تستخدم عبارات مثل:
«أنت خالفت السلف.»
«هذا ليس من عقيدة أهل السنة.»
«هذا ليس منهج السلف.»
ثم ينتهي النقاش قبل أن يبدأ!
لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو:
أيُّ سلف تقصد؟
وأيُّ قول تقصد؟
وهل ثبت اتفاق السلف عليه؟
أم أنه قول بعضهم، ثم نُسب إلى الجميع؟
هذه الأسئلة ليست تشكيكًا في السلف، بل هي احترام للسلف ومنهجهم العلمي.
فلا يجوز أن ننسب إلى أئمة الأمة ما لم يقولوه، ولا أن نجعل اختلافاتهم التاريخية وكأنها اتفاق لم يقع.
الخلاصة
السلف الصالح ليسوا شعارًا نرفعه لإسكات المخالف.
والانتساب إلى السلف لا يعني أن كل مسألة عقدية لها قول واحد لا يحتمل غيره.
بل الواجب أن نعرف:
ما اتفق عليه السلف.
وما اختلفوا فيه.
وما صح من النقول عنهم.
وما هو اجتهاد لبعضهم.
ثم بعد ذلك نرجح بالدليل، ونحترم العلماء، ولا نحول الخلاف العلمي إلى معركة لإقصاء المسلمين.
فليس كل من خالفك قد خالف السلف.
وليس كل قول نسبته إلى السلف قد قال به جميع السلف.
والعبارة الأعدل والأدق هي:
«هذا قولٌ قال به بعض أهل العلم، وهذه أدلته، وهذه وجوه ترجيحه.»
أما أن نجعل اجتهاد عالم واحد هو «عقيدة السلف جميعًا»، ثم نجعل مخالفته خروجًا عن السنة، فذلك يحتاج إلى دليل أقوى من مجرد التكرار.
فالسلفية الحقيقية لا تكون باحتكار اسم السلف، وإنما بفهم تراثهم بأمانة وإنصاف.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق